الناشرة فاطمة البودي: تزوير الكتب في مصر أصبح مخيفاً

قالت إن الجوائز تنتج رواجاً... لكنها لا تصنع روائياً جيداً

فاطمة البودي
فاطمة البودي
TT

الناشرة فاطمة البودي: تزوير الكتب في مصر أصبح مخيفاً

فاطمة البودي
فاطمة البودي

اقتحمت دكتورة فاطمة البودي صاحبة «دار العين» مجال صناعة النشر في مصر منذ سنوات طويلة، واستطاعت في ظل الصعوبات التي تواجه النشر الورقي أن تحقق لدارها اسماً معروفاً في الوطن العربي، وليس المصري فقط.
ومنشورات الدار لا تقتصر على الكتب الأدبية الأدب، وإنما تشمل العلوم الإنسانية والعلمية والفكرية... هنا حوار معها عن إشكاليات صناعة النشر، والتحديات التي تخوضها في ظل مشاكل التزوير والكتب الرقمية، وارتفاع أسعار الورق والطباعة.
> انفتحت تجربة «دار العين» على كتاب كثيرين في العالم العربي، ولم تقتصر على المصريين فقط... كيف استطعت تحقيق ذلك؟
- حينما أخذت قرار دخول عالم صناعة النشر لم أكن أعلم خفاياه ومخاطره ومتاعبه، الوصول للنجاح سهل، لكن الحفاظ عليه صعب. ووجدت القارئ المصري لا يعرف غير اللامع جداً من الكتّاب العرب، وخلال مشاركتي في معارض الكتب العربية تعرفت على الكثير من الكتاب المبدعين من المغرب العربي تحديداً، وقلت لماذا لا أكون وسيطاً بينهم وبين القارئ المصري؟ بعض الكتّاب لمعت أسماؤهم من خلال الدار، منهم من استمر معي ومنهم من استكمل مع ناشرين من موطنه. عموماً، أعتبر ما تقوم به «دار العين» حجراً في ماء راكد أثرته بوعي لتحقيق هدف الدار في نشر إبداعات لكل الكتاب العرب، وأعتبر إقبالهم على النشر من خلالنا شهادة نجاح للدار.
> في رأيك، ما نوعية القراء هذه الأيام، أو ما هي معاييرهم في القراءة؟
- اختلفت معايير القراء مؤخراً بشكل يخالف التوقعات، ودخل صنف من الكتب التي لا يمكن تصنيفها، وهو أمر يهدد صناعة النشر والعقول، فنجد المكتبات غارقة بآلاف الـكتب السطحية، أو كتب «تنمية بشرية»، وهو المسمى الذي انتهك من قبل بعض محبي الشهرة والمدونين. لا تخلو هذه الكتب من الأمور الغثة، لكن للأسف يقبل عليها جمهور معارض الكتب. وعبر 12 عاماً من المشاركة في المعارض تعرفت على نوعيات القراء، جمهور المعارض نوعان أساسيان من القراء، هما: المحترفون يأتون بقائمة كتب، بينما قراء آخرون يستقون قائمتهم من مشاهير «السوشيال ميديا» ويأتون فقط لاقتنائها، والتباهي بها على «إنستغرام» أو «فيسبوك».
أقول هذا رغم أنني كنت من أوائل دور النشر التي استثمرت وجود «السوشيال ميديا» فالصورة باتت مؤثرة، لكنها باتت مستثمرة في انتشار أفقي لا يعمق المعرفة ولا يخلق قارئاً واعياً. وأراها أشبه بموضة «المدونات» التي اختفت لأنها لم تنجح في ربط القارئ بها.
> ما تفسيرك لظاهرة انتشار الكتب المترجمة في العامين الأخيرين؟
- الأمر مرتبط بمِنَح الترجمة التي تقدمها المراكز الثقافية الأجنبية، وهو أمر له شقان: شق إيجابي، حيث نعيد الجسور مع الإنتاج الفكري المعاصر للغرب، وشق سلبي هو نشر كتب غير مناسبة لثقافتنا، أو لها توجهات وأهداف معينة، وللأسف بعض الناشرين يقعون في هذا الفخ.
الترجمة مهمة لا شك لأن القارئ يكون ضامناً ماذا سيقرأ من أعمال استقرت في الوعي الجمعي العالمي، لكن للأسف مثلاً سنجد هذا العام أكثر من دار نشر ترجمت الروايات الأجنبية نفسها. هنا يجب أن نضع في الاعتبار أن القارئ أصبح لا يقبل إلا على كاتب يعرفه أو مؤثر عالمياً، ولا يقدِم على شراء كتب لكتاب جدد. هذه الكتب تحتاج إلى أن نقنع القارئ بها.
في «دار العين» بدأنا سلسلة ترجمة أعمال فرجينيا وولف بـ«غرفة يعقوب»، وسوف أستمر لأنها لم تأخذ حقها في الترجمة العربية. ونحن بصدد ترجمة رواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف خلال مارس (آذار) المقبل. فرجينيا وولف أول من قدم تيار الوعي، وأعتقد أنها لم تُكتشف بعد بالنسبة للقارئ العربي، وسوف نتيح الكثير من أعمالها بالعربية. وسوف نصدر رواية «الخطيئة» للكاتب الروسي زاخر ريليبن، هو كاتب معاصر ورواياته لها رواج كبير.
> هل تظل ترجمة الأدب العربي للغات الأجنبية التحدي الأكبر أمام انتشاره عالمياً؟
- نريد أن تقوم وزارتا الثقافة والخارجية بتأسيس مكاتب في السفارات لدعم الترجمة من العربية للغات الأخرى، وطالبت بذلك في يوم المترجم. لا بد أن نستغل المكاتب الثقافية في العالم لهذه المهمة، حتى لو بكتابين من كل دار نشر. بدأ اتحاد الناشرين العرب ينفّذ الفكرة على استحياء في معرض فرانكفورت. لا بد من ترجمة الكتب التي تترجم فكرنا وثقافتنا المعاصرة دون أن تكون الترجمات للكتب التي تعالج الأمور الشائكة كـزنا المحارم والشواذ، وغيرهما. مع العلم أن الكاتب لا يعيش من دخل طبعاته في مصر، وإنما من دخل وعوائد كتبه المترجمة.
> ما رأيك في ورش الكتابة، هل أضافت إلى صناعة النشر؟
- هناك دور نشر كثيرة خاضت التجربة، وهو أمر محمود، لكن يجب أن يتم تحت إشراف مبدع متمكن. لا يمكن الحكم على هذه التجربة لأنها لم تسفر عن كتّاب لهم وزن، لكنها تساهم ربما في إخراج قارئ واعٍ.
> في تقرير لأكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف السعودية، أفاد بأن معدل نشر شعر الفصحى 1 في المائة فقط مما نشر عام 2019 في مصر، كيف ترين هذه النسبة الضئيلة؟
- للأسف، الشعر لا يحقق مبيعات مهما كبر اسم الشاعر أو الشاعرة؛ لأن المناخ العام خلال السنوات العشر الأخيرة اختلط فيه الحابل بالنابل، ولم نعد في أوج ازدهار ثقافي. الشعر دائماً يعبّر عن الحالة الوجدانية للمبدعين ويرتبط كثيراً بالكثير من أحوال المجتمعات. رغم ذلك لم أتوقف بعد عن نشر الشعر. والعام الماضي كنت الدار الوحيدة التي قدمت شعراء وشاعرات من مختلف أنحاء العالم العربي. أتمنى أن أظل صامدة.
> هل يمكن أن يعزى السبب للجوائز المتعلقة بالنصوص السردية، هل غيرت من متطلبات صناعة النشر؟
- الجوائز تسببت في شيئين: أنها تصنع رواجاً، لكنها لا تصنع روائياً جيداً أبداً. صحيح تصنع شهرة للدار وللكاتب، وأحياناً كتاب يستمرون أو يختفون. المشكلة في رأيي أنها تخضع لذائقة الحكام كمعيار أولي، وهناك دور نشر ظهرت فقط من أجل الجوائز ولم تسع لتقديم خدمة ثقافية حقيقية، ثم اختفت.
> حدثينا عن إطلاق «دار العين» جائزة الكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل وأدب «النوفيلا»؟
- أعلنت عن الجائزة أثناء معرض الكويت، وبعد وفاته تقديراً له ولدوره؛ لأنه رجل وطني وعروبي وكتب ثلاثية عن القاهرة من أورع ما كتب. إسماعيل احتضن الجيل الحالي من الكتاب الكويتيين والناشرين الحاليين، وترك زخماً وبصمة في الأدب الكويتي. الجائزة مخصصة للنوع الأدبي «النوفيلا»، وهو لا يزال مهملاً في عالمنا العربي، لكن إسماعيل كان داعماً له، فجاءت الجائزة لتخلد دوره. وقصدت ألا تكون قيمتها مالية، بل أدبية من خلال نشر العمل وتعزيز للكاتب في أنحاء العالم العربي... وسيكون تقليداً سنوياً إعلان أسماء الفائزين في معرض الكويت وتكريمهم بمعرض القاهرة للكتاب.
> ما هي أبرز التحديات التي تواجهك بصفتك ناشرة؟
- التزوير وصل لدرجة مخيفة، وفي محيط وسط القاهرة (أهم بقعة في مصر) ستجدين الكثير من الكتب المزورة في الشارع، والأدهى أنهم معرفون بالاسم ويقومون بتصديرها، وتم ضبط شحنات تذهب للعالم العربي. الموزع قد يتعامل مع هؤلاء ويضر بسمعة دور النشر. وأطالب اتحاد الناشرين العرب بتنقية جداوله من المزورين؛ لأنها مهنة نبيلة لا يمكن أن تضم هؤلاء بين جداولها. لا أعلم كيف يمكن أن تنتهي هذه الدائرة الجهنمية. صناعة النشر صناعة ثقيلة ومهمة ودخل قومي لا بد أن نحميه. ناهيك عن الكتب التي تتم قرصنتها على الإنترنت.
> ما رأيك في تجارب مدن النشر، وهل تحتاج مصر إلى مدن متخصصة للنشر دفعاً للصناعة؟
- التجربة في مهدها ومدينة الشارقة للنشر بدأت تحقق نجاحاً، خاصة مع استقرار بعض الناشرين السوريين في الإمارات، وهنا يجب أن أحيي الناشرين السوريين الذين لم ينقطعوا عن المشاركة في أي معرض، وأتمنى أن تعود الأوضاع كما كانت في سوريا وأفضل.
حالياً في مصر لا نحتاج إلى مدينة نشر، لكن في حاجة ماسة إلى تخفيض الجمارك على الورق. فالورق سلعة ثقافية، كما نحتاج إلى تخفيض أسعار الأحبار والأصباغ الخاصة بالطباعة، وهو ما سينعكس بالضرورة على سعر الكتاب. نريد مزيداً من التسهيلات حتى على إرسال الكتب خارج البلاد، ونحتاج إلى عقوبات رادعة للمزور؛ لأنه يؤثر على صناعة النشر ويسبب خسائر كبيرة للناشرين.
> هل يؤثر خمول الحركة النقدية بشكل ملموس على صناعة النشر؟
- حركة النقد تعاني ركوداً، والنقاد باتوا مقلين في الكتابة ويفضلون الصالونات الأدبية أو الندوات. والصفحات الثقافية أيضاً لم تعد تلعب دورها كما يجب.
> لماذا لا نجد اهتماماً بترجمة الأدب العربي لكتاب المهجر، ولا سيما المغرب العربي الفرانكوفونيين؟
- بالفعل هي قضية مهمة يجب أن نسعى لنشر إبداعات ياسمينة خضرا، وليلى سليماني، وآسيا جبار أيضاً. هذا أمر مهم ونسعى أيضاً لترجمة روايات معاصرة من أدب أميركا اللاتينية، كما أننا في «دار العين» بصدد ترجمة روايات معاصرة من الإيطالية والألمانية.
> كيف تقيّمين انتشار نوادي القراءة في مصر وأيضاً النوادي الافتراضية؟
- هناك اهتمام كبير بالقراءة في مصر والكثير من نوادي القراءة، مجموعات قرائية كبيرة ومتناثرة وهو أمر يسعدني. الكويت من أهم البلاد التي تلعب النساء فيها دوراً كبيراً في رواج نوادي القراءة والصالونات الثقافية، وأتمنى أن تمتد نوادي القراءة للمحافظات المصرية. لكني أفضّل أن يكون نادي القراءة في مكان أو دار نشر، يساهم في بيع الكتب وتجري مناقشة حية مع الكاتب أو الروائي، وأنا بصدد تأسيس نادي قراءة في «دار العين».
> ماذا عن تطور صناعة النشر عربياً؟
- هذا العام ازدادت دور النشر الكويتية والإماراتية وهي خطوات إيجابية جداً، إلى جانب دور النشر المصرية. وهناك معارض كتب مهمة تدعم هذه الصناعة، منها معرض الرياض للكتاب وهو من أهم المعارض العربية، ولا يتم منع أي كتاب من المشاركة فيه «نهائياً»، ومعرض الشارقة الأخير للكتاب كان مبشراً.



«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».