تركيا تطالب عسكريين مفصولين بـ«تكاليف تدريبهم»

تركيا تطالب عسكريين مفصولين بـ«تكاليف تدريبهم»

خلافات داخل حزب إردوغان حول تعديل قانوني يوسّع التحريات الأمنية
الثلاثاء - 23 رجب 1441 هـ - 17 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15085]

يواجه آلاف العسكريين المفصولين من الجيش التركي بدعوى ارتباطهم بحركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن التي حملتها الحكومة المسؤولية عن محاولة انقلاب فاشلة وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016 مطالبات بدفع مبالغ ضخمة مقابل التدريبات التي حصلوا عليها في صفوف الجيش. كما تطالب الحكومة التركية العسكريين المفصولين، الذين يعيش غالبيتهم ظروفا قاسية بعد فصلهم من الخدمة، بسداد فوائد عن المبالغ التي تطالبهم بها عن الفترة التي أعقبت فصلهم.

وبحسب الأرقام الرسمية التي أعلنها وزير الدفاع خلوصي أكار في فبراير (شباط) الماضي، بلغ عدد المفصولين من الخدمة في الجيش 28 ألفا و148 عسكريا، بينهم 24 ألفا و185 أُبعدوا من الخدمة بموجب مراسيم من رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، و3 آلاف و963 بقرار حمل توقيع وزير الدفاع.

وتلقى المفصولون بموجب قرار وزير الدفاع إخطارات من رئاسات الإدارات المالية التابعة للجيش لدفع تعويضات بقيمة تراوحت بين 7 آلاف و80 ألف ليرة تركية بحسب رتبة كل منهم. وبحسب وسائل إعلام تركية، بلغت قيمة التعويضات المطلوبة 80 ألف ليرة (نحو 13 ألف دولار) للعسكريين الذين حصلوا على تدريبات على الطائرات أو الدفاع الجوي أو الدبابات. أما بالنسبة بمن حصلوا على تدريبات باستخدام أساليب تكنولوجية منخفضة فتراوحت قيمة التعويضات المطلوبة من كل منهم بين 7 و10 آلاف ليرة تركية (1150 إلى 1500 دولار).

ويواجه آلاف من المفصولين من الخدمة بالجيش أوضاعاً معيشية صعبة للغاية، حيث تضمنت قرارات فصلهم عدم السماح لهم بالالتحاق بالعمل في الشركات والمؤسسات العامة أو الخاصة. وفي مطلع العام الجاري، صدر حكم على 70 عسكريا من المفصولين من سلاح الجو بالسجن مدى الحياة بتهمة المشاركة في محاولة انقلاب 15 يوليو 2016. ونجح أغلبهم في الهروب إلى خارج تركيا قبل صدور هذه الأحكام. ولا تزال السلطات التركية تواصل بشكل منتظم حملات اعتقال طالت عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة، بدعوى الارتباط بحركة غولن.

والأسبوع الماضي، انتقد تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول حقوق الإنسان للعام 2019 طرد الآلاف من أفراد الجيش والشرطة من الخدمة باستخدام مراسيم حالة الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب الجديدة، كجزء من رد تركيا على محاولة الانقلاب. وفصلت الحكومة التركية أكثر من 150 ألف موظف مدني عن عملهم، كما اعتقلت نحو 80 ألف مواطن، وأغلقت أكثر من 1500 منظمة غير حكومية، فضلا عن المفصولين من الجيش والشرطة وأجهزة القضاء. ولفت التقرير إلى وقوع حالات قتل تعسفي ووفيات مشبوهة لأشخاص محتجزين، وحالات اختفاء قسري وتعذيب واعتقال تعسفي لعشرات الآلاف من الأشخاص، بما في ذلك نواب معارضون في البرلمان ومحامون وصحافيون ومواطنون أجانب، إضافة لثلاثة موظفين أتراك يعملون في البعثة الأميركية في تركيا، بسبب صلاتهم المزعومة بجماعات «إرهابية» (إما حركة غولن وإما حزب العمال الكردستاني). وانتقدت وزارة الخارجية التركية التقرير الأميركي واعتبرته «مسيّساً ويتضمن ادعاءات لا أساس لها».

في السياق ذاته، تناول الصحافي الأميركي المتخصص في الشؤون الدفاعية مايكل ميك، في مقال بعنوان «الطيارون المقاتلون ثمنهم ليس رخيصا»، عجز القوات الجوية التركية، حاليا عن تشغيل طائراتها المقاتلة من طراز «إف - 16» بعد فصل عدد ضخم من الطيارين. وجاء في المقال، الذي نشر في مجلة «ناشيونال إنترست» المتخصصة في الشؤون العسكرية، أن «الجيش التركي تخلص من طياريه وأصاب قواته الجوية بالعجز، لأسباب سياسية، حتى قواته الجوية أصبحت في وضع لا يمكنها تشغيل طائراتها من طراز (إف - 16)». وتابع ميك: «حبس الطيارين الوطنيين لا يكلّف خسائر مادية فقط، وإنما يتسبب أيضا في فقد للعناصر المدربة وموارد القوات المسلحة ذات القيمة الكبيرة للغاية». وأكد أن الجيش التركي استبعد أكثر من 300 طيار مقاتل لأسباب سياسية؛ الأمر الذي جعلها تبدأ البحث عن طيارين جدد لسد هذا العجز، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة رفضت طلب الحكومة التركية ولم ترسل لها مدربين لتدريب الطيارين الجدد لديها. وكشف ميك عن أن تركيا لجأت إلى طيارين مقاتلين من باكستان التي تمتلك طائرات من الطراز نفسه، لكن ذلك لم يسد العجز، فقررت بعد ذلك استدعاء نحو 350 طيارا مقاتلا سابقا، وهددتهم بإلغاء تراخيص قيادتهم للطيران المدني.

على صعيد آخر، يشهد حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، أزمة وخلافات حادة حول مشروع قانون يوسع نطاق التحريات الأمنية. ونقلت وسائل إعلام تركية عن مصادر في الحزب أن وزير العدل، عبد الحميد غل، وعدد من النواب اعترضوا بشدة على رغبة وزير الداخلية، سليمان صويلو، في توسيع نطاق قانون «التحريات الأمنية». ويرى المعارضون للتعديلات الجديدة أنه يتوجب بدلا عن ذلك اتخاذ خطوات وإجراءات توسع نطاق الحريات وتضمن حماية حقوق الإنسان.

وقالت صحيفة «جمهوريت» التركية إن «حزب العدالة والتنمية» عاود طرح مسألة توسيع الصلاحيات بموجب قانون «التحريات الأمنية» الذي سبق أن أثار أزمة بسبب اعتراض عدد من أعضاء الحزب على حزمة التعديلات التي يراد إدخالها على القانون. وأشارت إلى أن لقاءات وزير الداخلية مع وزير العدل وعدد من قيادات الحزب والنواب الحقوقيين وموظفي الوزارة لم تسفر عن اتفاق بشأن التعديلات الجديدة على القانون. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين بالحزب الحاكم أن الأمر الذي يعملون عليه حاليا هو التمييز والفصل بين التحريات الأمنية والتحريات الأرشيفية وأن وزيري العدل والداخلية يقفان على طرفي نقيض من التعديلات المطلوبة، وأن وزير الداخلية يريد توسيع نطاق القانون أكثر. وقال المسؤولون بالحزب الحاكم إن الطرفين فشلا خلال الاجتماعات الكثيرة التي عقدت لمناقشة التعديلات في التوصل لاتفاق بشأن تطبيق التحريات الأمنية والتحريات الأرشيفية.

وتساءل المشاركون بالاجتماعات عن الوظائف والأعمال التي سيطلب فيها من الموظف عند التعيين أو المقاول عند التعامل مع الدولة الخضوع للتحريات الأمنية والوظائف والأعمال التي سيطلب فيها الخضوع للتحريات الأرشيفية، مؤكدين أن التحريات الأمنية إجراء واسع النطاق.

وتثير التعديلات المطلوبة شبهات ومخاوف بشأن إمكانية استخدامها لزيادة التنكيل بالمعارضين الذين وسعت السلطات الاتهامات لاعتقالهم خلال السنوات الأربع الماضية على نحو مبالغ فيه. ويأتي إصرار وزير الداخلية على تعديل القانون في وقت تواصل فيه تركيا تراجعها في مؤشر الحريات، لتحتل المركز الثاني بين أكثر دول العالم تدهورا خلال السنوات العشر الأخيرة، بحسب أحدث تقرير حول التقييم السنوي للحريات الأساسية الخاص بالعام 2020 والصادر عن منظمة «فريدوم هاوس» الحقوقية الأميركية.

وذكر التقرير أن تركيا تراجعت 31 نقطة في غضون 10 سنوات؛ ما يجعلها تسجل ثاني أكبر تراجع في الحريات بعد دولة بوروندي التي تراجعت 32 نقطة لتكون صاحبة أكبر تراجع خلال العقد الماضي. وصنف التقرير تركيا على أنها دولة «غير حرة» للعام الثاني على التوالي، لتنضم بذلك إلى 49 دولة أخرى من أصل 195 دولة تم تقييمها. وأوضح التقرير أن «الملاحقات القضائية وحملات التحرش ضد السياسيين المعارضين وأعضاء بارزين في المجتمع المدني استمرت على مدار عام 2019». وأشار إلى استمرار تدهور حرية التعبير وإلى مشاكل في نظام العدالة، مؤكدا أن «تركيا بلد تراجع كثيرا في مجال الحريات. ويواجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحكومته، خلال السنوات الأخيرة، اتهامات دائمة بتسييس القضاء لاستغلاله من أجل الانتقام من معارضيه وزيادة نفوذه».


تركيا تركيا أخبار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة