السعودية تستعد لعالم ما بعد «كورونا»

السعودية تستعد لعالم ما بعد «كورونا»
TT

السعودية تستعد لعالم ما بعد «كورونا»

السعودية تستعد لعالم ما بعد «كورونا»

من ناحية نفطية بحتة، كانت أسعار النفط أول ضحايا جائحة كورونا، إذ فقدت أسعار برنت أكثر من نصف قيمتها منذ اندلاع الوباء حتى هذه اللحظة.
أما الضحية الثانية فهي اتفاق خفض الإنتاج من قبل تحالف أوبك+ والذي سينتهي بنهاية شهر مارس (آذار) الجاري، وكان من المفترض تمديده لأشهر إضافية أو حتى لنهاية العام ولكن الخلاف بين روسيا والسعودية حول كمية التخفيض الإضافي المطلوب لموازنة السوق في ظل ضعف الطلب على النفط الناتج من تفشي الكورونا، قضى على الاتفاق وتحول التعاون إلى صراع في السوق على الحصة السوقية ابتداءً من أول أيام أبريل (نيسان).
ونتيجة لما حدث قررت السعودية التخلي عن دور المنتج المرجح تماماً ورسمياً حتى إشعار آخر، وهو الدور الذي لعبته منذ عام 1983 بعد اتفاق لندن. لقد بدأ كل هذا عندما اتفقت دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في 15 مارس 1983 على فعل شيء لمواجهة تراجع الطلب على النفط في مطلع الثمانينات وتدهور الأسعار حينها. واتفق وزراء المنظمة المجتمعون في لندن على خمسة بنود رئيسية وهي: أولاً، أن تخفض أوبك سعر بيعها الرسمي في ذلك الوقت والذي كان يعتمد على الخام العربي الخفيف الذي تنتجه المملكة من 34 إلى 29 دولاراً. ثانياً، الالتزام بالفروقات السعرية بين مختلف أنواع النفط الذي تنتجه أوبك بناء على اتفاق سابق في 1982. ثالثاً، فرض سقف للإنتاج قدره 17.5 مليون برميل يومياً. رابعاً، أن لا تلتزم السعودية بأي سقف وتكون (المنتج المرجح) لتغطية أي نقص بين الكمية الفعلية التي تنتجها أوبك وبين الكمية المنصوص عليها في السقف. خامساً، أن لا تعطي دول أوبك أي تخفيضات على أسعار نفطها بأي شكل.
ونتيجة لهذا الاتفاق أصبح إنتاج المملكة يتأرجح صعوداً وهبوطاً للحفاظ على 17.5 مليون برميل يومياً، لكن مع غش الدول وتراجع الطلب تأثر إنتاج المملكة هبوطاً ليهبط إنتاجها من 10.27 مليون برميل يومياً في 1980. إلى 3.6 مليون برميل يومياً في 1985، وفي ظل هبوط الأسعار خسرت المملكة الحصة والدخل فعكست كل هذا بقرار تاريخي لشن حرب أسعار وتخفيضات كبيرة لاستعادة حصتها في السوق، ونجحت في ذلك. وللأمانة التاريخية هناك تصور خاطئ أن السعودية تم خداعها في هذه الصفقة وأن وزير البترول السابق أحمد زكي يماني كان السبب في كل هذا، بينما في الحقيقة حاولت السعودية الحفاظ على وحدة أوبك أكثر من تفكيرها في الحصة السوقية. ودليلاً على ذلك هو تصريح يماني في ديسمبر (كانون الأول) 1983 للصحافيين عند سؤاله عن دور المملكة كمنتج مرجح قائلاً: «للأسف هذا ما يريدون منا فعله» في إشارة لباقي دول أوبك.
ومنذ 1985 والسعودية تتحاشى لعب هذا الدور وأصبح تركيزها قائما على استقرار وموازنة السوق من خلال الخفض الجماعي والاستجابة لأي اضطرابات عالمية في الإنتاج باستخدام طاقتها الإنتاجية الفائضة، وكانت أولى مهام الوزير الراحل هشام ناظر هي رفع أسعار النفط إلى مستوى 18 دولاراً والتخلي عن المنتج المرجح لأنه لا يمكن لدولة أن تخفض إنتاجها في وقت كل الدول تزيد فيه إنتاجها خاصة تلك من خارج أوبك. وانتقل هذا الدور إلى أوبك ككل ولم تعد المملكة لوحدها تلعبه.
وفي عام 2014 قاومت السعودية لعب دور المنتج المرجح وفضلت هبوط الأسعار على خسارة حصتها السوقية لصالح روسيا ومنتجي النفط الصخري وغيرهم من خارج أوبك أو حتى من داخلها. ولكن السوق لم يقرأ الإشارات بشكل سليم حينها ظناً منه أن السعودية سوف تتدخل لإنقاذ الأسعار، وكانت الإشارة واضحة في ديسمبر (كانون الأول) 2013 في تصريحات لوزير البترول السابق علي النعيمي قال فيها إن المملكة تستجيب فقط لنقص الإمدادات والطلب على النفط.ولكن كل ما حدث سابقاً لا يقارن بما حدث هذا الشهر. أعطت الرياض قرارا واضحا بزيادة الإمدادات من شركة أرامكو السعودية إلى 12.3 مليون برميل يومياً أي فوق طاقتها الإنتاجية البالغة 12 مليون برميل يومياً، والاستثمار في رفع الطاقة الإنتاجية إلى 13 مليون برميل يومياً.
إن الرياض رسمياً تخلت عن دور المنتج المرجح بلا رجعة لأن الاستثمار في الطاقة الإنتاجية أمر طويل الأجل، ويأتي في وقت من المتوقع زيادة الإنتاج العالمي فيه من خارج أوبك لسنوات، مع تباطؤ أو وصول الطلب إلى الذروة في 10 سنوات. وسابقاً رفضت السعودية رفع الطاقة الإنتاجية لهذه الأسباب، وكما ذكر النعيمي سابقاً في 2013 في العاصمة الأميركية واشنطن، فإن الطلب على النفط السعودي سيبقى في حدود 9 ملايين برميل يومياً في 2020 و11 إلى 11.5 مليون برميل يومياً في 2030 نظراً للزيادة في الإنتاج من باقي مناطق العالم.
يبدو أن السعودية ستتجه لتعظيم ربحية شركة أرامكو بعد إدراجها في السوق والحفاظ على قيمتها السوقية، وأرامكو لديها استعداد لتقبل سعر 30 دولارا لفترة طويلة من الزمن، كما عبرت الشركة هذا الشهر. ولن تعود السعودية للدفاع عن مصالح دول تاريخياً لا تلتزم بأي اتفاق لخفض الإنتاج وتغش في الكميات وتتركها تتحمل لوحدها كامل العبء، وستترك العالم كله ليتحمل العبء.
ويبقى التحدي الأكبر الآن هو في قدرة الاقتصاد السعودي على تحمل كل هذا، حيث سيتراجع نمو الناتج النفطي وبالتالي ترشيد الإنفاق الرأسمالي. لكن ما تفعله السعودية لن يؤثر عليها وحدها بل إن هناك قائمة طويلة من الدول النفطية يجب أن تعيد هندسة ميزانياتها. كل هذه التغيرات تعكس الواقع الجديد للعالم بعد اكتتاب أرامكو وتسريع العالم الاعتماد على البدائل وتوقعات وصول الذروة على الطلب في 2030. وسيكون النظام النفطي العالمي بعد كورونا مختلفاً عن ما كان قبله.


