الانتخابات الإسرائيلية... ملاكمة بقوانين المصارعة الحرة

مع ترجيح آخر الاستطلاعات كفة الليكود

الانتخابات الإسرائيلية... ملاكمة بقوانين المصارعة الحرة
TT

الانتخابات الإسرائيلية... ملاكمة بقوانين المصارعة الحرة

الانتخابات الإسرائيلية... ملاكمة بقوانين المصارعة الحرة

كأنها مباراة ملاكمة، لكن اللاعب الرئيسي فيها الذي يدافع عن لقب البطولة الذي يحمله، رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، فرض عليها قوانين المصارعة الحرة. وغريمه، بيني غانتس، ملاكم درس قوانين الملاكمة وحدها، حديثا، يركن إلى نزاهة الحكم. وهو يتلقى الضربة تلو الأخرى وينظر إلى الحكم حتى يوقف المباراة أو يسجل النقاط ضد خصمه، وليس من معين. والحقيقة أن الضربات التي يوجهها نتنياهو، موجعة ومدمّرة. لذلك، لم يعد هناك مَن يستبعد أن يتغلب نتنياهو على خصمه. ويفوز بالحكم. آخر استطلاعات الانتخابات الإسرائيلية، لأول مرة منذ 11 شهرا، تشير إلى أن الليكود برئاسة نتنياهو قد يفوز بمقعد أو مقعدين أكثر من «كحول لفان» (أزرق-أبيض). وكتلة أحزاب اليمين، التي تضم الليكود وحزب المستوطنين «يمينا» وحزبي اليهود المتدينين، ترتفع من 55 إلى 58 مقعدا. وهذا يعني أنه يحتاج إلى 3 مقاعد فقط كي يفوز بالحكم ويقيم حكومة يمين متطرف خالصة.
ولأن نتنياهو يريد من هذه الحكومة أن تساعده على تجميد محاكمته، التي تحدد موعدها يوم 17 مارس (آذار) المقبل، بتهم الفساد الثلاث الموجهة ضده، بما في ذلك تغيير القوانين وجعلها ملائمة لأهدافه، فإن هنالك شعورا بأن إسرائيل ستخسر نفسها في هذه الانتخابات.
إنها تنتخب بكامل الوعي والإدراك، رئيس وزراء يجيّر دولة بكاملها لمصلحة تهرّبه من العدالة. ويتمكن من تجنيد كل أحزاب اليمين والمتديّنين، الذين يتفوه رؤساؤهم صراحة بأنهم يؤيدون بقاءه رئيسا للوزراء.
كتبت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في مقالها الافتتاحي (26 فبراير/ شباط 2020) «لقد بات واضحا للجميع بأنه لا توجد وسيلة مقدّسة في نظر رئيس وزراء إسرائيل كي يحقق هدفه في التهرب من سلطة القانون والعدالة. ليس هناك من قانون لا يكون مستعداً للآن يسنّه، وعلى رأس القانون الفرنسي (الذي يمنع محاكمة رئيس وزراء إبان حكمه، حتى لو كانت موجهة إليه لائحة اتهام) وقانون «التغلب التشريعي»، الذي يهدف إلى تقييد المحكمة العليا وشطب صلاحياتها في شطب قوانين غير دستورية تسن في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). إضافة إلى ذلك، سيواصل تعيين رجاله ليكونوا «حماة الحمى» مثل وزير العدل أمير اوحنا، مراقب الدولة متتياهو انجلمان والقائم بأعمال النائب العام للدولة دان الداد. نتنياهو – «صديق الرّب» كما قيل في حملة الليكود – مقتنع بأنه زعيم فوق القانون. محظور على أي مواطن أن ينمي الأوهام بأن في نيته أن يمتثل أمام المحكمة كواحد مثل باقي الناس».
وتتوجه الصحيفة إلى منافس نتنياهو، زعيم حزب «كحول لفان» - الذي هو «حزب الجنرالات» - بيني غانتس، لكي يحرك عضلاته ويمنع نتنياهو، فتقول: «على غانتس ورفاقه أن يستغلوا ما تبقى من أيام حتى الانتخابات كي يذكّروا الجمهور بأن الجرائم التي يتهم بها نتنياهو، مهما كانت خطيرة، لا تقاس مقارنة بالجرائم التي في نيته أن يرتكبها ضد المبنى الديمقراطي الإسرائيلي كي يفلت بذاته من القانون».
- سلبية غانتس
هنا تكمن المشكلة. إذ إن غانتس لا يحرّك عضلاته. فالرجل، ومعه ثلاثة رؤساء أركان سابقون للجيش وتسعة جنرالات سابقون آخرون من خريجي الجيش والمخابرات والشرطة، ومجموعة كبيرة من السياسيين وكبار المسؤولين السابقين والصحافيين والشباب، لم ينجحوا بعد في لجم نتنياهو. بل خلال الأسابيع الأخيرة يتجاوزهم نتنياهو ويقترب من حسم المعركة لصالحه.
ولئن كانت «هآرتس» قلقة من «خطر نتنياهو على الديمقراطية» فإن رفاق نتنياهو في المؤسسة العسكرية الأمنية، الذين يقفون وراء حزب «كحول لفان»، قلقون على هيبة ومكانة مؤسستهم. إنهم يرون أن ما بنوه من هالة عملاقة خلال أكثر من 70 سنة تتحول في عهد نتنياهو إلى «كيس خبطات». فاليمين الإسرائيلي بقيادة الليكود يطعن في الجيش وفي قدراته. وخلال الأسبوع الأخير، قام بتسريب شريط مسجل لأحد كبار مستشاري غانتس، اسمه، يسرائيل بيخار، وهو يقول إن «بيني غانتس يشكل خطراً على إسرائيل ولا يصلح أن يكون رئيساً للوزراء، ولا يملك الشجاعة لمهاجمة إيران». ويزعم أنه سمع بنفسه نائبة معروفة بقربها من غانتس، هي عومر ينكليفتس، تقول «غانتس غبي أحمق لا يساوي شيئا. يحظر تكليف برئاسة الوزراء».
وكان نتنياهو قد أقام مركزي أبحاث جديدين هما «ميدا» و«المركز الأورشليمي للأبحاث في شؤون الدولة والجمهور»، وصحيفة «يسرائيل هيوم» المجانية ذات التمويل الأميركي لرجل الأعمال اليهودي اليميني المتطرف شلدون أدلسون، وجعلها منابر ضد «المظاهر السلبية في الجيش الإسرائيلي». وأجرت أبحاثاً عدة عن إخفاقاته. وجلبت لهجة جديدة غير مسبوقة في توجيه الانتقادات له والسخرية منه.
أيضاً، تتعرّض مؤسسات سلطة القانون (الشرطة ومراقب الدولة) والقضاء (النيابة والمحكمة العليا والمستشار القضائي للحكومة) لهجمة شبيهة من منابر اليمين وقادته، ويشكّكون بنزاهتها ويتحدثون بصراحة مدهشة عن بعدها عن العدالة وينعتونها بـ«عصابة القضاء». ولكن قادة «حزب الجنرالات» لا يحسنون استغلال هذه الطريقة ليصدّوها. فهم يعرفون أن الهدف هو بناء «إسرائيل أخرى» الجهاز القضائي فيها ضعيف ومهزوز ومناهض لأسس العدالة، ومكافحة الفساد عيب وتطاول على القادة الأفذاذ وللجيش سقف زجاجي لا يجوز له تجاوزه. كل هذه أمور عملت القيادات الإسرائيلية ردحاً طويلاً من الزمن لتثبيتها.
وبدلا من أن يخوض غانتس ورفاقه معركة شديدة ضد هذه السياسة الانقلابية طارحين البديل الطبيعي عنها ببرنامج سياسي جديد ومقنع، نجدهم ينكمشون ويسكتون طويلا لعدة أيام. بل وعندما يتكلمون يكون ذلك متأخرا جدا ويأتي خطابهم السياسي ضحلا مترددا.
في بداية المعركة الانتخابية قيل بأن هذا تكتيك فرضه المستشارون الاستراتيجيون مبني على استطلاعات قالت إن الطابع الرسمي لظهور غانتس يقنع الجمهور بأنه يصلح لرئاسة الحكومة أكثر من نتنياهو. ولكن، في مرحلة ما صار نتنياهو ورفاقه هم الذين يهاجمون غانتس وجنرالاته، فيشوّهون سمعتهم ويلمحون إلى تصرفات غير أخلاقية في حياة كل منهم، ويتهمونهم بالجبن والخوف. وهؤلاء يدافعون عن أنفسهم. وفي المعارك، كما هو معروف، خير دفاع هو الهجوم.
- نشاط استثنائي لنتنياهو
يقول أحد المستشارين الاستراتيجيين السابقين في حملة غانتس «نتنياهو ومستشاروه وضعوا خطة ما كانوا هم أنفسهم يحلمون بأنها ستنجح. ولكن نجاحها كان خارقاً. ومع أن نتنياهو اعتمد فيها الكذب وقلب الحقائق، كان غانتس يرد بالدفاع ومن خلال لهجة متردّدة يبدو فيها أنه فوجئ كل مرة من جديد. فهو جنرال معتاد على القتال وسماع النقد أو الإطراء، ولا يوجد عنده حلول وسط. لكنه يخرج من هذه المعركة السياسية بثياب ممزقة وبخسائر مرهقة ولا يحسن إحداث الانقلاب».
واستدرك الرجل قائلا: «أنا لا أقول إن غانتس ورفاقه لبيد ويعلون وأشكنازي جلسوا قانطين بلا عمل. فقد نجحوا في تشكيل حزب تحوّل خلال أربعة شهور إلى أكبر حزب في إسرائيل. ورغم الاختلافات العميقة بين قادته وجمعهم في صفوفهم يسارا ويمينا ووسطا في جرة واحدة، فإنهم تمكنوا من صد كل محاولات نتنياهو تفسيخ صفوفهم أو زرع طابور خامس بينهم. والأهم من ذلك أن الجمهور اقتنع بهم كثيرا. ففي الانتخابات الأخيرة حصلوا على 1.15 مليون صوت، أي أكثر من الليكود بحوالي 40 ألفا. وهذا رغم أن نتنياهو في السلطة ويحظى بتأييد ضخم من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورغم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها وقبلها الاعتراف بضم الجولان... وبعدها جاءت هدية صفقة القرن والدعم العلني لضم الأراضي الفلسطينية ثم جاءت هدية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أصدر عفوا عن الشابة الإسرائيلية التي حكم عليها بالسجن 7 سنوات لضبطها متلبسة بحيازة أقل من 10 غرامات في الحشيش، فسافر نتنياهو خصيصا إلى موسكو وأحضرها بطائرته، والتقى مع عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي في السودان. رغم كل هذه الهدايا والإنجازات، صمد غانتس وحافظ على قوته. لكن المشكلة أن نتنياهو بات خطرا على النسيج السياسي والاجتماعي والاستراتيجي وينبغي محاربته بقوة وفظاظة لا ترحم. وقد قلنا له هذا الكلام. لكنه يقول إنه لن يستخدم وسائل مصطنعة في معركته الانتخابية. ويرى أن الأسلوب الذي يتبعه مثبت أكثر».
في السياسة يقولون إن أسلوب غانتس هو عكس الطبيعة. وإن نتنياهو هو الذي يدير معركته بالشكل المهني. صحيح أن أسلوب نتنياهو شرس وفظ وجارح ومهين، إلا أنه يجلب الأصوات. لذا ارتفع رصيده حسب آخر الاستطلاعات، من 32 مقعدا بحوزته حاليا إلى 34 و35 مقعدا. وأصبح عدد المقاعد في معسكره 58 مقعدا، ولم يبق له سوى 3 مقاعد، أي ما يعادل 100 ألف صوت جديد، حتى يكسب أكثرية 61 مقعدا ويشكل حكومة يمين صرف. وهو يدير معركة جارفة، لا يرحم حتى نفسه بها.
