اغتيال أحد مؤسسي «اللقاء المشترك» يؤجج التوتر في صنعاء.. غداة الاتفاق على حكومة كفاءات

بحاح يدعو اليمنيين للمشاركة في ترشيح الوزراء وبنعمر يطالب بتجنب التوترات المذهبية > «القاعدة» تنفذ هجوما على مركز أمني في الحديدة وتحتجز 30 جنديا

يمني يتابع على الانترنت في مقهى بصنعاء أخبار تشكيل الحكومة التي كلف خالد بحاح بتأليفها (إ.ب.أ)
يمني يتابع على الانترنت في مقهى بصنعاء أخبار تشكيل الحكومة التي كلف خالد بحاح بتأليفها (إ.ب.أ)
TT

اغتيال أحد مؤسسي «اللقاء المشترك» يؤجج التوتر في صنعاء.. غداة الاتفاق على حكومة كفاءات

يمني يتابع على الانترنت في مقهى بصنعاء أخبار تشكيل الحكومة التي كلف خالد بحاح بتأليفها (إ.ب.أ)
يمني يتابع على الانترنت في مقهى بصنعاء أخبار تشكيل الحكومة التي كلف خالد بحاح بتأليفها (إ.ب.أ)

عادت أجواء التوتر إلى العاصمة اليمنية من جديد، أمس، بعد أن اغتال مسلح مجهول الهوية كان يستغل دراجة بخارية، القيادي البارز في أحزاب اللقاء المشترك زعيم حزب اتحاد القوى الشعبية محمد عبد الملك المتوكل في صنعاء، في حين احتجز تنظيم القاعدة 30 جنديا يمنيا كرهائن بعد هجوم جديد استهدف قوات الأمن اليمنية في محافظة الحديدة (غرب) أسفر عن سقوط 25 قتيلا. وتأتي هذه التطورات غداة توقيع الكتل السياسية على وثيقة تتضمن تفويض الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الوزراء المكلف، خالد محفوظ بحاح، تشكيل حكومة كفاءات. وتعهدت هذه الكتل السياسية بمن فيها الحوثيون وحزب اتحاد القوى الشعبية الذي ينتمي إليه المتوكل بعدم معارضتها.
وقالت رضية، ابنة محمد عبد الملك المتوكل، وهو أستاذ جامعي، إن والدها قتل برصاص أطلقه عليه مجهول كان يستقل دراجة نارية في شارع بوسط صنعاء. وأوضحت أن والدها «أصيب إصابة قاتلة في رقبته». وأكد مصدر طبي وفاة المتوكل. ولم توجه أصابع الاتهام إلى أي طرف حتى الآن بالمسؤولية عن الاغتيال.
ونددت الأحزاب السياسية بعملية الاغتيال التي تعقد الأزمة التي تعيشها البلاد. وذكر مصدر أمني رسمي، أن «الدكتور محمد عبد الملك المتوكل قتل برصاص مسلحين إرهابيين يستقلان دراجة نارية في تقاطع شارعي العدل والزراعة بأمانة العاصمة»، موضحا أن «مسلحين اعترضا الدكتور المتوكل الساعة الرابعة عصرا أثناء سيره مترجلا في تقاطع شارعي العدل والزراعة الذي يسكن فيه وباشرا بإطلاق النار عليه وأردياه قتيلا قبل أن يلوذا بالفرار».
ويعتبر المتوكل (72 سنة) من أهم السياسيين اليمنيين الذين عاصروا الأنظمة السياسية في البلاد على مر العقود، كما أنه يعتبر من مؤسسي أهم التكتلات السياسي في اليمن، وهو تكتل أحزاب اللقاء المشترك، كما كان له جهود كبيرة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف لحل الأزمة التي تعيشها البلاد من الإطاحة بالرئيس السابق عام 2011، حيث كان من كبار الساسة الذين قادوا الاحتجاجات ضد نظام علي عبد الله صالح، وله جهود في المجالات السياسية والأكاديمية والحقوقية والإعلامية.
وتشهد العاصمة صنعاء انفلاتا أمنية منذ سيطرة الحوثيين عليها الشهر الماضي، في حين تغيب أجهزة الأمن والجيش من جميع الشوارع، وسط انتشار كثيف للمئات من مسلحي الحوثي ونقاط التفتيش التابعة لهم.
ولقيت عملية الاغتيال تنديدا شعبيا ورسميا نظرا للمكانة السياسية والأكاديمية التي كان يحتلها المتوكل في اليمن، حيث عد حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية عملية اغتيال أحد قادته، بأنه يستهدف السلم الاجتماعي وخلط الأوراق الأمنية والسياسية، مؤكدا في بيان نعي، أن «من قتل المتوكل كان يهدف إلى الاستغلال البشع للأوضاع المحتقنة والتي عمل المتوكل جاهدا وحتى الساعات الأخيرة للتخفيف من حدتها عبر مشاركته القيمة في الهيئة الشعبية للتقريب بين المكونات السياسية»، مشيرا إلى أن «الشهيد المتوكل كان داعية الحوار والمدنية والعقلانية». وحمل اتحاد القوى السلطات مسؤولية أي تقصير أو تقاعس، وطالب الأجهزة الأمنية المختصة القيام بواجبها في ملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة.
في غضون ذلك، قال مصدر أمني، إن عشرات من مسلحي «القاعدة» هاجموا مقر قيادة قوات الأمن في بلدة جبل راس في محافظة الحديدة على البحر الأحمر ما أدى إلى «مقتل 25 جنديا وجرح 10 وخطف 30 آخرين». وأضاف المصدر نفسه، أن 3 من المهاجمين قتلوا في العملية، موضحا أن «مقاتلي (القاعدة) نجحوا في الاستيلاء على المبنى». وقال أحد الأعيان القبليين، إن تعزيزات عسكرية أرسلت من مدينة الحديدة وبدأت مفاوضات مع مقاتلي القاعدة لينسحبوا من الموقع. وأضاف المصدر نفسه لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «وساطة قبلية تجري لانسحاب أعضاء القاعدة والإفراج عن الجنود الأسرى».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن من بين القتلى محمد منصور أبو هادي، نجل مدير أمن المديرية، الذي تم ذبحه بطريقة وحشية، وجرح والده العقيد منصور أبو هادي، الذي تم أسره أيضا. وقالت مصادر، إن عناصر تنظيم القاعدة تمكنوا من السيطرة على مديرية أمن جبل أبو راس التابعة لمحافظة الحديدة وحجزوا بعض المواطنين كرهائن لديهم الذين يقدر عددهم بـ30 شخصا.
وقال مصدر عسكري في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، طلب عدم الكشف عن هويته، إن «عناصر تنظيم القاعدة متمركزين في منطقة جبل راس منذ أيام وهم موجودون في تلك المنطقة والكثير من المناطق الجبلية بسبب غياب الدولة ووعورة الجبال وعدم وجود مناطق سكنية فيها».
وأضاف المصدر العسكري، أن «مديرية جبل راس منطقة وعرة واستفاد منها تنظيم القاعدة، وهم يستغلون الجبال ملاذا آمنا لهم للهروب إليها».
ونفي المصدر العسكري لـ«الشرق الأوسط» الأخبار التي تؤكد أن جماعة الحوثيين غادرت المنطقة بعد دخول عناصر تنظيم القاعدة إليها، وقال إن «مديرية جبل راس لا يوجد فيها حوثيون، وإن دخول (القاعدة) سببه الرئيسي هو أن المنطقة مفتاح مهم للدخول إلى منطقة العدين التي تشهد معارك بين الحوثيين وتنظيم القاعدة».
وكانت تنظيم القاعدة قد سيطر على منطقة العدين التابعة لمحافظة إب بعد تمدد جماعة الحوثيين المسلحة في المحافظة وسيطرتهم على مدينة إب بعد مواجهات عنيفة مع مسلحي القبائل.
وتقع مديرية جبل أبو راس في محافظة الحديدة، غرب اليمن، وهي منطقة ذات مكانة استراتيجية في اليمن وتطل على ساحل البحر الأحمر وترتفع على مستوى سطح البحر أكثر من 2000 متر، وتحدها 3 محافظات يمنية وهي محافظة تعز من الجهة الجنوبية ومحافظة إب من الجهة الشرقية ومحافظة ذمار من الجهة الشمالية ومن الجهة الغربية تطل على البحر الأحمر. وتتميز بمناخها الجميل وهوائها النقي وزراعة البن والمانجو والموز والقات والكثير من المحاصيل الزراعية.
ووقعت المكونات السياسية اليمنية على وثيقة تتضمن تفويض الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الوزراء المكلف، المهندس خالد محفوظ بحاح، تشكيل حكومة كفاءات، في الوقت الذي دعا فيه المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بنعمر، إلى تنفيذ الاتفاقات الموقعة. وأكدت الأحزاب والمكونات السياسية التزامها التام بعدم الطعن فيما سيتوصل إليه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف، وكذا التزامهم بتقديم كل الدعم اللازم، بما فيه الدعم الإعلامي، للحكومة الجديدة التي سيتم الإعلان عنها.
إلى ذلك، تسلم الرئيس عبد ربه منصور هادي، أمس، من مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه إلى اليمن جمال بنعمر، اتفاقا توصلت إليه الأطراف السياسية. وينص على تفويض هادي ورئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومة خالد بحاح بكفاءات وطنية وفقا للمعايير المتفق عليها في وثيقة السلم والشراكة الوطنية. ووضع هادي في لقائه مع بنعمر بصنعاء أمس أوليات مهام الحكومة القادمة التي ترتكز على العمل على تنفيذ البرامج الاقتصادية والتنموية وتطبيع الأوضاع الأمينة وفقا لاتفاق السلم والشراكة الوطنية. وقال هادي، إن «الصيغة التوافقية لتشكيل حكومة ستسهم في إعادة الثقة للمواطن اليمني وتحقيق الأمن والاستقرار وتجاوز التحديات والأوضاع الاقتصادية الراهنة التي يمر بها البلد».
وتوقع أمين عام حزب العدالة والبناء النائب عبد العزيز جباري الإعلان عن تشكيل حكومة الكفاءات خلال أسبوع، إذا لم تعترضها أي عراقيل. وقال جباري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «جميع الأطراف وقعت بما فيها جماعة الحوثيين وحزب المؤتمر على الوثيقة الجديدة»، مضيفا أن «الكفاءات الوطنية موجودة في البلاد، وتتوفر فيها جميع الشروط المطلوبة»، نافيا أن تكون استقلالية المرشحين شرطا لتولي حقائب الحكومة، وقال: «ليس هناك من يمنع من اختيار شخصيات من أحزاب معينة تنطبق عليها شروط الكفاءة والنزاهة التي حددها اتفاق السلم والشراكة»، متوقعا أن تعترض المشاورات بعض العراقيل المرتبطة بالمعايير الخاصة بالمرشحين. وتابع: «من حق أي طرف سياسي أن يعترض على أي مرشح في الحكومة لا تتوفر فيه هذه الشروط بحسب اتفاق السلم». وطالب جباري جماعة الحوثيين بالالتزام بالاتفاق الذي وقعه ممثلوها، مع جميع الأطراف الأخرى، وعليهم أن ينسحبوا من المدن ويسمحوا للدولة ببسط سيطرتها على البلاد. ولفت جباري إلى أن المستفيد من تأخير تشكيل الحكومة هي الأطراف التي لا تريد للبلاد الاستقرار والأمن، وليس لديها مشروع وطني».
ويقول مراقبون، إن استمرار أزمة تشكيل الحكومة الجديدة قد يقوي من نفوذ الحركة الحوثية التي سيطرت على معظم المدن في الشمال، وتحاول حاليا مد نفوذها إلى محافظات جنوبية في عدن وحضرموت. واعتبر المراقبون أن الاتفاقات السياسية لم تكبح أطماع الحوثيين، بل استغلته الحركة لنشر ميليشياتها المسلحة في 6 مدن وتقويض سيطرة الدولة على مؤسساتها كما هو حاصل في العاصمة صنعاء.
ووقع على الوثيقة ممثلون عن المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي، وحزب العدالة والبناء، وحزب الرشاد، واتحاد القوى الشعبية، وحزب التجمع الوحدوي، وأنصار الله (الحوثيين)، والحراك الجنوبي، والتحالف الوطني الديمقراطي، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري. في الوقت ذاته، قال المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بنعمر، إن المشاورات التي تمت مع الأطراف السياسية اتسمت بروح جدية وبناءة، وقال في بيان، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنه وبعد سلسلة من المشاورات شملت كل الأحزاب والمكونات السياسية، توصلت الأطراف المجتمعة إلى اتفاق يقضي بتفويض الرئيس هادي ورئيس الوزراء المكلف خالد بحاح لتشكيل حكومة كفاءات وطنية وفقا لمعايير النزاهة والكفاءة والتحلي بالخبرات اللازمة للحقائب الوزارية والالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون والحياد في إدارة شؤون البلاد، وبما لا يخالف البنود التي ينص عليها اتفاق السلم والشراكة الوطنية، مشيرا إلى أن الأطراف السياسية تعهدت بتقديم كل الدعم اللازم لهذه الحكومة.
وأكد المبعوث الأممي إلى اليمن، أن «هذا الاتفاق يمثل خطوة مهمة في مسار تنفيذ بنود اتفاق السلم والشراكة الوطنية، الذي يعتبر السبيل الأمثل لدفع العملية السياسية ومشروع التغيير السلمي إلى الأمام»، وأعرب عن أمله في أن «يلي هذا الاتفاق إجراءات أخرى لتعزيز السلم والاستقرار في إطار تنفيذ جميع بنود اتفاق السلم والشراكة الوطنية، وبخاصة الجانب الأمني منها». وقال بنعمر في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، إنه يأمل في تشكيل حكومة جديدة «خلال أيام». وأكد أنه في غياب الحكومة يخشى من «تفاقم التوتر المذهبي»، معربا عن خوفه من «التطورات الأخيرة التي استعملت خطابا معاديا للأجانب وأحيانا مذهبيا».
من جهته، أعلن رئيس الحكومة المكلف خالد بحاح، عن استقباله عبر صفحته على «فيسبوك» ترشيحات واقتراحات لأسماء وزراء الحكومة القادمة. وقال في تدوينة على صفحته الرسمية: «ساهم واقترح أسماء الحكومة القادمة، لنرى وطنا سالما منعما وغانما مكرما، يتسع للجميع وينشد كل أبنائه المخلصين إلى دولة مدنية حديثة». ودعا بحاح اليمنيين إلى ترشيح أسماء لحكومة كفاءات وطنية «ليكونوا جزءا من الحدث».
وقال: «تذكروا دائما أن هذه الرقعة الجغرافية من العالم شهدت حضارات عظيمة وأصبح وساما لها «الإيمان يمان والحكمة يمانية، وكتب في ختام التدوينة».
وعرقلت الخلافات السياسية، واستمرار توسع نطاق المعارك التي تخوضها جماعة الحوثيين المسلحة في شمال اليمن، تشكيل الحكومة.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.