جنوب السودان تطوي مرحلة الحرب... وزعيم التمرد يؤدي اليمين نائباً أول للرئيس

أرملة قرنق تدخل هيئة الرئاسة... وحضور إقليمي في جوبا وتعهدات بتنفيذ السلام وتحقيق الاستقرار

مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
TT

جنوب السودان تطوي مرحلة الحرب... وزعيم التمرد يؤدي اليمين نائباً أول للرئيس

مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)
مشار يؤدي اليمين أمام سلفا كير في جوبا أمس (أ.ب)

طوت جمهورية جنوب السودان، مرحلة الحرب التي استمرت ستة أعوام، بإطلاق المرحلة الانتقالية التي ستستمر لمدة 3 سنوات، يتم خلالها وضع الدستور الدائم، وتجري بعدها انتخابات على كل المستويات.
وأدى زعيم المتمردين في جنوب السودان رياك مشار اليمين الدستورية في جوبا أمس، أمام الرئيس سلفا كير، ليتولى منصب النائب الأول للرئيس، وينضم بذلك إلى السلطة. كما أدى اليمين 3 نواب آخرين في هيئة الرئاسة التي تتكون من 6 أشخاص، هم الرئيس ونائبه الأول، وأربعة نواب.
وجرت مراسم أداء اليمين وسط حضور إقليمي، لافت، يتقدمهم رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان، الذي يتولى حاليا، رئاسة الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيقاد) الراعية للسلام في القرن الأفريقي، ونائب رئيس جنوب أفريقيا، ديفيد مابوزا، ورئيس الوزراء الأوغندي روهاكانا روغوندا، وممثلون من الاتحاد الأفريقي، وهيئة «إيقاد»، إلى جانب البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى جنوب السودان، فيما تغيب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
وتلا وزير شؤون الرئاسة مييك أيي دينق المراسيم التي أصدرها الرئيس سلفا كير، بتعيين رياك مشار، نائباً أول لرئيس الجمهورية بدلاً من تعبان دينق قاي الذي تم تعيينه نائبا للرئيس، كما شمل التعيين جيمس واني إيقا، وربيكا قرنق، أرملة الراحل جون قرنق، زعيم ومؤسس الحركة الشعبية التي تحكم جنوب السودان، فيما لا يزال منصب النائب الرابع للرئيس شاغرا، وهو من نصيب تحالف المعارضة «سوا» نتيجة خلافات داخل التحالف.
وقال مشار أمام الحضور: «أقسم أن أكون وفيا... لجمهورية جنوب السودان».
وصافح مشار الرئيس سلفا كير، غريمه القديم الذي سيسعى لحكم جنوب السودان معه للمرة الثالثة.
وبعد تأديته اليمين، توجه مشار إلى سلفا كير بالقول: «من أجل شعب جنوب السودان، أريد أن أؤكد لك أننا سنعمل سوياً لإنهاء المعاناة». وكان الخلاف بين كير المنتمي إلى قبيلة الدينكا، الواسعة الانتشار، ومشار المنتمي إلى قبائل النوير، تسبب في اندلاع حرب في ديسمبر (كانون الأول) 2013 بعد عامين من استقلال البلاد.
وأعلن كير أمس أنّه «يتوجب علينا أن نسامح بعضنا والتصالح. كما أنني أدعو الشعب من الدينكا والنوير إلى أن يسامح كل الآخر».
وأعلن سلفا كير في كلمته التي استمرت لأكثر من ساعة، العفو عن نائبه الأول رياك مشار وقادة المعارضة الذين لم يوقعوا على اتفاق السلام، داعياً مشار لأن يعفو عنه أيضا، كما جدد اعتذاره لشعب بلاده ودعاه للتعافي والتصالح فيما بينهم.
وقال كير إن رحلة السلام طويلة وصعبة وتواجه تحديات كبيرة، مؤكداً أن السلام الذي تحقق هو النهائي ولن تكون هناك أي عودة إلى الحرب التي أدت لمعاناة كبيرة لشعب بلاده. ودعا كير النازحين واللاجئين إلى العودة إلى ديارهم ودعم عملية السلام. وأضاف: «هنا في القاعة معنا ممثلو المجتمع الدولي نناشدهم بدعم السلام وإعادة الإعمار، وهم يعلمون ذلك وهي مسؤوليتنا في الحفاظ على حياة شعبنا»، مشيراً إلى أنه سيعمل لتحقيق شعار الاتحاد الأفريقي «إسكات البندقية في أفريقيا»، وتابع: «لقد جاء السلام لكي يبقى وألا يهتز مرة أخرى وسأعمل سوياً مع أخي رياك مشار ونواب الرئيس الآخرين»، لكنه سخر من وجود خمسة نواب للرئيس، وقال: «لا أعرف دولة في العالم فيها خمسة نواب للرئيس ولكن هذا قدرنا».
