الطريق إلى «داعش»

«تزكية» من أحد المشايخ أو القيادات الأصولية مفتاح الوصول الآمن إلى قلب التنظيمات الإرهابية في سوريا

منذ تأسس {داعش} يدأ الاصوليون يتدفقون من مناطق مختلفة من العالم
منذ تأسس {داعش} يدأ الاصوليون يتدفقون من مناطق مختلفة من العالم
TT

الطريق إلى «داعش»

منذ تأسس {داعش} يدأ الاصوليون يتدفقون من مناطق مختلفة من العالم
منذ تأسس {داعش} يدأ الاصوليون يتدفقون من مناطق مختلفة من العالم

التجنيد يبدأ إلكترونيا، أسابيع طويلة يقضيها الشخص على مواقع التواصل الاجتماعي القريبة من «داعش» أو «جبهة النصرة» ثم السفر إلى تركيا، وتحديدا إلى أنطاكية، حيث معبر حدودي يسمح بالدخول إلى سوريا، ومساحات واسعة من الأسلاك الشائكة تسهّل المرور إلى الداخل السوري. ولا يختلف الوضع عما كان عليه في الشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان، حيث معبر طورخم الحدودي الذي عبر منه الآلاف من الأفغان العرب في طريقهم إلى الداخل الأفغاني في سنوات الحرب ضد الروس، وفيما بعد اتخاذ «القاعدة» ملاذا آمنا في كابل وقندهار حتى هجمات سبتمبر (أيلول) 2001. بالإضافة إلى وجود 600 كيلومتر من الحدود بين البلدين، لا تحظى بأي رقيب أو جندي حراسة، وبعد العبور من طورخم هناك مقبرة شهيرة للأفغان العرب، ما زالت موجودة حتى اليوم، شاهدة على الذين قتلوا هناك في سنوات القتال ضد الروس، يتخذها الأفغان اليوم للتبرك بالزيارة.
ويبدو أن التجارب المتكررة في أفغانستان مرورا بالعراق ووصولا إلى سوريا للجماعات الأصولية أكسبتها تنوعا ملحوظا في أدوات التحقق من أجندة من يريد الانخراط للقتال في صفوفهم بساحات سوريا المشتعلة بالتطرف، منذ نحو 3 أعوام، إذ يشترط «داعش» على من يريد الالتحاق بصفوفه من المهاجرين الجدد وجود تزكية من رجال دين معتمدين لديها في السعودية أو الأردن أو تونس أو مصر أو بريطانيا، لإقفال الطريق أمام الجواسيس. ويظهر أن لـ«داعش» رجال دين معتمدين في عدد من الدول العربية، أو ممن سبقت له المشاركة في معارك تنظيم القاعدة، وما يتبعه من تنظيمات ضد السوفيات في أفغانستان، أو الأميركيين في العراق، ليوقعوا على تزكيات الراغبين في الانضمام إلى تنظيمهم المتطرف في سوريا، على رغم محاربة الأنظمة العربية لمنهجهم المتطرف في القتل والتكفير. أحد قادة التيار الأصولي في بريطانيا أكد لـ«الشرق الأوسط» أن البريطانيين الذين التحقوا بـ«داعش» هم الذين يقدمون التزكيات للمهاجرين الجدد إلى تلك التنظيمات، بسبب عدم وجود مشايخ محليين مرتبطين بتلك التنظيمات، إضافة إلى أن أغلب الذين سافروا كانوا يبتعدون عن المساجد قبل السفر خوفا من الأمن والإبلاغ عنهم. وقد يكون «الجهل.. الفقر.. البطالة»، تدفع الكثير من الشباب إلى التفكير في الهجرة، وربما تدفعهم الأقدار إلى الارتماء في أحضان الجماعات المتطرفة التي تستغل الوازع الديني لديهم لترسم في مستقبلهم صورا مظلمة، وتاريخا قد لا يستطيع أكثرهم أن يواجه به أحفاده في المستقبل.
