زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

زعماء الدول القوية... شخصيات كاريزماتية بأساليب تواصل مختلفة مع الشعب

بين تغريدات وخطابات نارية ولغة «جوبيترية» وقائد صارم ودود
الاثنين - 15 رجب 1441 هـ - 09 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15077]
باريس: ميشال أبونجم - واشنطن: رنا أبتر - موسكو: طه عبد الواحد - القاهرة: مروى صبري

تختلف أساليب رؤساء الدول في التواصل مع مواطنيهم، ولكل منهم طريقته التي يحاول من خلالها استقطاب رأي الشارع العام في بلاده للاستفادة منه، في حملات انتخابية، أو ليسجل التاريخ عنه مدرسة بدأها قد يتبعها قادمون بعده.

الرئيس الأميركي ترمب الذي يفضل التواصل المباشر مع جمهوره عبر «تويتر»، من دون أي قيود أو كلمات منمقة، لطالما كرهها وابتعد عنها، إلى مؤتمرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الماراثونية، وصورة الزعيم القوي الذي يختار أسلوب زيارات غير تقليدي من داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية، أو من على متن غواصة، وغيرها، إلى اللغة الخطابية الفلسفية التي يتميز بها الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، وقد وصفها كثيرون بأنها بعيدة عن لغة الشعب العادي، وهدوء الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي يحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه.

رؤساء أربع دول عظيمة أو الأفضل القول نافذة اقتصادياً أو سياسياً، تستطيع بالتالي أن تؤثر بقراراتها على سياسيات دول العالم. كيف ولماذا يختلف التواصل بين رئيس وآخر مع شعبه وما تأثيرات المجتمع الذي ترعرع فيه على خطاباته؟

- ترمب والتواصل عبر «تويتر»

هو الرئيس الأول الذي اعتمد على سياسة «تويتر» للحديث مع شعبه. دونالد ترمب أحبط كل المحاولات الرامية إلى إقناعه بالتخلي عن منصته المفضلة بجملة واحدة: «هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنني من الحديث مباشرة مع الأميركيين». فعلاقته المتأرجحة مع الإعلام الأميركي أدت إلى غياب الثقة بنقل الخبر، فاختار أن ينقل الخبر بنفسه عبر تغريدات فاقت الـ11 ألف تغريدة حتى الساعة. أراد أن يوطد علاقته مع المواطنين ليكسب أصواتهم مرة أخرى. فغرد بشكل متواصل كل يوم مع بزوع الشمس وحتى ساعات متأخرة من الليل. واعتمد بشكل أساس على «تويتر».

لم يقتصر استخدام ترمب لـ«تويتر» على التواصل مع شعبه، بل أراد منه استفزاز معارضيه عبر استعمال المنصة وسيلة مستمرة للتواصل لا يمكن تجاهلها. معروف عن ترمب أنه في كل مرة يختلف مع مستشاريه على قضية معينة في المكتب البيضاوي، يتوجه إلى مكتبه يخرج هاتفه الجوال، ويقول: «هل تريدون مني أن أحسم الموضوع فوراً؟».

يعلم ترمب أن تغريدة واحدة منه ستصل إلى أكثر من 72 مليون من متابعيه على «تويتر»، وستحظى باهتمام وسائل الإعلام الأميركية والأجنبية على حد سواء. «أضغط على هذا الزر وخلال ثانيتين: لدينا خبر عاجل!»، هذا ما قاله في مؤتمر عقده مع شخصيات إعلامية محافظة في البيت الأبيض.

تعلُّق الرئيس الأميركي بـ«تويتر» لمخاطبة الأميركيين أقلق مساعديه في بداية عهده، فإلى جانب مواقفه اليومية التي يعرب فيها عن رأيه بالسياسات الداخلية، سن ترمب السياسات الخارجية على منصة التواصل الاجتماعي من دون تنسيق يُذكر مع مستشاريه، سواء من خلال الإعلان عن الانسحاب من سوريا، أو زيادة التعريفات على الصين، أو الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.

