الشيوعية سابقا.. تدير دبلوماسية الاتحاد الأوروبي

فيديريكا موغيريني وزيرة الخارجية الإيطالية السابقة «خليفة كاثرين أشتون»

الشيوعية سابقا.. تدير دبلوماسية الاتحاد الأوروبي
TT

الشيوعية سابقا.. تدير دبلوماسية الاتحاد الأوروبي

الشيوعية سابقا.. تدير دبلوماسية الاتحاد الأوروبي

دخلت في آخر أيام أكتوبر (تشرين الأول) الفائت سيدة شابة إلى وزارة الخارجية الإيطالية في بناية فارنيزينا بروما وهي ترتدي سروال الجينز الأزرق وحين تفحص حراس الوزارة وجهها لاحظوا أنها وزيرة الخارجية فيديريكا موغيريني التي تسلمت الوزارة في فبراير (شباط) الماضي، وقد جاءت لتسليم وزير الخارجية الجديد باولو جنتيلوني مفاتيح مكتبها لأنها ستبدأ عملها الجديد في بروكسل في أول نوفمبر (تشرين الثاني) كمسؤولة عن الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
رئيس الوزراء اليساري الشاب ماتيو رينزي غارق في المشاكل الاقتصادية الداخلية المستمرة منذ 4 سنوات ويواجه الإضرابات العمالية وتحدي النقابات فلماذا قرر تبديل وزيرته الغرة المولودة عام 1973؟.. لقد مارس ضغوطا كبيرة على الاتحاد الأوروبي لقبول مرشحته موغيريني رغم اعتراض دول البلطيق وبولندا عليها باعتبارها متعاطفة مع روسيا بل اتهمتها رئيسة ليتوانيا بأنها «تحابي الكرملين» مستشهدة بماضي موغيريني التي انضمت إلى الشبيبة الشيوعية التابعة للحزب الشيوعي الإيطالي حين كانت يافعة ثم انضمت إلى الحزب الديمقراطي الحاكم حاليا والذي اندمج فيه الشيوعيون المعتدلون بعد انهيار جدار برلين في أواخر الثمانينات.
رينزي كان يريد منصبا رفيعا لإيطاليا في الاتحاد الأوروبي بعد تسلم جان كلود يونكر (رئيس وزراء لوكسمبورغ السابق) رئاسة المفوضية الأوروبية وهدفه توثيق العلاقات بين الطرفين والحد من الانتقادات الأوروبية للميزانيات والعجز المالي في إيطاليا وكذلك لإرضاء رئيس الجمهورية الإيطالية المسن جورجيو نابوليتانو الذي صرح منذ أشهر أنه يرى في القيادات الحالية «ضعفا في التاريخ والثقافة الدولية، فحين تبرز الأزمات الخطيرة في العالم نكتشف أنهم لا يملكون الوعي الكافي للتاريخ ولما جرى قبل اليوم». فهم رينزي هذا التلميح بأن من يتسلم بناية فارنيزينا ومقر وزارة الخارجية عليه أن يكون مستعدا لهذا المنصب وذا خبرة واسعة ونضوج سياسي. لم يكن هذا رأي الرئيس نابوليتانو لوحده بل إن سفير إيطاليا السابق في سوريا والهند روبرتو توسكانو يقول: «ما نطلبه لهذا المنصب ليس امرأة أو شابا أو خبيرا فنيا في الشؤون العالمية بل من يتمكن من رؤية شاملة لملفات الأزمات الدولية والحنكة في معالجتها والخبرة العميقة في التفاوض وربط العلاقات الشخصية».
بقيت موغيريني ما يزيد على 8 أشهر في المنصب الذي تسلمته من سلفتها العجوز الناجحة إيما بونينو وتنافست 3 سيدات على خلافتها من داخل وخارج وزارة الخارجية وأشيع أيضا أن الرئيس السابق لشركة فيراري للسيارات لوقا مونتي زيمولو كان يطمح لتبوء منصبها. والآن خلفت الإنجليزية كاثرين آشتون في مفوضية الاتحاد الأوروبي إثر مفاوضات مرفقة بمساومات بارعة وتنازلات متبادلة كما يفعلون في سباق الخيول فهي تمثل التيار اليساري الوسطي بينما حصل رئيس الوزراء البولندي السابق دونالد توسك على منصب رئيس المجلس الأوروبي كممثل للتيار اليميني الوسطي. ويبدو الاتحاد الأوروبي أكثر انفتاحا على إعطاء دور هام للمرأة في مؤسساته كي لا تتحول إلى «ناد للرجال فقط».
