زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

بين تغريدات وخطابات نارية ولغة «جوبيترية» وقائد صارم ودود

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تختلف أساليب رؤساء الدول في التواصل مع مواطنيهم، ولكل منهم طريقته التي يحاول من خلالها استقطاب رأي الشارع العام في بلاده للاستفادة منه، في حملات انتخابية، أو ليسجل التاريخ عنه مدرسة بدأها قد يتبعها قادمون بعده.
الرئيس الأميركي ترمب الذي يفضل التواصل المباشر مع جمهوره عبر «تويتر»، من دون أي قيود أو كلمات منمقة، لطالما كرهها وابتعد عنها، إلى مؤتمرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الماراثونية، وصورة الزعيم القوي الذي يختار أسلوب زيارات غير تقليدي من داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية، أو من على متن غواصة، وغيرها، إلى اللغة الخطابية الفلسفية التي يتميز بها الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، وقد وصفها كثيرون بأنها بعيدة عن لغة الشعب العادي، وهدوء الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي يحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه.
رؤساء أربع دول عظيمة أو الأفضل القول نافذة اقتصادياً أو سياسياً، تستطيع بالتالي أن تؤثر بقراراتها على سياسيات دول العالم. كيف ولماذا يختلف التواصل بين رئيس وآخر مع شعبه وما تأثيرات المجتمع الذي ترعرع فيه على خطاباته؟
- ترمب والتواصل عبر «تويتر»
هو الرئيس الأول الذي اعتمد على سياسة «تويتر» للحديث مع شعبه. دونالد ترمب أحبط كل المحاولات الرامية إلى إقناعه بالتخلي عن منصته المفضلة بجملة واحدة: «هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنني من الحديث مباشرة مع الأميركيين». فعلاقته المتأرجحة مع الإعلام الأميركي أدت إلى غياب الثقة بنقل الخبر، فاختار أن ينقل الخبر بنفسه عبر تغريدات فاقت الـ11 ألف تغريدة حتى الساعة. أراد أن يوطد علاقته مع المواطنين ليكسب أصواتهم مرة أخرى. فغرد بشكل متواصل كل يوم مع بزوع الشمس وحتى ساعات متأخرة من الليل. واعتمد بشكل أساس على «تويتر».
لم يقتصر استخدام ترمب لـ«تويتر» على التواصل مع شعبه، بل أراد منه استفزاز معارضيه عبر استعمال المنصة وسيلة مستمرة للتواصل لا يمكن تجاهلها. معروف عن ترمب أنه في كل مرة يختلف مع مستشاريه على قضية معينة في المكتب البيضاوي، يتوجه إلى مكتبه يخرج هاتفه الجوال، ويقول: «هل تريدون مني أن أحسم الموضوع فوراً؟».
يعلم ترمب أن تغريدة واحدة منه ستصل إلى أكثر من 72 مليون من متابعيه على «تويتر»، وستحظى باهتمام وسائل الإعلام الأميركية والأجنبية على حد سواء. «أضغط على هذا الزر وخلال ثانيتين: لدينا خبر عاجل!»، هذا ما قاله في مؤتمر عقده مع شخصيات إعلامية محافظة في البيت الأبيض.
تعلُّق الرئيس الأميركي بـ«تويتر» لمخاطبة الأميركيين أقلق مساعديه في بداية عهده، فإلى جانب مواقفه اليومية التي يعرب فيها عن رأيه بالسياسات الداخلية، سن ترمب السياسات الخارجية على منصة التواصل الاجتماعي من دون تنسيق يُذكر مع مستشاريه، سواء من خلال الإعلان عن الانسحاب من سوريا، أو زيادة التعريفات على الصين، أو الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.
أمر أقلق مساعديه لدرجة أنهم فكروا في الطلب من «تويتر» تأخير إرسال تغريدات ترمب لـ15 دقيقة بعد كتابتها. لكنهم لاحظوا أنه لن يغير من ممارساته. وهذا ما فسرته مستشارة البيت الأبيض كيلي آن كونوي عندما قالت: «هو بحاجة للتغريد كحاجتنا لتناول الطعام».
يستمتع ترمب بالحديث من دون رقيب ومن دون الالتزام بنص سياسي، ويبرع في استقصاء طاقة داعميه عبر الحديث معهم مباشرة ورؤية ردود فعلهم. ومن الواضح أنه يتمتع بكاريزما في هذه التجمعات تغيب عن المؤتمرات والأحداث الرسمية. ولعل أبرز ما يظهر تفاعل الجمهور معه هو جملة لا تزال تُكرر في تجمعاته: «اسجنوها! اسجنوها!» في إشارة إلى منافسته السابقة هيلاري كلينتون، التي يتهمها ترمب بتسريب أسرار دولة من خلال استعمال أجهزة كومبيوتر خاصة بها.
- بوتين وخطابات من قاذفات استراتيجية
أتقن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لعبة» الإعلام بمهارة، منذ السنوات الأولى لصعوده في السلطة، من جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الحكومة، ومن ثم رئاسة روسيا. وبرز مساران في نشاطاته الرامية إلى التأثير عبر الإعلام، إن كان على الرأي العام المحلي أو الدولي، في قضية معينة، أو ملفات بأكملها، وكذلك في تقديم نفسه بصورة القائد القوي القادر على حماية مصالح البلاد والاستماع للمواطنين، والإنسان البسيط الذي يخرج، حاله حال أي روسي، في رحلات صيد في أعماق غابات سيبيريا.
مهارة بوتين في استغلال الإعلام للتأثير على الرأي العام، وتأكيد اهتمامه المباشر بهواجس المواطنين، والقضايا التي تثير قلقهم، برزت أول مرة بصورة جلية قبل أسبوع على مشاركته في أول انتخابات رئاسية ربيع عام 2000. حينها وبينما كان يشغل منصب رئيس الحكومة والقائم بأعمال الرئيس، أجرى بوتين زيارة بأسلوب «غير تقليدي» للقوات الروسية التي كانت تشارك في «الحرب الشيشانية الثانية»، وفاجأ الجميع، حين ظهر وهو على كرسي «الطيار الثاني» يقود مقاتلة من طراز «سو - 27»، متجهاً إلى العاصمة الشيشانية، غروزني. رحلته الجوية تلك التي جاءت قبل أسبوع تقريباً على الانتخابات الرئاسية في 26 مارس (آذار) 2000. تركت أثراً كبيراً لدى المواطنين، الذين شعروا بأنهم أمام مرشح للرئاسة قوي، ويمكن التعويل عليه.
وفي السنوات اللاحقة، قدم بوتين مفاجآت أخرى شبيهة بتلك، وظهر عام 2005 وهو داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية الحاملة للصواريخ «تو 160». وظهر عام 2019 وهو على متن غواصة غطس فيها يتفقد سفينة غرقت خلال معارك الحرب العالمية الثانية، وفي تسجيل آخر تناقلته وسائل الإعلام ظهر وهو يقود سيارة شحن حديثة صناعة وطنية من نوع «كاماز».
وكانت هناك تسجيلات أخرى يظهر فيها «بوتين الإنسان» و«بوتين والرياضي» منها مقطع فيديو له أثناء مداعبة نمر في محمية روسية، فضلاً عن تسجيلات له أثناء رحلات الصيد في سيبيريا، وأخرى أثناء مشاركته في مبارزة «الكاراتيه»، أو في لعبة «الهوكي على الجليد»، وغيرها.
