محمد عفيفي مطر شاعر الطمي والأساطير السلالية واللاوعي الجمعي

آثر الإقامة في الظل بعيداً عن المنابر والأضواء

محمد عفيفي مطر
محمد عفيفي مطر
TT

محمد عفيفي مطر شاعر الطمي والأساطير السلالية واللاوعي الجمعي

محمد عفيفي مطر
محمد عفيفي مطر

لعل أكثر ما يميز الشعر العظيم هو كونه مصنوعاً من مواد وعناصر غير قابلة للتلف. فالنصوص الشعرية العالية لا تكف عن رفدنا بالمزيد من الإيحاءات، مهما تكررت قراءاتها. ولأنها مصنوعة من مادة الجمال نفسها فهي تزداد توهجاً مع كل قراءة، بما يذكّرنا بقول أبي نواس «يزيدك وجهه حسناً\ إذا ما زدته نظرا». وبما أن المعاصرة حجاب، على ما يرى البعض، فقد تتعرض بعض التجارب المهمة، بسبب طابعها المغاير والحدسي، إلى الإهمال وسوء الفهم لفترة غير قليلة من الزمن، ولكن سرعان ما يتم تلقفها والانتباه إليها، ولو بعد حين، فتستعيد ما خسرته من تقدير. أما النصوص التي تبهت مع تكرار قراءتها، فهي تلك التي لا يتعدى جمالها الخلبي زخارف اللغة ودغدغة المشاعر العابرة، ورطانة الحماس الخطابي. وإذا كنت أزعم في هذه المقالة بأن محمد عفيفي مطر ينتمي إلى الصنف الأول من الشعراء، فليس ذلك بداعي المجاملة، وقد بات الشاعر الآن على الضفة الأخرى من الوجود، بل لأن عودتي إلى قراءته بعد سنوات من الانقطاع أتاحت لي أن أكتشف من جديد ثراء تجربته واتساع لغته وثقافته، فضلاً عن فرادة عوالمه ومناخاته التي تربط الشعر بكل ما هو طازج وبدئي في عوالم الريف المفتوحة على الدهشة والسحر والأسطورة.
لا تختلف قصائد محمد عفيفي مطر المبكرة، بخاصة في مجموعته الأولى «من مجمرة البدايات»، عن بدايات معاصريه أو مَن سبقه قليلاً من الرواد، سواء من حيث التصاقه الرومانسي بالتراب الأول، وما تختزنه الأرض الأم في داخلها من براءة وطهْر ووعود مترعة بالخصب، أو من حيث تمرده على السائد وتبرمه بالواقع الآسن والمرير الذي يبقي بلاده وأمته رهينتين للفقر والغربة والعجز عن التقدم. واللافت في تلك البدايات هو حرص الشاعر على التوأمة بين عفوية التأليف وغواية الإيقاعات الموسيقية من جهة، وبين الإلحاح على المعنى وتقصي أغوار نفسه، من جهة أخرى. كما يتضح في تلك المرحلة تأثر الشاعر الواضح بعوالم بدر شاكر السياب الريفية والمشوبة بالحزن الرومانسي، كما بخياراته الوزنية التي يعتمد معظمها على بحر «الوافر»، ذي الشحنة الغنائية العالية. وهو ما يظهر جلياً في نصّ من مثل «صبي ضائعٌ في الريف ينهش صدره الداءُ\ وحيد القلب مهجورٌ وفارغتان كفّاهُ\ غريق الأمس، ليت الأمس يهجره وينساه\ غريب اليوم، دوّخ عمرَه الطوفان والألمُ». لكن الشاعر سرعان ما يغادر خانة الشكوى ليدخل في خانة التساؤل والبحث عن الحقيقة، فيتابع القول في القصيدة نفسها. «أحدّق في سكون الليل منهوماً بأغواري\ سؤالٌ زئبقي الروح: أين أرى فؤاد الحكمة العاري؟\ لأقبس جمرة منه لأشعاري\ تُريني في الدجى لوني، حقيقة قلبي الضاري».
إن أكثر ما يستوقفنا في تجربة محمد عفيفي مطر وأعماله المختلفة، هو كون هذه التجربة تتغذى من مصادر ريفية وترابية، وما يتفرع عنها من عناصر تكوينية وطقوس ومعتقدات. فهذه «المجمرة» التي نعت بها بواكير قصائده، التي تنصهر في داخلها روح الشاعر ولغته، لم تنطفئ جذوتها مع الزمن. وإن اتخذت أشكالاً متعددة من العلاقة بالمكان وتقاليده وخفاياه. وفي عمله اللاحق «الجوع والقمر» تشكل الطفولة، ببعديها المشهدي والنفسي، العمود الفقري للنصوص، وتتداخل العناصر الواقعية المحضة بالعناصر السحرية، وبعوالم الخرافات التي يختلط فيها البشر بالجن والغيلان والعفاريت. كما يرتفع الحجاب الفاصل بين ما هو أرضي وما هو سماوي، ويتكفل القمر والشمس والأمطار والنجوم بحمل الرسائل المتبادلة بين البشر المتعبين والجوعى، وبين عوالم الماوراء. وإذ يرتبط الجوع ارتباطاً وثيقاً بالموت في تلك المرحلة، تعكس صورة الطفل الميت خوف الشاعر العميق من خسارة طفولته أو تزويرها، بما يعني خسارة العنصر الأهم الذي يرفد حياته بأسباب البراءة، وشعره بأسباب التفجر والتخييل. على أن الموت ليس سوى الوجه الآخر للحياة أو القيامة عند الشاعر، الذي رأى في الطمي الذي يتسبب به النيل ما يجسد الرمزية نفسها والتناقض إياه. وليس من المستغرب أن يطلق البعض على عفيفي لقب «شاعر الطمي»، وهو الذي أفرد لهذه المادة المترعة بالخصب مجموعة كاملة بعنوان «يتحدث الطمي»، كما أن تلك المفردة تتكرر بشكل دائم في تعابيره وصوره واستعاراته. وقد يتخذ الطمي صورة الريح - الأنثى التي يهتف بها الشاعر «ويا ريحنا المقمرة\ ضعي ساعديك الرقيقين حول المدينة\ لكي تُسمعيها صدى قبلة الطمي والشمس\ والغيمة العابرة».
قد يكون محمد عفيفي مطر، من جهة أخرى، أحد أكثر الشعراء الذين يمكن لشعرهم أن يكون مادة خصبة للتحليل النفسي، أو لما تمكن تسميته بالتفسير النفسي للأدب، وفق دراسة متميزة للناقد المصري عز الدين إسماعيل. وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن نتاج الشاعر يصالح إلى حد بعيد بين مدرسة سيغموند فرويد التي تعتبر الدافع الجنسي العنصر الأساس في تكوين شخصية الإنسان وتحديد أنشطته وسلوكياته، وبين نظرية يونغ حول ربط السلوك البشري بعناصر أخرى مرتبطة باللاوعي الجمعي والأساطير والأديان والمكونات الثقافية البدائية. ففي الجهة الأولى، تبدو العلاقة الوثيقة بالأم محوراً للعديد من القصائد. وهي إذ تتحد مع الأرض واللغة في بعضها، تتخذ في بعضها الآخر بعداً أوديبياً يسهل اكتشافه من خلال النكوص النفسي إلى زمن الطفولة، كما من خلال الصور الحسية الواضحة، كقول الشاعر «خذي رأسي على ساقيكِ يا أمّاه\ ضعي رأسي على أرجوحة العطر التي تهتزّ في الزنّار والجلبابْ\ضعي ثدييكِ في كفي يا أماه\ دعيني مرة أندسّ بين حدائق اللبنِ\ وأرقص عارياً وأطير تحت سمائها البيضاء». أما في الجهة الثانية، فإن شعر مطر يتغذى من عوالم أسطورية، وما قبل دينية، بقدر ما ينهل من ينابيع دينية وإسلامية، تتمظهر في صورتها الشعبية عبر الإيمان الفطري والاعتقاد بكرامات الأولياء، فضلاً عن نزعته الصوفية المتماهية مع رموز تراثية بارزة، كابن عربي والسهروردي والنفري وغيرهم. كما تعكس بعض القصائد نوعاً من النزوع الطوطمي من جهة، ونزوعاً إلى الحلولية، ووجدة الوجود من جهة أخرى. فالناس يتبادلون الأدوار مع الأشجار والحيوانات، ويتحدون معاً في سلالة واحدة. وهو ما تفصح عنه قصيدة «شجرة الأسلاف»، حيث يقول مطر «فهذا توتنا الأبيضْ\ يمدّ جذوره ويمصّ ما بصدور موتانا\ يصير يمامة ويصير سنبلة وإنسانا». ويقول في مكان آخر: «وغداً سأخرج آخر الليلِ\ لأرجع طينة وأذوق طعم تحوّلي وأصير جميزة».
غير أن أي قراءة نقدية عميقة لتجربة محمد عفيفي مطر يصعب أن تستقيم دون الالتفات إلى كونه أحد الشعراء القلائل الذين اعتبروا الشعر مشروعاً معرفياً ورؤيوياً، وليس مجرد تطريزٍ جمالي أو تنفيسٍ بالغناء عن وحشة الكائن. أما ميله الواضح إلى الربط بين الشعر والفلسفة، فهو على الأرجح ناجم عن تخصصه بهذه الأخيرة، وتدريسه لها لعقدين من الزمن. وهو ما نتلمس ظلالاً له في مجموعته «ملامح من الوجه الأمبيذوقليسي»، حيث لا ينحصر تأثر مطر بالفيلسوف اليوناني الشهير، بالتركيز على العناصر الأربعة التي يتكون منها الخلق، بل بالتأكيد على عنصري التآلف والتنافر، أو الحب والكراهية، اللذين يتصارعان على الدوام في دواخل البشر. والحقيقة أن رؤية مطر إلى العالم لا تشير إلى الأشياء والكائنات، وحتى إلى القيم والمواقف والمعتقدات، بوصفها ثابتة ونهائية، بل هي في حالة انزلاق وتحول مستمر. فضلاً عن الطابع الجدلي الذي يخلق من صراع الأضداد دينامية للتجدد والانبثاق. فإلى عالم الفساد والموت والقسوة المعتمة، الذي تعكسه مفردات من مثل: البومة والغراب والسم والرماد والفصد والتابوت والعقم، ثمة معجم مقابل للأمل والتجدد والخصب وانتصار الحياة. كما أن الشاعر في تلك المرحلة يغادر مناخات البواكير ذات الظلال السيابية، ليتقاطع مع شذرات أدونيس القصيرة ذات الإيقاع المتوتر «الليل حينما زُوّج بالفجيعة\ أولدها مدّاً من الحبائل اللفظية التي تصعد عالياً فعالياً\ ليدخل الأبكم في الأصمّ\ يصبح الوباء نكتة في رحم الذريعة». وقد نرى في أماكن أخرى ظلالاً لنيتشه، تظهر من خلال صورة الأنا المتفوقة والمتسمة بالجبروت والقادرة على تغيير العالم «فأنا أُفطر في الصبح بغابة\ أتغدى بسحابة\ ألبس الأفقَ على رأسي شالاً، وأدير العاصفة\ خاتماً في إصبعي\ والبحرَ خفّاً، والكتابة\ معجماً تصرخ فيه لغة الخلق وتنشقّ وجوه الكائنات».
لا يبدو العالم سويّاً ومعافى في أعمال محمد عفيفي مطر، بل هو يبدو عالماً مريضاً ومعوجّاً ومكتنفاً بالكدر والسواد الموحش. وعلى غرار الأحيمر السعدي، الذي يجزع من أصوات البشر ويستأنس بعواء الذئب، لا يتوانى الشاعر في مجموعته «البكاء في زمن الضحك» عن القول «أبتهل إلى الكلمات - الحرية\ والإيقاع الطعنة\ والفاصلة الحادة كالسكينْ\ أن تقطع ما يربطني بالإنسان\ أن تجعل مني ذئباً يعوي في ظلمات الوحشة والبريّة». وهو في مجموعة أخرى يخترع ملاكاً للعتمة وانطفاء الروح يسميه «ظلمائيل». وإذ ينبغي أن تشي مجموعته «رباعية الفرح» بشيء من التفاؤل، فإن ما يشيع بين ثنايا القصائد هو أقرب إلى الكآبة وألم النفس منه إلى أي شيء آخر. والأمر نفسه يتكرر في ديوان «أنت واحدها وهْي أعضاؤك انتثرتْ»، حيث لا يجد الشاعر من يحاوره سوى الموتى، وحيث تؤم اللغة مناطق ورؤى «أبوكاليبسية» قريبة من جحيم دانتي، بقدر ما تقترب أكثر فأكثر من وعورتها: «أقوم أكلّم الموتى\ وأنظر ما تَصاهَر من دم تتقلّب الأنسابُ فيه\ بصبْوة العشق المبرّح\ أنظر الأكفان والعظم الرميمَ توشّجتْ منه القبيلة\ أشهد الأمشاج أعراقاً وألوية تَذاوبُ\ والصنوجُ تدقّ بالصدأ الكظيمْ». اللافت أن الشاعر الذي لم يتخلل تجربته الطويلة والغزيرة إلا القليل من النصوص النثرية، كان يدرك تماماً أن البقاء في دائرة الوزن الواحد لا بد أن يوقعه في ربقة التكرار، ويحد من اتساع معجمه اللغوي، لذلك فهو يتجه لاحقاً نحو بحور «الرمل» و«المتقارب» و«الرجز»، موفراً لقصيدته عصباً مختلفاً وفضاءات أكثر اتساعاً. إلا أن مطر الذي نجح في أعماله الأولى في المؤالفة بين انسياب القصيدة الغنائي، وبين محمولها المعرفي، فضلاً عن كبحه الحاذق لجماح اللغة، يستسلم في بعض قصائده المتأخرة للإطالة والإطناب والدوران غير المبرر حول الفكرة نفسها والمعنى إياه. لا بل إن بعض القصائد تبدو بلا مقدمات ولا خواتيم وقابلة للتمدد إلى ما لا نهاية. ومع ذلك فإن تجربة محمد عفيفي مطر تمتلك من الفرادة والثراء ما يضعها في موقع متقدم بين التجارب الشعرية الحديثة في العالم العربي. وإذا كان صاحبها قد آثر العزلة والإقامة في الظل طيلة حياته، فإنه يستحق بعد رحيله أن يحظى بالمزيد من الدراسة والقراءة والاهتمام.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.