المقرّبون منه يقولون إنه يعمل ليل نهار، ولا ينام سوى 3 – 4 ساعات في اليوم. ويسخرون من غانتس قائلين، عندما يصوّرون غانتس وهو يجري رياضة الركض في ساعات الصباح الباكر، يكون نتنياهو قد أعد قائمة بثلاث أو أربع زيارات انتخابية مع جمهور كبير يحرث فيها البلاد من شمالها إلى جنوبها ويلتقي الجنود في الميدان، ولا يهمه أن يغير نهجه السياسي خلال ذلك. فيتوجه إلى الناخبين العرب (وعددهم مليون صاحب حق الاقتراع) يطلب ودّهم وأصواتهم، وهو الذي كان قد حذّر قبل شهور فقط من تدفقهم إلى صناديق الاقتراع ووضع الخطط لتخفيض نسبة التصويت لديهم، وسن قانون القومية المعادي لهم. ويتوجه للناخبين الإثيوبيين، وهو الذي منع هجرة أقاربهم وشرطته تستسهل الضغط على الزناد وتقتل شبابهم. ويتوجه إلى جمهور الناخبين للأحزاب المتحالفة معه من اليمين لشفط بضعة ألوف من أصواتهم.
وفي كل يوم يستل موضوعاً جديداً يربك منافسه غانتس ورفاقه. فيرسل مساعديه ليبثوا شريط فيديو مبهما يلمح فيه إلى أنه يقيم علاقة محرجة وأن جهات إيرانية تستغلها لابتزازه. ورغم نفي غانتس، يصرح نتنياهو على الملأ «حتى أقرب الناس إلى غانتس يعرفون أنه يجب ألا يكون رئيس وزراء لأنه قابل للابتزاز، ويشكل خطراً على أمن إسرائيل». ويتهم رئيس أركان آخر سابقا للجيش، هو المرشح الرابع في قائمة «كحول لفان»، غابي أشكنازي، بأنه أطلق تصريحات ضد المواطنين العرب الدروز، «إذا نشرت فإنها ستحدث زلزالاً».
بهذه الطريقة يدير نتنياهو معركته. وليس من الصعب أن يلمس المرء أنه يفعل ذلك من شدة خوفه على مستقبله. فالبديل عن الفوز في المعركة الانتخابية هو قفص الاتهام الذي يقود إلى حكم بالسجن المؤكد. هذه مسألة حياة وموت سياسيا. فإذا نجح في ذلك لا يكون ذلك بفضل قوته، بل بفضل ضعف منافسه. وإذا خسر، فإنه سيسعى مرة رابعة إلى إفشال الجهود بتشكيل حكومة، حتى يحل الكنيست نفسه ويتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للمرة الرابعة على التوالي، فيبقى رئيسا للحكومة إلى حين إجراء الانتخابات وتشكيل حكومة. وهناك من يتحدث بسخرية، عن احتمال انتخابات خامسة أيضاً.
- حصة العرب في ارتفاع
> تشير غالبية استطلاعات الرأي أن «القائمة المشتركة»، التي تضم الأحزاب العربية، سترتفع من 13 إلى 14 مقعدا. فالأجواء بين المواطنين العرب هي أجواء حماسية، وتوجه غالبية النواب بضرورة التأثير على السياسة الإسرائيلية لصالح قضايا المساواة والسلام، يجعل قوى كثيرة تلتف حولها... وفكرة نتنياهو ضم مناطق «المثلث» العربي المحاذي للضفة الغربية إلى الدولة الفلسطينية العتيدة، تشعرهم بأن وجودهم في خطر.
قادة القائمة يؤكدون على أن هدفهم الأول هو إسقاط ووضع حد لحكم بنيامين نتنياهو. لكنهم دخلوا في صراع أيضا مع غانتس، نتيجة لتأييده صفقة القرن. ومعروف أنه لا توجد أي إمكانية لغانتس أن يشكل حكومة من دون اليمين إلا إذا بنى شكلاً من التعاون بينه وبين القائمة المشتركة. ولذلك فإن هناك من يقول بأنه لا يصدق أن الخلافات والتهجمات المتبادلة بين «كحول لفان» وبين المشتركة هي طبيعية وحقيقية ويشيعون بأنها «خلافات متفق عليها حتى يستطيع غانتس جلب أصوات من اليمين. لكن ما من شك في أن هناك قوى عديدة في المشتركة، خصوصا رئيسها أيمن عودة والحركة الإسلامية فيها والحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي، يؤيدون إيجاد نوع من الشراكة مع الحكومة في حال تولي غانتس لقيادتها وكانت حكومة يسار وسط. وحصول القائمة على زيادة في المقاعد يساعد على هذا الاتجاه. ولكن ومن أجل تحقيق الزيادة، ينبغي رفع نسبة التصويت بين العرب، التي وصلت في الانتخابات الأخيرة إلى 60 في المائة (مقابل 70 في المائة بين اليهود)، وهذا ما يبذلون جهودا خاصة من أجله اليوم.
