التحالف النفطي السعودي ـ الروسي يواجه تحدي انخفاض الطلب

يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي  (أ. ب)
يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي (أ. ب)
TT

التحالف النفطي السعودي ـ الروسي يواجه تحدي انخفاض الطلب

يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي  (أ. ب)
يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي (أ. ب)

وقعت السعودية وروسيا اتفاقا نفطيا في مدينة خوانجو الصينية في عام 2016 على هامش قمة العشرين لدعم استقرار أسعار النفط. يشير الاتفاق ضمن أهدافه المتعددة إلى حرص الدولتين النفطيتين الكبيرتين على استقرار أسعار النفط بتفادي التقلبات الكبيرة في الأسواق.
وكان السبب الرئيسي في وقتها لتوقيع الاتفاق، هو انهيار الأسعار خلال السنوات 2014 - 2016، التي شهدت تدهور الأسعار خلال أسابيع قليلة من نحو 100 دولار لبرميل نفط برنت إلى أقل من 30 دولارا. وكان السبب الرئيسي وراء هذا التدهور السعري في حينه، البروز السريع لظاهرة الإنتاج العالمي للنفط الصخري الأميركي وما نتج عنه من تغييرات في سوق النفط الأميركية، التي كانت الأكثر استيرادا للنفط الخام في العالم والتي كانت أيضاً ولا تزال واحدة من أكبر الأسواق المستهلكة للنفط الخام. ومما أضاف إلى ظاهرة الأسواق في حينه التهديد الأميركي بفرض العقوبات النفطية على صادرات النفط الإيرانية بسبب الخلاف الأميركي - الإيراني حول تغيير بنود الاتفاق النووي الإيراني، كما طالبت به الولايات المتحدة ورفضت طهران التعديلات. وما أدى إلى تأزيم الأمور في حينه أيضا، هو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية الإيرانية ومطالبتها بقية الدول الموقعة عليها القيام بالمثل. الأمر الذي رفضته هذه الدول، منها دول حليفة للولايات المتحدة.
كان القلق الذي ساد الأسواق العالمية عندئذ وخلال السنوات الثلاث الماضية هو التخمة في الإمدادات. مما زاد من هذه المخاطر إعلان واشنطن الحظر النفطي بحيث «تنخفض الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر» أو توقف تصدير 2.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني. استعدت الدول المصدرة للنفط إلى هذه المواجهة التي ستترك بصماتها على الأسواق، نظرا إلى الانخفاض المحتمل لحجم الصادرات الإيرانية، المتجه أغلبها إلى الأسواق الآسيوية. فاتخذت الدول المصدرة خطوات احترازية بتخزين كميات ضخمة من النفط، لتعويض إمكانية تخفيض الصادرات الإيرانية. إلا أن إيران استطاعت في حينه استمرار التصدير، ولو على معدلات منخفضة تراوحت حول 1 مليون برميل يوميا، أو أقل، لكن ليس التوقف تماما عن التصدير. إذ تشير التقديرات إلى أن الصادرات الإيرانية انخفضت إلى نحو 800 ألف برميل يوميا. والسبب في ذلك هو استمرار إمكانية التصدير بالأنابيب إلى الدول المجاورة، بالإضافة إلى تمكن إيران من تصدير بعض النفط قبيل بدء الحصار وتخزينه على ناقلات إيرانية قرب موانئ الاستيراد الآسيوية، لذا لم تعتبر هذه الإمدادات «مهربة» فقد تم شحنها قبل بدء الحصار رسميا. من ثم لم تستعمل الدول المصدرة معظم المخزون لديها، فحصل هناك تخمة في الأسواق، بالذات مع الازدياد العالي والسريع للنفط الصخري الأميركي الذي أدى إلى تقليص الولايات المتحدة لوارداتها النفطية من جهة وزيادة صادراتها من جهة أخرى. أدت هذه التطورات إلى تخمة كبيرة في الإمدادات، الأمر الذي أدى بدوره إلى تدهور الأسعار.
من ثم، بدأت الاتصالات والمفاوضات، فحصل اتفاق خوانجو كخطوة أولى. وتم لاحقا في عام 2016 التوصل إلى اتفاق في الجزائر ما بين أوبك والأقطار المصدرة غير الأعضاء في المنظمة للتعاون المشترك لإحلال الاستقرار في الأسواق. ونظرا إلى التجارب الصعبة سابقا ما بين أقطار الأوبك والأقطار المصدرة غير الأعضاء، شكك المراقبون في إمكانية هذا العدد الكبير (نحو 24 دولة) من الدول المنتجة الاستمرار في الاتفاق وإحلال الاستقرار في الأسواق. لكن الأمر الذي لم يعره المراقبون الأهمية اللازمة هو التزام كل من الدولتين النفطيتين الكبيرتين، السعودية وروسيا، باستقرار الأسواق وبالاتفاق الذي وقعتا عليه.
ومما دعم استمرار التعاون المتواصل لكل من السعودية وروسيا في هذا المنوال هو حرص الدولتين اللتين يبلغ مجمل طاقتهما الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي البالغ نحو 100 مليون برميل يوميا؛ ومن ثم تم تبني سياسة جديدة للأقطار المصدرة كمؤشر للحفاظ على استقرار الأسعار، هذه السياسة التي تراقب بدقة من قبل كل من منظمة الأوبك ومجموعة الدول المنتجة غير الأعضاء، مستوى المخزون العالمي والتأكد من انخفاضه تدريجيا ليصل إلى معدل مواز له خلال الأشهر القريبة الماضية. وتم على ضوء هذا المؤشر تبني سياسة تخفيض الإنتاج المستمرة خلال السنوات الماضية. مما ساعد على الالتزام بالاتفاق هو الالتزام الواسع بتنفيذه، وغير المسبوق له في تجارب تخفيض الإنتاج سابقا.
كما ساعد على النجاح أيضا، الالتزام والتشاور المستمر لكل من السعودية وروسيا فيما بينهما والدور الذي لعبته كل منهما مع مجموعتيهما (السعودية مع أقطار الأوبك وروسيا مع الدول غير الأعضاء). اهتمت كل من الدولتين بالنجاح لأسباب مختلفة. فالسعودية لا تزال تعتمد على ريع الصادرات النفطية إلى حد كبير لدعم اقتصادها. بينما تعتمد روسيا على الريع النفطي في دعم قيمة الروبل. فرغم خلاف المصالح النفطية ما بين الدولتين، أدت المفاوضات المستمرة بينهما أحيانا حتى اللحظات الأخيرة للتوصل إلى حلول وسطى قبل الاتفاق على تخفيض الإنتاج (الذي تراوح عادة ما بين 1.2 - 1.9 مليون برميل يوميا) لأجل تخفيض المخزون الفائض في الأسواق.
استطاعت السعودية وروسيا تحقيق نجاح هذه السياسة لاستقرار الأسواق في ظل أوضاع جيواستراتيجية صعبة للغاية في الشرق الأوسط، حيث قصف الناقلات في البحار الإقليمية، ومقتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، والحراك الشعبي في كل من العراق ولبنان اللذين استشعرت إيران بخطورتهما على نفوذها في هاتين الدولتين اللتين بنت فيهما مصالح قوية لها.
استمر هذا التحالف والتعاون الوثيق للسنوات الثلاث الماضية للحد من إغراق الأسواق. أما في الاجتماع المقبل للمجلس الوزاري لمنظمة أوبك وحلفائها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فإن التحدي الأكبر للدول المنتجة هو فيروس كورونا الذي أخذ يقلص من السفر جوا. ويشكل الطلب على وقود الطيران نحو 8 ملايين برميل يوميا من مجمل الاستهلاك العالمي للنفط الخام البالغ نحو 100 مليون برميل يوميا. ما يزيد من صعوبة قرار التخفيض في الاجتماع المقبل هو مدى كمية التخفيض الآن. فكما هو معروف، ليس من الواضح حتى الوقت الحاضر مدى إمكانية انتشار الفيروس نظرا لعدم وجود دواء متوفر له. كذلك، ما هي الفترة الزمنية التي سيستمر الفيروس في الانتشار، مما يقضي إلغاء التجمعات الرياضية أو الفنية الكبرى، كما يحدث الآن، أو حتى سفر العائلات ورجال الأعمال.
من الطبيعي أن يواجه اتفاق تخفيض الإنتاج لثلاث سنوات متتالية، ولهذا العدد الضخم من الدول ولهذه السنوات تحديات عدة في مسيرته. فلبعض الدول حقول نفطية جديدة تلزم عليها اتفاقاتها مع الشركات المطورة للحقول البدء في الإنتاج بموعد محدد. من ثم يؤدي الالتزام بتخفيض الإنتاج إما إلى إغلاق الحقول الجديدة وإما تخفيض الإنتاج من الحقول القديمة. وهناك أيضا الموازنات المالية السنوية لبعض الدول التي تتطلب إنتاجا أعلى. هنا يأتي التباين في المصالح والمفاوضات الصعبة حتى اللحظة الأخيرة. تكمن صعوبة الاتفاق المقبل في مدى استمرارية انخفاض الطلب وحجم الانخفاض هذا، وليس تخمة الإمدادات. تدل المشاورات الأولية خلال الأسابيع الأخيرة إلى صعوبة المفاوضات. لكن تتوفر الآن تجربة ناجحة ومهمة تحرص كل من السعودية وروسيا على نجاحها، رغم التحديات الكثيرة. لهذا من المتوقع أن تتفق الدولتان النفطيتان الكبيرتان على حل وسط في نهاية المطاف، لما لهذا الاتفاق من أهمية لمصالح الدولتين رغم اختلاف المصالح النفطية.
-كاتب عراقي متخصص
في شؤون الطاقة


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

اليابان تؤكد أن اختناقات سلسلة التوريد المتعلقة بالطاقة يمكن حلها في غضون أيام

سفينة تبحر قبالة مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي اليابانية جنوب العاصمة طوكيو (رويترز)
سفينة تبحر قبالة مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي اليابانية جنوب العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان تؤكد أن اختناقات سلسلة التوريد المتعلقة بالطاقة يمكن حلها في غضون أيام

سفينة تبحر قبالة مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي اليابانية جنوب العاصمة طوكيو (رويترز)
سفينة تبحر قبالة مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي اليابانية جنوب العاصمة طوكيو (رويترز)

قال وزير الصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، الجمعة، إن اختناقات سلسلة التوريد الناجمة عن تعطل عمليات شراء المواد الخام، بما في ذلك النفتا، يمكن حلها في غضون أيام، في ظل ضغوط الحرب الإيرانية على تدفقات الطاقة والبتروكيماويات من الشرق الأوسط. وقد تزايدت المخاوف بين المصنّعين بشأن نقص النفتا -وهي مادة خام أساسية للبتروكيماويات- والمواد ذات الصلة، حيث أعلنت عشرات الشركات عن توقف فعلي أو محتمل للطلبات في الأسابيع الأخيرة، على الرغم من تأكيدات الحكومة بتوفر مخزون كافٍ.

وفي مؤتمر صحافي، قال أكازاوا إنه إذا أبلغت الشركات السلطات عن أي اختناقات أو اختلالات، فإن الحكومة ستعالجها «فوراً». وأضاف أن من الأمثلة على معالجة نقاط الاختناق استخدام الزيت الثقيل في محطات معالجة مياه الصرف الصحي وإنتاج الشاي.

كما استشهد أكازاوا بمثال شركة «توتو» لصناعة الحمامات، التي أعلنت هذا الأسبوع أنها ستستأنف تدريجياً تلقي طلبات جديدة للحمامات الجاهزة ابتداءً من 20 أبريل (نيسان) الحالي. وصرح متحدث باسم شركة «توتو»، الجمعة، بأن الشركة تستعد لبدء الشحنات بعد أن ساعدت وزارة الصناعة في تذليل العقبات، متوقعاً وصول بعض المكونات.

وأشار أكازاوا إلى الصعوبات التي تواجهها الشركات في الحصول على زيوت التشحيم وما نتج منها من اختلالات في العرض، قائلاً إن وكالة الموارد الطبيعية والطاقة طلبت من تجار الجملة الرئيسيين ومنظمات تجارة زيوت التشحيم توفير المواد الخام بمستويات مماثلة لتلك المسجلة في الشهر نفسه من العام الماضي.

أما بالنسبة للموزعين والمستخدمين النهائيين الذين اشتروا بكميات تفوق المستوى المعتاد في مارس (آذار)، فسيتم تخفيض العرض تبعاً لذلك ابتداءً من أبريل فصاعداً.

وقالت شركة «تاكارا ستاندرد»، المصنّعة لمعدات المطابخ والحمامات، إن اضطراب الإمداد لم يُحل بعد، لكنها تتبادل المعلومات مع وزارة الصناعة وتسعى إلى حل سريع. تُجري الشركة تعديلات على الطلبات والتسليمات. بينما صرّحت شركة «كلين أب» بأنه ليس لديها أي تحديثات جديدة بعد تعليق قبول طلبات جميع أنظمة الحمامات في 15 أبريل، وأنها تسعى إلى تحقيق التوازن في حجم الطلبات الذي فاق التوقعات والذي تلقته.

وفي سياق منفصل، قال وانغ تشانغلين، نائب رئيس هيئة التخطيط الاقتصادي الحكومية في الصين، الجمعة، إن الصين ستواصل تنويع وارداتها من الطاقة وتعزيز احتياطياتها منها لتعزيز قدرتها على مواجهة أي «حالة طارئة».

وأضاف، خلال مؤتمر صحافي للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، أن أسواق الطاقة في الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، مستقرة بفضل الإجراءات الحكومية الرامية إلى حماية إمدادات النفط المحلية لمواجهة صدمة الأسعار العالمية.


الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا، خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر، على الرغم من أن البيانات الرسمية أظهرت استمرار اتساع فائض بكين التجاري مع اقتصاد منطقة اليورو، واقتراب الموعد النهائي لإعادة التوازن في العلاقات التجارية بحلول عام 2027.

وقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وثالث أكبر سوق في أوروبا 70 مليار دولار في كل عام من الأعوام الخمسة الماضية.

واتفق الشريكان التجاريان على جهود إعادة التوازن خلال زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عام 2024، بعد انسحاب إيطاليا من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم كفاية الاستثمارات الصينية لتعويض العجز التجاري.

وقال وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو لنائب رئيس الوزراء الإيطالي، أنطونيو تاجاني، يوم الخميس، وفقاً لبيان صادر عن وزارته: «الصين على استعداد للعمل مع إيطاليا لتعزيز فرص التعاون». وأضاف وانغ، في إشارة إلى الدور المحوري الذي تلعبه روما في تعاملات بكين مع الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة: «من المتوقَّع أن تضطلع إيطاليا بدور بنّاء في تعزيز التنمية الصحية والمستقرة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي».

اتساع الفائض التجاري

لكن بيانات الجمارك الصينية تُظهر أن الفائض التجاري مع إيطاليا قد ازداد خلال السنوات الثلاث الماضية؛ حيث ارتفعت صادراتها إلى 51 مليار دولار العام الماضي من 45 مليار دولار في عام 2023. بينما انخفضت الواردات من إيطاليا إلى 25 مليار دولار من 27 مليار دولار.

وكانت الهواتف الذكية أهم صادرات الصين إلى إيطاليا العام الماضي؛ حيث بلغت مبيعاتها منها 2.5 مليار دولار، تلتها شحنات منخفضة القيمة بقيمة 2.3 مليار دولار، تتكون عادة من سلع رخيصة من منصات التجارة الإلكترونية، مثل «تيمو» و«شي إن».

وتُشكّل الأدوية وحقائب اليد أكبر مبيعات إيطاليا في الصين، على الرغم من أن الطلب على السلع الفاخرة يبدو أنه يتباطأ مع سعي الاقتصاد الصيني جاهداً لتحقيق النمو.

وقال تاجاني لصحيفة «تشاينا ديلي» الحكومية، في مقابلة نُشرت يوم الجمعة: «من الضروري مواصلة العمل على تحقيق علاقة اقتصادية أكثر توازناً». وخصّ بالذكر قطاعات الأزياء والآلات والأدوية والكيماويات باعتبارها مجالات نمو محتملة.

وكانت إيطاليا العضو الوحيد من مجموعة الدول السبع الذي انضم إلى مبادرة الحزام والطريق، ساعية إلى العضوية رغم دعوات الولايات المتحدة في عام 2019 إلى النأي بنفسها عن برنامج السياسة الخارجية الرئيسي للرئيس الصيني شي جينبينغ.

ومن وجهة نظر بكين، يُثير ذلك احتمال ابتعاد إيطاليا مجدداً عن واشنطن ونظرائها في الاتحاد الأوروبي، لا سيما مع توتر العلاقات مؤخراً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وميلوني، أحد أقرب حلفائه الأوروبيين، بسبب الخلافات حول الحرب الإيرانية.

وقال محللون إن زيارة ميلوني في عام 2024 واعتماد خطة العمل ساهما في تخفيف الإحراج الدبلوماسي الذي أعقب انسحاب إيطاليا من مبادرة الحزام والطريق.

ومع اقتراب الموعد النهائي للخطة في عام 2027، باتت الصين محط أنظار العالم لتحقيق أهدافها وتفنيد الاتهامات الأوروبية بتأخير إعادة تشكيل نموذجها الاقتصادي، في سعيها لإنعاش الطلب المحلي والاعتماد على صادرات السلع الرخيصة.

وأيدت روما الرسوم الجمركية التي اقترحتها المفوضية الأوروبية في تصويت حاسم عام 2024، بهدف تجنب «فيضان» السيارات الكهربائية الصينية الذي حذرت منه بروكسل... لكنها أشارت إلى أنها سترحب بمزيد من مبيعات شركات صناعة السيارات الصينية التي تستثمر في التصنيع بإيطاليا.


شركات تكرير هندية تدفع ثمن النفط الإيراني باليوان الصيني

شعار بنك «آي سي آي سي» على مقره الرئيسي في مدينة مومباي الهندية (رويترز)
شعار بنك «آي سي آي سي» على مقره الرئيسي في مدينة مومباي الهندية (رويترز)
TT

شركات تكرير هندية تدفع ثمن النفط الإيراني باليوان الصيني

شعار بنك «آي سي آي سي» على مقره الرئيسي في مدينة مومباي الهندية (رويترز)
شعار بنك «آي سي آي سي» على مقره الرئيسي في مدينة مومباي الهندية (رويترز)

أفادت أربعة مصادر مطلعة بأن شركات تكرير هندية تسدد مدفوعات شحنات نادرة من النفط الإيراني، تم شراؤها بموجب إعفاء مؤقت من العقوبات الأميركية، باستخدام اليوان الصيني عبر بنك «آي سي آي سي» في مومباي.

وفي الشهر الماضي، أعلنت واشنطن عن إعفاءات لمدة 30 يوماً من العقوبات الأميركية المفروضة على شراء النفط الروسي والإيراني في البحر، في محاولة لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، يوم الأربعاء، أن الولايات المتحدة لن تجدد الإعفاءات، حيث من المقرر أن ينتهي العمل بالإعفاء الممنوح للنفط الإيراني يوم الأحد.

وأفاد تجار بأن الصعوبات المتعلقة بترتيب دفع ثمن هذه الشحنات، في ظل العقوبات المفروضة على طهران منذ فترة طويلة، قد ثبطت عزيمة بعض المشترين المحتملين للنفط الخام الإيراني بموجب هذا الإعفاء.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اشترت شركة النفط الهندية الحكومية، وهي أكبر شركة تكرير في البلاد، مليوني برميل من النفط الإيراني على متن ناقلة النفط الخام العملاقة «جايا»، في أول عملية شراء للنفط الخام الإيراني منذ سبع سنوات، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز»، بقيمة تقارب 200 مليون دولار.

كما سمحت الهند لأربع سفن تحمل النفط الإيراني بالرسو لصالح شركة التكرير الخاصة «ريلاينس إندستريز»، حسبما أفادت مصادر الأسبوع الماضي. وقد قامت إحدى السفن، وهي «إم تي فيليسيتي»، بتفريغ حمولتها حتى الآن، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن ومصدر في قطاع الشحن.

وتُجري كلتا الشركتين تسوية الصفقة عبر بنك «آي سي آي سي»، الذي يُحوّل الأموال باليوان الصيني عبر فرعه في شنغهاي إلى حسابات البائعين باليوان. ولم يتسنَّ تحديد هوية البائعين.

وأفاد مصدران بأن شركة النفط الهندية الحكومية دفعت حوالي 95 في المائة من قيمة الشحنة مقابل إشعار الجاهزية المُقدّم من المورّد، والذي يُشير إلى دخول ناقلة النفط المُحمّلة المياه الهندية. وقال أحدهما إن هذا ترتيب غير معتاد.

وأوضح المصدران أن شركات التكرير الهندية المملوكة للدولة عادةً ما تُسدّد المدفوعات عند التسليم أو التفريغ للنفط من الدول الخاضعة لعقوبات من الدول الغربية. وتُعدّ الهند من بين أكبر مشتري النفط الروسي منذ غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022، والذي أسفر عن فرض عقوبات غربية واسعة النطاق على روسيا. ورفضت المصادر الكشف عن هويتها لعدم حصولها على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

كما استخدمت شركات التكرير الهندية العملة الصينية لتسوية بعض مشترياتها من النفط الروسي.

وأفاد أحد المصادر بأن شركة النفط الهندية لا تخطط لشراء المزيد من النفط الإيراني.

وقبل الإعفاء الأميركي، امتنعت الهند عن شراء النفط الإيراني منذ عام 2019، تحت ضغط العقوبات الأميركية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت شركات التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، المشتري الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية.