دمشق تغلق المدارس والجامعات والصالات العامة لمنع انتشار «كورونا»

تصر على إنكار تسجيل إصابات بالفيروس... والمواطنون يتهافتون على شراء المواد المطهرة

طفلة تخضع لفحص الحرارة في معبر باب السلامة الحدودي السوري - التركي أمس (أ.ف.ب)
طفلة تخضع لفحص الحرارة في معبر باب السلامة الحدودي السوري - التركي أمس (أ.ف.ب)
TT

دمشق تغلق المدارس والجامعات والصالات العامة لمنع انتشار «كورونا»

طفلة تخضع لفحص الحرارة في معبر باب السلامة الحدودي السوري - التركي أمس (أ.ف.ب)
طفلة تخضع لفحص الحرارة في معبر باب السلامة الحدودي السوري - التركي أمس (أ.ف.ب)

قالت طالبة سورية في المرحلة الإعدادية إنها تلقت توبيخاً من المرشدة النفسية في المدرسة ومعلمة مادة العلوم بسبب استخدامها مادة معقّمة لتنظيف مقعدها في الصف، وذلك في شكوى تقدمت بها الطالبة في مدرسة وائل العربي بمنطقة تنظيم صحنايا في ريف دمشق إلى إذاعة «مدينة إف إم» قبل يومين. وقالت الطالبة إن «التوبيخ توجه لها فقط لأنها قامت بمسح مقعدها بالكحول الطبي» قبل أن تحيلها معلمة العلوم إلى المرشدة النفسية التي بدورها «هددتها بالفصل بذريعة أنها تثير الخوف بين الطلاب حول فيروس كورونا».
وأحالت إذاعة «مدينة إف - إم» شكوى الطالبة إلى مدير تربية ريف دمشق ماهر فرج الذي وعد بمتابعة الموضوع، مؤكداً أن «التربية تقوم بإجراءات التعقيم للمدارس وأن أي طالب تظهر عليه أعراض المرض يستطيع الغياب دون حاجة للتبرير».
وما زالت الحكومة السورية تنفي تسجيل إصابات بفيروس كورونا الجديد (كوفيد - 19)، رغم أنباء أوردها «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن تفشي الفيروس في محافظات دمشق وطرطوس واللاذقية وحمص. إلا أن نفي الحكومة ومحاولة بث تطمينات عن عدم تسجيل إصابات بكورونا في سوريا لم يحدا من التهافت على شراء المعقمات والمواد المطهرة التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني في الأيام الأخيرة نتيجة الطلب الزائد وشح الكميات المتوافرة بعد توقف استيراد المواد الأولية من الصين. فعبوة «تاتش» (جل مطهر) الصغيرة ارتفعت من 259 ليرة إلى 500 ليرة، وعبوة الكحول الطبية المتوسطة ارتفعت من 500 ليرة إلى 2500 ليرة (الدولار يعادل 1060 ليرة تقريباً).
ويشار إلى أن وزارة التربية بدمشق طلبت من مديرياتها في المحافظات إيقاف كل الأنشطة اللاصفية في المدارس مثل «الاحتفالات والرحلات والمعارض والمسابقات والكورال» والاقتصار على العملية التربوية داخل الغرف الصفية.
ولاقى هذا الإجراء استهجاناً من الأهالي، باعتباره إجراء «رفع عتب»، بحسب تعبير معلمة في إحدى ثانويات دمشق لم تصرح عن اسمها لكنها قالت إن «الصفوف مكتظة وكل شعبة فيها من أربعين إلى خمسين طالباً، يجلس كل ثلاثة منهم في مقعد واحد كتفاً إلى كتف، يتنفسون ويعطسون بوجه بعضهم بعضاً، ووزارة التربية اكتفت بمنع أنشطة هي أساساً قليلة جداً في مدارسها». وتتابع المعلمة التي تقول إنها أخذت إجازة مرضية للوقاية من انتشار الفيروس: «الحديث عن كورونا في سوريا صار ممنوعاً كالحديث عن الدولار، خشية إضعاف نفسية الأمة»، في سخرية من إجراءات الحكومة الصارمة بخصوص من يتعامل بغير الليرة والتي تصل إلى السجن سبع سنوات. وأكدت المعلمة غياب وسائل النظافة والتعقيم في غالبية المدارس، لا سيما الحمامات وصنابير شرب المياه، قائلة إن «أكثر المناطق خطورة في سوريا فيما يخص نشر الفيروس الجديد هي المدارس، لا سيما المدارس الابتدائية الحكومية التي تعاني من قذارة منقطعة النظير».
وكانت وزارة التربية بدمشق قد عممت أمس على مدارس التعليم الأساسي والثانوي والمعاهد ورياض الأطفال ضرورة الاهتمام بالنظافة العامة، ولا سيما نظافة المرافق الصحية من حمامات ومشارب ومغاسل وخزانات مياه وصيانة التالف منها وتعقيمها باستمرار والعمل على توفير مواد التنظيف، ولا سيما الكلور في المدارس مع توافر المياه النظيفة والصابون.
وكان وزارة الصحة في دمشق قد أكدت، قبل أيام، خلو سوريا من أي إصابة بفيروس كورونا الجديد. وشددت على أن جميع الحالات المشتبه بها أثبتت التحاليل أنها سلبية.
من جهة ثانية، أعلنت دمشق أمس إغلاق المدارس والجامعات وصالات المناسبات العامة في إطار جهود السلطات المعنية لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد، في وقت أقرت فيه وزارة الصحة باحتمال وجود بعض الأشخاص الحاملين للفيروس، رغم النفي الرسمي لوجود إصابات.
وقالت وزارة الصحة في بيان، مساء أمس (الجمعة)، عقب اجتماع رئيس الوزراء عماد خميس مع الفريق الوزاري المختص، إن «عدم تسجيل أي إصابة بالفيروس المستجد في سوريا حتى تاريخه لا يعني أننا بمنأى عن المرض، كما أن ذلك لا ينفي احتمال وجود بعض الأشخاص الحاملين للفيروس، الذين لم تظهر عليهم أعراض المرض بعد». وخرج اجتماع الفريق الوزاري بقرار تعليق الدوام في الجامعات والمدارس والمعاهد التقنية العامة والخاصة لدى كل الوزارات والجهات المعنية ابتداء من يوم 14 مارس (آذار) الحالي، ولغاية الخميس الموافق الثاني من أبريل (نيسان) المقبل، واتخاذ «الإجراءات اللازمة لتعقيم وحدات السكن الجامعي، بما يضمن توافر شروط الإقامة الصحية للطلاب».
وقالت الحكومة إن هذه الإجراءات تأتي استكمالاً لإجراءات سابق اتخذت في هذا الخصوص، للوقاية قدر الإمكان من انتشار فيروس «كورونا». كما تقرر تخفيض حجم العاملين في مؤسسات القطاع العام الإداري إلى حدود 40 في المائة، وتخفيض عدد ساعات العمل واقتصارها على الفترة الممتدة من 9 صباحاً حتى 2 بعد الظهر، وإلغاء نظام البصمة اليدوية لمدة شهر.
كما تقرر إيقاف كل النشاطات العلمية والثقافية والاجتماعية والرياضية، التي تتطلب تجمعات أو حشوداً بشرية والتشدد في تطبيق منع تقديم النراجيل في المقاهي والمطاعم وإغلاق صالات المناسبات العامة واعتماد خطة تعقيم لوسائل النقل الجماعي.
كما تقرر التوسع في تجهيز مراكز الحجر الصحي بمعدل مركزين في كل محافظة، وتزويدهما بالتجهيزات المادية والبشرية اللازمة، وتجهيز طلاب السنة الأخيرة والدراسات العليا في كل اختصاصات الطب البشري للانخراط في المشافي، حينما يتم الإعلان عن الحاجة إليهم، وتهيئة المشافي في الجامعات الخاصة، ووضعها تحت تصرف وزارة الصحة عند اللزوم.


مقالات ذات صلة

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تتلقى جرعة من لقاح «موديرنا» لفيروس «كورونا» بصيدلية سكيباك في شوينكسفيل - بنسلفانيا (رويترز)

تقرير أميركي: وفاة 10 أطفال بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا»

قال مارتي ماكاري، مفوض إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، اليوم (السبت)، إن البيانات أظهرت وفاة 10 أطفال؛ بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
TT

العليمي يحذر من عرقلة تنفيذ القرارات السيادية أو الالتفاف عليها

العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع هيئة المستشارين (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي على تنفيذ القرارات السيادية الأخيرة التي اتخذها، محذراً من محاولة الالتفاف عليها، أو عرقلتها، مع تأكيده أنها جاءت على أنها خيار اضطراري، ومسؤول، هدفه حماية المدنيين، وصون المركز القانوني للدولة، ومنع فرض أمر واقع بقوة السلاح.

وكان العليمي أعلن، الثلاثاء، حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً، ودعا القوات الإماراتية لمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، على خلفية التصعيد العسكري الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، والمهرة بدعم إماراتي، ووجه بأن تقوم قوات «درع الوطن» بتسلم كافة المعسكرات، والمواقع التي سيطر عليها «الانتقالي»، وعودة قوات الأخير من حيث أتت.

وقال العليمي خلال اجتماع بهيئة المستشارين، الخميس، ضمن مشاوراته المستمرة مع سلطات الدولة، ودوائر صنع ودعم القرار، إن هذه القرارات لا تعبّر عن رغبة في التصعيد، أو الانتقام، بل تمثل استجابة قانونية وأخلاقية لواجب الدولة في حماية مواطنيها، والحفاظ على سيادتها، بعد استنفاد كافة فرص التهدئة، والتوافق، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتمنى رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تكون السنة الميلادية الجديدة سنة النصر، والسلام، والأمن، والاستقرار، ونهاية لمعاناة المواطنين، وتحقيق تطلعاتهم في دولة عادلة تكفل الكرامة، وتصون الحقوق، وتفتح آفاقاً حقيقية للتعافي، والتنمية.

ووضع العليمي هيئة المستشارين أمام تفاصيل التطورات الأخيرة، موضحاً أن المهل المتكررة التي منحت لإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية لم تُستثمر بصورة رشيدة من قبل المجلس الانتقالي.

وأوضح أن ذلك ترافق مع دفع المجلس بالمزيد من القوات إلى محافظتي حضرموت، والمهرة، إلى جانب وصول شحنات عسكرية من مصادر خارجية، ما شكّل تهديداً مباشراً للاستقرار، وفرض على الدولة اتخاذ إجراءات حازمة بالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، لمنع تحول الأزمة إلى واقع يصعب احتواؤه.

إشادة وتحذير

أشاد العليمي بجهود السلطات المحلية في المحافظات الشرقية، واستجابتها السريعة للقرارات الرئاسية، من خلال تأمين المنشآت السيادية، والبنى الحيوية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات للالتفاف على هذه القرارات، أو عرقلة تنفيذها على الأرض.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة المستشارين في هذه المرحلة المفصلية، باعتبارها غرفة تفكير متقدمة لدعم القرار الوطني، وترشيده، وحشد الطاقات السياسية، والمؤسسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر الدعم لأي تشكيلات خارجة عن الإطار القانوني.

وجدد العليمي تأكيده على عدالة القضية الجنوبية، والالتزام الجماعي بمعالجتها وفق أعلى المعايير الحقوقية، بعيداً عن منطق القوة، والإكراه، أو توظيفها في صراعات مسلحة تسيء إلى عدالتها، وتضر بمستقبلها.

الشراكة مع السعودية

عبّر رئيس مجلس القيادة اليمني عن تقديره العميق لدور السعودية بوصف أنها شريك استراتيجي لليمن، مؤكداً أن حماية هذه الشراكة تمثل مسؤولية وطنية، نظراً لما تحمله من مكاسب تاريخية، ومستقبلية، وما ينطوي عليه التفريط بها من مخاطر جسيمة.

وأوضح العليمي أن قرار إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في بلاده جاء في إطار تصحيح مسار التحالف، وبالتنسيق مع قيادته المشتركة، بما يضمن وقف أي دعم للمكونات الخارجة عن الدولة، دون أن يعني ذلك القطيعة، أو التنكر للعلاقات الثنائية، أو إرث التعاون القائم على المصالح المشتركة.

جنود في عدن موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن (أ.ب)

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن الهدف الجامع لكل إجراء أو قرار سيادي في هذه المرحلة هو خدمة معركة استعادة مؤسسات الدولة، سلماً أو حرباً، وتحقيق تطلعات اليمنيين في الأمن، والاستقرار، والتنمية.

ودعا العليمي كافة المكونات السياسية، والمنابر الإعلامية إلى تجنب خطاب الإساءة، والتحريض، وتغليب لغة الدولة، والمسؤولية، بما يحفظ وحدة الصف الوطني، ويصون فرص السلام، دون الإخلال بمبدأ المساءلة، وسيادة القانون.


«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

أكدت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الخميس)، أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه مبدأ راسخ لا يقبل أي مساومة أو تنازل في مواجهة إقدام إسرائيل على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وشددت المنظمة، في بيان بعد اجتماع للجنة التنفيذية على مستوى المندوبين في جدة بالسعودية، على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يقوض الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ويفتح المجال أمام مزيد من النزاعات والتوترات.

وأوضحت منظمة التعاون الإسلامي أنها تدين الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بأرض الصومال، ووصفته بالانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.

وطالب البيان «بتكثيف الجهود وتوحيد الصفوف والوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية الصومال».


هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.