تجمعات حاشدة في مدن روسية أحيت ذكرى نيمتسوف

موسكو تطلق مسار التعديلات الدستورية على وقع تراجع شعبية بوتين

موسكو وعدد من المدن الروسية شهدت تجمعات حاشدة لإحياء الذكرى السنوية الخامسة لاغتيال المعارض الروسي (أ.ف.ب)
موسكو وعدد من المدن الروسية شهدت تجمعات حاشدة لإحياء الذكرى السنوية الخامسة لاغتيال المعارض الروسي (أ.ف.ب)
TT

تجمعات حاشدة في مدن روسية أحيت ذكرى نيمتسوف

موسكو وعدد من المدن الروسية شهدت تجمعات حاشدة لإحياء الذكرى السنوية الخامسة لاغتيال المعارض الروسي (أ.ف.ب)
موسكو وعدد من المدن الروسية شهدت تجمعات حاشدة لإحياء الذكرى السنوية الخامسة لاغتيال المعارض الروسي (أ.ف.ب)

بدا المشهد لافتاً، أمس، في موسكو وعدد من المدن الروسية، التي شهدت تجمعات حاشدة، لإحياء الذكرى السنوية الخامسة لاغتيال المعارض الروسي البارز بوريس نيمتسوف. وخلافاً لكل التحذيرات التي أطلقت في غالبية بلدان العالم، بضرورة عدم المشاركة في تجمعات كبيرة، تحسباً لتمدد محتمل للعدوى بسبب انتشار فيروس «كورونا»، نزل عشرات الألوف من الروس إلى الشوارع في فعاليات متزامنة في كبريات المدن الروسية لإحياء ذكرى مقتل نيمتسوف، الذي قتل بإطلاق الرصاص عليه قبل خمس سنوات، أثناء مروره على جسر يبعد عشرات الأمتار عن الكرملين في قلب العاصمة الروسية. وعزز توجه المعارضين لتنظيم الفعاليات الاحتجاجية، التي تعد الأوسع في البلاد منذ عام 2015، أن الأجهزة المختصة فشلت خلال السنوات الخمس الماضية في تحقيق تقدم ملموس في الكشف عن الجهات التي وقفت وراء اغتيال نيمتسوف، الذي كان يوصف بأنه الخصم الأساسي لسياسات الكرملين، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ما دفع المشاركين في الفعاليات الاحتجاجية لإعادة رفع شعارات سياسية تندد بما وُصف بأنه «قمع المعارضين» والتضييق على الأحزاب المعارضة.
لكن اللافت في المناسبة أن كثيراً من المشاركين في هذه الاحتجاجات تجنبوا ارتداء أقنعة واقية على الوجه، في تجاهل للتحدي الأساسي الذي تواجهه عشرات الحكومات في العالم، بسبب انتشار «كورونا». وبرر معارضون في موسكو، ذلك التجاهل، بوجود نص قانوني روسي (المادة 6 من قانون التجمعات) يحظر على المشاركين في فعاليات مماثلة إخفاء وجوههم بأقنعة من أي نوع، بما في ذلك عبر استخدام الأقنعة الطبية. وقال معلقون روس إن هذا الشرط القانوني يتعارض مع توصيات هيئات الرقابة الصحية التي شددت في الأيام الأخيرة على نصيحة الروس بارتداء الأقنعة الطبية في الأماكن المزدحمة.
ووفقاً للمنظمين، فإن الغرض الرئيسي من الدعوة للنزول إلى الشارع، «ليس فقط لتكريم ذكرى نمتسوف، ولكن أيضاً للدعوة إلى تغيير السلطة في روسيا، ورفع الصوت ضد القمع السياسي والتعذيب، فضلاً عن المطالبة بالإفراج الفوري عن السجناء السياسيين».
وانعكس ذلك في الشعارات التي رفعت خلال التظاهرات التي شاركت فيها للمرة الأولى ابنة السياسي المقتول جانا نمتسوفا، إلى جانب رموز المعارضة الحاليين مثل أليكسي نافالني وديمتري غودكوف. إذ رفع المشاركون شعارات تتحدى سياسات الكرملين مثل «نحن السلطة» ولا «للاغتيال السياسي» و«الحرية للمعتقلين» و«قديروف عدو روسيا». وحمل الشعار الأخير اتهاماً واضحاً للرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، بالوقوف وراء اغتيال نيمتسوف، علماً بأن بعض المشتبه بهم في الحادثة كانوا خدموا في الأجهزة الخاصة التابعة للشيشان. لكن اللافت أن المشاركين استخدموا الحدث لحشد تأييد لمواقف المعارضة ضد الرئيس فلاديمير بوتين، في إطار تسليط الضوء على أن الإصلاحات الدستورية التي اقترحها أخيراً تهدف إلى «المحافظة على السلطة بعد انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2024». لذلك برزت شعارات خلال التجمعات الاحتجاجية ترفض التمديد لبوتين «إلى الأبد»، وأخرى تندد بالإصلاحات الدستورية المقترحة، وتدعو إلى «الكفاح