رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي: السياق الدولي محفوف بالتوترات ويستوجب أفكارا خلاقة

دعوات لدور أكبر للمنظمات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي

شواب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي خلال الجلسة الافتتاحية بحضور وزير الاقتصاد الإماراتي والقمزي واسبن ايدي («الشرق الأوسط»)
شواب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي خلال الجلسة الافتتاحية بحضور وزير الاقتصاد الإماراتي والقمزي واسبن ايدي («الشرق الأوسط»)
TT

رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي: السياق الدولي محفوف بالتوترات ويستوجب أفكارا خلاقة

شواب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي خلال الجلسة الافتتاحية بحضور وزير الاقتصاد الإماراتي والقمزي واسبن ايدي («الشرق الأوسط»)
شواب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي خلال الجلسة الافتتاحية بحضور وزير الاقتصاد الإماراتي والقمزي واسبن ايدي («الشرق الأوسط»)

قال البروفسور كلاوس شواب رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» إن «السياق العالمي اليوم محفوف بالتوترات فهو نظام هش وضعيف يستوجب من صناع القرار إطلاق المبادرات والأفكار الخلاقة، وتبني توصيات وقرارات قمة مجالس الأجندة العالمية من أجل بناء عالم جديد تتاح فيه فرص العمل واعتماد برامج التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لإسعاد واستقرار الشعوب في أنحاء المعمورة».
وبين شواب أن القمة تناقش وتعمل على صياغة جديدة لقضايا العالم الملحة من خلال إشراك الجميع بعملية التخطيط المستمرة، وقال شواب «نحن هنا في هذه القمة لصياغة مستقبل العالم وكي نترك أثرا كبيرا في إيجاد الحلول المبتكرة في قطاعات التغير المناخي والتحول الذكي والاقتصاد والبنية التحتية ونحن في هذه المجالات نستلهم من روح هذه المدينة الفتية - دبي - التي يندمج فيها الجميع في مجتمع متنوع الثقافات والأعراق».
وجاء حديث رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» خلال الجلسة الافتتاحية لقمة مجالس الأجندة العالمية، والتي رعاها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي انطلقت أمس في دبي بحضور أكثر من ألف خبير ومفكر وباحث استراتيجي من 80 دولة.
وأطلق رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» على القمة السابعة لمجالس الأجندة العالمية «القمة الحقيقية للمستقبل» كونها تضم خبراء في قطاعات مختلفة كالاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة والتعليم والتجارة والسياحة وما إلى ذلك من قطاعات تتلامس وحياة البشر مباشرة.
ونوه رئيس ومؤسس منتدى دافوس بجدول أعمال القمة التي تعقد على مدى 3 أيام والتي تتضمن النقاش حول تحديات المستقبل للعالم وإيجاد الحلول القابلة للتنفيذ من قبل الكثير من الدول لضمان تنمية مستدامة حقيقية كما هو الحال في دولة الإمارات.
وبحثت نقاشات قمة مجالس الأجندة العالمية الذي يعقد في إمارة دبي قضايا عدم المساواة في الدخل والبطالة وتغير المناخ وندرة المياه، والمشكلات الجيوسياسية وأزمة تفشي مرض الإيبولا كأهم التحديات التي تواجه العالم، وذلك خلال العام المقبل 2015.
وأكد الخبراء المشاركون في نقاشات جلسات القمة أن تلك المشكلات تحتاج إلى البحث عن حلول واسعة لمواجهة تلك التحديات، في الوقت الذي أكدوا أن المنظمات الإقليمية يمكن أن تلعب دورا في هذا الأمر، مثل الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليج.
من جهته قال سلطان المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي إن «المناقشات التي تتم في دبي بمثابة ركيزة أساسية لإعداد استراتيجية قابلة للتنفيذ من أجل التغيير الإيجابي خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس العام المقبل». وبين أنه على الرغم من أن الشرق الأوسط قد تأثر بتحديات عدة، فإن المنطقة لا تزال تشكل محورا للاهتمام الإيجابي، بسبب أنشطة النمو والتنمية في دول الخليج، مشيرا إلى أن قمة مجالس الأجندة العالمية تأتي في وقت حاسم، بينما لا يزال الصراع السياسي محتدما في أجزاء من العالم.
وأضاف «التطرف قد ظهر بأشكال جديدة، وتصاعدت الإبادة الجماعية، وأزمات اللاجئين، لتصبح الشاغل الرئيسي والمؤثر بشدة في عدد من البلدان، كما يشكل تفشي إيبولا في غرب أفريقيا خطرا كبيرا يهدد العالم، وشهد ذلك أيضا استمرارا للمخاوف المتعلقة بالبطالة، والأمن الغذائي، والهجرة والفقر حول العالم».
