الديمقراطيون يترنحون في مناظرة ساوث كارولاينا

ترمب يصف أداءهم بالمجنون والفوضوي

بيرني ساندرز (يسار) وجو بايدن (أ.ف.ب)
بيرني ساندرز (يسار) وجو بايدن (أ.ف.ب)
TT

الديمقراطيون يترنحون في مناظرة ساوث كارولاينا

بيرني ساندرز (يسار) وجو بايدن (أ.ف.ب)
بيرني ساندرز (يسار) وجو بايدن (أ.ف.ب)

صراخ وغضب وتراشق اتهامات... هكذا افتتح الديمقراطيون مناظرتهم ما قبل الأخيرة في ولاية ساوث كارولاينا، وإن دلّت الأجواء المرتبكة والمتشنجة على شيء فإنما تدل على توتر واضح في أجواء السباق الانتخابي الديمقراطي بشكل مقلق. فالمرشحون السبعة الذين وقفوا على منصة المناظرة قبل أيام من الانتخابات التمهيدية في الولاية، هاجم بعضهم بعضا بطريقة شرسة، وكان من الصعب أحياناً سماع أجوبتهم لأنهم هم أنفسهم لم يستمع بعضهم إلى بعض، فتكلموا في الوقت نفسه، وتشاجروا بشكل جماعي، ما أربك الحضور والمحاورين بشكل كبير.
وعكست المناظرة انقساماً واضحاً أقلق القيادات الديمقراطية وأفرح الجمهورية، فعلّق الرئيس الأميركي في سلسلة من التغريدات قائلاً: «هذه المناظرة الديمقراطية اتسمت بالجنون والفوضى. وسائل الإعلام الكاذبة قالت إن بايدن قام بعمل جيد، رغم أنه قال إن نصف الأميركيين قتلوا رمياً بالرصاص. السباق سينتهي بالنسبة للكثيرين. ميني مايك كان ضعيفاً وغير مستقر، لكن حملاته الدعائية تساعده بشكل كبير. بوكاهانتس (إليزابيث وارن) كانت لئيمة وغير متزنة وهاجمت برني المجنون وميني مايك. إنهم لا يعرفون كيف يتعاملون معها. ستاير كان كارثة أيضاً وهو إلى جانب ميني يكسر الأرقام القياسية في دفع الأموال. قدموا لي منافساً جيداً!» كلمات ولو شهدت بعض المبالغة، لكنها وصفت بشكل مفصل مناظرة ليل الثلاثاء. فقد تخبط المرشحون في دوامة من الاتهامات شتّتت الانتباه عن قضايا أساسية في السباق.
ولعلّ المحور الوحيد الذي وحّدهم بعد بداية مرتبكة ومتعثرة هو السعي لمهاجمة السيناتور برني ساندرز، الذي يتصدر استطلاعات الرأي حتى الساعة. فقد بدا تخوف الديمقراطيين واضحاً من تقدم ساندرز، تحديداً من توجهاته الليبرالية التي وصفوها بالمتشددة. فتكاتف المرشحون الستة ضده في أكثر من موقف، ووجه عمدة نيويورك السابق مايك بلومبرغ، الذي وصف ساندرز بالشيوعي، الضربة الأولى، فنظر إلى ساندرز، وقال: «فلاديمير بوتين يعتقد أن دونالد ترمب يجب أن يكون رئيساً للولايات المتحدة. لهذا فإن روسيا تساعدك ليتم اختيارك مرشحاً للحزب».
موقف يختصر المخاوف الديمقراطية من فوز ساندرز بترشيح الحزب، وخسارته أمام ترمب في الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد تقارير استخباراتية أميركية أظهرت أن روسيا سوف تسعى إلى مساعدة حملتي ساندرز وترمب.
وبمجرد بدء الهجوم على ساندرز انهال عمدة ساوثبند بيت بوتجاج بوابل من الانتقادات على المرشح التقدمي، وحذر من أن فوز ساندرز بترشيح الحزب لن يؤدي إلى خسارة الديمقراطيين للسباق الرئاسي فحسب، بل سيؤدي إلى خسارتهم للأغلبية في مجلس النواب، كما سيعرقل سعيهم إلى انتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ. وأضاف بوتاجج أن «فوز برني سوف يعني 4 أعوام إضافية لدونالد ترمب في البيت الأبيض وانتخاب كيفين مكارثي (زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب) رئيساً لمجلس النواب، واستحالة فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس الشيوخ». وتابع بوتجاج: «نحن لسنا بحاجة إلى شخص يحنّ إلى سياسات الستينات الثورية». وذلك في إشارة واضحة لإشادة ساندرز بالزعيم الكوبي فيديل كاسترو. حتى إليزابيث وارن، المعروفة بأفكارها التقدمية، لم توفر حصتها من الانتقادات بحق ساندرز، معتبرة أنه لن يتمكن من تطبيق أجندته التقدمية لأنه انقسامي، على حد تعبيرها. وانضم نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن والسيناتورة إيمي كلوبوشار ورجل الأعمال توم ستاير إلى منتقدي ساندرز، الذي حاول الرد على كل الهجمات الموجهة ضده قائلاً: «أنا أسمع اسمي يتردد بشكل كبير الليلة... وأتساءل لماذا؟». في إشارة إلى تقدمه في استطلاعات الرأي. ورغم محاولته الحفاظ على رباطة جأشه، فإن الغضب بان على ملامحه لدى الإجابة عن الاتهامات القائلة بأنه لن يتمكن من هزيمة ترمب، فقال إن «استطلاعات الرأي تشير إلى تقدمي على ترمب في الانتخابات الرئاسية بنسبة 47 إلى 50 في المائة!».
رغم تسليط الأضواء على ساندرز فإن بلومبرغ حظي بحصته من الانتقادات تحديداً من وارن التي كررت اتهاماتها له بتمييزه ضد النساء وذكرت بتاريخه الجمهوري. وقالت وارن: «أنا لا أكترث لكمية الأموال التي لديه، إن الحزب الديمقراطي لن يثق به أبدا، إنه المرشح الأكثر خطورة على هذا المنبر».
لكن كمية الانتقادات بحق بلومبرغ لا تقارن بتلك التي واجهها في مناظرته الأولى في ولاية نيفادا. ولعلّ السبب الأساسي لذلك يعود إلى عدم تقدمه في استطلاعات الرأي التي تعكس تقدم ساندرز بشكل ملحوظ.
أما بايدن فكان أداؤه هذه المرة أفضل من أدائه في المناظرات السابقة، فهو يعلم أن الوقت يداهمه وأن فرصه في إثبات نقاط قوته تتضاءل. وهو يعول على الفوز في انتخابات ساوث كارولاينا حيث يتقدم بشكل ضئيل في استطلاعات الرأي مقابل ساندرز ليتمكن من الاستمرار في حملته الانتخابية. فقد أظهر آخر استطلاع للرأي تقدم بايدن بنسبة ٢٧ في المائة مقابل ٢٣ في المائة لصالح ساندرز في الولاية.
ويعلم المرشحون أن مناظرة ساوث كارولاينا قد تكون المناظرة الأخيرة التي يشاركون بها. فيوم الثلاثاء الكبير يقترب، وهو التاريخ الذي عادة ما يسجل انسحابات جماعية من السباق الرئاسي في حال الخسارة. وسيحاول الحزب الديمقراطي بعد انتخابات الثلاثاء الكبير في الثالث من مارس، رأب الصدع في صفوفه والالتفاف حول مرشح واحد، لمنافسة ترمب في الانتخابات الرئاسية.