من أجل دستور يليق بروسيا». ورغم أن التظاهرات في موسكو مرت من دون الإعلان عن اعتقالات في صفوف المعارضة، واكتفى بعض المشاركين بالشكوى من قطع خدمات الإنترنت عن المنطقة، لكن الوضع كان مغايراً في العاصمة الثقافية لروسيا سان بطرسبورغ، إذ أعلن عن احتجاز عدد من المعارضين هناك الذين رفعوا شعارات تتهم بوتين مباشرة بالوقوف وراء اغتيال المعارضين. وكانت السلطات الأمنية الروسية وجهت رسائل نصية إلى الروس عشية الاحتجاجات تحثهم فيها على عدم المشاركة في التجمعات. وقال معارضون إنهم لاحظوا تدابير أمنية مشددة في محطات مترو الأنفاق ونقاط التجمع الأساسية. وعكست الشعارات التي دعت إلى تنحي الرئيس الروسي، أو التي نددت بآليات الإصلاح الدستوري المقترحة، جانباً من المزاج المتنامي عند أوساط روسية على خلفية تضمين الإصلاحات الدستورية بنوداً تتعلق بمنح الرؤساء السابقين حصانة أبدية، وفي إطار الحديث عن احتمال استخدام هذه التعديلات لبقاء بوتين في منصب يجعله يمسك بمقاليد القرار بعد انتهاء ولايته الرئاسية الأخيرة.
تزامن ذلك، مع إصدار مركز «ليفادا» لدراسات الرأي العام، نتائج استطلاع واسع للرأي أجراها أخيراً، حول هذا الملف. ودلت النتائج على أن نحو 46 في المائة من الروس لا يرغبون في رؤية بوتين على رأس هرم السلطة في البلاد بعد عام 2024، في حين قال نحو 45 في المائة إنهم لا يعارضون استمراره في السلطة. وذكر أقل بقليل من نصف المشاركين في الاستطلاع أنهم لن يذهبوا أصلاً إلى صناديق الاقتراع في يوم 22 أبريل (نيسان) المقبل، وهو الموعد الذي تم إقراره للتصويت في روسيا على الإصلاحات المقترحة. اللافت في الاستطلاع الذي أجراه المركز المستقل أن نتائجه تتعارض بشكل واضح مع نتائج استطلاع أجراه أخيراً المركز الروسي لدراسات الرأي العام القريب من الكرملين، الذي أشارت نتائجه إلى أن نحو 90 في المائة من الروس يؤيدون التعديلات التي اقترحها بوتين أخيراً. إذ أشارت نتائج استطلاع «ليفادا» إلى أن نحو 64 في المائة من الروس «لا يفهمون أصلاً جوهر التعديلات المقترحة على الدستور»، بينما قال 58 في المائة من المشاركين في الدراسة إنهم «لا يدركون ماهية حاجتهم إلى إدخال تصليحات من هذا النوع».
كما لفتت الدراسة إلى أن جزءاً كبيراً من نسبة 45 في المائة التي أعلنت تأييدها لبقاء بوتين على رأس الهرم في السلطة، بعد انتهاء ولايته الدستورية، تنطلق في مواقفها من مخاوف من وقوع صراع على السلطة في روسيا أو حدوث مضاعفات جديدة في العلاقات مع حلف شمال الأطلسي، بعد مغادرة الرئيس الحالي. الواضح حالياً، وفقاً لنتائج الدراسة، أن نحو 36 في المائة من الروس سيقول نعم للتعديلات التي ستقدم كرزمة واحدة في أبريل المقبل، في مقابل 38 في المائة قالوا إنهم لم يحددوا موقفهم بعد. وقال مدير مركز «ليفادا»، ليف غودكوف، تعليقاً على النتائج، إن المواطنين الروس «لا يفهمون جوهر التعديلات، لكنهم على يقين من أن رغبة بوتين في الحفاظ على السلطة تكمن وراءها». ولاحظ خبراء آخرون أن المستوى العالي نسبياً للموافقة على التعديلات مرتبط (36 في المائة)، ليس فقط بالمخاوف من تطورات سلبية بسبب غياب الرئيس القوي حالياً، بل بإضافة عدد من الضمانات الاجتماعية للتعديلات الدستورية، وتقديمها للتصويت في رزمة واحدة. وكان الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، قال إن بوتين سوف يجتمع مع رؤساء الكتل النيابية، الخميس المقبل، لبحث التعديلات الدستورية التي طرحها في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وتقدم رئيس كتلة حزب «روسيا الموحدة» الحاكم سيرغي نيفيروف، باقتراح الأسبوع الماضي بطلب تنظيم هذا الاجتماع مع الرئيس لبحث المقترحات المعدة لتعديل الدستور. وأيدت لجنة مجلس «الدوما» لشؤون بناء الدولة بالإجماع مشروع قانون التعديلات الدستورية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended