زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

بين تغريدات وخطابات نارية ولغة «جوبيترية» وقائد صارم ودود

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تختلف أساليب رؤساء الدول في التواصل مع مواطنيهم، ولكل منهم طريقته التي يحاول من خلالها استقطاب رأي الشارع العام في بلاده للاستفادة منه، في حملات انتخابية، أو ليسجل التاريخ عنه مدرسة بدأها قد يتبعها قادمون بعده.
الرئيس الأميركي ترمب الذي يفضل التواصل المباشر مع جمهوره عبر «تويتر»، من دون أي قيود أو كلمات منمقة، لطالما كرهها وابتعد عنها، إلى مؤتمرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الماراثونية، وصورة الزعيم القوي الذي يختار أسلوب زيارات غير تقليدي من داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية، أو من على متن غواصة، وغيرها، إلى اللغة الخطابية الفلسفية التي يتميز بها الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، وقد وصفها كثيرون بأنها بعيدة عن لغة الشعب العادي، وهدوء الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي يحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه.
رؤساء أربع دول عظيمة أو الأفضل القول نافذة اقتصادياً أو سياسياً، تستطيع بالتالي أن تؤثر بقراراتها على سياسيات دول العالم. كيف ولماذا يختلف التواصل بين رئيس وآخر مع شعبه وما تأثيرات المجتمع الذي ترعرع فيه على خطاباته؟
- ترمب والتواصل عبر «تويتر»
هو الرئيس الأول الذي اعتمد على سياسة «تويتر» للحديث مع شعبه. دونالد ترمب أحبط كل المحاولات الرامية إلى إقناعه بالتخلي عن منصته المفضلة بجملة واحدة: «هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنني من الحديث مباشرة مع الأميركيين». فعلاقته المتأرجحة مع الإعلام الأميركي أدت إلى غياب الثقة بنقل الخبر، فاختار أن ينقل الخبر بنفسه عبر تغريدات فاقت الـ11 ألف تغريدة حتى الساعة. أراد أن يوطد علاقته مع المواطنين ليكسب أصواتهم مرة أخرى. فغرد بشكل متواصل كل يوم مع بزوع الشمس وحتى ساعات متأخرة من الليل. واعتمد بشكل أساس على «تويتر».
لم يقتصر استخدام ترمب لـ«تويتر» على التواصل مع شعبه، بل أراد منه استفزاز معارضيه عبر استعمال المنصة وسيلة مستمرة للتواصل لا يمكن تجاهلها. معروف عن ترمب أنه في كل مرة يختلف مع مستشاريه على قضية معينة في المكتب البيضاوي، يتوجه إلى مكتبه يخرج هاتفه الجوال، ويقول: «هل تريدون مني أن أحسم الموضوع فوراً؟».
يعلم ترمب أن تغريدة واحدة منه ستصل إلى أكثر من 72 مليون من متابعيه على «تويتر»، وستحظى باهتمام وسائل الإعلام الأميركية والأجنبية على حد سواء. «أضغط على هذا الزر وخلال ثانيتين: لدينا خبر عاجل!»، هذا ما قاله في مؤتمر عقده مع شخصيات إعلامية محافظة في البيت الأبيض.
تعلُّق الرئيس الأميركي بـ«تويتر» لمخاطبة الأميركيين أقلق مساعديه في بداية عهده، فإلى جانب مواقفه اليومية التي يعرب فيها عن رأيه بالسياسات الداخلية، سن ترمب السياسات الخارجية على منصة التواصل الاجتماعي من دون تنسيق يُذكر مع مستشاريه، سواء من خلال الإعلان عن الانسحاب من سوريا، أو زيادة التعريفات على الصين، أو الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.
أمر أقلق مساعديه لدرجة أنهم فكروا في الطلب من «تويتر» تأخير إرسال تغريدات ترمب لـ15 دقيقة بعد كتابتها. لكنهم لاحظوا أنه لن يغير من ممارساته. وهذا ما فسرته مستشارة البيت الأبيض كيلي آن كونوي عندما قالت: «هو بحاجة للتغريد كحاجتنا لتناول الطعام».
يستمتع ترمب بالحديث من دون رقيب ومن دون الالتزام بنص سياسي، ويبرع في استقصاء طاقة داعميه عبر الحديث معهم مباشرة ورؤية ردود فعلهم. ومن الواضح أنه يتمتع بكاريزما في هذه التجمعات تغيب عن المؤتمرات والأحداث الرسمية. ولعل أبرز ما يظهر تفاعل الجمهور معه هو جملة لا تزال تُكرر في تجمعاته: «اسجنوها! اسجنوها!» في إشارة إلى منافسته السابقة هيلاري كلينتون، التي يتهمها ترمب بتسريب أسرار دولة من خلال استعمال أجهزة كومبيوتر خاصة بها.
- بوتين وخطابات من قاذفات استراتيجية
أتقن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لعبة» الإعلام بمهارة، منذ السنوات الأولى لصعوده في السلطة، من جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الحكومة، ومن ثم رئاسة روسيا. وبرز مساران في نشاطاته الرامية إلى التأثير عبر الإعلام، إن كان على الرأي العام المحلي أو الدولي، في قضية معينة، أو ملفات بأكملها، وكذلك في تقديم نفسه بصورة القائد القوي القادر على حماية مصالح البلاد والاستماع للمواطنين، والإنسان البسيط الذي يخرج، حاله حال أي روسي، في رحلات صيد في أعماق غابات سيبيريا.
مهارة بوتين في استغلال الإعلام للتأثير على الرأي العام، وتأكيد اهتمامه المباشر بهواجس المواطنين، والقضايا التي تثير قلقهم، برزت أول مرة بصورة جلية قبل أسبوع على مشاركته في أول انتخابات رئاسية ربيع عام 2000. حينها وبينما كان يشغل منصب رئيس الحكومة والقائم بأعمال الرئيس، أجرى بوتين زيارة بأسلوب «غير تقليدي» للقوات الروسية التي كانت تشارك في «الحرب الشيشانية الثانية»، وفاجأ الجميع، حين ظهر وهو على كرسي «الطيار الثاني» يقود مقاتلة من طراز «سو - 27»، متجهاً إلى العاصمة الشيشانية، غروزني. رحلته الجوية تلك التي جاءت قبل أسبوع تقريباً على الانتخابات الرئاسية في 26 مارس (آذار) 2000. تركت أثراً كبيراً لدى المواطنين، الذين شعروا بأنهم أمام مرشح للرئاسة قوي، ويمكن التعويل عليه.
وفي السنوات اللاحقة، قدم بوتين مفاجآت أخرى شبيهة بتلك، وظهر عام 2005 وهو داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية الحاملة للصواريخ «تو 160». وظهر عام 2019 وهو على متن غواصة غطس فيها يتفقد سفينة غرقت خلال معارك الحرب العالمية الثانية، وفي تسجيل آخر تناقلته وسائل الإعلام ظهر وهو يقود سيارة شحن حديثة صناعة وطنية من نوع «كاماز».
وكانت هناك تسجيلات أخرى يظهر فيها «بوتين الإنسان» و«بوتين والرياضي» منها مقطع فيديو له أثناء مداعبة نمر في محمية روسية، فضلاً عن تسجيلات له أثناء رحلات الصيد في سيبيريا، وأخرى أثناء مشاركته في مبارزة «الكاراتيه»، أو في لعبة «الهوكي على الجليد»، وغيرها.
في موازاة ذلك، حرص بوتين على الاستفادة من المنصات الدولية لعرض المواقف الروسية ورؤيته لبنية العالم، وجاء في هذا السياق خطابه «الناري» من على منبر «مؤتمر ميونيخ للأمن»، عام 2007. الذي حذر فيه من مخاطر منظومة «عالم أحادي القطب»، ووجه انتقادات حادة للغرب، ودعا للتعاون في بناء منظومة جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة. وفي نهاية عام 2001. أطل بوتين عبر برنامج «على الهواء مباشر مع الرئيس فلاديمير بوتين»، كان البث المباشر مع إحدى القاعات في «الكرملين»، وتمكن المواطنون من توجيه أسئلة له إما عبر الهاتف أو الإنترنت، وكذلك عبر بث مباشر من مراكز بث خاصة في 10 أقاليم روسية. مع الوقت تحول «على الهواء مباشر مع فلاديمير بوتين» إلى تقليد سنوي، يجري بثه من داخل استوديو تلفزيوني. وفي الفترة ما بين 2008 و2012. أي حين كان رئيساً للوزراء قبل عودته للرئاسة، لم يتوقف بوتين عن تقليد الحوار سنوياً مع المواطنين، وأطلق برنامجاً باسم «حديث مع فلاديمير بوتين». ويتحدث بوتين بشكل تقليدي، سنوياً، مع الصحافيين من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، ضمن تقليد آخر تحت عنوان «المؤتمر الصحافي السنوي الكبير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، يُنظم في صالة مسرح «الكرملين»، ويُبث أيضاً على الهواء مباشرة، ويجيب فيه بوتين عن أسئلة الصحافيين المشاركين فقط.
- لغة ماكرون «جوبيترية»
لفهم اللغة الخطابية التي يلجأ إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتعين علينا أن نذكّر بملامح شخصيته. ماكرون هو الرئيس الأصغر سنا الذي ولج إلى قصر الإليزيه في تاريخ الجمهورية الفرنسية. يحمل حقيبة ثقافية ممتلئة: فبعد دراسة ثانوية محلية في مدرسة يسوعية، ثم في معهد العلوم السياسية في باريس، دخل معهد الإدارة العالي الذي يُعدّ مصهر النخب الفرنسية. ودرس المسرح والفلسفة وحصل على إجازة وماجستير. وعمل إلى جانب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وأهدى رسالتيه في الفلسفة إلى ماكيافيل وهيغيل. انتمى إلى الحزب الاشتراكي وتعرف على جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الأسبق ميتران. يبين هذا السرد السريع أن حقيبة ماكرون الثقافية والعلمية ممتلئة حقاً.
بداية، ومنذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة، تحدث ماكرون عما يسميه «عامودية السلطة» بمعنى أن القرار الأخير يعود لرئيس الجمهورية. وعمَّم معاونوه مبدأ «الرئيس جوبيتر». و«جوبيتر» في الميثولوجيا الرومانية هو «ملك الآلهة» أو «إله السماء» وهو صنو «زوس» في الميثولوجيا الإغريقية. ولذا اعتمد مبدأ «الكلام النادر» الذي يبتعد عن المقابلات الصحافية وعن التماسّ المباشر مع أهل الإعلام الأمر الذي شكل نقيضاً لما درج عليه الرئيس هولاند «الرئيس العادي». كذلك فإن معاونيه روجوا لفكرة أن ماكرون يتمتع بـ«تفكير بالغ التعقيد» ما يستتبع مباشرة لغة استثنائية تتوافق مع الصورة التي يريد أن يعطيها عن نفسه لدى الفرنسيين والآخرين.
روّج ماكرون، في سعيه للسلطة، لمبدأ تخطي اليمين واليسار التقليديين وبناء شيء «مختلف». لذا فإنه نظر لمفهوم «العالم الجديد» المناقض لـ«العالم القديم» وجعل منه معلماً رئيسياً من معالم محيطه. والمتعارف عليه أن الكلمات المستخدمة في السياسة توازي الفعل رغم أنها تسبقه. وبكلام آخر، فإن ماكرون، بلاغياً، بنى عالمه «الجديد» بكلمات وعبارات جديدة. كل ما يراه «شواذاً» نسبه إلى العالم «القديم»، وما رآه بناء وضعه في خانة «الجديد». لذا كثر الحديث في خطاباته عن «الأساسيات» التي نهض عليها بناؤه. وفي داخل هذا البناء، يدور العالم حول شخص الرئيس. من هنا، إكثاره في خطاباته من استخدام ضمير المتكلم مفرداً وجمعاً «أنا ونحن» بدل استخدام تعابير «حيادية» من غير هذا الضمير. ووفق الباحث اللغوي د. ميايافر التابع المركز الفرنسي للبحوث العلمية، فإن الإصرار على استخدام «الأنا» سخّر لبناء الصورة الشخصية للرئيس المهيب الذي يرسم ويقرر ويُطاع. واستخدام «نحن» لمزيد من الجلالة والقدرة. وفي كلتا الحالتين، يوظف استخدام المفردات في عملية بناء الصورة وفي ترتيب العلاقة بين مَن هو فوق، ومَن هو تحت. ثم تتعين الإشارة إلى أن معجم ماكرون غالباً ما يكون معقداً حين يلجأ إلى كلمات وعبارات لا يفهم كنهها الفرنسي العادي ولا المتوسط.