في موازاة ذلك، حرص بوتين على الاستفادة من المنصات الدولية لعرض المواقف الروسية ورؤيته لبنية العالم، وجاء في هذا السياق خطابه «الناري» من على منبر «مؤتمر ميونيخ للأمن»، عام 2007. الذي حذر فيه من مخاطر منظومة «عالم أحادي القطب»، ووجه انتقادات حادة للغرب، ودعا للتعاون في بناء منظومة جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة. وفي نهاية عام 2001. أطل بوتين عبر برنامج «على الهواء مباشر مع الرئيس فلاديمير بوتين»، كان البث المباشر مع إحدى القاعات في «الكرملين»، وتمكن المواطنون من توجيه أسئلة له إما عبر الهاتف أو الإنترنت، وكذلك عبر بث مباشر من مراكز بث خاصة في 10 أقاليم روسية. مع الوقت تحول «على الهواء مباشر مع فلاديمير بوتين» إلى تقليد سنوي، يجري بثه من داخل استوديو تلفزيوني. وفي الفترة ما بين 2008 و2012. أي حين كان رئيساً للوزراء قبل عودته للرئاسة، لم يتوقف بوتين عن تقليد الحوار سنوياً مع المواطنين، وأطلق برنامجاً باسم «حديث مع فلاديمير بوتين». ويتحدث بوتين بشكل تقليدي، سنوياً، مع الصحافيين من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، ضمن تقليد آخر تحت عنوان «المؤتمر الصحافي السنوي الكبير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، يُنظم في صالة مسرح «الكرملين»، ويُبث أيضاً على الهواء مباشرة، ويجيب فيه بوتين عن أسئلة الصحافيين المشاركين فقط.
- لغة ماكرون «جوبيترية»
لفهم اللغة الخطابية التي يلجأ إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتعين علينا أن نذكّر بملامح شخصيته. ماكرون هو الرئيس الأصغر سنا الذي ولج إلى قصر الإليزيه في تاريخ الجمهورية الفرنسية. يحمل حقيبة ثقافية ممتلئة: فبعد دراسة ثانوية محلية في مدرسة يسوعية، ثم في معهد العلوم السياسية في باريس، دخل معهد الإدارة العالي الذي يُعدّ مصهر النخب الفرنسية. ودرس المسرح والفلسفة وحصل على إجازة وماجستير. وعمل إلى جانب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وأهدى رسالتيه في الفلسفة إلى ماكيافيل وهيغيل. انتمى إلى الحزب الاشتراكي وتعرف على جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الأسبق ميتران. يبين هذا السرد السريع أن حقيبة ماكرون الثقافية والعلمية ممتلئة حقاً.
بداية، ومنذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة، تحدث ماكرون عما يسميه «عامودية السلطة» بمعنى أن القرار الأخير يعود لرئيس الجمهورية. وعمَّم معاونوه مبدأ «الرئيس جوبيتر». و«جوبيتر» في الميثولوجيا الرومانية هو «ملك الآلهة» أو «إله السماء» وهو صنو «زوس» في الميثولوجيا الإغريقية. ولذا اعتمد مبدأ «الكلام النادر» الذي يبتعد عن المقابلات الصحافية وعن التماسّ المباشر مع أهل الإعلام الأمر الذي شكل نقيضاً لما درج عليه الرئيس هولاند «الرئيس العادي». كذلك فإن معاونيه روجوا لفكرة أن ماكرون يتمتع بـ«تفكير بالغ التعقيد» ما يستتبع مباشرة لغة استثنائية تتوافق مع الصورة التي يريد أن يعطيها عن نفسه لدى الفرنسيين والآخرين.
روّج ماكرون، في سعيه للسلطة، لمبدأ تخطي اليمين واليسار التقليديين وبناء شيء «مختلف». لذا فإنه نظر لمفهوم «العالم الجديد» المناقض لـ«العالم القديم» وجعل منه معلماً رئيسياً من معالم محيطه. والمتعارف عليه أن الكلمات المستخدمة في السياسة توازي الفعل رغم أنها تسبقه. وبكلام آخر، فإن ماكرون، بلاغياً، بنى عالمه «الجديد» بكلمات وعبارات جديدة. كل ما يراه «شواذاً» نسبه إلى العالم «القديم»، وما رآه بناء وضعه في خانة «الجديد». لذا كثر الحديث في خطاباته عن «الأساسيات» التي نهض عليها بناؤه. وفي داخل هذا البناء، يدور العالم حول شخص الرئيس. من هنا، إكثاره في خطاباته من استخدام ضمير المتكلم مفرداً وجمعاً «أنا ونحن» بدل استخدام تعابير «حيادية» من غير هذا الضمير. ووفق الباحث اللغوي د. ميايافر التابع المركز الفرنسي للبحوث العلمية، فإن الإصرار على استخدام «الأنا» سخّر لبناء الصورة الشخصية للرئيس المهيب الذي يرسم ويقرر ويُطاع. واستخدام «نحن» لمزيد من الجلالة والقدرة. وفي كلتا الحالتين، يوظف استخدام المفردات في عملية بناء الصورة وفي ترتيب العلاقة بين مَن هو فوق، ومَن هو تحت. ثم تتعين الإشارة إلى أن معجم ماكرون غالباً ما يكون معقداً حين يلجأ إلى كلمات وعبارات لا يفهم كنهها الفرنسي العادي ولا المتوسط.
