الصحة النباتية: حلول مبتكرة في عالم متغير المناخ

الصحة النباتية: حلول مبتكرة في عالم متغير المناخ
TT

الصحة النباتية: حلول مبتكرة في عالم متغير المناخ

الصحة النباتية: حلول مبتكرة في عالم متغير المناخ

تعد النباتات مصدراً لـ98 في المائة من الهواء الذي نتنفسه، و80 في المائة من الطعام الذي نأكله. ومع ذلك، فهي تخضع لتهديد مستمر ومتزايد، إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى فقدان ما بين 20 و40 في المائة من المحاصيل الغذائية بسبب الآفات والأمراض النباتية سنوياً.
وتؤدي الإصابات التي تلحق بالمحاصيل الزراعية إلى خسائر في تجارة المزروعات تتجاوز 220 مليار دولار سنوياً، وإيقاع كثير من المجتمعات في براثن الجوع، والإضرار بالقطاع الزراعي الذي يعتبر مصدر الدخل الرئيسي للأسر الريفية الفقيرة.
ولتسليط الضوء على أهمية النباتات ودورها في تعزيز صحة الكوكب والإنسان، أعلنت «الفاو» 2020 «سنة الأمم المتحدة للصحة النباتية». وتسعى المنظمة هذه السنة إلى إبراز أهمية وقاية النباتات وحمايتها في تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ولا سيما الأهداف الرامية إلى القضاء على الجوع وسوء التغذية، والحد من الفقر والتهديدات التي تتعرض لها البيئة.

- صحة النباتات تحت رحمة المناخ
باتت صحة النباتات عرضة للتهديد بشكل متزايد، إذ يؤثر تغير المناخ والأنشطة البشرية على الأنظمة البيئية، ويقلل من التنوع البيولوجي، ويخلق ظروفاً جديدة؛ حيث يمكن للآفات أن تزدهر. ومع تضاعف صناعتي السفر والتجارة الدوليتين ثلاث مرات خلال العقد الماضي، أصبحت الآفات والأمراض تنتشر بسرعة في مختلف أنحاء العالم، ملحقة أضراراً كبيرة بالنباتات المحلية والبيئة عامة.
ومن الناحية المالية، تعد وقاية النباتات من الآفات والأمراض أكثر جدوى بالمقارنة مع تطبيق إجراءات الطوارئ الصحية النباتية الشاملة. فكثيراً ما يستحيل القضاء على الآفات والأمراض النباتية بعد توطنها، كما أن التعامل معها يستغرق وقتاً طويلاً ونفقات باهظة.
ويمكن الحد من الآفات والأمراض النباتية والتصدي لها بطرق صديقة للبيئة، مثل استخدام المكافحة البيولوجية، وتبني الأصناف المقاومة في إطار الإدارة المتكاملة للآفات. ويهدف نهج النظام الإيكولوجي للحفاظ على صحة النباتات إلى الجمع بين الاستراتيجيات والممارسات الإدارية المختلفة في زراعة المحاصيل، مع التقليل ما أمكن من استخدام المبيدات السامة التي تلوث البيئة، وتقضي على الحشرات النافعة والأعداء الطبيعيين.
ويشهد العالم يوماً بعد يوم انتشاراً واسعاً للآفات والأمراض النباتية، بسبب تغير المناخ، والنشاط البشري الذي ألحق ضرراً واسعاً بالنظم الطبيعية، وأوجد البيئات الملائمة لتطور الأوبئة وانتقالها.
واللافت أن النشاط الزراعي في وضعه الراهن، بما ينطوي عليه من استصلاح للأراضي وإزالة للغابات وتجريف للمروج من أجل زراعة حقول المحاصيل، لا سيما الأرز والقمح والذرة، إلى جانب غرس نخيل الزيت، يطلق نحو 23 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية. وبإيجاز، تؤدي الممارسات غير الرشيدة لزيادة الغذاء إلى تلويث الكوكب والحد من الإنتاج الزراعي.

- زراعة الأشجار بدلاً من المحاصيل
ويبدو أن الطبيعة تستطيع الرد بالمثل على التحديات التي تفرض عليها. فتراجع المساحات المزروعة بسبب تغير المناخ، إلى جانب هجر الأراضي الزراعية لقلة خصوبتها وجاذبية السكن في المدن، جعلا البصمة الكربونية العالمية للزراعة تتناقص خلال العقدين الماضيين.
وكانت دراسة أعدها باحثون من جامعة «مينيسوتا»، ونُشرت قبل أشهر في مجلة «نيتشر»، خلصت إلى أن الأراضي الزراعية التي تُهجر أصبحت حالياً أكبر مساحة من الأراضي التي تستصلح من أجل الزراعة؛ خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية. ويمثل هذا التحول فرصة لاستعادة النظم الطبيعية التي يمكن أن تساعد في مواجهة تغير المناخ والحد من فقدان التنوع الحيوي، وإن كان ذلك يستغرق فترات طويلة قد تصل لمئات السنين.
ووفق باحثين من جامعة «كانبيرا» الأسترالية، فإن تحويل المناطق الهامشية والمهجورة إلى غابات لتخزين الكربون يوفر - إذا طُبق في أستراليا - دخلاً كبيراً من عوائد الرعي وزراعة المحاصيل، ومن مكاسب منتجات الغابات، كما يؤدي إلى تحسين الاحتفاظ بالمياه في تلك المناطق.
ويقترح آخرون أن زراعة المناطق الهامشية بالأشجار قد يكون فرصة لتعزيز الصحة النباتية، عبر جعل الإنتاج الشجري بديلاً للمحاصيل الحقلية ذات البصمة البيئية المرتفعة. ولا يُعد الاعتماد على الأشجار والشجيرات كمدخل للزراعة المستدامة فكرة جديدة أو طارئة. فالإيطاليون تعاملوا مع الكستناء بمثابة «شجرة الخبز» لآلاف السنين. كما تبنت الحكومة الأميركية زراعة 220 مليون شجرة خلال سنوات العواصف الرملية في ثلاثينات القرن الماضي، للحد من تآكل التربة في السهول الكبرى بين كندا وتكساس. وبينما تحتاج ثمار بعض الأشجار للتحضير قبل أن تصبح صالحة للأكل، مثل البلوط والزيتون، فإن دقيق ثمار أشجار أخرى كالبندق واللوز والجوز يشهد طلباً متزايداً في المتاجر ومحلات البقالة. وتصنف أشجار المكسرات ضمن الزراعات الواعدة، لريعيتها الاقتصادية، وتخزينها الكربون، والحفاظ على تماسك التربة وتكيفها في مواجهة ظروف الطقس المتقلبة.
وللمقارنة، يبلغ إنتاج الهكتار الواحد من الأرض المخصصة لأشجار الجوز 6725 كيلوغراماً، في حين يبلغ إنتاج المساحة ذاتها إذا خصصت للحبوب 3025 كيلوغراماً. ومن المعروف أن المكسرات تحتمل التخزين لسنوات طويلة، وهي من الثمار الغنية بالمغذيات، ويمكن تحويلها إلى دقيق واستخلاص الزيوت منها.

- مبادرات واعدة ودعم حكومي
ويمكن تعزيز الصحة النباتية من خلال التحكم الكامل في عوامل التغذية والوقاية، عبر تطبيق أساليب الزراعة المركزة. ويرى كثير من العلماء أن الزراعة في الماء (الهيدروبونيك) قد تكون خياراً نموذجياً لحل مشكلة ندرة المياه، ومواجهة تغير المناخ، والسيطرة على العوامل الممرضة.
وتعتمد «الهيدروبونيك» على زراعة بذور النباتات أو الغراس ضمن محلول مغذٍّ يحتوي على العناصر الرئيسية التي تحتاجها. وبهذه الطريقة يجري تفادي الأسمدة الكيماوية التي تلوث التربة والمياه الجوفية والسطحية في الزراعة التقليدية، وتوفير الحماية للنباتات من الآفات التي تنتقل إليها عبر التربة. وتشجع بعض البلدان العربية الخليجية حلول نظم الزراعة الحديثة، بما فيها الزراعة العمودية والمائية التي تخفض استهلاك المياه بنسب لا تقل عن 90 في المائة، وتزيد من معدل الإنتاجية، من خلال توفير الدعم المادي، مثل تأمين مستلزمات الزراعة بقيمة منخفضة، وتقديم التوجيه الإرشادي الذي يضمن نجاح تلك النظم واستدامتها، وإقامة مشروعات مصغرة في منافذ بيع التجزئة مباشرة.
وتنسجم هذه المبادرات الحكومية التي تحسن الإنتاج الزراعي، وتحافظ على الصحة النباتية بأثر محدود على البيئة، مع دعوة «الفاو» الحكومات والمشرعين وصناع السياسات إلى تقوية منظمات حماية النباتات والمؤسسات ذات الصلة، وتوفير الدعم المالي والبشري لها. كما تدعو «الفاو» إلى الاستثمار أكثر في البحوث المتعلقة بصحة النباتات، وتشجيع الممارسات والتكنولوجيات المبتكرة.
وبينما تعتمد بلدان كثيرة على تجارة النباتات والمنتجات النباتية لدعم اقتصاداتها، مما سيزيد من خطر انتشار الآفات والأمراض النباتية، ويتسبب بتدهور التنوع البيولوجي، يجب العمل على أن تكون هذه التجارة آمنة، من خلال تنفيذ المعايير والقواعد الدولية لصحة النبات، بما فيها تلك التي وضعتها الاتفاقية الدولية لوقاية النبات ومنظمة الأغذية والزراعة. وتقلل هذه التدابير من الأثر السلبي للآفات ومبيداتها على صحة الإنسان والاقتصاد والبيئة، كما تسهل ضبط انتشار الآفات والأمراض، من دون الحاجة إلى إقامة حواجز غير ضرورية أمام التجارة العالمية.
وتتوجه «الفاو» إلى الأفراد لاتخاذ الحيطة عند نقل النباتات أو المنتجات النباتية أثناء السفر، مع التأكد دائماً من تلبية هذه المنتجات لمتطلبات الصحة النباتية. وتساعد هذه الترتيبات في الحد من انتشار الآفات والأمراض النباتية التي قد تلحق ضرراً خطيراً بالأمن الغذائي الوطني والبيئة والاقتصاد. ولا بد من الحرص عند طلب النباتات والمنتجات النباتية عن طريق الإنترنت، أو بواسطة الخدمات البريدية؛ حيث يمكن أن تتخطى الطرود بسهولة إجراءات الرقابة العادية.
تعد النباتات الأساس الجوهري للحياة على الأرض، وهي الدعامة الأكثر أهمية في تغذية الإنسان. وعلى الرغم من التأثير المتزايد للآفات والأمراض النباتية، فلا تزال الموارد شحيحة لمعالجة هذه المشكلة التي يرتبط بها مصير الإنسان والكوكب.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
صحتك عصير الطماطم مكمل صحي طبيعي (بيكساباي)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب عصير الطماطم بانتظام؟

قد يُساعد عصير الطماطم على خفض ضغط الدم لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم (فرط ضغط الدم) عند تناوله بانتظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك حليب كامل الدسم (أرشيفية - رويترز)

ما تأثير تناول الحليب على التهاب البروستاتا؟

يرتبط الإفراط في تناول الحليب ومنتجات الألبان بزيادة خطر الإصابة ببعض مشكلات البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري وسط أزمة الجوع في مدينة غزة (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي: 318 مليون شخص في العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة

قال برنامج الأغذية العالمي إن 318 مليون شخص في أنحاء العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة أو أسوأ، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات وتغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تقف أمام صورة للهرم الغذائي الجديد في واشنطن (أ.ب)

هرم غذائي جديد في الولايات المتحدة يثير الجدل بين علماء

نشر موقع البيت الأبيض هرماً غذائياً جديداً مقلوباً، يضع البروتين ومنتجات الألبان والدهون الصحية والفواكه والخضراوات فوق الحبوب الكاملة.

يسرا سلامة (القاهرة)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».