برلمان ليبيا يعزل مفتي الإخوان.. ورئيس الحكومة الثني ينجو من محاولة اغتيال

اشتباكات في شرق العاصمة طرابلس.. و«فجر ليبيا» تنفي حدوث انتفاضة

جندي من الجيش الليبي التابع للواء خليفة حفتر يطلق نيران مدفعيته باتجاه مركز للميليشيات المسلحة  في شرق بنغازي أول من أمس (أ.ف.ب)
جندي من الجيش الليبي التابع للواء خليفة حفتر يطلق نيران مدفعيته باتجاه مركز للميليشيات المسلحة في شرق بنغازي أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

برلمان ليبيا يعزل مفتي الإخوان.. ورئيس الحكومة الثني ينجو من محاولة اغتيال

جندي من الجيش الليبي التابع للواء خليفة حفتر يطلق نيران مدفعيته باتجاه مركز للميليشيات المسلحة  في شرق بنغازي أول من أمس (أ.ف.ب)
جندي من الجيش الليبي التابع للواء خليفة حفتر يطلق نيران مدفعيته باتجاه مركز للميليشيات المسلحة في شرق بنغازي أول من أمس (أ.ف.ب)

بينما نجا أمس رئيس الحكومة الليبية عبد الله الثني مما يبدو أنه محاولة اغتيال بتفجير استهدف مبنى مجاورا لمقر الحكومة المؤقت بمدينة شحات (شمال شرق)، حيث كان يجتمع برفقة بعض وزرائه مع مبعوث الأمم المتحدة لدى ليبيا الذي بدأ جولة جديدة من الاتصالات مع الفرقاء الليبيين بحثا عن حل للأزمة السياسية، أقر مجلس النواب الليبي إقالة الشيخ الصادق الغرياني مفتي البلاد من منصبه بعد جلسة عقدها المجلس بمقره في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد.
وبالتزامن مع هذه التطورات، انتقلت الفوضى الأمنية إلى العاصمة الليبية طرابلس التي تجددت فيها مساء أمس الاشتباكات المتقطعة بين سكان حي فشلوم وما يسمى بقوة الردع التي يترأسها المتشدد عبد الرؤوف كارة والتابعة لما يسمى بقوات فجر ليبيا.
وقال سكان في الحي الذي يقع في شرق المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن الاشتباكات اندلعت في الساعات الأولى من صباح أمس، بعدما داهمت قوات كارة منزلا لأحد الشباب الداعمين للجيش وأحد منسقي الحراك المدني بالعاصمة، قبل أن تنتقل عدوى الاشتباكات إلى مناطق أخرى مجاورة، منها زاوية الدهماني والظهرة وشارع الجمهورية. لكن المكتب الإعلامي لعملية فجر ليبيا قدّم في المقابل رواية أخرى للأحداث، حرص خلالها على نفي حدوث انتفاضة في منطقة فشلوم بالعاصمة طرابلس، زاعما أن ما حصل هو إلقاء القبض على أحد كبار تجار المخدرات في منطقة فشلوم دون إطلاق أي عيار ناري في عملية تحرٍّ وتتبع مُحكَمة انتهت بالقبض عليه من قبل قوات الردع الخاصة.
وتابع المكتب عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «لكن عند سماع أقرانه خبر اعتقاله هرعوا لإقفال الطريق العام وحرقوا الإطارات وأطلقوا النار في الهواء، ما جعل قوات الردع الخاصة تتدخل بقوة وقامت بمداهمة هؤلاء المجرمين وتبادلوا إطلاق النار معهم، حتى تم القبض على بعضهم وفتح الطريق».
وفي تفاصيل تفجير شحات، قال مصدر حكومي مسؤول لـ«الشرق الأوسط» في تصريحات خاصة: «إن ما حدث هو استهداف لمقر الحكومة في شحات في وقت اجتماع رئيس الحكومة وبعض نوابه والوزراء مع وفد الأمم المتحدة برئاسة برناردينو ليون، ولم يُصَب أحد».
وتابع المصدر الذي طلب عدم تعريفه: «ربما كانت محاولة اغتيال لرئيس الحكومة أو ليون أو كليهما، لا نعرف بعد تحديدا»، مضيفا: «لكن لم تكن هناك إصابات لأن السيارتين المفخختين كانتا في محطة سيارات مديرية الأمن خلف المبنى وتحطمت بعض النوافذ».
وسئل هل أثر الانفجار على لقاء الثني مع مبعوث الأمم المتحدة، فقال: «لا طبعا، لقد انتهى اللقاء وسافر المندوب الأممي إلى طبرق».
وبحسب مصادر أمنية فإن التفجير وقع عصر أمس بموقف للسيارات أمام مقر مديرية أمن مدينة شحات التاريخية وعلى مقربة من مقر مؤقت تستخدمه حكومة الثني، في أقصى شمال شرقي البلاد، بعدما انفجرت سيارتان مفخختان لكن من دون سقوط أي ضحايا.
وعمل الثني، وهو رئيس الوزراء المعترف به دوليا، انطلاقا من مدينة البيضاء قرب شحات منذ استولت جماعات مسلحة مرتبطة بمدينة مصراتة على العاصمة طرابلس ونصبت حكومة وبرلمانا منافسا.
إلى ذلك، قرر مجلس النواب الليبي تشكيل لجنة لإعادة النظر في لجنة الإفتاء، حيث أعلن رئيس المجلس صالح عقيلة أن عدد الحاضرين لجلسة أمس بلغ 76 عضوا من إجمالي 200 عضو بالمجلس، وأن الموافقين على إقالة المفتي وإعادة تشكيل لجنة الإفتاء 68 عضوا.
ونص القرار الذي صوت أعضاء المجلس لصالحه على عزل المفتي وحل دار الإفتاء وإحالة اختصاص دار الإفتاء إلى هيئة شؤون الأوقاف.
ويعني قرار مجلس النواب تشكيل لجنة لإعادة النظر في لجنة الإفتاء ضمنيا أنه وافق على عزل المفتي الصادق الغرياني منظّر جماعة الإخوان المسلمين وأحد أكبر الداعمين لما يسمى بقوات فجر ليبيا التي تسيطر منذ شهر يوليو (تموز) الماضي بقوة السلاح على العاصمة طرابلس وتحتل مقرات معظم الإدارات الرسمية والحكومية.
وطبقا لبيان أصدره المجلس، فقد طالب النواب الذين شاركوا في مناقشة هذا الملف بضرورة إعادة النظر في لجنة الإفتاء الحالية وإقالة مفتي ليبيا من منصبه على رأس دار الإفتاء لمواقفه ودوره في تأجيج الصراعات في البلاد وإعلانه معارضته للحوار الذي انطلق من مدينة غدامس قبل أكثر من شهر.
كما طالب النواب بتعيين لجنة إفتاء ومفتٍ جديد للبلاد يساهم في حقن دماء الليبيين ويشجع الحوار وحث كل الأطراف على نبذ العنف والقوة كآلية لحل الخلافات، وأعلن المجلس تعليق جلساته على أن يعود للتداول صباح اليوم الاثنين.
ورفض الغرياني طيلة الأشهر الماضية الامتثال لطلب مجلس النواب باستدعائه للتحقيق معه بمقره في طبرق، لكنه أشاد مؤخرا بحكم المحكمة الدستورية العليا بحل المجلس، ودعا في المقابل البرلمان السابق وما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عنه إلى «تحمل المسؤولية التي ردها الله عليهم من جديد»، على حد قوله.
وسبق للغرياني، الذي تولى منصبه على مدة السنوات الثلاث التي تلت الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011 بقرار من المجلس الوطني الانتقالي السابق، أن اعتبر أن الخلاف في ليبيا ليس سياسيا، بل ديني، وأنه معركة جديدة بين الحق والباطل، في تكفير علني لكل المناوئين للتيار المتشدد.
من جهة أخرى، استهل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ‏برناردينو ليون زيارة جديدة إلى ليبيا، قال إنها تستهدف «التشاور مع الأطراف السياسية والحزبية حول كيفية المضي قدمًا في ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية»، بلقاء عقده في مدينة البيضاء بشرق ليبيا مع علي الترهوني رئيس هيئة صياغة الدستور الليبي الجديد.
واعتبر ليون أن الزيارة تستهدف توجيه رسالة واضحة للعالم، مفادها أن «الأمم المتحدة لن تسمح لأحد بالتدخل في سير عمل هذه الهيئة أو تعطيلها، وأنها هيئة منتخبة ومستقلة».
وفي مدينة بنغازي بشرق البلاد، استمرت قوات الجيش الوطني في التقدم على حساب الجماعات المتطرفة التي تعرضت مواقعها لقصف جوي شنته طائرات حربية تابعة للجيش في عدة مواقع. وقال مسعفون إن 5 جنود موالين للحكومة قتلوا وأصيب 28 خلال اشتباكات أول من أمس مع متطرفين، ليرتفع عدد القتلى جراء الاشتباكات الدائرة منذ 3 أسابيع إلى 300.
ويواصل الجيش وقوات تابعة للواء خليفة حفتر عملياته ضد المسلحين المتطرفين في مناطق متفرقة من مدينة بنغازي التي يحاول الجيش استعادة السيطرة عليها، بحسب المتحدث باسم رئاسة الأركان العامة للجيش العقيد أحمد المسماري، الذي أعلن أن «عمليات الجيش مستمرة حتى تتطهر ليبيا من الإرهابيين»، على حد قوله.
وتدور معارك طاحنة تستخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، خصوصا على المحور الجنوبي الشرقي للمدينة والمحور الغربي إضافة إلى وسط بنغازي.
ولأول مرة منذ اندلاع المواجهات في بنغازي، قام عمر السنكي وزير الداخلية في الحكومة الانتقالية بجولة تفقدية في مدينة بنغازي شملت محاور القتال التي يخوضها الجيش، إضافة إلى مطار المدينة وغرفة العمليات العسكرية.
وبينما أعلنت الحكومة أن جولة السنكي كانت للوقوف عن كثب على الأوضاع الميدانية التي تشهدها مدينة بنغازي، قال السنكي إن قوة قوامها 2000 رجل أمن ستكون جاهزة لتأمين المدينة عقب تحريرها، لافتا إلى أنه سيكون على رأس هذه القوة لتدارك الأخطاء السابقة.
وتضرب الفوضى ليبيا مع وجود حكومتين وبرلمانين متحالفين مع جماعات مسلحة ساعدت في الإطاحة بالقذافي قبل 3 سنوات وتتنافس الآن على السلطة والسيطرة على الثروة النفطية في البلاد.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».