لم يستنفد ماكرون كنوز اللغة وحدها، بل طوع طريقة الكلام والصوت وتعابير الوجه وحركية اليدين، لإيصال الرسالة، وكلها تقنيات تدرِّب على استخدامها في فن المسرح، ولجأ إليها في خطاباته وفي مداخلاته التلفزيونية.
ما سبق يرسم صورة ماكرون «الأولى». إلا أن المتاعب والصعوبات التي لاقاها مع اندلاع حركة «السترات الصفراء» ثم الإضرابات التي واجهت إصلاحاته دفعته ليغير طريقة تعامله مع الفرنسيين من أجل تعديل صورة «الرئيس المتعالي»، لتحل محلها صورة الرئيس القريب من الناس والمهتم بشؤونهم وشجونهم اليومية والحياتية.
- شي القائد «الصارم والودود»
وصف مراقبون وخبراء أحاديث الرئيس الصيني شي جينبينغ للجماهير بأنها «تحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه»، لافتين في هذا الصدد إلى أن «شي رسم صورة للقائد الصارم والودود في آن واحد».
تولى شي الحكم في الصين عام 2013. وحسب المراقبين فإنه «صاحب شخصية غير عادية، لكي يتمكن حتى يومنا هذا من إدارة دفة هذا البلد الهائل، بهدوء وسلام».
«جذب شي الأنظار إليه منذ السنوات الأولى له في الرئاسة، وعقد البعض مقارنات بينه وبين سلفه جينتاو، وذلك لتقديم شي نمطاً مختلفاً في القيادة، نجح من خلاله برسم صورة له في الداخل والخارج، كقائد يتميز بشخصية ودودة وصارمة في آن واحد»، وذلك حسبما قال جيفري وازرستروم، بروفسور التاريخ بجامعة كاليفورنيا، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».
واتفقت مع هذا الرأي جون توفيل درير، بروفسور العلوم السياسية بجامعة ميامي، التي أعربت عن اعتقادها بأن «الرئيس الصيني حاول إظهار حدوث تحول في أسلوب القيادة الصينية»، موضحة أن «شي يتميز بشخصية أكثر سلاسة وانبساطاً عن شخصية جينتاو، الذي كان أكثر تحفظاً»، حسبما ذكرت الصحيفة ذاتها.
درير أوضحت أيضاً أن «أحد الأسباب وراء تولي شي قيادة الحزب الشيوعي، أن الجماهير تثق به، بجانب كونه شخصاً قادراً على التواصل الجيد، وبث الثقة في نفوس الآخرين».
ويبدو توصيف «كوارتز» الإخباري، لأسلوب تواصل الرئيس الصيني مع شعبه، لا يحظى بالإجماع. ففي المقابل، اعتبرت مجلة «فوربس» الأميركية أن «شي، هو أول رئيس (شعبوي) للصين»، موضحة أنه «على خلاف الحال مع القيادات التقليدية للحزب الشيوعي الصيني، يبدو أن الرئيس الصيني أقرب ما يكون إلى السياسيين المحترفين، وذلك لما يبديه من اهتمام واضح بالرأي العام، تجلى ذلك في إعلانه فور توليه الرئاسة، عن حملة لمكافحة الفساد ومحاربة (ما يُعرف بالنمور)، في إشارة إلى عدد من (الفاسدين)، ما شكل خطوة أكيدة نحو جذب التأييد الشعبي للرئيس الصيني».


مقالات ذات صلة

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».