من جهته، يقول الإسلامي المصري ياسر السري (أبو عمار المصري) مدير «المرصد الإسلامي» بلندن، وهو هيئة حقوقية تهتم بأخبار الأصوليين حول العالم لـ«الشرق الأوسط»، إن السبب الحقيقي في سفر كثير من الشباب الأوروبي هو التهميش الذي يتعرض له المسلمون في الغرب، وهو الدافع الأساسي لذهابهم إلى هناك، مشيرا إلى أن الشباب الذي ذهب من قبل والتحق بالتنظيمات سواء «النصرة» أو «داعش» هو نفسه اليوم الذي يقدم تزكيات لوافدين جدد لتلك المنظمات. وأوضح أيضا أن «السبب العقدي (أي بدافع الدين والعقيدة) يدفع الشباب للذهاب إلى هناك لنصرة أهلهم في الدين». وتحدث أيضا عن الدعاية الناجحة التي يقدمها الأسرى من الغربيين لدى «داعش»، من خلال أشرطة الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتحدث عما يحققه الإسلاميون من نجاحات على الأرض.
في غضون ذلك، يقول أحد الذين ذهبوا إلى الداخل السوري عدة مرات لـ«الشرق الأوسط»: «التزكية من علماء التيار الأصولي لا تعني أنها مكتوبة، بل ربما حديث هاتفي من أحد الدعاة أو السلفيين أو أحد قادة التيار الأصولي المشهود لهم بحسن الظن، إلى أحد مسؤولي (داعش) بـ(الأمان) للشخص المنتظر وصوله، والتزكية أشبه بضمانة للمشاركة في قلب التنظيمات الأصولية، سواء (النصرة) أو (داعش) دون إضاعة الوقت في التدقيقات الأمنية».
وتكون التزكية، حسبما تنشره مواقع ومنتديات جهادية أصولية شرطا أساسيا لتجنب الشاب الراغب في الالتحاق بصفوف «داعش» الامتحان الذي تتراوح مدته بين 3 أشهر وعام كامل، إذ يوضح أحد منسقي «داعش» في صفحة جهادية على الإنترنت، أن التزكية تكون برسالة خطية من المزكي، أو بتنسيق هاتفي، بحسب الأوضاع الأمنية في كل بلد، بيد أنه شرح آلية الاختبار؛ بأنها من طريق الزجّ المباشر بالمتطوع في الصفوف الأمامية بساحات القتال المشتعلة، أو تنفيذ عملية انتحارية، ليقيس المنسق مدى ولاء الشاب القادم من خارج سوريا، الذي يطلقون عليه «المهاجر»، في ساحات القتال.
ويقول «و.أ»، أحد الإخوة العرب، عاش في أنطاكية، وتنقل إلى الداخل السوري عدة مرات، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك فنادق صغيرة في أنطاكية لاستضافة القادمين الجدد، ويمكن العبور إلى الداخل السوري، عبر المنفذ الحدودي، رسميا، أو عبر الأسلاك الشائكة، وهناك مساحات معينة معروفة لأهل أنطاكية على الحدود تسمح بالمرور عبر الأسلاك الشائكة دون رقيب، والسلطات التركية، لا تمانع في دخول العرب إلى سوريا، ولكنها تعتقل على الفور أي شخص من (داعش)، بناء على معلومات أمنية مسبقة».
ويضيف: «هيئة القادمين الجدد تدل عليهم»، موضحا في حديثه الهاتفي لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نصحت مواطنا مصريا منذ عدة شهور كان يسير في حواري أنطاكية، ولحيته طولها أكثر من قبضتين، وزوجته تجري خلفه بالنقاب، أن يغير قليلا من هيئته، حتى ييسر الله أمره».