مقالات ذات صلة

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

الاقتصاد لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

أعلنت شركتا «هيوماين» و«إنفيديا» توسيع تعاونهما الاستراتيجي لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية مخطط لها تبلغ 84 ميغاواط.

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس - إيران (رويترز)

سيناريوهات صندوق النقد الدولي: ماذا ينتظر اقتصادات المنطقة في 2027؟

وضع صندوق النقد الدولي سيناريوهات اقتصادية متعددة لقياس تداعيات اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة والصراع في المنطقة على النمو والتضخم وأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى البنك السعودي للاستثمار (الشركة)

«السعودي للاستثمار» يخفض أرباحه 2.2 % إلى 135 مليون دولار في الربع الثالث

تراجع صافي أرباح البنك السعودي للاستثمار بنسبة 2.2 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، إلى 506.9 مليون ريال (135.17 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

صندوق النقد: الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الاضطرابات

أظهرت توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي آفاقاً واعدة للتعافي والنمو، رغم الضغوط التي تفرضها الاضطرابات الإقليمية على إنتاج الطاقة وحركة التجارة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

ارتفعت صادرات السعودية من النفط الخام في أغسطس (آب) بنحو 7.9 في المائة مقارنة بشهر يوليو (تموز)، لتبلغ 4.451 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ مارس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
TT

الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)

تراجعت أسواق الأسهم العالمية، الخميس، مع ارتفاع أسعار النفط، ما دفع العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى الهبوط، وأدخل الأسهم الصينية إلى نطاق السوق الهابطة، في وقت زادت فيه التوترات في الشرق الأوسط ومخاوف الديون في منطقة اليورو من اضطراب الأسواق المالية.