وأكد أن تغير المناخ وأزمة الطاقة، وندرة الموارد، ليست فقط تهديدات بدأت تلوح في الأفق، بل في الواقع حقائق مروعة، معترفا بوجود تحديات في مجال النظام المالي العالمي أيضا، تتمثل بآثار الركود التي تزال قائمة في بعض المناطق. وشدد وزير الاقتصاد الإماراتي على أن بلاده تبنت الابتكار باعتباره أحد المجالات المحورية لديها، حيث أطلق الشيخ محمد بن راشد الشهر الماضي، استراتيجية جديدة لجعل البلاد واحدة من أكثر دول العالم ابتكارا في غضون 7 سنوات.
وقال «تخصص حكومة دولة الإمارات 9 في المائة من الميزانية السنوية العامة لعمليات البحث والتطوير بما يعزز من التحول نحو توظيف الابتكار في عمليات التنمية والتطوير».
من جانبه أكد سامي القمزي مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، الرئيس المشارك لقمة مجالس الأجندة العالمية أن القمة تبرز مكانة دبي كمنصة للمنتديات العالمية، مشيرا إلى أن إمارة دبي بصلابة اقتصادها ومتانة بنيتها التحتية، تركز على تطوير اقتصاد قائم على المعرفة، وكفاءة مواردها البشرية، تشكل عوامل أساسية تدفع بها إلى مراحل من الإنجاز والريادة على كل المستويات وفي مختلف القطاعات.
وبين وجود مؤشرات إيجابية كثيرة على نمو الاقتصاد، وخصوصا في القطاعات الأساسية مثل التجارة والسياحة والنقل، موضحا أن دبي تمكنت من النجاح في إيجاد ترابط إيجابي بين الشعوب. وقال القمزي «في إطار تنويع اقتصادها، أضافت الإمارة قطاع الاقتصاد الإسلامي لاقتصادها من خلال منظومة متكاملة، تشمل عدة مجالات منها مركز للتمويل الإسلامي، وتسويق المواد الغذائية الحلال، ووجهة رئيسية للسياحة العائلية، ومركز رئيسي للفن والتصميم الإسلامي».
وبين أن إمارة دبي تسعى من خلال رؤية دبي السياحية 2020، إلى مضاعفة أعداد السائحين إلى 20 مليون سائح بحلول عام 2020، ورفع المساهمة السنوية لقطاع السياحة في الاقتصاد المحلي لدبي إلى 300 مليار درهم (80 مليار دولار).
وبالعودة إلى القضايا التي تواجه العالم في العام المقبل، قالت مارتينا لاركن مدير أول ورئيس شبكة مجالس الأجندة العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي، تضمنت الدراسة مجموعة من المشكلات التي تشكل أسس الأجندة، وتحتاج إلى البحث عن حلول، والتي تمثلت في تزايد عمق أزمة عدم المساواة في الدخل، والبطالة، والافتقار إلى القيادة العالمية.
وأضافت «يشمل ذلك التغيرات المناخية وندرة المياه، والمشكلات الجيوسياسية وأزمة تفشي مرض الإيبولا مما يعكس أهمية الصحة في الاقتصاد»، مشيرة إلى أن هذه النقطة تعد من النقاط الجديدة التي تمت إضافتها هذا العام.
من جهته قال توماس ألفيس رئيس استونيا خلال مشاركته في الجلسة إن «جزءا من الحل يكمن في الإلمام بالتكنولوجيا والاهتمام بها وإدراجها ضمن المناهج التعليمية لمواكبة التغير السريع في مختلف المجالات وإلا لن يتمكن الأفراد من الحصول على عمل مستقبلا».
في الوقت الذي بين خوسيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية ما بين 2004 وحتى 20014، والمشارك في مجلس الأجندة العالمية عن مستقبل المنظمات الإقليمية، الوضع في الاتحاد الأوروبي، إنه مع زيادة أعداد البطالة في أوروبا ازداد الافتقار إلى عدم وجود قيادة لأن الحكومات لم تعد قادرة على حل المشكلات من وجهة نظر المواطن. وأضاف أن «الحل يكمن في وجود قيادة فاعلة تقوم بدورها»، داعيا إلى تأمين القيادة في المستقبل، وقال إنه «على الرغم من أن المؤسسات تعاني من أزمة ثقة فإنه ينبغي وجود آليات حوكمة عالمية أقوى من خلال العمل على مستوى مناطق جغرافية ويمكن للمنظمات الإقليمية أن تلعب دورا في هذا الأمر، مثل الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليج، فضلا عن الدور الذي تقوم به مجالس الأجندة العالمية».
وأشار ماجد جعفر، الرئيس التنفيذي لشركة «نفط الهلال» الإماراتية، المشارك في مجلس الأجندة العالمية عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى أنه في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة في المنطقة والحرص على تحقيق النمو الاقتصادي المطلوب ينبغي تضافر جميع الأطراف المعنية لأنه لن يستطيع طرف بمفرده القيام بالمهمة وحده، مثمنا في الوقت نفسه الدور الذي تلعبه دبي في استضافة جلسات الأجندة العالمية من أجل السماح بإيجاد حلول للمشكلات التي يواجهها العالم.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.