وأكد «و.أ» أن الذاهبين إلى «داعش» وإخوته، مثل «جبهة النصرة» أو التنظيمات الأخرى العاملة في الداخل السوري، لا بد أن يكون لديهم تزكيات من أحد المشايخ أو قادة التيارات الأصولية المعروفين في الدول العربية، ومن الأفضل أن يكون لديه أكثر من تزكية، حتى يثق فيه عناصر «داعش» أو «النصرة» ويضيف: «التزكية» هي المفتاح لمرور آمن إلى قلب تلك التنظيمات. وبسؤاله عبر الهاتف في مقره بمدينة أنطاكية، عن نوع التزكية؛ مكتوبة أم شفاهية، فقال إنها على الأغلب تكون شفاهية، عبر الهاتف، لدى قيادات «النصرة» أو «داعش»، قبل وصول الأخ المهاجر.
ويشير «و.أ» إلى أن هناك تقديرا مبالغا فيه في أعداد المقاتلين الأجانب في صفوف «داعش»، ولكنه لا ينفي أن التونسيين يتصدرون أعداد العرب الموجودين في التنظيمات المتطرفة في الداخل السوري، وعودة إلى «التزكية»، يقول إن جماعة «الشريعة من أجل بلجيكا» كانت المصدر الرئيسي في تزكيات الذاهبين إلى داخل سوريا من الجانب البلجيكي.
ويقول أحد الذين انتقلوا إلى صفوف تلك التنظيمات، عبر مصدر أصولي وسيط في أوروبا لـ«الشرق الأوسط» عن خطوات السفر إلى التنظيم المتطرف: «أولا: التوكل على الله والاستخارة؛ الكتمان العام بأن لا تخبر أحدا (الزوجة والأصحاب والأبوين) ولا مانع من إخبارهم بعد الوصول والانتهاء من معسكر التدريب، ثم الاهتمام بالأمن عند السفر، ومحاولة تجنب السفر المباشر، بل محاولة الذهاب عن طريق عدة دول»، وأكد أن السفر المفرد أفضل وأنجع وآمن.
ويضيف المصدر الأصولي: «ملابسك وهيئتك يجب أن تبتعد عن تدينك. التزم الصمت، ولا تكثر من الكلام».
وقال: «خذ معك مبلغا يكفيك، وضع في بالك مطبات الطريق والتكاليف التي لم تحسب لها حسابا». وأوضح: «طبعا ملابسك وهيأتك يجب أن تبتعد عن تدينك ولا تنسَ تبديل صورة الجواز في حال تناقض الشكل الأصلي، ولا مانع أن تأخذ معك سجائر، لا تتقرب ولا تتحدث إلى الدليل إلا في الحاجة، ولا تعطه جوازك وما يثبت هويتك إلا عند الاضطرار».
وعن تعليمات «داعش» للوصول الآمن إلى مراكزها في الداخل السوري قال المصدر: «التزم الصمت ولا تكثر من الكلام ولا داعي أن يعرف أحد أي شيء عنك سوى إنك مهاجر من الشام أو المغرب الإسلامي أو مصر أو الغرب، وهكذا دون إعطاء معلومات وتفاصيل دقيقة عنك، وحاول أن تتكلم بالفصحى عند مقابلتك للمسؤول عن استقبال المهاجرين، عندها تستطيع إجابته عن استفساراته وإعطائه المعلومات التي يحتاج دون خوف».
ويضيف المصدر: «يجب أن تكون عندك خطة محكمة وسبب معقول لزيارتك للبلاد التي ستمر وتسافر إليها، وأجوبة جاهزة للرد على أسئلته، واستفسارات مكتب الجوازات والجمارك، ويُفضل إن كنت قادما للسياحة مثلا أن تحجز لك فندقا أو رحلة سياحية مرتبة من مكتب للسفريات ولا تنسَ الأوراق التي تثبت ذلك».