وهبطت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر «ناسداك 100»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، بنسبة 1.8 في المائة قبيل بدء التداول في «وول ستريت»، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1 في المائة.

وفي الصين، انخفض مؤشر «سي إس آي 300» القياسي بنسبة 1.8 في المائة، لتصل خسائره إلى 20 في المائة منذ يونيو (حزيران)، في إشارة إلى هشاشة ثقة المستثمرين بثاني أكبر اقتصاد في العالم.

كما تراجعت الأسهم الأوروبية عند الافتتاح، وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1 في المائة في التعاملات المبكرة، بالتزامن مع موجة بيع جديدة طالت السندات الأكثر مخاطرة في المنطقة.

وقال محللون في «دويتشه بنك» إن «الأجواء في الأسواق خلال الليل أصبحت أكثر سلبية بوضوح»، مشيرين إلى ارتفاع أسعار النفط الخام.

النفط يتجاوز 112 دولاراً

وارتفع خام برنت بنسبة 3 في المائة إلى 112 دولاراً للبرميل، مسجلاً مستويات لم تُشهد منذ الأشهر الأولى من الحرب مع إيران. كما ارتفعت أسعار النفط الأميركي، بعد تصعيد الحوثيين المدعومين من إيران هجماتهم على السعودية.

وأدى صعود أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط على الأسواق، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تفاقم التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي العالمي.

تباين في أسواق السندات

وفي أسواق الدين، اتجه المستثمرون إلى الأصول التي تعد ملاذات آمنة، مثل سندات الخزانة الأميركية والسندات الألمانية، في حين تخلّصوا من السندات الصادرة عن دول أكثر عرضة للمخاطر.

وارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، ما دفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى الانخفاض بمقدار 0.07 نقطة مئوية إلى 5.08 في المائة.

في المقابل، استمرت الضغوط على السندات الفرنسية والإيطالية. وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بمقدار 0.11 نقطة مئوية إلى 5.11 في المائة، بعدما تجاوز مستوى 5 في المائة الأربعاء للمرة الأولى منذ عام 2002.

كما اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية إلى 1.7 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى منذ ذروة أزمة ديون منطقة اليورو في عام 2011.

وامتدت الضغوط إلى أسواق دين أوروبية أخرى تتابعها السلطات النقدية من كثب وسط مخاوف من أزمة ديون عامة. وارتفع الفارق الإيطالي إلى 1.2 نقطة مئوية، بينما اقترب الفارق البلجيكي من 1.1 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2013.

هبوط واسع في الأسواق الآسيوية

وفي آسيا، تراجع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 2.7 في المائة، مع انخفاض أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي، بما فيها «رينوسونيك» و«لازرتك» و«كيوكسيا» و«طوكيو إلكترون».

كما هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 3.5 في المائة، بينما تراجع مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 3 في المائة خلال تعاملات بعد الظهر.

وانخفض سهم «علي بابا» بنسبة 4 في المائة، بعدما دعت هيئة تنظيم السوق الصينية إلى تشديد معايير جودة المنتجات وتعزيز حماية المستهلك على منصات التجارة الإلكترونية.

وقالت الهيئة الحكومية الصينية لتنظيم السوق إن النمو السريع لأنماط التسوق الإلكتروني الجديدة، بما يشمل التسوق عبر البث المباشر والتجارة الفورية والتجارة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، جعل مخاطر جودة المنتجات وسلامتها أكثر تعقيداً وأصعب في الرصد.

وأضافت الهيئة أن مشكلات مثل السلع المقلدة أو غير المطابقة للمواصفات، والمنتجات التي لا تتطابق مع أوصافها، والإعلانات المضللة، لا تزال شائعة، في وقت تواجه فيه الجهود الرامية إلى رفع معايير الجودة على المنصات الإلكترونية تحديات مستمرة.


الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
TT

الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)

يواجه العراق واحدةً من أشدِّ الصدمات الاقتصادية في المنطقة، في ظلِّ تداعيات الصراع واضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز»، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2026. ويضع التقرير الاقتصاد العراقي أمام انكماش حاد خلال العام الحالي، قبل تعافٍ قوي متوقع في 2027، في مسار يرتبط بدرجة كبيرة بعودة إنتاج النفط والغاز واستعادة حركة التجارة والصادرات.

ويُصنَّف العراق ضمن الاقتصادات الأكثر تأثراً باضطرابات مضيق «هرمز»، نظراً إلى اعتماده الكبير على الممر في تصدير النفط، ومحدودية البدائل المتاحة لنقل صادراته. وقد أدى تراجع إنتاج النفط والغاز منذ بدء الأزمة إلى انكماش الأنشطة المرتبطة بالقطاع الهيدروكربوني، وامتدت التداعيات إلى قطاعات أخرى، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعاً في تكاليف التجارة وضغوطاً على المالية العامة.

كانت المديرة العام لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد أعلنت الأسبوع الماضي، أن العراق طلب من صندوق النقد الدولي برنامجاً تمويلياً جديداً، مؤكدة استعداد الصندوق لدعم الطلب مالياً ومن خلال السياسات الاقتصادية.

انكماش 16 في المائة في 2026

يتوقَّع التقرير أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعراق بنسبة 16 في المائة في عام 2026، مقارنة بانكماش طفيف بلغ 0.4 في المائة في 2025. ويعكس هذا التراجع الحاد حجم الصدمة التي تعرَّض لها الاقتصاد نتيجة انخفاض إنتاج الهيدروكربونات واضطراب الصادرات، إلى جانب انعكاسات الأزمة على النشاط الاقتصادي غير النفطي.

ويمثل التوقع خفضاً كبيراً قدره 9.2 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أبريل (نيسان)، في مراجعة تعكس تفاقم تداعيات الصراع على الاقتصاد العراقي. ويبرز هذا التعديل مدى حساسية آفاق النمو للتطورات الأمنية واستمرار تعطّل إنتاج الطاقة وتدفقاتها التجارية.

وفي المقابل، يفترض السيناريو الأساسي تحسناً ملحوظاً في 2027، مع توقف الأعمال العدائية تدريجياً واستعادة تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز» وإصلاح المرافق المتضررة. وبناءً على هذه الافتراضات، يتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد العراقي نمواً بنسبة 19 في المائة في العام المقبل، قبل أن يستقرَّ معدل النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031.

ويعني هذا المسار أن التعافي المتوقع سيكون مدفوعاً بدرجة كبيرة باستعادة النشاط النفطي، ما يجعل التوقعات عرضة للتغير إذا استمرَّت الاضطرابات أو تأخر استئناف الإنتاج والصادرات بالمستويات المفترضة.

مضيق «هرمز» يرفع تكاليف التجارة

لا تقتصر آثار الأزمة على انخفاض إنتاج النفط والغاز، بل تمتد إلى تكاليف التجارة وسلاسل الإمداد. ويشير التقرير إلى أن العراق يتحمل أعلى زيادة في تكاليف التجارة البحرية بين دول المنطقة التي تناولها التحليل، إذ تتجاوز الزيادة 13 في المائة في ظلِّ اضطرابات الملاحة عبر مضيق «هرمز».

وتعكس هذه الزيادة ارتفاع تكاليف الشحن بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن الأعباء الإضافية المرتبطة بتحويل جزء من حركة نقل السلع إلى المسارات البرية وموانئ الدول المجاورة. وتزيد هذه التطورات تكلفة استيراد السلع، وتفرض ضغوطاً إضافية على الشركات والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الإمدادات الخارجية.

كما أن محدودية المسارات البديلة لتصدير النفط تجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضةً لاستمرار اضطراب الممرات البحرية، إذ يصعب تعويض تعطل الصادرات بسرعة من خلال طرق أخرى. ويؤدي ذلك إلى تضخيم أثر الصدمة على الإنتاج والإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي.

التضخم يدفع إلى التحرك النقدي

على صعيد الأسعار، واجه العراق ضغوطاً تضخمية متزايدة خلال 2026، في ظلِّ اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن واستيراد السلع، بما فيها المواد الغذائية والطاقة. ويأتي ذلك في وقت يتعرَّض فيه النشاط الاقتصادي لضربة قوية، ما يزيد صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم التعافي.