من جهته، أكد مشار أنه سيعمل مع سلفا كير لإيقاف معاناة شعب بلاده، وقال: «أود أن أشكر كل من تعاون معنا لوقف الحرب وتحقيق السلام وتقدير خاص للرئيس سلفا كير الذي قام بخطوة كبيرة لتحقيق السلام بإعادة البلاد إلى 10 ولايات»، كما شكر دول السودان وجنوب أفريقيا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية التي قال إنها وقفت معه في الصعوبات التي واجهها عندما خرج من جوبا عام 2016، مشدداً على أنه ملتزم بالعمل مع الرئيس سلفا كير على تنفيذ اتفاق السلام نصاً وروحاً.
وحلّ سلفا كير الحكومة أول من أمس، من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، التي يعتقد أنّها ستعلن لاحقا. وقال مشار إنّ «تشكيل هذه الحكومة يمنحنا الأمل بأنّ ثمة زخما جديدا لإنهاء معاناة الشعب وبأنّ ثمة سبيلا لسلام مستدام». وسبق لمشار أن كان نائبا للرئيس لمرتين، بين 2011 و2013 ولفترة قصيرة في عام 2016.
ولم تنجح المحاولتان الأخيرتان في تشكيل حكومة وحدة في ظل تواصل الخلافات حول إنشاء جيش موحد وعدد الولايات بالإضافة إلى الضمانات التي ستمنح لمشار بشأن أمنه الشخصي.
وكان عرض الرئيس كير الأخير القائم على العودة إلى نظام فيدرالي يضم 10 ولايات بدلاً من 32 بالإضافة إلى إنشاء ثلاث «مناطق إدارية» هي روينق وبيبور وأبيي، ساهم في الخروج من المأزق. وكان مشار رفض بداية هذا العرض بسبب وضعية روينق ضمنه، وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط. ولكن ذلك لم يمنع الاتفاق بشأن الحكومة.
من جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان الذي ترأس بلاده هيئة «إيقاد» في كلمته إن «السودان يفتخر بما تحقق في جنوب السودان»، معتبراً أن الرئيس سلفا كير وقادة المعارضة استطاعوا تجاوز العقبات والصعوبات ووضع بلادهم في الطريق الصحيح. وأضاف: «السلام يحتاج إلى التضحيات والشجاعة والإرادة السياسية»، وتابع: «لقد كنتم شجعانا وحققتم السلام ولديكم الإرادة القوية وتستحقون أن تكونوا قادة في بلادكم».
وأشار البرهان إلى أن الفترة الانتقالية تحتاج إلى الاصطفاف من الجميع لتحقيق مهامها كما أنها تحتاج إلى الدعم والمساندة لاستكمال مطالب الفترة الانتقالية، داعياً الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن جنوب السودان وعن القادة الذين يواجهون عقوبات من واشنطن، كما طالب المجتمع الدولي والمانحين إلى تقديم الدعم للمساعدة في تحقيق السلام والاستقرار في هذا البلد.
واعتبر الخبير في مجموعة الأزمات الدولية آلان بوسويل أنّ «التسوية التي طرحها كير بشأن الولايات سمحت للطرفين أخيراً بالمضي قدماً رغم أنّه لا يزال أمامهم كثير لفعله في الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة».
وأشاد مشار أمس بالقفزة التي حظي بها الجنيه في جنوب السودان، من 320 للدولار الأميركي الواحد إلى 220، على خلفية العمل على تشكيل الحكومة الجديدة. وقال «إّنها ثمار السلام».
وكان مشار يعيش في المنفى منذ الإخفاق في تشكيل حكومة وحدة في 2016 بسبب نشوب معارك شرسة بين قواته والقوات الموالية لكير في جوبا.
وأعلن الرئيس كير الخميس أنّ القوات الموالية له ستكلّف تأمين العاصمة جوبا وضمان أمن مشار.
وأسفر النزاع طوال نحو ست سنوات عن مقتل أكثر من 380 ألف شخص وسط تفاقم أزمة إنسانية مأساوية. وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ أكثر من أربعة ملايين شخص فروا من منازلهم، بينهم نحو 2.2 مليون نزحوا إلى الدول المجاورة أو طلبوا اللجوء فيها.
وأعرب مبعوث الأمم المتحدة إلى جوبا ديفيد شيرر عن أمله أمس برؤية «العديد من النازحين... يعودون إلى ديارهم». ورغم غنى جنوب السودان بالنفط، يعيش نحو 82 في المائة من 11 مليون مواطن تحت خط الفقر بحسب مجموعة البنك الدولي في 2018. وتحل الدولة في المرتبة 186 من أصل 189 في ترتيب مؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إلى ذلك، قال السكرتير الصحافي لرئيس جنوب السودان أتينج ويك أتينج «ليس هناك من مبرر بأن يعود رياك مشار إلى الخرطوم كما كان في السابق، لا يمكنه أن يقيم هناك بعد تنصيبه نائباً أول للرئيس»، وأضاف: «يمكن أن يذهب إلى الخرطوم وهو نائب أول لرئيس جنوب السودان لأنه لا يمكن أن يقيم في بلد آخر وهو نائب لرئيس البلد».



رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً