هل يجب أن نقلق من الذكاء الصناعي وقلبه موازين الحياة البشرية؟

هل يجب أن نقلق من الذكاء الصناعي وقلبه موازين الحياة البشرية؟
TT

هل يجب أن نقلق من الذكاء الصناعي وقلبه موازين الحياة البشرية؟

هل يجب أن نقلق من الذكاء الصناعي وقلبه موازين الحياة البشرية؟

أصبح التقدم العلمي المذهل المحيط بنا في كافة مناحي الحياة يمثل ضرورة وجود للتعايش مع هذا العالم؛ خصوصاً أن هذا التطور الهائل يفرض علينا نظرية مؤداها: هل يمكن للتقدم العلمي أن يحل محل العنصر البشري في جميع أمور حياتنا؟ وهل يمكن للعنصر البشري أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التطور العلمي الذي اقتحم جميع الميادين، بما في ذلك ميادين كنا نظن أنها مقصورة على العنصر البشري فقط، مثل الصحة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، يأخذنا كتاب «سحرة المستقبل: هل يمكن للذكاء الصناعي أن يعالجنا؟» الصادر مؤخراً عن دار النشر الفرنسية «مارابو» في 256 صفحة من القطع المتوسط؛ حيث يطرح مؤلفه الدكتور لواك إتيان، وهو طبيب طوارئ، من خلاله، عدداً من الأسئلة، مثل: هل يمكن للإنسان الآلي أن يشخص حالتنا الصحية؟ وهل يمكن له كذلك تحديد الأدوية المناسبة لكل حالة على حدة؟ وهل يمكن له أيضاً إجراء عمليات جراحية لنا؟
الإجابة تبدو بسيطة للغاية، مفادها أنه من الآن فصاعداً، وخلال العشرة أعوام القادمة، سيكون بمقدور الذكاء الصناعي تنفيذ كل المهام سالفة الذكر؛ بل سيتجاوز الأمر مداه بتنفيذها بطريقة أمهر وأفضل من الطبيب البشري ذاته، وهو ما ننتظره حقاً، الأمر الذي قد يغير من طبيعة ودور العنصر البشري في المجال الطبي.
ثم يتساءل المؤلف: لكن، هل يمكن لنا أن نخشى ونخاف من هذا التغير في الدور؟ أو بمعنى آخر: هل يمكن لنا أن نقلق من دور الذكاء الصناعي الذي سيقلب موازين الحياة البشرية؟
إن هذه الخطوة - كما يستدرك - تمثل حلقة الوصل بين الخيال والاحتمال الواقعي لما سيكون عليه الطب في المستقبل، ولذلك يجب أن نستعد لهذا التغير دون خوف أو تردد أو قلق «أمامنا خمسة أعوام لنجعل من الآلة حليفاً وليس عدواً في المستقبل».
يتمتع هذا الكتاب بخصوصية فريدة واستثنائية؛ ليس فقط لأنه يتطرق لموضوع جديد من نوعه، وإنما لأن مؤلفه له باع في هذا المجال، فهو من مؤسسي «الذكاء الصناعي الطبي»، وانشغل به منذ عام 1987، وله تجارب رائدة في هذا المجال. وهو يحرص منذ مطلع عام 2000 على نقل هذه الخبرات التراكمية لنا عبر الإنترنت، بمعاونة فريق عمله، ليحدث بذلك تطوراً ملموساً في نظام الذكاء الصناعي الطبي المعروف بـ«MEDVIR» الذي يساعد في اتخاذ القرار الأمثل للمرضى، ومن ثم يسهل مهمة عمل الطبيب؛ لكنه، من جانب آخر، يقول لنا إننا سنكون عند مفترق طرق، وعلينا أن نفكر كثيراً بأي طريق تتجه بنا مقاليد الأمور، وعلينا أن نتحلى باليقظة بشأن العواقب والتداعيات غير الإنسانية.
ثم يطرح المؤلف رؤية تحليلية لما سيكون عليه هذا المجال بحلول عام 2030. وهو يرى أن «الذكاء الصناعي الطبي» ممكن أن يكون حليفاً جديداً للطبيب، لما أثبته من نجاحات رائعة وملموسة في عديد من أفرع الطب، مثل القلب والعيون والجلدية وأمراض الأورام السرطانية، إذ يستطيع أن يحدد مراكز ومناطق انتشار البؤر السرطانية، بالإضافة إلى أنه يستطيع أن يشخص تطور الأمراض، ويحدد العلاج المناسب لكل حالة على حدة، ليفتح بذلك الطريق أمام طب أفضل من ناحية الأداء، وأكثر مردوداً.
وهنا يشدد الدكتور لواك إتيان على أن الإنسان الآلي لن يحل مطلقاً محل الأطباء البشريين، وذلك نظراً لضعف مستوى ذكاء الآلات. فعلى الرغم من قدرتها على تحليل الصور الطبية بدقة، والتعامل بسرعة فائقة مع ملايين البيانات، فإنها ليس لديها إدراك لذاتها، ولا لما تفعله، فهي تطبق معلومات وتحدد طرقاً وإجراءات مكتسبة بشكل مجرد.
إذن، يثير الذكاء الصناعي مخاوف مشروعة، ولن يكون بديلاً للعنصر البشري الطبي في عديد من المهام؛ بل سيوفر للطبيب الجهد، والجودة في الأداء، والوقت أيضاً، مما يسمح له بتعزيز علاقته الإنسانية مع مرضاه، والإنصات أكثر لتساؤلاتهم، الأمر الذي يمثل فرصة جيدة للعودة لطب أكثر إنسانية.
وحول مجالات استخدام وتطبيق الذكاء الصناعي الطبي، يشير الكتاب إلى أن هناك عديد من المجالات الطبية التي أثبت الذكاء الصناعي الطبي قدرة جيدة فيها، ومن أهم هذه المجالات سرطان الجلد، إذ يمكن للذكاء الصناعي الطبي تحديد منطقة سرطان الجلد دون خطأ، كما أنه من الآن فصاعداً يمكن الاعتماد على نظام طبي مزود بالذكاء الصناعي، لتحديد ما إذا كان الورم حميداً أم لا.
وفي مجال الأشعة، تبرز أهمية الذكاء الصناعي من خلال استخدام مئات ملايين الصور الرقمية، وكم هائل من المعلومات المعقدة التي بمقدور الذكاء الصناعي الطبي التعرف عليها وتحليلها، عن طريق آلة تسمى «آلة التعلم» التي تسمح بعد ذلك بتحليل الصور وتشخيص المرض، ليكمل بذلك دور الطبيب البشري.
وفي مجال العلاج بالخلايا الجذعية، حقق العلاج بهذه التقنية تقدماً بالغاً خلال السنوات العشر الماضية، لا سيما في مجال السرطان؛ لكن لا تزال هناك عقبة كبيرة في هذا الصدد؛ حيث يستجيب بعض المرضى للعلاج عن طريقها دون البعض الآخر. ولكن بفضل الذكاء الصناعي الطبي في مجال «الجلدية»، تمكن الباحثون في معهد «جيستاف روسي» بفرنسا من التنبؤ بالاستجابة للعلاج من عدمه، مع مراعاة البيئة المناعية لطبيعة الورم.
وفي مجال المساعدة في اختيار العلاج الأمثل المناسب للمريض، يوضح الكتاب أن جهاز «الإنسان الآلي» يقوم بذلك عن طريق ما عليه من كم هائل من المعلومات، مع معرفة دقيقة للتاريخ المرضي للشخص وللعائلة، وعوامل الخطر، وكذلك نتائج الفحوصات الإشعاعية والبيولوجية وبيانات المريض السلوكية، وأيضاً ما يتناوله من أدوية في الوقت الراهن، مع تحديد ما لها من آثار جانبية محتملة، مما يساعد على تحديد العلاج الأفضل والأمثل للحالة المرضية.



أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي
TT

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

والت ويتمان

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

توني موريسون

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

ملفيل

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

مارك توين

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.


إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية
TT

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر، للتعريف بالنظام المصرفي السعودي وآفاق التطور التي تنتظره. ويرى المؤلف أن وجود نظام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حديث؛ فالبنوك والمؤسسات المالية ليست مجرد أماكن لحفظ الأموال، بل هي المحرك الأساسي الذي يوجه السيولة، ويدعم النمو، ويضمن استقرار الدولة مالياً واجتماعياً.

وفي هذا الكتاب، أنجز الباحث ما يمكن أن يعد موسوعة شاملة عن البنوك ودورها في الاقتصاد المحلي السعودي، مستعرضاً تاريخها والصعوبات التي واجهتها منذ إنشائها، مروراً بمراحل تطورها، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها.

وأكد الباحث أنه بالعودة إلى التنظيمات السعودية، وأحياناً إلى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فقد سعى إلى تقديم عمل تكميلي يحاول سد الفجوات التي أظهرتها بعض القوانين مقارنة بغيرها. ويضيف: «إلا أن المهم بالنسبة لنا ليس التوقف عند التحليل، بل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نظام يستجيب لتطلعات الشعب السعودي وواقع المملكة».

ويرى الدكتور إبراهيم الناصر أنه إذا كان على نظام مراقبة البنوك أن يستجيب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الدول للشروط نفسها التي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضاً التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولما كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائتمان، وبقدر عمومية هذه الغايات وتواجدها في أغلب الأنظمة الأجنبية التي وصلت إلى درجة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولما كان المشرع السعودي قد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتمياً بسبب نموه، فقد كان من الطبيعي اللجوء إلى الحلول المتعلقة بهذه الغايات في الأنظمة الأجنبية الرئيسية، والاستفادة من تجاربها الإيجابية والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية».

وأشار الناصر إلى أن حتمية وجود حد أدنى لرأس المال، وشروط السلوك الحسن، والالتزامات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عن الأنشطة الأجنبية ومهنة الصرافة، وحظر المشاركات، ونظام الاحتياطي، كلها تشكل السمات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونبّه إلى أن استعارة النظام من النماذج الأجنبية لم تكن كاملة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الظروف المحلية، واكتسب سمات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هي الحال في خاصية إدارة المهنة المصرفية التي يميزها تمركز السلطات المالية والمصرفية تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك).

واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنكار عمومية الامتيازات الممنوحة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هذه السلطات السيادية - بمعزل عن أي تشريع - تستطيع الدولة في أي وقت إصدار تنظيمات تراها لازمة لضبط النظام المصرفي. وبيّن أن إحالة هذه السلطات إلى البنك المركزي لا تشكل في الواقع إلا ضماناً موضوعياً ومحايداً تقدمه الدولة ضد أي تدخل للعوامل السياسية أو الشخصية في إعداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هذه السلطات ضمن امتيازات الدولة لا ينبغي أن يُفسر على أنه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة.

وبالنسبة للإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا ترجمة لقواعد الإدارة السليمة المنبثقة من التجربة، التي تمارسها بصفة عامة جميع البنوك الجادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب، وتترجم الرقابة الكمية، فإن هذه القواعد لا تعوق حسن سير النشاط المصرفي، وإنما تشكل فقط الإطار الذي يمارس فيه هذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خاصة - إنشاء رقابة نوعية على النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المصرفية ذاتها عبر النص على طرق معينة لاستخدام الموارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لعمليات الائتمان تنظيماً صارماً؛ ولذلك فإن مبادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تماماً ويمكن ممارستهما بفائدة كبيرة في إطار التنظيم المصرفي.

وشدد الناصر على أن وجود نظام مصرفي بات اليوم ضرورة معترفاً بها، معتبراً أن التنظيم يهدف إلى إيجاد رقابة فاعلة على النشاط المصرفي، وإخضاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كانت سيولة وملاءة المؤسسات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المصرفية إلى عملة قانونية. وأشار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المشرع السعودي لا تهدف فقط إلى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيضاً عبر تشجيع الادخار الخاص وتعزيز ثقة المدخرين بالبنوك بشكل أوسع. ولفت الباحث إلى أن بعض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية التي كانت مسيطرة على الأهالي آنذاك.

وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلى القيمة البشرية؛ أي الأشخاص المكلفين بإدارته من أعضاء مجلس إدارة ومديرين وعاملين على مختلف مستوياتهم. ويبدو أن ذلك شكل أحد أهم الصعوبات التي واجهتها المملكة تاريخياً، وخصوصاً بعد مرحلة «سعودة» البنوك الأجنبية، مؤكداً ضرورة تعيين كادر من العناصر الوطنية المؤهلة وعالية المستوى. منوّهاً بأن أحد أهم أغراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تدريب أكبر عدد ممكن من الفنيين السعوديين في مختلف مجالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المواطنين الأكفاء من الوصول إلى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف.


«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي
TT

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط، ويقدّم رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني.

يتناول الكتاب صفحات من تاريخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهمية الجغرافية لحضرموت، مع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على سرد تاريخ هجرة الحضارم إلى أنحاء العالم، حيث امتدّت الهجرات الحضرمية إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأسهم أبناؤها في التجارة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي، تاركين بصماتٍ واضحة في المجتمعات التي استقرّوا فيها. ويعرض الكتاب تجربة الحضارمة في المهجر بوصفها تجربة إنسانية قائمة على التسامح والاعتدال والأمانة وطلب العلم، وقد أسهمت هذه القيم في بناء صورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة.

كما يقدّم الكتاب استعراضاً موجزاً للصراعات التي وقعت للسيطرة على حضرموت، ودور بريطانيا في فرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة.

ويخصص المؤلف الباب الثاني للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الخلابة، وقراه التاريخية المبنية من الطين.

يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة للرحّالة الهولندي دانيال فاندر ميولين في كتابه «حضرموت - إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، عندما زار الوادي في عام 1931 مستعرضاً صورة للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتيْ صخوره العالية منغلقاً في أمان عن العالم، مثل قطعة غير حقيقية من جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هذه ليست بعدُ حضرموت الداخل، وإن كانت في الحقيقة بوابتها الخارجية. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات التصوير في صمت. ورغم الحرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا به هذا الوادي الزاخر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة».

وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي من الشخصيات التجارية والاقتصادية، وسبق أن قدم عدداً من المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«استراتيجيات تسويقية»، و«المدير التنفيذي الناجح»، و«قيادة الشركات العائلية»، و«القيادة الإدارية»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة التجارية»، و«فيروس الشركات العائلية والتخارج السليم».