اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا
TT

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

نشرنا يوم أمس، الحلقة الأولى من تحقيق «اليهود في الرواية السعودية»، الذي استعرضنا فيه مضامين 5 روايات تناولت شخصيات يهودية، ومن خلالها قضايا إنسانية عامة كالهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. ولكون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت كثيراً من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستغربون من التوظيف السياسي لرواياتهم. وفي هذه الحلقة، ننشر 3 حوارات مع علي الأمير مؤلف رواية «قاع اليهود»، ورجاء بندر مؤلفة «غربة يهودية»، وسالمة الموشي مؤلفة «يهودية مخلصة»...

علي الأمير: «حي اليهود» مجرد حامل لعمل روائي
في البدء يتحدث الروائي والناقد علي الأمير، مؤلف رواية «قاع اليهود»، قائلاً: «روايتي ليست خالصة لليهود، ولكن بسبب (قاع اليهود/ اسم حي في صنعاء) الذي أعرفه جيّداً من خلال عملي لسنوات في صنعاء، احتجت للحديث عن اليهود، عبر إحدى شخصيات الرواية. بذلتُ كثيراً من الجهد في العودة للكتب التاريخية، والمقالات في الصحف اليمنية القديمة، لجمع الحقائق التاريخيّة والوقائع الثابتة، رغم أنّ الجانب التاريخي لا يشكل سوى أقل من 10 في المائة من الرواية. كما لا أنكر استفادتي من مراجعتي اللغوية لرواية (اليهودي الحالي) للروائي اليمني علي المقري، الذي كان قد طلب مني مراجعتها قبل طباعتها، وبالطبع موضوع روايتي مختلف تماماً عن روايته».
يضيف رداً على سؤال عن الجديد في هذه الرواية: «كنتُ أفضل أن أترك الحديث عنه للنقاد أو القراء، لكن ربما تجده في كشف حقيقة الحرب على الإرهاب في اليمن، وربما في مظلوميّة يهود اليمن».
يفند علي الأمير الاتهام بأن روايته هذه تسوّق لثقافة التطبيع بقوله: «كل ما أستطيع تأكيده لك، أنّ تلك الإسقاطات التي تدور في أذهان البعض، حول الدعوة للتطبيع بسبب ذكر اليهود، هي محض افتراء، وتربّص واضح بنا كسعوديين. أتفق معك في كون مفردة يهودي مثقلة بحمولاتها التاريخيّة، ولافتة للنظر، لذلك قد يعمد كاتبٌ ما إلى استثمارها دعائيّاً كعنوان، وهذا من حقه، بالنسبة لي حي (قاع اليهود)، لم يكن يعني لي أكثر من حامل لعمل روائي، وليس في روايتي شيء من أوهام التطبيع».

رجاء بندر: التطبيع مجرد دعايات
حققت رواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، التي صدرت بداية العام الحالي، أرقاماً عالية في حجم المبيعات، وتداولتها الأيدي بسرعة كبيرة، وحظيت بتقدير واضح كونها أول إنتاج أدبي مطبوع لصاحبتها، الشابة رجاء بندر، وجاءت بلغة سردية رصينة وتقنية روائية لافتة، ومؤلفتها كعلي الأمير من منطقة جازان جنوب السعودية.
تتحدث رجاء بندر لنا عن بدايتها الأدبية قائلة: «بدأت أكتب قصصاً قصيرة خيالية، تقرأها الصديقات، ثم كتبت رواية خيالية بحتة لجنس مختلف، يعيش في عالم آخر، وقد أثّرت هذه الرواية فيمن قرأها ممن حولي، فدفعتني الحماسة أن أجسّد في نصوصي شخصية العدو المحاط بألغام وخطوط حمراء فظهرت في روايتي (غربة يهودية) عبر شخصية عفراء».
وتتحدث رجاء بندر عن مراحل تشكل وعيّها بالموضوع اليهودي قائلة: «ترعرعت ونشأت في الفترة التي كان فيها الغضب العربي في ذروته، كنتُ أحفظ أغنية (وين الملايين)، وكانت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في أوائل الذكريات المرئية من مخيلتي، وكنتُ ألعب مع الأطفال من عائلتي ولنا جيران فلسطينيون، نمثل معاً مشهد طفل يجابه بالحجارة البندقية الإسرائيلية ويهزمها بحجر، وكان سقوط الطفل الذي يمثل الجانب الصهيوني في لعبتنا البريئة يُشعرنا بالنشوة والنصر الصغير، كأن أرواحنا تطير».
تجيب رجاء البندر عن سؤال: «أين تعرفت على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟»، بقولها: «في الثانية عشرة أصبتُ بصدمة ثقافية، حيث إنني دخلتُ في نقاش حاد مع يهودي عربي من اليمن عبر وسائل التواصل، كانت صدمة بالنسبة لي، حين وجدتُ أنه يمكنه تكلم العربية بهذه الفصاحة ومعرفة التفاصيل الصغيرة عن البلاد العربية، كنتُ أحاول مجابهته كونه عدواً! ولكن بعدها اكتشفت أبعاداً أخرى للقضية التي كانت أحد خطوطي الحمراء، فاكتشفت أنني جاهلة تماماً بها ولم أعرف منها سوى العداوة المجردة من التفاصيل والأسباب، فقررت الغوص في عالم يهود الشرق، واكتشفت أنهم كانوا يعيشون بيننا».
عكفت رجاء بندر عامين للتعرف على قراءة العهد القديم، كما قرأت المقالات والكتب وشاهدت الأفلام الوثائقية، التي تناولت التجمعات اليهودية في اليمن، وتقول إنها حاولت كذلك التفتيش عنهم في كتب التاريخ العربي.
تنظر رجاء لروايتها بفخر، تقول: «(غربة يهودية) هي أولى درجات السلم، وهي عملي الأول، وأتمنى ألا يكون الأخير. والسرد عموماً يستهويني، وفي داخلي نَهَمٌ حكائي لم أروِ منه إلا النزر اليسير. والجديد أنني زرعت في نفوس الشباب المهتم بالرواية الفضول لقضية معينة، لأن الرواية التي لا تخلق في رأسك الأسئلة والبحث عن الأجوبة وتكون ذات أسلوب وموضوع اعتيادي وتقدم لك كل شيء في أوراقها وبين طياتها - تكون مملّة ورتيبة».
رجاء هي الأخرى لا تخشى الاتهام بالتطبيع لأنها كتبت رواية عن اليهود، تقول: «يخشى الإنسان من الأمور الحقيقية الموجودة، وليس الأشياء التي ليس لها وجود...! أنا لم أخشَ من تهمة التطبيع لأن هذه مجرد ادعاءات، فأنا كتبتُ نصاً أدبياً فقط...! لا يوجد فيه غير ما تقوله شخوصه».

فوزي صادق: روايتي تستقي من غرس التاريخ ولا علاقة لها بالسياسة
عاشت قبائل من اليهود في الجزيرة العربية، وخصوصاً في اليمن، ويثرب، وخيبر، وتيماء، ودومة الجندل، واليمامة، وحافظوا على وجود قليل لهم في اليمن، حتى 1948. وفي نجران حتى ثلاثينات القرن الماضي.
لكن وجودهم في الأحساء انقطع تقريباً بعد الإسلام، ثم عاد في القرن التاسع عشر مع المد العثماني. ويرجح المؤرخ الأحسائي الراحل جواد الرمضان أن تاريخ اليهود في الأحساء يرجع إلى عام 1871؛ حين أرسلت الدولة العثمانية حملة إلى المنطقة بقيادة «مدحت باشا» لبسط نفوذها على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، ممهدة لدخولها تحت لواء الدولة العثمانية.
ويرى الرمضان أن الدولة العثمانية أنشأت جهازاً لتسيير الأمور في المنطقة التي كانت ضمن «لواء البصرة» العثماني، واستقدمت أفراده من العراق، وبينهم يهود تركوا فيما بعد آثاراً تدل إلى وجودهم، منها بستان «داود اليهودي» في إحدى ضواحي مدينة الهفوف، وبستان حدارة، ومخزن تجاري، ومقبرة بالقرب من سوق القيصرية.
وقد نزح كثير من اليهود مع خروج العثمانيين، كما غادر بعضهم مع قيام الدولة السعودية، نحو العراق والبحرين. ولم يعد ثمة يهود في تلك المنطقة.
في روايته: «اللِّيدي تالين - الأحساء 1912» يقتفي فوزي صادق، أثر اليهود الذين كانوا يعيشون في الأحساء مطلع القرن العشرين، ولذلك فرواية «اللِّيدي تالين» الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تنقِّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء، وهي أيضاً تروي قصة حب فتى من الأحساء يعمل نجاراً، لفتاة يهودية.
‏يقول فوزي صادق، مؤلف رواية «الليدي تالين»، إن روايته «جريئة... وستلقى إقبالاً كبيراً، وستخلق حراكاً في الرواية السعودية والخليجية، فهي دراما اجتماعية جديدة، بقالب تاريخي ومعلوماتي عن تاريخ وأرشيف الأحساء؛ أرض الحضارات والثقافات، وأحداث الرواية جرت قبل قرن من الزمان، في كواليس حارة اليهود، وتروي قصة عشق بين يهودية وشاب أحسائي».
وعن فكرة الرواية يقول: «أنا من مواليد الأحساء، وعشت طفولتي بالبحرين، وطالما سمعت عن وجود الجالية اليهودية بالبحرين، وأنهم قدموا من الأحساء بعد خروج العثمانيين، والفكرة موجودة؛ لكن لم أتجرأ على الكتابة عنهم؛ كون هذا العمل كان داخل (التابو) سابقاً في الرواية المحلية. وقد تعرَّفت على تاريخ اليهود، ووقفتُ على أطلال وجودهم في الأحساء، وبينها المقبرة التي خلفوها وراءهم، واطلعت من شخصيات أدبية ومؤرخين عن تاريخ الجالية اليهودية، وبعد البحث والتقصي عنهم لمدة ثلاث سنوات تقريباً، سمعت عن قصة عشق بين يهودية مهاجرة وشاب أحسائي، وأخبرتني بالقصة سيدة بحرينية كبيرة بالسن، فبدأت بفكرة كتابة الرواية».
ويختتم فوزي صادق بالقول إن هذا النوع من الكتابة «حسَّاس»؛ لكن هذه الرواية لا علاقة لها بالسياسة، فهي «رواية تاريخية، تستقي معلوماتها وأفكارها من غرس التاريخ الإنساني وحصاد المؤلف».

سالمة الموشي: روايتي جديدة في المضمون والطرح
> لماذا اليهود؟ بمعنى لماذا اخترتِ الكتابة عن اليهود تحديداً؟
- الكتابة في روايتي «يهوديَة مُخَلِصَة» تحمل خطاً فكرياً متفرداً يتناول الجانب التاريخي والإنساني والاجتماعي والنسوي ضمن سياق تاريخ اليهود، ويستطيع القارئ التواصل معها روحياً وتاريخياً بسلاسة، وحين تم اختياري للبيئة اليهودية، فإن شخوص الرواية سيكونون بالضرورة يهوداً؛ سواء كان في اختيار الأسماء اليهودية للشخصيات أو الفضاء المكاني للرواية. كما أشير إلى أن اليهود ليسوا طارئين على التاريخ أو على الجزيرة العربية فقد وجدوا قبل الإسلام، بل إن يهود اليمن من الأمم العريقة التي سكنت شبه الجزيرة العربية وذكروا في القرآن الكريم أكثر من مرة.
> كيف نشأت فكرة أن تكتبي رواية عن اليهود في جنوب الجزيرة العربية؟
- بدأت الفكرة بالكتابة عن رواية تحمل فكراً تفكيكياً لسياقات تاريخية معينة وتساؤلات، تحمل أبعاداً سياسية ودينية، فكان الفضاء المكاني هو البيئة اليهودية من خلال شخصية محورية لفتاة يهودية. نشأت الفكرة نتاج اللحظة التي أُلهمت فيها تجسيد حبكة سردية يمكن من خلالها تجسيد الأفكار والرؤى والمعاني العميقة التي أردت طرحها عن حضارة الإنسان يهودياً كان أم سعودياً أم يمنياً، حيث تتقاطع الرواية مع السياسي والفكري والموت والحياة والحب والفراق.
> أين تعرفتِ على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟
- المكون اليهودي بكل معطياته التاريخية والأدبية والإنسانية حاضرٌ في قلب التاريخ وكوني دارسة متخصصة في التاريخ وباحثة شغوفة بالحضارات القديمة والأديان والأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا التي تمس الإنسان بشكل عميق، كل هذا كان أشبه بقاعدة يمكنني الكتابة من خلالها للحد الذي كنت فعلياً أتقمص الحياة اليهودية في أدق تفاصيلها، بالإضافة إلى كوني جنوبية الأصول ولدي تماس مع الجذور القديمة لتاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم، وكانت علي قراءته والتعرف عليه بعمق.
> هل روايتك هذه أقرب إلى الرواية التاريخية؟ ما نسبة الخيال والتاريخ في هذه الرواية؟
- الرواية «يَهودِيّة مُخَلّصة» ليست خيالية بالقدر الذي يعتقده القارئ، بل هي قريبة جداً من واقع ما، لحياة أشخاص حقيقيين تم تجسيد حكايتهم عبر الرواية ونسبة الخيال تكاد تكون لا شيء، ونسبة التاريخ عالية جداً، بحيث إنها تضمنت كثيراً من الحقائق عن اليهود في مراحل تاريخية مختلفة وعن المرأة وعن التساؤلات الوجودية، هناك مزيج واقعي من السياسي والتاريخي والفكري.
> ما الجديد في روايتك؟
- أؤكد للقارئ أنها رواية جديدة كلياً في المضمون والسياق والطرح ومعنى الخلاص الذي لم يُطرح تاريخياً إلا من خلال إسقاطه على الرجل أكان نبياً أو من الصالحين، في «يَهودِيّة مُخَلّصة» كانت المرأة هي من يقوم بدور البطولة، دور الباحث عن الخلاص، والمُخلص، والقائمة على خلق المعنى والمحكي.
> الرواية تدور في بيئة تشهد حضوراً يهودياً، من حيث التاريخ واللغة والأشخاص والأحداث، هذه البيئة لا وجود لها فعلياً اليوم، من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي الذي تدور فيه الرواية؟
- نعم الرواية تدور في بيئة يهودية تماماً مع فلاش - باك للحياة في قلب الرياض، وهنا يكمن التحدي في السرد الروائي، وحين تسأل: من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي؟ فإن الإجابة ببساطة ستكون: من خلال القراءة، فهي بالنسبة لي معطى أدبي ينقلك إلى عوالم موازية حقيقية.
> هناك من يرى أن اختيار الموضوع اليهودي هو معبر للشهرة ليس إلا، هل دار في بالك هذا الأمر؟
- من يعرفني عن قرب يعلم أني لست باحثة عن الجدل والشهرة ولو أردتُ هذا لفعلتُ، إنما أجد في قلمي وفكري رسالة، وصاحب الرسالة ليس صاحب شهرة وجدل، نعم الجدل والشهرة والضجيج قد تصنع تسويقاً كمياً للمنتج الأدبي وللكاتب وتوفر له حضوراً شكلياً في كل القنوات والمنصات الإعلامية، بل وتجعل الكاتب يقع في فخ وخديعة الشهرة الخادعة، إذ ما يلبث الضجيج أن ينتهي ويبقى المعنى. ولنا في التاريخ الأدبي خير مثال، الذي بقي هو الأدب الحقيقي أما القشور فسقطت في النسيان.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.