تفيد السيرة الذاتية لفيديريكا موغيريني أنها متزوجة ولديها طفلتان وقد درست العلوم السياسية في جامعة روما (سابينزا) وتتقن الإنجليزية والفرنسية على عكس كثير من وزراء الخارجية السابقين الذين يتقنون الإيطالية فقط، وعمل والدها في تصميم المناظر في السينما ثم أصبح مخرجا في السينما الإيطالية. انتخبت عضوة في مجلس النواب عام 2008 وأعيد انتخابها عام 2013 حيث عملت أمينة سر لجنة الدفاع في البرلمان، وهي عضوة في معهد الشؤون الدولية بروما وعضوة في مجلس العلاقات بين إيطاليا والولايات المتحدة وعضوة في المجلس الأوروبي لنزع السلاح النووي وعضوة في التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين. عملت منذ أواخر 2013 كحزبية في قيادة الحزب الديمقراطي تهتم بالشؤون الأوروبية والدولية وخاصة العلاقات مع الحزب الديمقراطي في أميركا، وعملت سابقا في تسعينات القرن الماضي في منتدى شبيبة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) ونشطت في محاربة العنصرية وكان شعارها: الكل مختلفون والكل متساوون. آخر ما ذكرته في حسابها على فيسبوك قبل أيام «أعتبر الانتخابات في الجمهورية الشعبية في دونيتسك بشرق أوكرانيا عائقا جديدا على طريق التسوية السلمية لأنها انتخابات غير قانونية».
استقالت موغيريني من وزارة الخارجية كما استقالت من عضويتها في مجلس النواب وذكرت رئيسة مجلس النواب الشابة لورا بولديريني التي بدأت حياتها العملية في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أنها تعرف الوزيرة منذ تلك الأيام وتعرف مزاياها وقدرتها وأنها واثقة أن وجودها في بروكسل سيدعم الصلة بين إيطاليا والاتحاد الأوروبي، ثم قرأت في جلسة مجلس النواب خطاب استقالة موغيريني التي تقول «لم يكن من السهل علي ترك منصبي في الظروف المتوترة الدولية حاليا، وحين أقود السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد خلال السنوات الـ5 القادمة أنوي إجراء تغييرات هامة مثلما نفعل الآن في إيطاليا فهذا التحدي أعتبره جذابا بالنسبة لي. لن أقول لكم وداعا ولكن إلى اللقاء».
أنجب فلافيو موغيريني المخرج السينمائي الإيطالي نجمة صاعدة في سماء إيطاليا لكنها من عالم السياسة لا من عالم الفن، وترك هذا العالم وعمر ابنته لا يتجاوز العشر سنوات. ابنته فيديريكا موغيريني انتقلت من وزيرة للخارجية الإيطالية إلى مسؤولة عن الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي وعمرها 41 سنة في بلد اشتهر بساسته المسنين الذين لا يختفون مطلقا حتى يوافيهم الأجل. إنها مثال للنسيم الجديد الذي يعتري القارة الأوروبية ومصدره إيطاليا. الجيل الجديد المنفتح على العالم وعلى الإنترنت والذي يوحد الشباب في أوروبا أكثر من عملة اليورو التي تعترضها العواصف من حين لآخر.
فازت بالمنصب الهام في بروكسل رغم المصاعب التي سببتها لها الأزمة الأوكرانية، إذ اعترضت عليها بعض دول أوروبا الشرقية لأنها لم تكن قوية وكاسحة في مجابهة روسيا التي تزود إيطاليا بالغاز والسياح الذين عوضوا عن تقلص عدد السياح الأميركان. بالإضافة إلى دعم رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي ممثل جيل الشباب، ساند ترشيحها للاتحاد الأوروبي الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند ليس لأنها ديمقراطية اشتراكية مثله، بل لأنها مليئة بحيوية الشباب ولديها الخبرة الكافية واتخاذ القرار الصائب بالإضافة إلى دراستها الجامعية الإضافية في إكس دو بروفانس في فرنسا ضمن منحة دراسية أوروبية من برنامج إيراسموس المسمى على اسم الفيلسوف الهولندي القديم.
حين تمت تسميتها منذ نحو تسعة أشهر لمنصب وزيرة الخارجية كانت أصغر وزيرة في إيطاليا مثلما كان رينزي أصغر رئيس للوزراء، لذلك قوبل الأمر بالدهشة والتعجب، لكن علاقتها برئيس الوزراء لم تكن جيدة على الدوام فقد صرحت عام 2012 أن رينزي (وكان عمدة مدينة فلورنسا آنذاك) تنقصه الخبرة في الشؤون الخارجية ولو جرى اختباره لسقط في الامتحان. خبرتها العملية في السياسة الخارجية كانت محدودة وتقتصر على حضور المؤتمرات والسفر والاستماع إلى مداخلات الآخرين لكنها كانت تعوض عن ذلك بثقتها في النفس والعمل الدائم لمزيد من المعرفة والتقدم.
لا ندري إذا كان عملها الجديد في عاصمة بلجيكا سيترك لها الوقت الكافي لممارسة هوايتها في قراءة القصص البوليسية، فإن المشكلات العالمية التي ينبغي حلها على المستوى الأوروبي والدولي تفوق خيال مؤلفي القصص وتشغل المتابع لها طوال الوقت وآناء النهار والليل.
ما المطلوب ممن يحصل على منصب وزير الخارجية في أي بلد؟ أن يكون دبلوماسيا بارعا وقادرا على وضع وإدارة السياسة الخارجية لبلده، وكانوا يقولون مازحين إن على وزير المالية أن يكون عبوسا مقطب الوجه حتى لا يدفع النفقات أما الدبلوماسي فعليه أن يعرف عن ماذا يتكلم لكنه لا يتكلم عن الأمور التي يعرفها، وأن يعتذر باستمرار لأن الآخرين لم يفهموا ما كان يقوله في كلامه. هل كانت لدى موغيريني هذه المؤهلات؟ كل من يعرفها يؤكد أنها تمتاز بالذكاء والمثابرة والجدية والفهم السريع والفكر المنفتح والأسلوب الحديث في الدبلوماسية أي المصارحة وكسب الثقة وليس الغموض في التعبير وحضور الحفلات بالأزياء الأنيقة الفاخرة.
يذكر عنها مايكل نونيس من معهد الشؤون الدولية في روما «إنها تدرس ملفاتها بعناية وتعمل بحماس وحيوية وتختار أفضل المستشارين». كانت تضع صورتها مع الراحل ياسر عرفات في حسابها على الإنترنت حتى عام 2002 وقامت بدراسة مفصلة عن الإسلام، والحقيقة أنها تفكر بعقلية ومصلحة بلدها وحسها السياسي المرهف فهي حيادية وربما غير متعاطفة مع إسرائيل لكنها تدرك أن مصلحة إيطاليا وأوروبا عموما تكمن في حل القضية الفلسطينية وفي الاهتمام بدول البحر الأبيض المتوسط وبالتحالف مع الولايات المتحدة ضمن إطار حلف الأطلسي (الناتو) وفي التعامل مع روسيا تجاريا وسياحيا وهكذا الحال منذ أيام رئيس الوزراء الأسبق سلفيو برلسكوني وعلاقته الشخصية القوية مع الرئيس بوتين، وتعمل السياسة الخارجية الإيطالية الحالية على حث روسيا على إنهاء المشكل مع أوكرانيا بشكل سلمي فقد جمعت قبل أسابيع في ميلانو بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني، أما مواقفها السياسية الإجمالية فلا تختلف كثيرا عن مواقف ألمانيا أو فرنسا.
خلف موغيريني في وزارة الخارجية الإيطالية جنتيلوني فهو يفوقها سنا وخبرة (مواليد 1954) واسمه يعني بالإيطالية: فائق اللطف ويتصف باللباقة والدماثة وعمله كوزير للاتصالات في حكومة رومانو برودي السابقة سيساعده في تحقيق نفس الأهداف للسياسة الخارجية الإيطالية، أما طموحات موغيريني لوضع سياسة خارجية أوروبية موحدة فستعترضها عقبات ليست بالحديثة، وسيكون دورها على الأغلب تنفيذ السياسة الخارجية لدول الاتحاد لا وضعها أو صياغتها.
سالت سائق التاكسي الذي أوصلني إلى مقر وزارة الخارجية: ما رأيك بفيديريكا موغيريني؟ فكر قليلا ثم أجاب: أتقصد بطلة السباحة الإيطالية التي فازت في الألعاب الأولمبية؟ (كان يقصد: فيديريكا بيليغريني). سألته مجددا: هل سمعت باسم باولو جنتيلوني؟ أجاب: نعم.. إنه صاحب أحسن بسكويت تصنعه إيطاليا! (يقصد باولو جنتيليني).



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.