- جانب من الدعايات الانتخابية الإسرائيلية
ابتداء من اليوم تحظر الدعاية الانتخابية في إسرائيل، وتتركز الأحزاب في النشاط التنظيمي لكوادرها، وتجري الانتخابات في يوم الاثنين، بعد غد. وقد اقتطفنا بعضا من الدعايات الانتخابية التي نشرت في اليومين الأخيرين، والتي تدل على مستوى النقاش واتجاهاته:
> نتنياهو يظهر وإلى يمينه النائب عن الليكود، نير بركات رئيس بلدية القدس سابقا، وإلى يساره ماي جولان، رئيسة شبيبة الليكود، ويقول: جئنا لنطلق لكم بشرى جديدة كبيرة لشعب إسرائيل. وزير المالية القادم على يميني ووزيرة الشباب القادمة على يساري والليكود ينوي تقديم منحة قسط جامعي للسنة الأولى لكل طالب خدم في الجيش أو الخدمة المدنية.
بركات: نعم، من يضحي من أجل الدولة ويعطيها ستعطيه.
جولان: تقديم بشرى عظيمة كهذه اليوم تدل كم هو رئيس الحكومة حريص على المواطن.
نتنياهو يقاطعها: لا، الليكود وليس نتنياهو.
> نتنياهو يظهر في مهرجان انتخابي ويسخر من بيني غانتس: إنه يقلدني. يقلدني مع تأتأة. أقول له: أنت لست بقدر هذا الحمل أن تكون رئيس حكومة. تنازل عن هذه الفكرة إنها ليست لك. إنني أطالب بكشف كل شيء عن تاريخك. لا تخفي هذا التاريخ. غانتس يرد بغضب: بيبي إنك تسمم إسرائيل. افهم مرة وإلى الأبد. أنا لا يستطيع أحد أن يهددني. لا حماس ولا حزب الله ولا إيران. وبالتأكيد ليس أنت. ربما أنا لا أتكلم بطلاقة مثلك. لكن هذه ليست قضية. فعندما كنت أنت تتعلم فن التمثيل والخطابة في نيويورك أنا كنت أدافع عن هذه الدولة من خلال خدمتي في الجيش. وعلى عكس حالتك، أنا ما زلت أنشد خدمة الدولة وليس مثلك تنهبها. موشيه يعلون، المرشح الثالث وراء غانتس يرد قائلا: «مع أنني لا أحب التعاطي مع دعايات وسخة كهذه، أذكر نتنياهو بأن النبي موسى كان يتأتئ. وأنا أقبل رئيس حكومة يتأتئ فهذا أفضل من رئيس حكومة كذاب وفاسد».
> ايتان بن جبير، رئيس حزب اليمين المتطرف الذي يدعو إلى ترحيل الفلسطينيين من البلاد «حتى تتاح إقامة دولة يهودية طاهرة»: يتحدثون عن حكومة يمين؟ أثبتوا أولا أنكم تريدون حكومة يمين فعلا. ألغوا اتفاقات أوسلو. تعهدوا بألا تقيموا دولة فلسطينية ولا حكما ذاتيا فلسطينيا. أوقفوا دفع الخاوة لحماس. أخرجوا الوقف الإسلامي من «جبل الهيكل» (الحرم القدسي). نفذوا قرار المحكمة بإخلاء الخان الأحمر. هكذا فقط تكون حكومة يمينية.
> يائير غولان، نائب رئيس أركان الجيش سابقا، المرشح الرابع في قائمة تحالف اليسار الصهيوني: كم من الجبن والخوف يظهر حزب «كحول لفان» بزعامة بيني غانتس. لقد انتظروا شهرين تماما على الجدار وانتظروا أن يحدث شيء ما وأفاقوا الآن وإذا بحزب الليكود يسبقهم في الاستطلاعات. لذا يرجون أن يحصلوا على أصوات منا نحن، حلفائهم. يا أعضاء حزب العمل عودوا إلى بيتكم. صوتوا لنا وأرسلوا غانتس ليجلب أصواتا من اليمين. فهذه هي المهمة التي تعهدوا القيام بها فليحققوها.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.