لم يستنفد ماكرون كنوز اللغة وحدها، بل طوع طريقة الكلام والصوت وتعابير الوجه وحركية اليدين، لإيصال الرسالة، وكلها تقنيات تدرِّب على استخدامها في فن المسرح، ولجأ إليها في خطاباته وفي مداخلاته التلفزيونية.
ما سبق يرسم صورة ماكرون «الأولى». إلا أن المتاعب والصعوبات التي لاقاها مع اندلاع حركة «السترات الصفراء» ثم الإضرابات التي واجهت إصلاحاته دفعته ليغير طريقة تعامله مع الفرنسيين من أجل تعديل صورة «الرئيس المتعالي»، لتحل محلها صورة الرئيس القريب من الناس والمهتم بشؤونهم وشجونهم اليومية والحياتية.
- شي القائد «الصارم والودود»
وصف مراقبون وخبراء أحاديث الرئيس الصيني شي جينبينغ للجماهير بأنها «تحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه»، لافتين في هذا الصدد إلى أن «شي رسم صورة للقائد الصارم والودود في آن واحد».
تولى شي الحكم في الصين عام 2013. وحسب المراقبين فإنه «صاحب شخصية غير عادية، لكي يتمكن حتى يومنا هذا من إدارة دفة هذا البلد الهائل، بهدوء وسلام».
«جذب شي الأنظار إليه منذ السنوات الأولى له في الرئاسة، وعقد البعض مقارنات بينه وبين سلفه جينتاو، وذلك لتقديم شي نمطاً مختلفاً في القيادة، نجح من خلاله برسم صورة له في الداخل والخارج، كقائد يتميز بشخصية ودودة وصارمة في آن واحد»، وذلك حسبما قال جيفري وازرستروم، بروفسور التاريخ بجامعة كاليفورنيا، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».
واتفقت مع هذا الرأي جون توفيل درير، بروفسور العلوم السياسية بجامعة ميامي، التي أعربت عن اعتقادها بأن «الرئيس الصيني حاول إظهار حدوث تحول في أسلوب القيادة الصينية»، موضحة أن «شي يتميز بشخصية أكثر سلاسة وانبساطاً عن شخصية جينتاو، الذي كان أكثر تحفظاً»، حسبما ذكرت الصحيفة ذاتها.
درير أوضحت أيضاً أن «أحد الأسباب وراء تولي شي قيادة الحزب الشيوعي، أن الجماهير تثق به، بجانب كونه شخصاً قادراً على التواصل الجيد، وبث الثقة في نفوس الآخرين».
ويبدو توصيف «كوارتز» الإخباري، لأسلوب تواصل الرئيس الصيني مع شعبه، لا يحظى بالإجماع. ففي المقابل، اعتبرت مجلة «فوربس» الأميركية أن «شي، هو أول رئيس (شعبوي) للصين»، موضحة أنه «على خلاف الحال مع القيادات التقليدية للحزب الشيوعي الصيني، يبدو أن الرئيس الصيني أقرب ما يكون إلى السياسيين المحترفين، وذلك لما يبديه من اهتمام واضح بالرأي العام، تجلى ذلك في إعلانه فور توليه الرئاسة، عن حملة لمكافحة الفساد ومحاربة (ما يُعرف بالنمور)، في إشارة إلى عدد من (الفاسدين)، ما شكل خطوة أكيدة نحو جذب التأييد الشعبي للرئيس الصيني».


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.