- المرشحون والصراع العربي ـ الإسرائيلي
سأل المحاورون ساندرز عن الانتقادات التي وجهها إلى اللوبي الإسرائيلي (أيباك) وقراره عدم المشاركة بفعاليات مؤتمر اللوبي السنوي. فقال ساندرز: «أنا فخور بكوني يهوديا، ولقد عشت في إسرائيل لبضعة أشهر. لكن أعتقد أن ما يجري الآن هناك الآن هو أن شخصاً متعصباً ومتشدداً كبيبي نتنياهو يدير البلاد».
وكرر ساندرز موقفه الداعي إلى سياسة داعمة لإسرائيل لكن من دون تجاهل الفلسطينيين، فقال إن «سياستنا الخارجية في الشرق الأوسط يجب أن تحرص على حماية أمن إسرائيل واستقلالها، لكن لا يمكننا تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني».
ولوح ساندرز باحتمال إعادة السفارة الأميركية إلى تل أبيب في حال فوزه بالرئاسة. أما مايك بلومبرغ، وهو المرشح اليهودي الآخر إلى جانب ساندرز، فقد قال إنه سيبقي على السفارة في القدس في حال فوزه: «لا يمكننا نقل السفارة مجدداً. لم يكن من الجيد اتخاذ القرار أصلاً من دون الحصول على مقابل من الحكومة الإسرائيلية. لكن القرار اتُخذ ويجب ألا نغيره الآن». وأكد بلومبرغ أنه يدعم حل الدولتين: «المشكلة الأساسية هنا هي أن هناك مجموعتين من الأشخاص تؤمنان بحقهما في قطعة واحدة من الأرض، والجواب الأنسب هو: قسّموها». وتدخلت السيناتورة إليزابيث وارن في الحديث، فقالت إن الأميركيين يجب ألا يحددوا الحل للصراع: «الإسرائيليون لهم حق الأمن، والفلسطينيون لهم حق التعامل بكرامة وحق تقرير المصير - هذا حل الدولتين».
وانتقدت وارن ترمب «لوضع إصبعه على كفة الميزان»، على حد تعبيرها، وترجيحها لصالح إسرائيل، الأمر الذي أثر سلباً على حل الأزمة، وأضافت: «نريد أن نكون حليفاً جيداً للجميع في المنطقة والطريقة الأفضل لذلك هي عبر تشجيع الأطراف على الجلوس على طاولة المفاوضات».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.