ويشير التقرير إلى أن العراق كان من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان التي رفعت أسعار الفائدة في إطار استجابتها للضغوط التضخمية الناشئة عن الصراع. وجاء التَّحرُّك ضمن نهج يستهدف احتواء انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأسعار المحلية، لا سيما في ظلِّ ارتباط السياسة النقدية بتثبيت سعر الصرف مقابل الدولار.

وتواجه السلطات النقدية تحدياً يتمثَّل في الحدِّ من الضغوط السعرية من دون زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي، في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية وتتسع المخاطر المحيطة بالتجارة والإمدادات.

ضيق الحيز المالي يزيد صعوبة المواجهة

دخل العراق الأزمة وهو يعاني قيوداً تمويلية حادة ومساحة مالية محدودة، وفق التقرير، ما يقلص قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق العام لتعويض الخسائر الاقتصادية أو تقديم دعم واسع للقطاعات المتضررة.

ومع تراجع الإيرادات النفطية، اتسمت السياسة المالية في 2026 بطابع انكماشي، في ظلِّ الحاجة إلى إدارة الموارد المتاحة والحد من الضغوط على الموازنة. ويضع هذا الوضع الحكومة أمام خيارات صعبة، إذ تتزامن الحاجة إلى حماية النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية مع محدودية مصادر التمويل وارتفاع احتياجات الاقتراض.

ويبرز التقرير أيضاً التحديات المرتبطة باحتياجات التمويل الإجمالية والاقتراض العام، وهي عوامل تزيد أهمية الحفاظ على الانضباط المالي وإدارة الالتزامات المالية بحذر، خصوصاً في ظلِّ التقلبات التي تطال الإيرادات النفطية.

وتحد القيود المالية من قدرة العراق على تنفيذ استجابة واسعة للصدمات، كما تجعل مسار الإنفاق العام أكثر ارتباطاً بتطورات إنتاج النفط وحجم الإيرادات المتاحة. ويزيد ذلك من أهمية توجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر إلحاحاً، مع تجنب الإجراءات التي قد تضاعف الضغوط على المالية العامة.

التعافي مرهون بعودة تدفقات الطاقة

تعكس توقعات صندوق النقد الدولي تبايناً حاداً بين مسار الاقتصاد العراقي في 2026 والمسار المفترض في العام التالي. فبعد الانكماش المتوقع بنسبة 16 في المائة، يرجح أن يرتفع النمو إلى 19 في المائة في 2027، على أساس عودة إنتاج الطاقة وتدفقات التجارة تدريجياً إلى طبيعتها.

لكن هذه التوقعات تظل مشروطة بتطورات الصراع وسرعة استعادة الصادرات وإصلاح المرافق المتضررة. فاستمرار اضطرابات مضيق «هرمز» أو تأخر استئناف إنتاج النفط والغاز قد يضعفان فرص التعافي، بينما تزيد تكاليف التجارة والضغوط التضخمية وضيق الحيز المالي من تعقيد التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي.

وفي الأجل المتوسط، يتوقع التقرير أن يستقرَّ النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031. ويؤكد هذا المسار أهمية تقليل تعرُّض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وتعزيز قدرة المالية العامة على امتصاص تقلبات الإيرادات النفطية، بما يدعم استقرار النشاط الاقتصادي في مواجهة الأزمات المقبلة.


«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

أعلنت شركتا «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة و«إنفيديا» الأميركية توسيع تعاونهما الاستراتيجي لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية مخطط لها تبلغ 84 ميغاواط، تضم نحو 27 ألف وحدة معالجة رسومية من الجيل الجديد. ويجمع البرنامج بين نشر أنظمة «بلاكويل» خلال الربع الأخير من عام 2026، والتوسع في بنية «فيرا روبين» ابتداءً من عام 2027، في خطوة تستهدف توفير قدرات حوسبة متقدمة للشركات والمؤسسات والجهات الحكومية، وتعزيز موقع المملكة في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر «جي تي سي برلين» في ألمانيا؛ حيث من المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى بنشر أنظمة «إنفيديا بلاكويل ألترا» المتصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند» خلال الربع الرابع من عام 2026، تليها عمليات نشر مخطط لها لبنية «إنفيديا فيرا روبين» التحتية اعتباراً من منتصف عام 2027.

ويشمل التعاون نشر أنظمة «إنفيديا بلاكويل إتش جي إكس بي 300» بقدرة 14 ميغاواط، تمثل نحو 6 آلاف وحدة معالجة رسومية متصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند»، على أن يبدأ نشرها خلال الربع الرابع من عام 2026، وستدعم هذه القدرة خدمات «هيوماين كلاود» وعملاءها، بمَن فيهم شركات الذكاء الاصطناعي والجهات العامة والمؤسسات المحلية التي تحتاج إلى قدرات حوسبة متقدمة.

كما يتضمن التعاون خططاً لنشر بنية تحتية من «إنفيديا فيرا روبين» بقدرة 50 ميغاواط، متصلة بشبكات «إنفيديا»، ويُستهدف بدء نشرها اعتباراً من يونيو (حزيران) 2027، لتوفير قدرة مخصصة لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي المتقدمة على نطاق واسع لصالح عميل أميركي.

وتشمل الخطط أيضاً نشر بنية تحتية إضافية من «إنفيديا فيرا روبين» بقدرة 20 ميغاواط، متصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند»، لدعم خدمات «هيوماين كلاود»، على أن يبدأ نشرها المستهدف في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب) 2027.

وستمثل البنية التحتية المخطط لها من «إنفيديا فيرا روبين»، والبالغة قدرتها الإجمالية 70 ميغاواط، نحو 21 ألف وحدة معالجة رسومية، رهناً بالاتفاقات النهائية وخطط النشر. وبذلك، يصل إجمالي القدرة المخطط لها ضمن التعاون الموسع إلى 84 ميغاواط، مع نحو 27 ألف وحدة معالجة رسومية عبر مراحله المختلفة.

ويأتي توسيع التعاون امتداداً للشراكة الاستراتيجية بين «هيوماين» و«إنفيديا» لتطوير مصانع ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في السعودية، تجمع بين الحوسبة المتقدمة المعززة بتقنيات التسريع والبنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات والخدمات السحابية اللازمة لدعم الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي. وستُبنى عمليات النشر المخطط لها لبنية «إنفيديا فيرا روبين» باستخدام منصة «إنفيديا دي إس إكس» لمصانع الذكاء الاصطناعي.

وتعمل «هيوماين» على تطوير أحد أكثر برامج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي طموحاً على مستوى العالم، مع خطط لبناء قدرة لمراكز البيانات تبلغ نحو 3 غيغاواط بحلول عام 2030، وأكثر من 6 غيغاواط بحلول عام 2034.

وتبني الشركة منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تربط البنية التحتية والقدرات الحاسوبية بالنماذج والمنصات والتطبيقات، بهدف تسريع نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» طارق أمين: «نعمل بسرعة لإدخال الأجيال المقبلة من الحوسبة المعززة من (إنفيديا) إلى السعودية على نطاق ملموس. ويمنح هذا النشر عملاءنا مساراً واضحاً للانتقال من قدرات بلاكويل بي 300 التي يبدأ توفيرها في عام 2026 إلى فيرا روبين في عام 2027، بما يضمن قدرتهم على الوصول إلى الحوسبة التي يحتاجون إليها مع نمو أعباء عمل الذكاء الاصطناعي من حيث الحجم والتعقيد. وبالنسبة إلى عملائنا، يعني ذلك وصولاً أسرع إلى البنية التحتية المتقدمة، وقدرة أكبر على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة ونشرها، ومنصة يمكن توسيعها بالتوازي مع نمو احتياجاتهم، من دون الحاجة إلى بناء تلك البنية التحتية بأنفسهم».

ومن خلال «هيوماين كلاود»، سيتمكن العملاء من الوصول إلى البنية التحتية للحوسبة المعززة من «إنفيديا» للجيل الجديد، المنشورة في السعودية، بما يتيح للمؤسسات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتزايدة تطوراً، وضبطها وتحسينها، ونشرها باستخدام بنية مصممة خصيصاً لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي.

من جهته، قال راج ميربوري، نائب الرئيس لشؤون سُحب الذكاء الاصطناعي العالمية ومنظومة البنية التحتية في «إنفيديا»: «الذكاء هو الصناعة الكبرى التالية في العالم. وتجمع (هيوماين) بين الطاقة والبنية التحتية والطموح لبناء محرك جديد للذكاء يخدم العالم. ومن خلال (فيرا روبين) و(بلاكويل الترا)، نوسع قاعدة الحوسبة التي تتيح للمطورين والشركات بناء الجيل المقبل من الأنظمة الذكية».