أمر أقلق مساعديه لدرجة أنهم فكروا في الطلب من «تويتر» تأخير إرسال تغريدات ترمب لـ15 دقيقة بعد كتابتها. لكنهم لاحظوا أنه لن يغير من ممارساته. وهذا ما فسرته مستشارة البيت الأبيض كيلي آن كونوي عندما قالت: «هو بحاجة للتغريد كحاجتنا لتناول الطعام».

يستمتع ترمب بالحديث من دون رقيب ومن دون الالتزام بنص سياسي، ويبرع في استقصاء طاقة داعميه عبر الحديث معهم مباشرة ورؤية ردود فعلهم. ومن الواضح أنه يتمتع بكاريزما في هذه التجمعات تغيب عن المؤتمرات والأحداث الرسمية. ولعل أبرز ما يظهر تفاعل الجمهور معه هو جملة لا تزال تُكرر في تجمعاته: «اسجنوها! اسجنوها!» في إشارة إلى منافسته السابقة هيلاري كلينتون، التي يتهمها ترمب بتسريب أسرار دولة من خلال استعمال أجهزة كومبيوتر خاصة بها.

- بوتين وخطابات من قاذفات استراتيجية

أتقن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لعبة» الإعلام بمهارة، منذ السنوات الأولى لصعوده في السلطة، من جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الحكومة، ومن ثم رئاسة روسيا. وبرز مساران في نشاطاته الرامية إلى التأثير عبر الإعلام، إن كان على الرأي العام المحلي أو الدولي، في قضية معينة، أو ملفات بأكملها، وكذلك في تقديم نفسه بصورة القائد القوي القادر على حماية مصالح البلاد والاستماع للمواطنين، والإنسان البسيط الذي يخرج، حاله حال أي روسي، في رحلات صيد في أعماق غابات سيبيريا.

مهارة بوتين في استغلال الإعلام للتأثير على الرأي العام، وتأكيد اهتمامه المباشر بهواجس المواطنين، والقضايا التي تثير قلقهم، برزت أول مرة بصورة جلية قبل أسبوع على مشاركته في أول انتخابات رئاسية ربيع عام 2000. حينها وبينما كان يشغل منصب رئيس الحكومة والقائم بأعمال الرئيس، أجرى بوتين زيارة بأسلوب «غير تقليدي» للقوات الروسية التي كانت تشارك في «الحرب الشيشانية الثانية»، وفاجأ الجميع، حين ظهر وهو على كرسي «الطيار الثاني» يقود مقاتلة من طراز «سو - 27»، متجهاً إلى العاصمة الشيشانية، غروزني. رحلته الجوية تلك التي جاءت قبل أسبوع تقريباً على الانتخابات الرئاسية في 26 مارس (آذار) 2000. تركت أثراً كبيراً لدى المواطنين، الذين شعروا بأنهم أمام مرشح للرئاسة قوي، ويمكن التعويل عليه.

وفي السنوات اللاحقة، قدم بوتين مفاجآت أخرى شبيهة بتلك، وظهر عام 2005 وهو داخل غرفة قيادة القاذفة الاستراتيجية الحاملة للصواريخ «تو 160». وظهر عام 2019 وهو على متن غواصة غطس فيها يتفقد سفينة غرقت خلال معارك الحرب العالمية الثانية، وفي تسجيل آخر تناقلته وسائل الإعلام ظهر وهو يقود سيارة شحن حديثة صناعة وطنية من نوع «كاماز».

وكانت هناك تسجيلات أخرى يظهر فيها «بوتين الإنسان» و«بوتين والرياضي» منها مقطع فيديو له أثناء مداعبة نمر في محمية روسية، فضلاً عن تسجيلات له أثناء رحلات الصيد في سيبيريا، وأخرى أثناء مشاركته في مبارزة «الكاراتيه»، أو في لعبة «الهوكي على الجليد»، وغيرها.

في موازاة ذلك، حرص بوتين على الاستفادة من المنصات الدولية لعرض المواقف الروسية ورؤيته لبنية العالم، وجاء في هذا السياق خطابه «الناري» من على منبر «مؤتمر ميونيخ للأمن»، عام 2007. الذي حذر فيه من مخاطر منظومة «عالم أحادي القطب»، ووجه انتقادات حادة للغرب، ودعا للتعاون في بناء منظومة جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة. وفي نهاية عام 2001. أطل بوتين عبر برنامج «على الهواء مباشر مع الرئيس فلاديمير بوتين»، كان البث المباشر مع إحدى القاعات في «الكرملين»، وتمكن المواطنون من توجيه أسئلة له إما عبر الهاتف أو الإنترنت، وكذلك عبر بث مباشر من مراكز بث خاصة في 10 أقاليم روسية. مع الوقت تحول «على الهواء مباشر مع فلاديمير بوتين» إلى تقليد سنوي، يجري بثه من داخل استوديو تلفزيوني. وفي الفترة ما بين 2008 و2012. أي حين كان رئيساً للوزراء قبل عودته للرئاسة، لم يتوقف بوتين عن تقليد الحوار سنوياً مع المواطنين، وأطلق برنامجاً باسم «حديث مع فلاديمير بوتين». ويتحدث بوتين بشكل تقليدي، سنوياً، مع الصحافيين من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، ضمن تقليد آخر تحت عنوان «المؤتمر الصحافي السنوي الكبير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، يُنظم في صالة مسرح «الكرملين»، ويُبث أيضاً على الهواء مباشرة، ويجيب فيه بوتين عن أسئلة الصحافيين المشاركين فقط.

- لغة ماكرون «جوبيترية»

لفهم اللغة الخطابية التي يلجأ إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتعين علينا أن نذكّر بملامح شخصيته. ماكرون هو الرئيس الأصغر سنا الذي ولج إلى قصر الإليزيه في تاريخ الجمهورية الفرنسية. يحمل حقيبة ثقافية ممتلئة: فبعد دراسة ثانوية محلية في مدرسة يسوعية، ثم في معهد العلوم السياسية في باريس، دخل معهد الإدارة العالي الذي يُعدّ مصهر النخب الفرنسية. ودرس المسرح والفلسفة وحصل على إجازة وماجستير. وعمل إلى جانب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وأهدى رسالتيه في الفلسفة إلى ماكيافيل وهيغيل. انتمى إلى الحزب الاشتراكي وتعرف على جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الأسبق ميتران. يبين هذا السرد السريع أن حقيبة ماكرون الثقافية والعلمية ممتلئة حقاً.

بداية، ومنذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة، تحدث ماكرون عما يسميه «عامودية السلطة» بمعنى أن القرار الأخير يعود لرئيس الجمهورية. وعمَّم معاونوه مبدأ «الرئيس جوبيتر». و«جوبيتر» في الميثولوجيا الرومانية هو «ملك الآلهة» أو «إله السماء» وهو صنو «زوس» في الميثولوجيا الإغريقية. ولذا اعتمد مبدأ «الكلام النادر» الذي يبتعد عن المقابلات الصحافية وعن التماسّ المباشر مع أهل الإعلام الأمر الذي شكل نقيضاً لما درج عليه الرئيس هولاند «الرئيس العادي». كذلك فإن معاونيه روجوا لفكرة أن ماكرون يتمتع بـ«تفكير بالغ التعقيد» ما يستتبع مباشرة لغة استثنائية تتوافق مع الصورة التي يريد أن يعطيها عن نفسه لدى الفرنسيين والآخرين.

روّج ماكرون، في سعيه للسلطة، لمبدأ تخطي اليمين واليسار التقليديين وبناء شيء «مختلف». لذا فإنه نظر لمفهوم «العالم الجديد» المناقض لـ«العالم القديم» وجعل منه معلماً رئيسياً من معالم محيطه. والمتعارف عليه أن الكلمات المستخدمة في السياسة توازي الفعل رغم أنها تسبقه. وبكلام آخر، فإن ماكرون، بلاغياً، بنى عالمه «الجديد» بكلمات وعبارات جديدة. كل ما يراه «شواذاً» نسبه إلى العالم «القديم»، وما رآه بناء وضعه في خانة «الجديد». لذا كثر الحديث في خطاباته عن «الأساسيات» التي نهض عليها بناؤه. وفي داخل هذا البناء، يدور العالم حول شخص الرئيس. من هنا، إكثاره في خطاباته من استخدام ضمير المتكلم مفرداً وجمعاً «أنا ونحن» بدل استخدام تعابير «حيادية» من غير هذا الضمير. ووفق الباحث اللغوي د. ميايافر التابع المركز الفرنسي للبحوث العلمية، فإن الإصرار على استخدام «الأنا» سخّر لبناء الصورة الشخصية للرئيس المهيب الذي يرسم ويقرر ويُطاع. واستخدام «نحن» لمزيد من الجلالة والقدرة. وفي كلتا الحالتين، يوظف استخدام المفردات في عملية بناء الصورة وفي ترتيب العلاقة بين مَن هو فوق، ومَن هو تحت. ثم تتعين الإشارة إلى أن معجم ماكرون غالباً ما يكون معقداً حين يلجأ إلى كلمات وعبارات لا يفهم كنهها الفرنسي العادي ولا المتوسط.

