الخوف «مسافر» وحيد بين روما ومدريد

الخوف «مسافر» وحيد بين روما ومدريد

الجمعة - 26 رجب 1441 هـ - 20 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15088]
عناصر من وحدة الطوارئ العسكرية في وسط مدريد أول من أمس (إ.ب.أ)

للوهلة الأولى، يبدو للوافد إلى مدريد، بعد شهر في إيطاليا، التي يتمدّد الخوف في عروقها وتحصي ضحايا فيروس كورونا بالآلاف، أنه خرج من الجبهة الرئيسية لهذه الحرب التي لا تشبه الحروب، وبات نسبيّاً أو مؤقتاً، في منأى عن جموح انتشار هذا «الوباء اللعين»، كما وصفه أحد كبار خبراء «منظمة الصحة العالمية»، صباح الأربعاء. لكن تكفي جولة قصيرة في سيارة التاكسي من المطار المقفر إلى المنزل، لنتبيّن كيف أن هذه المدينة تنام مسكونة بالخوف، الذي أصبح المسافر الوحيد الذي يتنقّل بحريّة في العواصم الأوروبية.

نغادر إيطاليا وأصوات الاستغاثة فيها تتعالى من كل حدب. حكّام المقاطعات الشمالية يتوسّلون المواطنين عدم الخروج من بيوتهم، لأن المستشفيات لم تعد قادرة على استقبال المزيد من المصابين، وحكّام مقاطعات الجنوب يناشدون سكّان الشمال وقف النزوح الذي يحمل معه الوباء إلى المناطق التي تعاني من عجز كبير في تجهيزاتها الصحّية، فيما تجهد الحكومة لإقناع المواطنين بأهميّة الامتثال لتدابير الحجر وردعهم عن المخالفات التي زادت عن خمسين ألفاً حتى الآن، حسب تقارير الشرطة.

أوّل ما يطالعنا في العاصمة الإسبانية، بعد الأرقام التي في غضون أيام معدودة رفعتها إلى المرتبة الثانية أوروبياً، والرابعة عالمياً في عدد الإصابات التي ترتفع يوميّاً بنسبة أعلى من إيطاليا، هو كلام رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز أمام البرلمان الخاوي تقريباً صباح الأربعاء، حيث قال إن «الآتي أعظم»، داعياً مواطنيه إلى التحلّي بالانضباط والصمود في «هذه المعركة الطويلة التي لا توجد دولة مستعدّة لها في العالم».

ووعد سانتشيز بأن الحكومة ستكرّس جهدها، بعد نهاية هذه الأزمة، لوضع «خطة إعادة إعمار اقتصادي واجتماعي للنهوض من الركام الأكيد الذي ستخلّفه».

ومساء الأربعاء، توجّه الملك فيليبي السادس إلى المواطنين في خطاب رسمي تعهّد فيه بأن الدولة لن تتخلّى عن أحد في هذه الأزمة، مؤكداً أن إسبانيا «مجتمع صامد أمام المِحن»، ودعا إلى التضامن والاهتمام بشكل خاص بالضعفاء.

وفيما تتعرّض الحكومة الإسبانية لمزيد من الضغوط لفرض عزل كلّي على مناطق تفشّى فيها الوباء بنسبة عالية، مثل كاتالونيا وبلاد الباسك ومدريد، اكتفت حتى الآن بفرض قيود على حدودها داخل الاتحاد الأوروبي، على غرار ما فعلت ألمانيا والنمسا، بينما ذهبت دول أخرى مثل المجر حد منع دخول المواطنين الأوروبيين إلى أراضيها، وفرضت بولندا على كل الوافدين من أوروبا حجراً إلزامياً لأربعة عشر يوماً.

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان در لاين قد أعربت عن استيائها لوجود مواطنين أوروبيين داخل دول الاتحاد يتعذّر عليهم الرجوع إلى بلدانهم، ودعت الدول الأعضاء إلى معالجة هذا الوضع بسرعة. ويتوقّع المسؤولون في بروكسل أن يدفع القرار الذي اتخذته القمّة يوم الاثنين بإقفال الحدود الخارجية للاتحاد إلى التخفيف من القيود على الحدود الداخلية، تمهيداً لإعادة فتحها.

ولا شك في أن النزعة الانطوائية التي اجتاحت العواصم الأوروبية منذ بداية الأزمة، والبطء الذي اتسم به تحرّك المفوضية في المرحلة الأولى، دفعا بالدول إلى اتخاذ تدابير تنتهك أحكام المعاهدات الأوروبية الأساسية، لكن يستحيل ردعها سياسياً في ظل هذه الأجواء المشحونة بالهلع الشامل. وتخشى المفوضية أن تترسّخ هذه التدابير مع مرور الوقت، وتؤدي إلى تقويض اتفاق «شينغن» الذي يُعتبر من أهم الإنجازات الأوروبية، وحتى إلى نسف القواعد الأساسية التي تقوم عليها السوق الواحدة، ما يشكّل خطراً كبيراً على مستقبل الاتحاد.

وتجدر الإشارة أن العوارض الأولى لهذا التصدّع في الدعائم الأساسية للمشروع الأوروبي ظهرت مع بداية هذه الأزمة الصحية، عندما قررت بعض الدول منع تصدير مئات السلع، مثل بعض الأدوية والمعدّات الطبية، ما ساهم في حدوث نقص بهذه السلع في بعض بلدان الاتحاد.

وكانت إيطاليا قد احتجّت بشدّة على قرار ألمانيا منع تصدير معدات الوقاية الصحّية، ولم تنجح المفوضية في إقناع ألمانيا بالعدول عن قرارها رغم التدبير الذي اتخذته بروكسل بمنع تصدير الأقنعة الواقية خارج الاتحاد لفترة ستة أسابيع. وقد اتّجهت إيطاليا وإسبانيا إلى الصين التي سارعت إلى التجاوب مع طلب المساعدة، وباشرت بإرسال المعدات الطبية والاختصاصيين إلى هاتين الدولتين.

وتنفسّت الحكومات الأوروبية الصعداء، أمس، بعد إعلان المصرف المركزي الأوروبي عن خطة لشراء أصول عامة وخاصة بقيمة 750 مليار يورو، موجّهة بشكل خاص لبلدان الجنوب الأوروبي التي كانت قد احتجت بشدة على مبادرة المصرف، الأسبوع الماضي، التي وصفتها بأنها جاءت مخيّبة للآمال وغير كافية لكبح الارتفاع السريع في أسعار الدين العام لهذه الدول التي بات من المؤكد أن الأزمة سوف تضطرها إلى الإنفاق، بما يتجاوز قدراتها إذا طالت الأزمة أكثر من شهرين.

وفي سياق التوترات السياسية التي بدأت تفرزها هذه الأزمة، أفادت معلومات خاصة بأن جهاز المفوضية الأوروبية المخصص لمراقبة حملات التشويش الإعلامي التي تقوم بها وسائل قريبة من «الكرملين» رصدت ما لا يقلّ عن 80 حالة لها صلة بفيروس «كورونا». وجاء في تقرير داخلي للمفوضية أن الهدف من هذه الحملات هو «زعزعة الثقة وبذر الشقاق في صفوف الأوروبيين عن طريق حملات مصممة لنشر الهلع في أوساط الرأي العام، وإرباكه، ومنعه من الحصول على معلومات موثوقة بشأن الإجراءات الصحية اللازمة لمواجهة الوباء».


إيطاليا فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة