خيار الجنرالات

سياسيون مخضرمون وعسكريون في سباق الرئاسة المصرية

عبد الفتاح السيسي
عبد الفتاح السيسي
TT

خيار الجنرالات

عبد الفتاح السيسي
عبد الفتاح السيسي

يسعى عسكريون مصريون للترشح للرئاسة المصرية المقرر فتح الباب لها خلال شهرين من الآن، لكن ما يسميه البعض «خيار الجنرالات» ربما يتسبب في انفراط العقد وقد يتسبب أيضا في انحصار المنافسة بين عدد من المرشحين المدنيين.
بيد أن هذا يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط، هي عدم ترشح الفريق أول عبد الفتاح السيسي للرئاسة. أما إذا ترشح السيسي، فإن مسألة السباق الرئاسي ستكون محسومة تقريبا لصالحه، وفقا لما يقوله سياسيون ومرشحون سابقون.. وفنانون أيضا.
في وسط سوق البضائع السياسية الجيدة والرديئة، يمكن أن تلمس تيارا عاما يعبر عنه خليط من الفنانين المصريين ومحبيهم يرى أن الحل الوحيد في ترشح «السيسي» للرئاسة، بعيدا عن أي تحليلات. وتحظى الأغنية المؤيدة للجيش ولخطوة الإطاحة بمرسي التي قام بها السيسي بشعبية طاغية والتي تقول كلماتها «تسلم الأيادي.. تسلم يا جيش بلادي». ولعب الفنانون في البلاد أدوارا مهمة منذ عهد الملك فاروق مرورا بعبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي كما تقول لـ»الشرق الأوسط» بطلة مسرحية «الزعيم» رجاء الجداوي.
وقف الفنانون المصريون ضد سياسات الرئيس المعزول الذي يواجه في الوقت الحالي العديد من التهم بالخيانة والتخابر وإهانة القضاء والتحريض على القتل، ولعب بعضهم دورا لافتا في إنجاح صياغة دستور عصري مع السياسي المخضرم عمرو موسى، والتفوا حول تأييده مع ملايين المصريين أثناء الاستفتاء عليه الأسبوع الماضي.
«إذا لم يترشح السيسي فسنتجه لتأييد الفريق سامي عنان، الرئيس السابق لأركان الجيش المصري». هكذا يقول محمد عبد الله العضو في حملة «مصر بلدنا» التي تدعو منذ ستة أشهر لترشح السيسي. لكن زميله في نفس التكتل يرى أنه في حال عدم ترشح السيسي فإنه سيتجه لتأييد الفريق أحمد شفيق، المرشح السابق للرئاسة أمام مرسي، والذي عمل أيضا كرئيس للوزراء في آخر أيام مبارك وعمل في السابق أيضا كوزير للطيران.
وتوجد تكتلات وحملات أخرى تقول إنها ستضطر لتأييد ترشح مدير المخابرات العامة المصرية السابق، اللواء مراد موافي، رغم أنه حتى الآن أقل الجنرالات حديثا عن هذا الأمر، لكن اسمه بدأ في الأيام الأخيرة يصعد ويملأ الأجواء بقوة، كخيار محتمل للمنافسة على الرئاسة في حال عدم ترشح السيسي، إضافة إلى أسماء لجنرالات آخرين يطمحون في الترشح للرئاسة، من بينهم وكيل المخابرات العامة السابق اللواء حسام خير الله الذي يضع منذ أشهر أرضية لتهيئة خوضه المنافسة عندما تتضح الرؤية، أو كما يقول لـ»الشرق الأوسط» إنه سيترشح «في حال لم يترشح السيسي».
هكذا تبدو خارطة الجنرالات بشكل مبسط، لكن ماذا عن خارطة المدنيين. تقول قيادات في جبهة الإنقاذ التي تضم الأحزاب الرئيسية والتي قادت مع حركات ثورية أخرى الإطاحة بنظام مرسي العام الماضي، إنها لم تقرر بعد من الذي سترشحه للرئاسة، لكن عددا من قياداتها تفضل الفريق أول السيسي، كما يقول لـ»الشرق الأوسط» الأمين العام لحزب التجمع والقيادي في الجبهة أيضا. ويأتي هذا بعد أن أشاع عدد ممن يعملون من داخل الجبهة أنها ربما تدعم المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي، لكنها ردت على هذه الشائعات ونفتها في حينه.
حتى صباحي نفسه يبدو أنه لم يحسم أمره بشأن ترشحه من عدمه. ويبدو الأمر بالنسبة له ولكثير من المرشحين المدنيين المحتملين، مرتبكا برمته. ورغم أن صباحي يعلن بين وقت وآخر أنه سيترشح ليحقق برنامجا يعكس أحلام المصريين، إلا أنه في اللقاءات التي تجمعه أحيانا ببعض قادة الجيش يقول إنه لو ثبت له أن السيسي سيترشح وسيتبنى برنامجا مشابها لبرنامجه الانتخابي المفترض فإنه سيعيد التفكير في أمر رغبته في المنافسة على الرئاسة.
يقول صباحي، وهو ناصري ويقود حاليا ما يسمى بـ{التيار الشعبي» الذي يضم ثوريين ومجموعات من الشباب المتحمس لبناء مستقبل يليق بدولة مثل مصر، إن الدستور الجديد يحقق العدالة والكرامة الاجتماعية للمواطنين، ويحتاج لمن يحول مواده ونصوصه إلى حقائق على الأرض ويبث فيها الحياة لتحقيق مستقبل أفضل للشعب، ولهذا يرى أنه سينافس على الرئاسة لتنفيذ نصوص الدستور، لكنه يربط هذا بشرط هو أن يحظى بتوافق من شباب الثورة، ويعود ليقول إنه في حال توافق شباب الثورة على مرشح آخر سأدعمه، مشيرا إلى أن السيسي لم يعلن ترشحه للرئاسة رسمياً حتى الآن.
ومن المرشحين المدنيين الكبار الآخرين هناك اسم عبد المنعم أبو الفتوح، المحتمل أن يخوض المنافسة، وهو إخواني سابق، ويرأس حزب «مصر القوية» ويواجه تيارا مصريا عاما كارها لجماعة الإخوان والمرتبطين بها. وهاجم حزب أبو الفتوح خريطة المستقبل التي أدت للإطاحة بمرسي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، ورفض الدستور الجديد الذي وافق عليه غالبية المصوتين المصريين في الاستفتاء الأخير، رغم أن الحزب نفسه لم يكن مقتنعا بسياسات مرسي في أيامه الأخيرة.
وفي آخر حديث له مع «الشرق الأوسط» علق أبو الفتوح على قرار ترشحه من عدمه بأنه يرتبط بالظروف المقبلة والمناخ العام وبقرار حزبه. ويدعم أبو الفتوح بقايا مما يمكن أن يطلق عليه تيار الإسلام السياسي الوسطي، ومجموعات من شباب الثورة وبعض الحركات الثورية الأخرى. وفي حال ترشحه يتوقع أن يلتف حوله أيضا أعضاء الأحزاب الإخوانية والسلفية والجهادية المؤيدة للرئيس السابق.
وسواء أراد أو لم يرد، يظهر وجه عمرو موسى، من بين وجوه المدنيين ممن يمكن أن يثير خيال الناخبين من جديد. وخاض موسى الانتخابات الرئاسية في عام 2012، لكن فرصه كانت متواضعة بسبب حالة الاستقطاب في ذلك الوقت، لكن يبدو أنه حقق مكاسب كبيرة في الشهور الأخيرة حين حاز على إعجاب كثير من المصريين من خلال رئاسته وإنجازه بنجاح للجنة أعمال الدستور الجديد. وفي حال عدم ترشح السيسي فإن اسم موسى سيكون واحدا من بين الأسماء القوية المطلوب ترشحها للرئاسة.
ويقول حسين إمام، القيادي في ائتلاف شباب الثورة في جنوب القاهرة إن موسى تعرض في الانتخابات الرئاسية السابقة لهجوم قاده الإسلاميون ووصفوه خلالها بأنه من نظام مبارك لسبب بسيط وهو أنه كان وزيرا للخارجية في تسعينيات القرن الماضي. ويضيف أن موسى لفت الأنظار إليه أخيرا ليس كونه رجل دولة يمكن الاعتماد عليه في هذه المرحلة التي تمر بها مصر، ولكن لأنه أثبت بجداره أنه «سياسي مخضرم ومحنك»، ولديه خبرة بالواقع المحلي المصري والواقع الإقليمي والدولي، بحكم عمله لسنوات كأمين عام للجامعة العربية. لكن حتى موسى نفسه يرى أن الرجل الأصلح لقيادة مصر هو الفريق أول السيسي.
وبالعودة إلى الجنرالات مرة أخرى، تجد بعض الأسماء تخرج فجأة إلى النور قبل أن تتوارى مرة أخرى في الظل. ويبدو هذا انعكاس لحالة عدم اليقين الجارية في البلاد، بسبب تأخر السيسي في إعلان موقف واضح بشأن ترشحه أو عدم ترشحه للرئاسة، على ما يبدو. ويقول الفريق خير الله إن تأخر السيسي يؤثر على من يفكرون في الترشح، لأنهم غير قادرين على البدء بالترويج لأنفسهم أم بمساندة السيسي، مشددا على أن الجيش المصري لا يعرف صراع الجنرالات.
وبنجاح الاستفتاء على الدستور خرج العديد من الجنرالات والطامحين في الرئاسة للتهنئة بما أنجزه المصريون من التفاف حول الاستحقاق الأول لخريطة الطريق. وأعلن الفريق عنان ترحيبه بنتيجة الاستفتاء مؤكدا أنها أظهرت معدن الشعب العظيم ورغبته في بناء دولة الحرية، والمساواة، والديمقراطية، وقال إن مصر «في انتظار رجل الدولة الذي يقود السفينة في بحر عاصف، ولا تنتظر الزعيم الخارق الذي يحقق المعجزات».
ويطل الفريق شفيق على المصريين كل عدة أسابيع عبر وسائل الإعلام ليذكرهم بنفسه على ما يبدو كونه يعيش خارج البلاد منذ الحملة التي شنها ضده الإسلاميون عقب خسارته للانتخابات أمام مرسي. لكن شفيق لديه أنصار وحزب في الداخل ساهموا بقوة في الإطاحة بالإخوان الصيف الماضي مع قوى حزبية وثورية أخرى، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
أما السيسي نفسه فيبدو أن أمر ترشحه للرئاسة لن يكون قرارا سهلا. فالبلاد تعاني من مشاكل اقتصادية وأمنية واجتماعية عميقة. ومنذ «ثورة 25 يناير 2011» خسرت خزانة الدولة مليارات الدولارات، وفقد ملايين المصريين وظائفهم خاصة في قطاع السياحة الحيوي، إلى جانب المخاوف التي أصبح ينشرها أعداء السيسي بأنه ربما سيعتمد على أنصار الرئيس الأسبق مبارك في قيادة الدولة في حال فوزه بالرئاسة، خاصة كبار رجال الأعمال والفنانين والإعلاميين الذين يقال إنهم أسهموا بشكل واسع في دعم «ثورة 30 يونيو 2013» التي أطاحت بحكم الجماعة.
ويقول أحد الناشطين من شباب الثورة إنه توجد تحركات في الشارع ستبدأ من يوم 22 الشهر الجاري، انطلاقا من ميدان طلعت حرب القريب من ميدان التحرير الشهير، لرفض ظهور رجال مبارك في المرحلة الجديدة، مشيرا إلى أن هذه التحركات ستستمر حتى يوم 25 الجاري للاحتفال بالذكرى الثالثة لـ»ثورة» يناير، لكن مصادر أمنية ترى أن هذه التحركات تقف وراءها جماعة الإخوان وعدد من أنصارها، وأن قيادات من الجيش سوف تلتقي مع شباب الثورة لتوضيح مخططات الإخوان الساعية لإحداث وقيعة بين شباب «يناير» وأجهزة الدولة خاصة القوات المسلحة والشرطة، خلال تنفيذ باقي استحقاقات خارطة المستقبل من انتخابات رئاسية وبرلمانية. ويتطلب ترشح السيسي البالغ من العمر 59 سنة، للرئاسة، الاستقالة من موقعه كوزير للدفاع لأن قانون مباشرة الحقوق السياسية يمنع العسكريين من الترشح أو الانتخاب طالما كانوا في الخدمة. وهذه الاستقالة ينبغي أن تكون قبل نهاية هذا الشهر حتى يتسنى له تسجيل اسمه في كشوف الناخبين لهذه السنة. وتقول التسريبات إن الفريق صدقي صبحي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، ربما يخلف السيسي في موقعه. ويعد صبحي البالغ من العمر 57 سنة، ومن مواليد محافظة المنوفية (شمال القاهرة)، أحد المقربين من قائد الجيش وواحدا من رجاله الموثوق فيهم.
ويقول عبد النبي عبد الستار، المتحدث باسم حملة «كمل جميلك» التي تدعو السيسي للترشح للرئاسة، وتضم في صفوفها ضباطا متقاعدين من الجيش والشرطة وعددا من السياسيين والناشطين إن المصريين يربطون بين الأمن والأمان ووجود السيسي كرئيس للدولة. ويضيف لـ»الشرق الأوسط» أن «السيسي نفسه يربط نزوله لانتخابات الرئاسة بنزول الناس بكثافة في الاستفتاء، وهو ما حدث وأصبح عليه أن يستجيب للإرادة الشعبية المطالبة برئاسته للدولة».
وإلى جانب السياسيين والحراك الثوري، أسهم الفنانون والمثقفون في دق المسامير في نعش حكم الإخوان حين أوقفوا حفلات في دار الأوبرا وأعلنوا أمام جمهور العروض الموسيقية أنه حان وقت التغيير في مصر لإنقاذ البلاد من الحكم الظلامي. ونفذوا إضرابا واعتصاما في مقر وزارة الثقافة استمر أكثر من شهر ولم ينته إلا بعزل مرسي.
ويقول الفنان أحمد بدير، الذي أدى العديد من الأدوار السينمائية والمسرحية والتي ظهر في بعضها كرجل عسكري يقدس تطبيق القانون والدقة في العمل إن ما قام به المصريون من التفاف حول الدستور إنجاز عظيم يتطلب اكتماله بترشح السيسي للرئاسة. ويضيف الفنان بدير قائلا لـ»الشرق لأوسط»: «أقول للشعب المصري لقد أثبت أنك أعظم شعوب الدنيا قاطبة وأنك شعب خالد كخلود النيل واستطعت أن تقيم ثورتين في ثلاث سنوات واستطعت أن تخرج في 30 يونيو بأكبر ثورة شعبية عرفها العالم في الميادين والشوارع بأكثر من 33 مليون متظاهر».
ويتابع بدير موضحا أن المصريين، وهم مقبلون على تنفيذ باقي استحقاقات خريطة المستقبل، استطاعوا «في ظل جماعة إرهابية وتنظيم دولي إرهابي وتكالب الدول ضد مصر، أن يقهروا كل هؤلاء، وأن ينجزوا دستورا عظميا لمصر المستقبل، رغم كل هذه الظروف»، مشيرا إلى أن الإقبال على الاستفتاء عليه جاء بصورة غير مسبوقة و»لم يحدث في تاريخ الدساتير أن جرى التصويت بهذه النسبة»، وإذا أرادوا السيسي رئيسا فسيأتون به عبر صناديق الانتخاب.
وقال بدير، الذي لعب أشهر أداروه من خلال شخصية «الصول عبد العال» في مسرحية «ريا وسكينة» إن الشعب مقبل على انتخابات برلمانية وانتخابات رئاسية.. «وانتهى عهد شراء أصوات الناخبين بالزيت والسكر، بعد أن قال أكثر من 90 في المائة نعم للدستور. ولهذا يستطيع هذا الشعب أن يختار رئيسا، وليكن هذا الرئيس هو من يحظى بشبه إجماع شعبي عليه، وهو الفريق أول عبد الفتاح السيسي». وأضاف أن «الشعب يحب السيسي ويرى فيه أملا ونموذجا للمصري الذي يحب ويعشق تراب بلده ووقف مع الشعب في أحلك الأوقات واستطاع أن ينصر الشعب على قوى الظلام ويقهر الجماعات الإرهابية، ولم يجبر أحد الشعب على أن يطالب بالسيسي إلا موقفه الوطني العظيم تجاه بلده».
ويتابع قائلا عن مشاهداته في أيام الاستفتاء على الدستور الأسبوع الماضي وما اقترن بها من ترجيحات بشأن من سيقود مصر في الفترة المقبلة: «من الطفل للرجل المسن ومن المرأة العجوز مرورا بالشباب والفتيات، لو سألتهم كلهم يقولون لك إن السيسي هو الرئيس القادم».
لماذا كل هذا الالتفاف الشعبي حول السيسي؟ يقول بدير: «لأن الرجل، إضافة لمواقفه العملية السابقة، قال في آخر خطاب له إنه يستيقظ الساعة الخامسة صباحا، وسأل إن كان الشعب لديه استعاد لذلك. وأرى أن الشعب مستعد للعمل الجاد مع السيسي لإعادة بناء مصر.. هو لم يعد الشعب بأنه سيأتي له بـ200 مليار دولار كما وعد الرئيس السابق المصريين، بينما اتضح بعد ذلك أنها وعود غير قابلة للتحقق»، مشيرا إلى أن «السيسي لم يعدنا بوعود رنانة، ولا وعود خلابة بلا أساس، ولكنه طلب من الشعب أن يعمل وهذا هو المطلوب منا بعد الاستفتاء».
ويدور الحديث حول موائد السياسيين والمثقفين والفنانين عن احتمال عدم ترشح السيسي ودخول آخرين من الجيش والمدنيين حلبة المنافسة. لكن الفنان بدير يعود ويعلق قائلا: «نحن ليس لدينا رفاهية أن نجرب في منصب الرئيس مرة أخرى، بعد تجربة انتخابات 2012. ولا نريد أن نأتي برئيس يحظى بـ51 في المائة من أصوات الناخبين، فيخرج عليه الـ49 في المائة في الشوارع. من أجل تجنب هذا نحن نختار السيسي ولا نريد تجارب أخرى فاشلة على هذا الموقع، ولذلك أقول للفريق أول السيسي إن ترشحه للرئاسة إرادة شعبية.. الرئاسة تضحية في مثل هذه الظرف الصعبة التي تمر بها البلاد وهي ليست مغنم ولا مطمع بل شقاء وتعب وترميم للجراح، وهو بوطنيته ومصريته وإنسانيته وحبه لبلده، أعتقد أنه سيرضخ لإرادة الشعب المصري».
ويزيد أحمد بدير قائلا عن المنافسين الطامحين في الترشح للرئاسة: «أعتقد أن كل الطامحين في خوض الانتخابات الرئاسية، سواء من عسكريين سابقين أو من مرشحين مدنيين سابقين، لن يقفوا في وجه التيار الشعبي المطالب بالسيسي رئيسا». ويمكن لموجة عارمة من المطالبات الشعبية الداعية لترشح السيسي، أن تتكسر على صخرة «عدم ترشحه» وتتفرق في أمواج متلاطمة في شوارع وميادين القاهرة والمحافظات، لتعيد القلاقل إلى البلاد مرة أخرى، كما حدث في فترتي حكم المجلس العسكري السابق ومرسي، عقب رحيل نظام مبارك، ما أدى لسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى. وبدت أغنية «تسلم الأيادي» التي وضعها عدد من المطربين والموسيقيين، كلحن ونشيد يردده المصريون ويعبر عن مرحلة جديد تبحث عن جنرال قوي لقيادة البلاد. وتتردد الأغنية في سيارات الأجرة وفي الشوارع والحواري وحفلات الزفاف وأعياد الميلاد.
وعلى مائدة أخرى من موائد السياسيين تحدث القيادي المعروف في جبهة الإنقاذ جورج إسحاق لـ»الشرق الأوسط» عن الزخم السياسي الجديد الذي اتسم هذه المرة بوجود العديد من أصوات الفنانين داخله مع قرب اختيار رئيس للبلاد، سواء كمتحدثين أو مغنيين أو متبرعين ومتطوعين للعمل العام في الظروف الصعبة. ويقول اسحاق: بداية من الفنان سيد درويش ودوره في ثورة 1919 إلى عبد الحليم حافظ ودوره في عهد عبد الناصر كان للفنانين دورهم البارز في توجيه الرأي العام. وأعتقد أنهم يكونون أكثر حساسية بشأن المستقبل، لأن الفنانين والمبدعين لا يمكن أن يعملوا في ظروف فيها اضطرابات، ولذلك فهم أكثر الناس رغبة في الاستقرار، مشيرا إلى أن الكثير من الفانين «شعروا بخطر المرحلة (في عهد مرسي) فبدأوا في الاحتجاج لأنهم كانوا يرون أن الثقافة في مصر تنهار»، مشيرا إلى أن الفنان المصري يظهر دوره حين يكون الوطن في خطر ويكون موقفه واضحا وبارزا.
ويربط المصريون بين نجاح الدستور والتطلع لترشح السيسي. وتحدثت الفنانة رجاء الجداوي، التي لعبت أدوارا مسرحية كامرأة قريبة من دائرة الحكم خاصة في مسرحية «الزعيم» مع الفنان عادل إمام، عن وجود الفنانين والمثقفين مع ملايين المصريين، من أجل تغيير البلاد إلى الأفضل، مشيرة إلى موقفهم اللافت في الأيام الأخيرة من حكم جماعة الإخوان، ومشاركتهم من خلال الأغاني ومن خلال الاعتصام في مقر وزارة الثقافة مع المثقفين والكتاب. وأعربت عن أنه كان لهم فضل كبير في خروج الدستور المصري الجديد بهذا الشكل العصري، ويبحثون مع باقي المصريين عن رئيس مخلص لقيادة الدولة.
وتضيف أن الدستور خرج بهذه الطريقة لأنه جرى بقيادة رجل حكيم وهو السيد عمرو موسى والحوار الهادئ في اللجنة التي ترأسها، ولم نسمع عن خلافات حادة ولم نسمع عن تبادل للألفاظ المرفوضة أو تنابذ بين أعضاء لجنة صياغة الدستور. حتى الخلافات كانت هادئة جدا وأدت لخروج الدستور بطريقة هادئة، وعبرت عن كل أطياف الشعب.
وتقول الجداوي عن كاريزما الرئيس التي ترى أنه يصلح لقيادة البلاد في هذه المرحلة: أنا أرى أن أي واحد يحب مصر بإخلاص ويدافع عنها وينتمي لأرضها ويحبها بلا غرض شخصي أهلا وسهلا به. ليست لدي مسميات مسبقة.. هل أقول السيسي؟ أهلا وسهلا به، فقلبه ينبض بحب مصر وأسلوبه الهادئ وبصوته الذي كله ثقة ووصل لقلوب الناس. أتمنى أن يكون موجودا لقيادة مصر عن طريق رغبة شعبية جماعية، وإذا هو رشح نفسه فأهلا وسهلا به.
ويقول أحمد رسلان، البرلماني السابق والذي يقود تكتلا من القبائل والعائلات المصرية المؤثرة في الانتخابات، لـ»الشرق الأوسط»: كل المؤشرات تتجه لأن يكون السيسي رئيسا لمصر. بينما يرى سياسيون آخرون أن عدم ترشح السيسي ربما يفتح الباب لانقسامات في مصر بين الطامحين في الرئاسة، خاصة بين الجنرالات السابقين.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.