وتحدث المصدر عن النقطة الأهم في رحلة السفر إلى «داعش» وإخوته من التنظيمات الإرهابية. وهي «التزكية»، مشيرا إلى أن كل الجبهات تحتاج إلى تزكية، وهي أن يكون لديك شخص أو شيخ معروف للإخوة ليزكيك، ويُفضل أن تجهز عددا من التزكيات.
في حال لم يكن لديك تزكية، فيجب عليك أن تصبر على اختبارات الإخوة الأمنية؛ فبعض الجبهات ترفض قبول المهاجرين دون تزكية، والبعض يوافق، بشرط اجتياز الاختبارات الصعبة. وبعد الالتحاق بالإخوة، حاول أن تحتفظ ببعض المال، فقد تحتاج مستقبلا للزواج أو لأي لوازم خاصة.
وكذلك الصبر على الإخوة وأخطائهم، والصبر على مصاعب الجهاد، ولا تكن كثير الشكوى والتذمر، والزم الأذكار، وقراءة القرآن والصلاة.
ورغم الأدبيات التي يدافع عنها كثير من الإسلاميين في بريطانيا، في فضل الذهاب إلى سوريا، باعتبار الشام أرض الملاحم المقدسة، يقول الإسلامي المصري الدكتور هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن لـ«الشرق الأوسط» إن السبب الأول في ذهاب الشباب المسلم إلى سوريا «عقدي»، وفي الأثر: «إذا فتحت عليكم مصر فتحت عليكم الشام». ويضيف: «الشام في آخر الزمن هي المأمن بعد الله عز وجل للمسلم في الفتن». وإغراءات كثيرة أو «غسيل مخ» يضمنها التنظيم لشبابه المهاجرين أو المقاتلين الأجانب الجدد، أهمها الجلوس مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، والزواج بـ«الحور العين»، وهذا في الآخرة، أما في الدنيا، فيضمن «داعش» لأعضائه المسكن والمأكل والملبس والزوجة لكل عضو منضم إلى جماعتها من خلال التنظيم الإرهابي، من استغلال آبار النفط وإتاوات الفدية.
وﻣﻧذ أن ﺗﺄﺳس «داﻋش»، ﺑدأ الأصوليون ﯾﺗدﻓﻘون من ﻣﻧﺎطق ﻣﺧﺗﻠﻔﺔ من ﻣن اﻟﻌﺎﻟم، ﺑهدف اﻻﻧﺿﻣﺎم إﻟيه، ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻌد اﻹﻋﻼن ﻋن ﺗﺷﻛﯾل اﻟﺗﺣﺎﻟف اﻟدوﻟﻲ ﻟﻣواﺟهته، ﺣﯾث ﻟم ﺗﺷهد اﻟﺣﺎﻟﺔ اﻟﺟهادﯾﺔ ﻣن ﻗﺑل وﺟود ﺗﻧظﯾم ﺟهادي ﯾﺿم ﻣﻘﺎﺗﻠﯾن ﻣﺗﻌددي اﻟﺟﻧﺳﯾﺎت بهذا اﻟﺷﻛل، وﻻ ﺣﺗﻰ «اﻟﻘﺎﻋدة»، اﻟتي ﻛﺎنت تمثل اﻟﻣرﺟﻌﯾﺔ اﻟﺟهادﯾﺔ ﻣن ﻗﺑل، وﺣﺗﻰ ﺑﻌد اﻟﺿرﺑﺎت اﻟﻌﺳﻛرﯾﺔ اﻟﺗﻲ وﺟهها اﻟﺗﺣﺎﻟف اﻟدوﻟﻲ ﺿد «داﻋش»، ﻟم ﯾﺗوﻗف ﺗدﻓق اﻟﻣﻘﺎﺗﻠﯾن إﻟﻰ اﻟﺗﻧظﯾم، ﺣﯾث أﺷﺎرت ﺗﻘدﯾرات ﻋدﯾدة إﻟﻰ ﻋﺑور ﻣﺎ ﯾﻘرب ﻣن أﻟف ﻣﻘﺎﺗل شهرﯾﺎ إﻟﻰ اﻟﺣدود اﻟﺳورﯾﺔ ﻣن أﺟل اﻟﻘﺗﺎل إﻟﻰ ﺟﺎﻧب اﻟﺗﻧظﯾم. وﯾﺗﻧوع اﻟﻣﻘﺎﺗﻠون اﻟذﯾن ﯾﻘﺎﺗﻠون في ﺻﻔوف «داﻋش»، ﻣﺎ ﺑﯾن ﻣﻘﺎﺗﻠﯾن ﻛﺎﻧوا ﯾﻧﺗﻣون إﻟﻰ ﺗﻧظﯾﻣﺎت ﻋﺎﺑرة ﻟﻠﺣدود، ﻣﺛل «اﻟﻘﺎﻋدة ﻓﻲ ﺑﻼد اﻟﻣﻐرب اﻹﺳﻼﻣﻲ»، ﺛم اﻧﺷﻘوا ﻋﻧهاﻣن أﺟل اﻻﻟﺗﺣﺎق ﺑـ«داﻋش»، أو ﻋﻧﺎﺻر ﻣن اﻟﺟﻣﺎﻋﺎت اﻟﺳﻠﻔﯾﺔ اﻟﺟهادﯾﺔ، أو ﻣﻘﺎﺗﻠﯾن ﻣن ﺗﻧظﯾﻣﺎت ﻣﺳﻠﺣﺔ ﻣﺣﻠﯾﺔ. وﯾﺗﺳم «داﻋش» ﺑﺗﺷدده اﻟﻔﻛري واﻟﻌﻘﺎﺋدي، اﻟذي وﺻل إﻟﻰ درﺟﺔ أنه أﺻﺑﺢ ﻣﺣل اﻧﺗﻘﺎد ﻣن ﻗﺑل ﻣﻧظري اﻟﻔﻛر اﻟﺟهادي، وﻋﻠﻰ رأﺳهم أﺑو ﻣﺣﻣد اﻟﻣﻘدﺳﻲ، اﻟذي وﺻف ﻓﻛر اﻟﺗﻧظﯾم ﺑﺄنه «ﺷدﯾد اﻟﺗطرف واﻟﻌﻧف»، وهو ﻣﺎ ﯾﺑدو أنه وﻓر ﻓرﺻﺔ ﻟﻠﺗﻧظﯾم ﻟﺿم ﻋﻧﺎﺻر ﻣن اﻟﺗﯾﺎرات الأصولية اﻷﺧرى اﻷﻗل ﺗﺷددا، ﺧﺎﺻﺔ أن ﺗﻠك اﻷﺧﯾرة ﺗﺳﻌﻰ، ﻣن اﻟﻧﺎﺣﯾﺔ اﻟﻔﻛرﯾﺔ، ﻟﻼﻟﺗﺣﺎق ﺑﺎﻟﺗﯾﺎرات اﻷﻛﺛر ﺗطرﻓﺎ، اﻟﺗﻲ ﺗﻌﺗﺑر، ﻓﻲ رؤﯾﺗها، أﻛﺛر إﯾﻣﺎنا».



من عدن... الزنداني يعلن انطلاق إصلاح شامل بدعم سعودي

حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
TT

من عدن... الزنداني يعلن انطلاق إصلاح شامل بدعم سعودي

حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)

عقدت الحكومة اليمنية الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، الخميس، أول اجتماعاتها برئاسة رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، وذلك بعد اكتمال عودة الوزراء لمباشرة مهامهم من الداخل، وسط تطلعات إلى تحسين الأوضاع الأمنية والخدمية والاقتصادية بالاستفادة من الدعم السعودي في شتى المجالات.

تزامن ذلك مع تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي حذر فيها من الفوضى في عدن في إشارة لمحاولات يقودها عناصر في المجلس الانتقالي المنحل، وقال: «لن نسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينتنا إلى الفوضى أو الصراعات العبثية».

وخلال أول اجتماع لمجلس الوزراء عقب عودته إلى عدن، شدد الزنداني على أنه «لا مجال لوجود أي عضو في الحكومة خارج البلاد»، مؤكداً أن الحكومة ستكون موجودة على الأرض، وستعيش مع المواطنين وتلامس احتياجاتهم اليومية، في خطوة تهدف إلى استعادة ثقة الشارع وتعزيز الأداء الحكومي المباشر.

وأكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الذي يحتفظ أيضاً بحقيبة الخارجية، أن حكومته ستدخل مرحلة جديدة من العمل الميداني الفعلي انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستقوم على الحضور المباشر بين المواطنين، وتعزيز فاعلية مؤسسات الدولة، وإحداث تحول ملموس في مستوى الخدمات والاستقرار الاقتصادي والأمني.

جانب من اجتماع حكومة شائع الزنداني في عدن (سبأ)

وأوضح أن التحسن الذي شهدته بعض الخدمات الأساسية خلال الأسابيع الماضية لم يكن مؤقتاً، بل جاء نتيجة إجراءات منضبطة وإصلاحات عملية، إلى جانب دعم كبير من السعودية، التي وصفها بأنها أثبتت مجدداً كونها سنداً للدولة اليمنية وشريكاً أساسياً في تحقيق السلام، وضمان الاستقرار، مشيراً إلى أن تحركاتها الداعمة للشعب اليمني تنسجم مع قواعد القانون الدولي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن الحكومة تعمل على استدامة تقديم الخدمات بحيث يشعر المواطن بفارق حقيقي ومستمر، وليس بتحسن عابر، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات جدية لمحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية وإنفاذ القانون، بوصفها ركائز أساسية لبناء مؤسسات دولة فاعلة.

إصلاحات في كل اتجاه

في الجانب الاقتصادي، أعلن الزنداني أن الحكومة ستقدم موازنة واقعية لعام 2026 للمرة الأولى منذ سنوات، مع إعطاء أولوية قصوى لانتظام صرف مرتبات موظفي الدولة بوصفه التزاماً قانونياً وأخلاقياً، إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من التضخم واحتواء تآكل القوة الشرائية للمواطنين، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية.

وعلى الصعيدين الأمني والعسكري، أكد أن الحكومة ملتزمة بإخراج جميع المعسكرات من العاصمة عدن وبقية المدن، والعمل على توحيد القرارين العسكري والأمني تحت مظلة الدولة، بما يعزز الاستقرار، ويمنع تعدد مراكز النفوذ.

كما شدد على أهمية احترام الحقوق والمساواة بين جميع المواطنين، وعدم السماح بالدعوات التي تشجع الفوضى، أو تهدد السكينة العامة.

وفيما يتعلق بالقضية الجنوبية، عبّر رئيس الحكومة اليمنية عن ثقته بأن الحوار الجنوبي - الجنوبي سيفتح نافذة حقيقية لمعالجة القضية، داعياً أبناء الجنوب إلى نبذ خطاب التخوين والابتعاد عن تأجيج الفتن والأحقاد، والعمل على ترسيخ ثقافة التسامح ومغادرة صراعات الماضي.

وأكد أن الجنوبيين هم المعنيون بتحديد حاضرهم ومستقبلهم عبر الحوار، بعيداً عن فرض الإرادات الفردية أو الفئوية، مشدداً على أنه لا مجال للمزايدة في القضية الجنوبية أو التقليل من شأنها، كونها قضية وطنية جامعة تعني جميع اليمنيين.

وعلى صعيد مسار السلام، شدّد رئيس الوزراء اليمني على احتفاظ الدولة بكل الخيارات لاستعادة مؤسساتها إذا تعنت الحوثيون، مؤكداً أن الشرعية لا تزال تمد يدها للسلام وإنهاء الانقلاب الحوثي، بالتزامن مع العمل للانطلاق بعملية واسعة نحو البناء والتنمية والتطوير.

عمل متدرج

كان الزنداني صرح لدى وصوله مطار عدن الدولي، بأن عودة الحكومة إلى الداخل تمثل التزاماً عملياً بتحمل المسؤوليات الوطنية، والعمل المباشر على معالجة التحديات المتراكمة التي يواجهها المواطنون، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتداعيات الحرب المستمرة.

وفي أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أكد الزنداني أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة، ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدّد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.

رفض للفوضى

في سياق الدعم الرئاسي لحكومة الزنداني، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن أمن العاصمة المؤقتة عدن واستقرارها سيبقيان أولوية لا يمكن المساومة أو التهاون بشأنها.

وشدّد المحرّمي على أنه لن يُسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينة عدن إلى الفوضى والصراعات العبثية، على حد قوله.

وقال في تصريح على حسابه الرسمي بمنصة «إكس»:«سيبقى أمن عدن واستقرارها أولوية لا نقبل فيها المساومة أو التهاون، ولن نسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينتنا إلى الفوضى أو الصراعات العبثية، دون أي انتقاص من المسار السياسي للجنوب وقضيته».

وأضاف: «نحن متطلعون إلى حوار جنوبي - جنوبي ترعاه الرياض، وهو فرصة تاريخية نثمنها ونتمسك بها، ونشكر قيادة المملكة عليها. كما نؤكد دعمنا الكامل للحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، مهيبين بكامل أعضائها تقديم ما يلمسه المواطن من خدمات وتحسين الأوضاع المعيشية».

وتعهد عضو مجلس القيادة الرئاسي بمتابعة «الأداء وتقييمه بكل حرص وشفافية ومسؤولية»، داعياً «الجميع إلى التكاتف ونبذ الشائعات وتعزيز روح المسؤولية الوطنية والوقوف صفاً واحداً لحماية العاصمة وصون مؤسسات الدولة».

وأضاف: «ثقتنا بالجميع أنهم يدركون أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار الذي يعد منطلقاً للعمل الحكومي والمؤسسي وتوفير الخدمات، بعيداً عن التوجيه والاستغلال السياسي من أي طرف كان للإضرار بحياة الناس وزيادة معاناتهم، ودون الانتقاص من قضيتنا العادلة».


«مجلس السلام»: تعهدات إعمار غزة عالقة بحل الملفات الشائكة

شبان فلسطينيون نازحون يلعبون على أنقاض المباني المدمرة حاملين فوانيس رمضان في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
شبان فلسطينيون نازحون يلعبون على أنقاض المباني المدمرة حاملين فوانيس رمضان في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«مجلس السلام»: تعهدات إعمار غزة عالقة بحل الملفات الشائكة

شبان فلسطينيون نازحون يلعبون على أنقاض المباني المدمرة حاملين فوانيس رمضان في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
شبان فلسطينيون نازحون يلعبون على أنقاض المباني المدمرة حاملين فوانيس رمضان في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تصدرت تعهدات إعمار قطاع غزة ملفات «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط تواري ملفات عديدة معنية بتجاوز الجمود الحالي في اتفاق وقف إطلاق النار المرتبط بالانسحاب الإسرائيلي، ونشر قوات الاستقرار في قطاع غزة، وكيفية نزع سلاح القطاع، ودخول لجنة التكنوقراط لممارسة عملها بالقطاع.

وحسب تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» فإن ملف الإعمار سيظل عالقاً ومرهوناً بحل تلك الملفات الشائكة، وهو ما يثير إشكاليات عديدة، لا سيما في ظل عدم حسم أي خطة سينطلق منها الإعمار (الأميركية أو العربية)، وكذلك باقي بنود المرحلة الثانية، مشيرين إلى أن هذا المشهد الغامض يحمل تهديدات للاتفاق.

وتجري مجموعة «جيه بي مورغان تشيس» محادثات لتقديم خدمات مصرفية إلى «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة، وهي الهيئة التي اقترحها ترمب للإشراف على إعادة إعمار غزة، وفقاً لتقرير نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، الخميس، عن مصادر مطلعة على المناقشات.

وحسب التقرير، ناقشت المجموعة تقديم خدمات تشمل تسهيل المدفوعات من وإلى المجلس، في إطار ترتيبات مالية لدعم مهامه المرتبطة بإعادة الإعمار.

وكان ترمب قد أعلن الأحد أن الدول الأعضاء في «مجلس السلام» ستعلن خلال اجتماع الخميس عن تعهدها بتقديم أكثر من خمسة مليارات دولار لدعم الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة، فيما نقلت «رويترز» عن مسؤول أميركي الأربعاء أنه من المتوقع أن يشمل مبلغ الخمسة مليارات دولار مساهمة قدرها 1.2 مليار دولار من كل من دولتَي الإمارات والكويت.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، أن هناك اهتماماً حالياً بتعهدات إعمار غزة من دون النظر بالملفات الأخرى الشائكة، وهذا نتيجة ارتجال أميركي لإدارة المشهد من دون تنسيق واضح مع أصحاب الشأن الفلسطينيين والمنطقة العربية، وكذلك الاتحاد الأوروبي، بما يعني أننا إزاء طرف واحد يطرح تصورات «هدفها الأساسي خدمة إسرائيل».

وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن ملف نشر قوات استقرار دولية مهم للغاية، وكان يجب أن يكون أولوية خاصة نظراً لدورها المهم في استقرار الأوضاع بالقطاع، مؤكداً أن ملف انسحاب إسرائيل يحتاج إلى توقيتات وجدول زمني، وهذا أيضاً غير مطروح بجانب ملف نزع السلاح الذي يستخدم ذريعة لهدم الاتفاق، فضلاً عن عدم وضوح أي خطة سيكون بها الإعمار التي أقرها العرب في مارس (آذار) الماضي أم الخطة الأميركية، وكل هذا يجعل ملف الإعمار عالقاً لحين حسم باقي الملفات.

جرافات تقوم بإزالة أنقاض المباني المدمرة ضمن برنامج إدارة الأنقاض الطارئ الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن واشنطن عادة ما تدفع بالخيارات الاقتصادية مع أنها ليست ذات جدوى في حسم أي أزمة دون التزامات سياسية، لافتاً إلى أن طرح التعهدات المالية بشأن الإعمار دون حسم الملفات الشائكة ربما لا يشكل تقدماً، خصوصاً أن الأرقام ضئيلة جداً مقارنة بما هو مطلوب وفق التقديرات الدولية.

مطالب عربية

وقبل اجتماع «مجلس السلام» صدرت مطالب عربية تؤكد أهمية حل الملفات الشائكة حيث عقد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، لقاءً مع نظيره الأردني، في نيويورك، وناقشا تحضيرات «مجلس السلام».

وأكد الجانبان «ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب، وأهمية اضطلاع اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة بمهامها من داخل القطاع، وسرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية.

وتطرق الجانبان إلى التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» في واشنطن، حيث أكدا أهمية تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق مسار سياسي جاد وذي مصداقية يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويعتقد رخا أن هذه المطالب العربية مهمة ويجب أن توضع في الاعتبار لأنها دفعة للاتفاق والاستقرار في المنطقة، مشيراً إلى أن ما يحدث هو بمثابة هروب للأمام من واشنطن لعدم وضع إسرائيل أمام أي التزامات، وتضييع للوقت وزيادة عدم اليقين، وهو ما يتطلب ضغوطاً أكبر لحسم تلك الملفات للتقدم في اتفاق غزة.

ويرى مطاوع أنه لن يكون هناك تقدم حقيقي من دون الاستماع لتلك المطالب العربية وحل الملفات العالقة، لأنه لن يقوم أحد بدفع أموال للإعمار ثم تعود الحرب مرة أخرى، مشيراً إلى أن التعقيدات مستمرة، خصوصاً أن نزع السلاح لم يحسم بعد ولا انسحاب إسرائيل.


«المدينة الطبية» المصرية... أحدث مخرجات التقارب بين القاهرة وأنقرة

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار يناقش إجراءات تنفيذ مشروع المدينة الطبية مع وفد من إحدى الشركات التركية (وزارة الصحة المصرية)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار يناقش إجراءات تنفيذ مشروع المدينة الطبية مع وفد من إحدى الشركات التركية (وزارة الصحة المصرية)
TT

«المدينة الطبية» المصرية... أحدث مخرجات التقارب بين القاهرة وأنقرة

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار يناقش إجراءات تنفيذ مشروع المدينة الطبية مع وفد من إحدى الشركات التركية (وزارة الصحة المصرية)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار يناقش إجراءات تنفيذ مشروع المدينة الطبية مع وفد من إحدى الشركات التركية (وزارة الصحة المصرية)

بحثت مصر آليات التعاون الفني والتقني مع إحدى الشركات التركية لتنفيذ «مدينة العاصمة الطبية»، مما يعكس أحدث مخرجات التقارب بين القاهرة وأنقرة، ويشكل امتداداً لما تمخض عنه «الإعلان المشترك للاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي» بين البلدين، في مطلع هذا الشهر.

وعقد وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار، الخميس، اجتماعاً مع وفد من شركة «YDA» التركية الرائدة في مجال تقديم الاستشارات وإدارة المشاريع، جرى خلاله «استعراض النماذج التصميمية المقترحة» بمشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب» في العاصمة الجديدة.

وتضمن الإعلان المشترك للاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» في 4 فبراير (شباط) الجاري، في أثناء زيارة الرئيس رجب طيب إردوغان إلى القاهرة، التوقيع على مذكرة تفاهم في المجال الصحي، وأقر «إنشاء لجنة فنية مشتركة للتعاون في مجالات الصناعات الدوائية، والأجهزة الطبية، ونظم الرعاية الصحية».