لم يستنفد ماكرون كنوز اللغة وحدها، بل طوع طريقة الكلام والصوت وتعابير الوجه وحركية اليدين، لإيصال الرسالة، وكلها تقنيات تدرِّب على استخدامها في فن المسرح، ولجأ إليها في خطاباته وفي مداخلاته التلفزيونية.

ما سبق يرسم صورة ماكرون «الأولى». إلا أن المتاعب والصعوبات التي لاقاها مع اندلاع حركة «السترات الصفراء» ثم الإضرابات التي واجهت إصلاحاته دفعته ليغير طريقة تعامله مع الفرنسيين من أجل تعديل صورة «الرئيس المتعالي»، لتحل محلها صورة الرئيس القريب من الناس والمهتم بشؤونهم وشجونهم اليومية والحياتية.

- شي القائد «الصارم والودود»

وصف مراقبون وخبراء أحاديث الرئيس الصيني شي جينبينغ للجماهير بأنها «تحظى بشعبية واسعة بين مواطنيه»، لافتين في هذا الصدد إلى أن «شي رسم صورة للقائد الصارم والودود في آن واحد».

تولى شي الحكم في الصين عام 2013. وحسب المراقبين فإنه «صاحب شخصية غير عادية، لكي يتمكن حتى يومنا هذا من إدارة دفة هذا البلد الهائل، بهدوء وسلام».

«جذب شي الأنظار إليه منذ السنوات الأولى له في الرئاسة، وعقد البعض مقارنات بينه وبين سلفه جينتاو، وذلك لتقديم شي نمطاً مختلفاً في القيادة، نجح من خلاله برسم صورة له في الداخل والخارج، كقائد يتميز بشخصية ودودة وصارمة في آن واحد»، وذلك حسبما قال جيفري وازرستروم، بروفسور التاريخ بجامعة كاليفورنيا، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».

واتفقت مع هذا الرأي جون توفيل درير، بروفسور العلوم السياسية بجامعة ميامي، التي أعربت عن اعتقادها بأن «الرئيس الصيني حاول إظهار حدوث تحول في أسلوب القيادة الصينية»، موضحة أن «شي يتميز بشخصية أكثر سلاسة وانبساطاً عن شخصية جينتاو، الذي كان أكثر تحفظاً»، حسبما ذكرت الصحيفة ذاتها.

درير أوضحت أيضاً أن «أحد الأسباب وراء تولي شي قيادة الحزب الشيوعي، أن الجماهير تثق به، بجانب كونه شخصاً قادراً على التواصل الجيد، وبث الثقة في نفوس الآخرين».

ويبدو توصيف «كوارتز» الإخباري، لأسلوب تواصل الرئيس الصيني مع شعبه، لا يحظى بالإجماع. ففي المقابل، اعتبرت مجلة «فوربس» الأميركية أن «شي، هو أول رئيس (شعبوي) للصين»، موضحة أنه «على خلاف الحال مع القيادات التقليدية للحزب الشيوعي الصيني، يبدو أن الرئيس الصيني أقرب ما يكون إلى السياسيين المحترفين، وذلك لما يبديه من اهتمام واضح بالرأي العام، تجلى ذلك في إعلانه فور توليه الرئاسة، عن حملة لمكافحة الفساد ومحاربة (ما يُعرف بالنمور)، في إشارة إلى عدد من (الفاسدين)، ما شكل خطوة أكيدة نحو جذب التأييد الشعبي للرئيس الصيني».


أميركا أوروبا إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة