النظام البيئي العالمي... ينبوع ينضب من عناصر باهظة الثمن

مجموع قيمة خدمات الطبيعة للأرض يفوق 140 تريليون دولار

النظام البيئي العالمي... ينبوع ينضب من عناصر باهظة الثمن
TT

النظام البيئي العالمي... ينبوع ينضب من عناصر باهظة الثمن

النظام البيئي العالمي... ينبوع ينضب من عناصر باهظة الثمن

إذا كنتم من المهتمين بالقضاء على التغير المناخي، فهذا يعني أن الوقت قد حان لتخرجوا محفظتكم وتتوجهوا إلى الشاطئ للعثور على أقرب حوت... وتحرير صك له بقيمة مليوني دولار! وهذا أقل ما يمكن أن تفعلوه.

ثمن الحوت
تقوم الحيتان بالكثير من أعمال التنظيف المجانية التي تخلصنا من الفوضى الكربونية، إذ إنها تراكم أطناناً من الكربون في أجسادها الضخمة خلال نموها (ما يعادل استهلاك ألف شجرة وأكثر)، وتأخذها معها إلى قعر المحيط عند موتها، فتزيلها بشكل كامل ونهائي من الجو. وقد وجد الباحثون أيضاً أن براز الحيتان يشكل مأدبة للعوالق النباتية التي تتواجد على مقربة من سطح المحيط، مما يعني أنها تساهم بدورها بامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء بكميات موازية لما تمتصه عدة غابات مجتمعة وتحبسها في الأعماق.
في ديسمبر (كانون الأول) الفائت، عمدت مجموعة من اقتصاديي صندوق النقد الدولي إلى احتساب البدل المالي المقدر لهذه الخدمة بناء على سعر ثاني أكسيد الكربون في السوق (بالإضافة إلى سعره في صناعات أخرى تدعمها الحيتان كالسياحة والصيد)، ووجدوا أنه يصل إلى مليوني دولار للحوت الواحد (في حياته)، وإلى تريليون دولار لحيتان العالم مجتمعة.
يُعرف هذا النوع من العلوم المتداخلة الاختصاصات - تحويل الخدمات التي تقدمها مختلف أنواع الكائنات الحية والمنظومات البيئية (الأهوار، والشعاب المرجانية، والغابات، وغيرها) إلى دولارات وجنيهات من الكربون وغيرها من الأرقام الصعبة - باسم «اقتصادات رأس المال الطبيعي». ولا يقتصر هذا الأمر على الكربون فحسب، حيث إن اقتصاديي رأس المال الطبيعي يقيسون أيضاً قيمة «خدمات المنظومات البيئية الأخرى» كإنتاج الغذاء، وتخزين المياه، وتلقيح الزهور، وتنظيف الهواء من السموم، والتربة، والمياه، وحتى الحماية من التآكل والفيضانات.

خدمات الطبيعة
تتراكم هذه القيم لتسجل أرقاماً خيالية حقاً. فقد أوردت ورقة بحثية مؤثرة أعدها عام 2014 الاقتصادي الأسترالي روبرت كوستانزا أن مجموع قيمة هذه الخدمات يفوق 140 تريليون دولار أميركي. وفيما يلي، سنضيئ على أبرز التفاصيل التي وردت في هذه الورقة:
منذ ظهور مصطلح «رأس المال الطبيعي» عام 1973 على يد الاقتصادي الألماني إيرنست فريتز شوماخر، تحول هذا المجال إلى أداة مهمة للناشطين البيئيين تساعدهم في إقناع القادة السياسيين ورواد الأعمال بالاستثمار في حماية البيئة. وورد في تقييم أعدته الأمم المتحدة عام 2017. أن أكثر من 50 دولة معظمها في أوروبا وجنوب أميركا (الولايات المتحدة ليست واحدة منها)، تُشرك اليوم اقتصادات رأس المال الطبيعي في القرارات التي تتخذها بشأن سياساتها البيئية.
وحديثاً، حاز اثنان من الباحثين الذين يقودون مجال اقتصادات رأس المال الطبيعي على جائزة تايلور للإنجاز البيئي، التي تعتبر الوسام الأعلى في مجال البحث البيئي وتُعرف بـ«جائزة نوبل للبيئة». وإلى جانب الجائزة، يحصل كل فائز على منحة مالية بقيمة 100 ألف دولار. ومن أبرز الأسماء التي حازت على هذه الجائزة في السنوات السابقة نذكرُ عالم الأحياء إدوارد أوسبورن ويلسون، والباحثة المتخصصة في قردة الشمبانزي جين جودال، والكاتب وعالم الأحياء جارد دايموند، وعالم المناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا ميخائيل مان الذي تحول رسمه البياني الذي يظهر ارتفاع الحرارة العالمية والمعروف بـ«عصا الهوكي» إلى «الرسم البياني الأكثر جدلاً في عالم العلوم». أما الأسماء الفائزة لهذا العام فتضم غريتشن ديلي، مديرة مركز حفظ الأحياء في جامعة ستانفورد، وبافان سوخداي، خبير اقتصادي ورئيس الصندوق العالمي للطبيعة. وكان سوخداي الباحث الرئيسي لتقرير أعدته الأمم المتحدة عام 2008. وجد أن العالم كان يخسر ما يقارب أربعة تريليونات دولار من رأسماله الطبيعي سنوياً نتيجة قطع الأشجار، وتلوث المحيطات، وغيرها من النشاطات الضارة بالبيئة. أما دايلي، ففي رصيدها العديد من الكتب التي تحدثت عن رأس المال الطبيعي، إلى جانب تأسيسها مشروع رأس المال الطبيعي التابع لجمعة ستانفورد، الذي قدم أبحاثاً حول قيمة الثروات الطبيعية من كينيا إلى كوستاريكا ونيبال.
رأس المال الطبيعي
ترى هيذر تاليس، أحد أبرز علماء منظمة الحفاظ على الطبيعة والتي جمعها بدايلي تعاون علمي وثيق، في رأس المال الطبيعي «مفهوماً ثورياً حقيقياً» وتقول إنه «حول نمط التفكير القائم حول الحفاظ على الطبيعة من شيء غير مدرج في اقتصادنا إلى عنصر أساسي في الاقتصاد».
تساعد هذه الأنواع من الحسابات أيضاً الشركات في تحديد كيف يمكن للتغير المناخي، والتلوث، وغيرها من التأثيرات المناخية أن تؤثر على النتيجة النهائية لأعمالها.
ففي عام 2018 مثلاً، استخدمت الحكومة المكسيكية والشركات المحلية العاملة في صناعة السياحة الشاطئية اقتصادات رأس المال الطبيعي في إطلاق برنامج تأمين لحماية الشعاب المرجانية المعروفة بإمكاناتها الكبيرة في جذب السياح وحماية الشواطئ والفنادق، والطرقات، وغيرها من البنى التحتية الأساسية من الأعاصير. يهدف هذا البرنامج إلى السماح للحكومة بالمشاركة في دفع تكاليف هذه الحماية، من خلال تقديمها التعويضات للشركات المحلية عند تضرر الشعاب المرجانية جراء الأعاصير أو أي أضرار أخرى. في الوقت الحالي، يركز اقتصاديو رأس المال الطبيعي جهودهم على مبادرات حفظ الثروة المائية المدعومة من الشركات والوكالات التي تعتمد على المياه النظيفة في عملها كالمصانع الكهربائية، ومصانع صناعة البيرة، والنظام المائي لمدينة نيويورك.
شبهت تاليس هذا الأمر «بشراء علاج شافٍ بدل الإنفاق المتواصل على شراء ضمادات للجروح». ولفتت تاليس إلى إمكانية الربط بين الفكرة وبين الرسالة الأخيرة التي أعدها لاري فينك، الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، واحدة من أكبر شركات العالم المتخصصة في إدارة الثروات. وحذر فينك في رسالته من أن «الأدلة المقدمة على المخاطر المناخية تُجبر المستثمرين على إعادة تقييم الفرضيات الأساسية حول التمويل العصري».

موازنة البيئة
ولكن هذا المجال لا يخلو من الخلافات، حيث إن باحثين وخبراء بيئيين بارزين يؤكدون أن رأس المال الطبيعي اختزالي بشكل خطير، معتبرين أن تسعير الحيتان والأراضي الرطبة (الأهوار) يشوه القيمة الحقيقية للطبيعة ويشتت الاهتمام عنها. كما أن هذا الأمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية في الحالات التي يكون فيها المشهد الطبيعي أو الكائن الحي ذا قيمة اقتصادية متواضعة، أو حتى يتميز بأسلوب حياة معاكس للمصالح البشرية، كالأراضي الرطبة مثلاً التي يمكن أن تساهم في نشر الأمراض المعدية، أو بعض الحيوانات المتوحشة التي تقتل البشر أو تدمر الممتلكات.
من جهته، يرى أدريان فوغل، عالم رئيسي في مشروع رأس المال الطبيعي، أن علماء رأس المال الطبيعي يظهرون اهتماماً متزايداً بتجاوز الأرقام الدولارية إلى مقاييس ملموسة أكثر، كأعداد الحيوات التي يساهم الهواء والمياه النظيفان في إنقاذها، أو توقع التأثيرات التي قد تطول المحاصيل جراء التلوث والتغير المناخي. ويعتبر فوغل أن الخطوة التالية تتمثل في مساعدة عدد أكبر من الحكومات والشركات التي تستخدم أفكار رأس المال الطبيعي في الموازنة بين النمو الاقتصادي وحفظ البيئة. وأخيراً، يختم الباحث في مشروع رأس المال الطبيعي بأن «تسعير كل شيء بالدولار ليس الجواب النهائي. نحن بحاجة إلى الذهاب أبعد من تحديد الكمية والفهرسة إلى دمج هذه القيم في سياسات فعالة».
- «كوارتز»، خدمات «تريبيون ميديا».



حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.