وناقش الاجتماع الأخير، وفق بيان لوزارة الصحة المصرية، آليات التعاون الفني والتقني مع الشركة التركية لضمان سرعة التنفيذ وجودة الإنجاز في هذا المشروع القومي الضخم.

ولدى الشركة التركية خبرات سابقة في مجال الطب والرعاية الصحية في تركيا وخارجها من خلال أفرعها، ولديها مشروعات مماثلة في عدد من الدول العربية والآسيوية، وفق بيانات منشورة على موقعها الرسمي.

وفي 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الحكومة المصرية بدء إنشاء مشروع «المدينة الطبية» (شرق القاهرة) على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية.

ووفقاً للحكومة المصرية فإن مشروع المدينة يتضمن «إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

التقارب المصري - التركي يقود إلى تعاون في المجال الطبي (وزارة الصحة المصرية)

وقالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري، إيرين سعيد، إن التعاون المصري-التركي في المجالات الطبية يحقق نتائج إيجابية للقاهرة خصوصاً أنه يأتي مع دولة لديها خبرات في إنشاء المدن الصحية والمستشفيات الكبرى، بما ينعكس إيجاباً على جودة تقديم الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأضافت سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المدينة الطبية» تسهم في تخفيف الضغط عن المستشفيات الحكومية المصرية والتعامل مع مشكلات وجود قوائم انتظار للدخول وإجراء الجراحات، كما أن وجود مراكز للتدريب يرتقي بمستويات الكوادر الطبية وتدريبهم، وأن توظيف التقارب مع تركيا للدخول في شراكة لإنشاء المدينة أمر يعود نفعه على الجانبين.

وحسب بيان وزارة الصحة، فإن اللقاء يأتي «في إطار استراتيجية الدولة لتطوير البنية التحتية الصحية، والاستفادة من أرقى الخبرات الدولية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي متميز للرعاية الطبية المتقدمة والسياحة العلاجية في الشرق الأوسط». وأكد وزير الصحة خالد عبد الغفار، أن «المشروع يحظى بدعم ومتابعة مباشرة من القيادة السياسية».

وسبق اللقاء الأخير، الخميس، اجتماعات أخرى عقدها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وكذلك وزير الصحة مع وفد تركي طبي في القاهرة، الشهر الماضي، بهدف «بحث فرص تعزيز الشراكة بين الحكومتين المصرية والتركية في مجال إنشاء المدن الطبية والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب، بنظام الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص».

وأكد مدبولي تطلع مصر إلى التعاون مع الحكومة التركية في مجال إنشاء المدن الطبية، مشيراً إلى أن تركيا تمتلك تجربة متميزة في هذا المجال، وأن مصر تتطلع إلى الاستفادة من الخبرات التركية ونقلها.

طفرة في التعاون

فيما لفت المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية حسام عبد الغفار إلى «طفرة في التعاون المصري - التركي بالمجال الصحي»، مشيراً إلى وجود رغبة مشتركة «لتقديم نموذج إقليمي للأمن الصحي».

وأكد الخبير المصري في الشؤون التركية، بشير عبد الفتاح، أن التعاون بين مصر وتركيا في مجالات مدنية وعسكرية عديدة يعكس حجم الشراكة وارتفاع منسوب الثقة بين الجانبين، مشيراً إلى أن القاهرة تحرص على الاستفادة من مجالات اقتصادية وصناعية حققت فيها تركيا نجاحات مهمة.

وأضاف عبد الفتاح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تركيا تحقق مزايا إيجابية لمصر؛ بينها التقارب الثقافي والديني، إلى جانب الاستفادة من حرص أنقرة على بناء مؤسساتها وفقاً للمعايير الأوروبية في ظل مساعي تركيا للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، وسيكون من السهل الاستفادة من الخبرات نتيجة تعدد مجالات التعاون.

وتتجاوز الاستثمارات التركية في مصر 3 مليارات دولار موزعة على أكثر من 1500 شركة. وتعمل هذه الشركات بشكل رئيسي في قطاعات التصنيع، مثل المنسوجات والملابس الجاهزة والأجهزة المنزلية والمواد الكيميائية ومكونات السيارات، وذلك وفقاً لأرقام يستشهد بها مسؤولون مصريون وأتراك مراراً وتكراراً.

شهدت العلاقات الاقتصادية زخماً متزايداً منذ أن بدأت العلاقات تتجه نحو التقارب في عام 2023. وقد تعززت هذه العلاقات بشكل ملحوظ في عام 2024 بسلسلة من الزيارات رفيعة المستوى المتبادلة، شملت زيارة إردوغان للقاهرة في فبراير 2024، وزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر (أيلول) 2024، إلى جانب زيارة أخيرة لإردوغان إلى القاهرة هذا الشهر.