التحالف النفطي السعودي ـ الروسي يواجه تحدي انخفاض الطلب

يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي  (أ. ب)
يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي (أ. ب)
TT

التحالف النفطي السعودي ـ الروسي يواجه تحدي انخفاض الطلب

يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي  (أ. ب)
يبلغ مجمل طاقة السعودية وروسيا الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي (أ. ب)

وقعت السعودية وروسيا اتفاقا نفطيا في مدينة خوانجو الصينية في عام 2016 على هامش قمة العشرين لدعم استقرار أسعار النفط. يشير الاتفاق ضمن أهدافه المتعددة إلى حرص الدولتين النفطيتين الكبيرتين على استقرار أسعار النفط بتفادي التقلبات الكبيرة في الأسواق.
وكان السبب الرئيسي في وقتها لتوقيع الاتفاق، هو انهيار الأسعار خلال السنوات 2014 - 2016، التي شهدت تدهور الأسعار خلال أسابيع قليلة من نحو 100 دولار لبرميل نفط برنت إلى أقل من 30 دولارا. وكان السبب الرئيسي وراء هذا التدهور السعري في حينه، البروز السريع لظاهرة الإنتاج العالمي للنفط الصخري الأميركي وما نتج عنه من تغييرات في سوق النفط الأميركية، التي كانت الأكثر استيرادا للنفط الخام في العالم والتي كانت أيضاً ولا تزال واحدة من أكبر الأسواق المستهلكة للنفط الخام. ومما أضاف إلى ظاهرة الأسواق في حينه التهديد الأميركي بفرض العقوبات النفطية على صادرات النفط الإيرانية بسبب الخلاف الأميركي - الإيراني حول تغيير بنود الاتفاق النووي الإيراني، كما طالبت به الولايات المتحدة ورفضت طهران التعديلات. وما أدى إلى تأزيم الأمور في حينه أيضا، هو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية الإيرانية ومطالبتها بقية الدول الموقعة عليها القيام بالمثل. الأمر الذي رفضته هذه الدول، منها دول حليفة للولايات المتحدة.
كان القلق الذي ساد الأسواق العالمية عندئذ وخلال السنوات الثلاث الماضية هو التخمة في الإمدادات. مما زاد من هذه المخاطر إعلان واشنطن الحظر النفطي بحيث «تنخفض الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر» أو توقف تصدير 2.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني. استعدت الدول المصدرة للنفط إلى هذه المواجهة التي ستترك بصماتها على الأسواق، نظرا إلى الانخفاض المحتمل لحجم الصادرات الإيرانية، المتجه أغلبها إلى الأسواق الآسيوية. فاتخذت الدول المصدرة خطوات احترازية بتخزين كميات ضخمة من النفط، لتعويض إمكانية تخفيض الصادرات الإيرانية. إلا أن إيران استطاعت في حينه استمرار التصدير، ولو على معدلات منخفضة تراوحت حول 1 مليون برميل يوميا، أو أقل، لكن ليس التوقف تماما عن التصدير. إذ تشير التقديرات إلى أن الصادرات الإيرانية انخفضت إلى نحو 800 ألف برميل يوميا. والسبب في ذلك هو استمرار إمكانية التصدير بالأنابيب إلى الدول المجاورة، بالإضافة إلى تمكن إيران من تصدير بعض النفط قبيل بدء الحصار وتخزينه على ناقلات إيرانية قرب موانئ الاستيراد الآسيوية، لذا لم تعتبر هذه الإمدادات «مهربة» فقد تم شحنها قبل بدء الحصار رسميا. من ثم لم تستعمل الدول المصدرة معظم المخزون لديها، فحصل هناك تخمة في الأسواق، بالذات مع الازدياد العالي والسريع للنفط الصخري الأميركي الذي أدى إلى تقليص الولايات المتحدة لوارداتها النفطية من جهة وزيادة صادراتها من جهة أخرى. أدت هذه التطورات إلى تخمة كبيرة في الإمدادات، الأمر الذي أدى بدوره إلى تدهور الأسعار.
من ثم، بدأت الاتصالات والمفاوضات، فحصل اتفاق خوانجو كخطوة أولى. وتم لاحقا في عام 2016 التوصل إلى اتفاق في الجزائر ما بين أوبك والأقطار المصدرة غير الأعضاء في المنظمة للتعاون المشترك لإحلال الاستقرار في الأسواق. ونظرا إلى التجارب الصعبة سابقا ما بين أقطار الأوبك والأقطار المصدرة غير الأعضاء، شكك المراقبون في إمكانية هذا العدد الكبير (نحو 24 دولة) من الدول المنتجة الاستمرار في الاتفاق وإحلال الاستقرار في الأسواق. لكن الأمر الذي لم يعره المراقبون الأهمية اللازمة هو التزام كل من الدولتين النفطيتين الكبيرتين، السعودية وروسيا، باستقرار الأسواق وبالاتفاق الذي وقعتا عليه.
ومما دعم استمرار التعاون المتواصل لكل من السعودية وروسيا في هذا المنوال هو حرص الدولتين اللتين يبلغ مجمل طاقتهما الإنتاجية أكثر من 20 في المائة من الإنتاج العالمي اليومي البالغ نحو 100 مليون برميل يوميا؛ ومن ثم تم تبني سياسة جديدة للأقطار المصدرة كمؤشر للحفاظ على استقرار الأسعار، هذه السياسة التي تراقب بدقة من قبل كل من منظمة الأوبك ومجموعة الدول المنتجة غير الأعضاء، مستوى المخزون العالمي والتأكد من انخفاضه تدريجيا ليصل إلى معدل مواز له خلال الأشهر القريبة الماضية. وتم على ضوء هذا المؤشر تبني سياسة تخفيض الإنتاج المستمرة خلال السنوات الماضية. مما ساعد على الالتزام بالاتفاق هو الالتزام الواسع بتنفيذه، وغير المسبوق له في تجارب تخفيض الإنتاج سابقا.
كما ساعد على النجاح أيضا، الالتزام والتشاور المستمر لكل من السعودية وروسيا فيما بينهما والدور الذي لعبته كل منهما مع مجموعتيهما (السعودية مع أقطار الأوبك وروسيا مع الدول غير الأعضاء). اهتمت كل من الدولتين بالنجاح لأسباب مختلفة. فالسعودية لا تزال تعتمد على ريع الصادرات النفطية إلى حد كبير لدعم اقتصادها. بينما تعتمد روسيا على الريع النفطي في دعم قيمة الروبل. فرغم خلاف المصالح النفطية ما بين الدولتين، أدت المفاوضات المستمرة بينهما أحيانا حتى اللحظات الأخيرة للتوصل إلى حلول وسطى قبل الاتفاق على تخفيض الإنتاج (الذي تراوح عادة ما بين 1.2 - 1.9 مليون برميل يوميا) لأجل تخفيض المخزون الفائض في الأسواق.
استطاعت السعودية وروسيا تحقيق نجاح هذه السياسة لاستقرار الأسواق في ظل أوضاع جيواستراتيجية صعبة للغاية في الشرق الأوسط، حيث قصف الناقلات في البحار الإقليمية، ومقتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، والحراك الشعبي في كل من العراق ولبنان اللذين استشعرت إيران بخطورتهما على نفوذها في هاتين الدولتين اللتين بنت فيهما مصالح قوية لها.
استمر هذا التحالف والتعاون الوثيق للسنوات الثلاث الماضية للحد من إغراق الأسواق. أما في الاجتماع المقبل للمجلس الوزاري لمنظمة أوبك وحلفائها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فإن التحدي الأكبر للدول المنتجة هو فيروس كورونا الذي أخذ يقلص من السفر جوا. ويشكل الطلب على وقود الطيران نحو 8 ملايين برميل يوميا من مجمل الاستهلاك العالمي للنفط الخام البالغ نحو 100 مليون برميل يوميا. ما يزيد من صعوبة قرار التخفيض في الاجتماع المقبل هو مدى كمية التخفيض الآن. فكما هو معروف، ليس من الواضح حتى الوقت الحاضر مدى إمكانية انتشار الفيروس نظرا لعدم وجود دواء متوفر له. كذلك، ما هي الفترة الزمنية التي سيستمر الفيروس في الانتشار، مما يقضي إلغاء التجمعات الرياضية أو الفنية الكبرى، كما يحدث الآن، أو حتى سفر العائلات ورجال الأعمال.
من الطبيعي أن يواجه اتفاق تخفيض الإنتاج لثلاث سنوات متتالية، ولهذا العدد الضخم من الدول ولهذه السنوات تحديات عدة في مسيرته. فلبعض الدول حقول نفطية جديدة تلزم عليها اتفاقاتها مع الشركات المطورة للحقول البدء في الإنتاج بموعد محدد. من ثم يؤدي الالتزام بتخفيض الإنتاج إما إلى إغلاق الحقول الجديدة وإما تخفيض الإنتاج من الحقول القديمة. وهناك أيضا الموازنات المالية السنوية لبعض الدول التي تتطلب إنتاجا أعلى. هنا يأتي التباين في المصالح والمفاوضات الصعبة حتى اللحظة الأخيرة. تكمن صعوبة الاتفاق المقبل في مدى استمرارية انخفاض الطلب وحجم الانخفاض هذا، وليس تخمة الإمدادات. تدل المشاورات الأولية خلال الأسابيع الأخيرة إلى صعوبة المفاوضات. لكن تتوفر الآن تجربة ناجحة ومهمة تحرص كل من السعودية وروسيا على نجاحها، رغم التحديات الكثيرة. لهذا من المتوقع أن تتفق الدولتان النفطيتان الكبيرتان على حل وسط في نهاية المطاف، لما لهذا الاتفاق من أهمية لمصالح الدولتين رغم اختلاف المصالح النفطية.
-كاتب عراقي متخصص
في شؤون الطاقة


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.


شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
TT

شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)

أعلنت شركات تأمين الشحن في لندن، في بيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» يوم الجمعة، عن توفير تغطية إضافية بقيمة مليار دولار أميركي للسفن العابرة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية العالمية، في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت شركة «بيزلي» للتأمين إنها ستقود «تحالفاً بحرياً للتأمين ضد مخاطر الحرب» عبر سوق «لويدز»، لتوفير هذه التغطية الإضافية.

وأضافت أن «هذا التحالف يهدف إلى تعزيز قدرة القطاع البحري على مواجهة مخاطر الحرب، في بيئة معقدة ومتغيرة في مضيق هرمز ومحيطه».

وستكون التغطية متاحة للسفن وشحناتها أثناء عبورها المضيق، بما يتماشى مع مستويات المخاطر التي تتحملها «بيزلي» ومع الالتزام التام بالعقوبات الدولية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أدريان كوكس، في البيان: «سيساعد هذا الترتيب في ضمان استمرار تدفق حركة التجارة العالمية».

وأشار محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أقساط التأمين، التي تُعد ركيزة أساسية في قطاع الشحن العالمي.

وكانت القوات الإيرانية قد أغلقت مضيق هرمز أمام معظم السفن منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عقب ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران.

ووفقاً لمركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، فقد أبلغت نحو 30 سفينة عن تعرضها للاستهداف أو الهجوم في المنطقة.

وأكد مسؤولون تنفيذيون في لندن، أكبر سوق عالمية لتأمين الشحن، أن تراجع حركة الملاحة يعود إلى اعتبارات أمنية تدفع قادة السفن لتجنب المسار، وليس إلى نقص في التغطية التأمينية.

وقالت رابطة سوق «لويدز»، وهي هيئة تجارية مختصة بتأمين السفن، في تقريرها إن «المخاوف الأمنية، وليس توفر التأمين، هي العامل الرئيسي وراء انخفاض حركة السفن».

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أواخر مارس (آذار) إن مبادرة أميركية لتأمين الشحن بهدف تعزيز عبور مضيق هرمز من المتوقع أن تبدأ العمل قريباً.