في رثاء لينين الرملي ونيل بيرت

في رثاء لينين الرملي ونيل بيرت

فقيدا الثقافة والفن والفكر
الثلاثاء - 24 جمادى الآخرة 1441 هـ - 18 فبراير 2020 مـ رقم العدد [ 15057]
د. عبد الستار البدري

شهر حزين حصد خلاله الموت روح اثنين من الفنانين ارتبطت بهما منذ أن بدأت أتذوق الفن، ثم الفكر. والغريب أنهما من عالمين مختلفين تماماً، لا يربط بينهما إلا الإبداع المترجم في مشاعر إنسانية عبر المسرح أو الموسيقى أو الكتابة. فالأول كان المؤلف الكاتب المسرحي الكبير «لينين الرملي»، والثاني شخص أراهن أن السواد الأعظم من قراءنا في العالم العربي لا يعرفونه، وهو الموسيقار الكاتب الكندي «نيل بيرت»... يا له من شهر حزين!

لقد كان الراحل لينين الرملي شخصية متميزة بحق، فهو لم يخفِ ميوله اليسارية منذ أن عرفته بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو ما أضفى عليه قدراً كبيراً من الثقافة والفكر الذي يميز هذا التيار. فلن يستطيع المرء أن يكون يسارياً حقيقياً إلا بخلفية ثقافية وفلسفية عميقة، ولكن المنحى الإنساني سيطر عليه بعد ذلك، من خلال كتاباته المسرحية التي استمتعنا بها جميعاً في وطننا العربي، مثل: «وجهة نظر» و«تخاريف» و«بالعربي الفصيح»، خاصة الأخيرة التي انتقد فيها واقعنا العربي بشكل كوميدي راقٍ دفع عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك، لدعوة وزراء الخارجية العرب لمشاهدتها كنوع من التحفيز لدفع التكامل العربي المشترك. وقد استطاع «الرملي» بأكثر من ستين عملاً أن يضع الابتسامة على وجوهنا، ومعها في الوقت نفسه بذرة الفكر والقيم في عقولنا. وهنا تبرز العبقرية، فالقدرة على الجمع بين هاتين الموهبتين تكون من أعقد ما يمكن.

وأذكر جيداً أن آخر لقاء جمعني به كان في «مقهى ريش» الشهير (وسط القاهرة) في مطلع 2013. وكان يبدو عليه الهم الممزوج بالألم الذي نتج عن انفصاله عن توأمه الفني الفنان «محمد صبحي» قبلها بسنوات. وأذكر جيداً أنه كان متشائماً فيما يخص مستقبل المسرح العربي والمصري، بعد تفشي ظاهرة المسرحيات الهابطة، وإسفافها وفقدانها للقيم الإنسانية، مؤكداً أنها ضلت الهدف والرسالة، بل إنه وصفها بأنها «تسعى جاهدة لانتزاع الابتسامة من المشاهد عنوة لثقل ظل كاتبها أو الممثل، أو من خلال الإيحاءات الإباحية المباشرة أو الرمزية». وكان يقول إن المسرح يحتاج إلى دور قوى للدولة لدعمه وانتشاله من ترنحه، ليعود مرة أخرى إلى رسالته القيمية والفنية معاً.

أما الموسيقار الكاتب «نيل بيرت»، فكان أيقونة حقيقية في عالم الموسيقى الغربية، وكأديب أيضاً، فهو من النماذج النادرة -إن لم تكن المعدومة- لجامع الحسنيين؛ أي الموهبة الموسيقية والموهبة الأدبية، في هذا العالم المختلف عنا بثقافته الموسيقية، فهو في الأصل ضابط إيقاع من طراز فريد، صنف على أنه الأفضل في العالم، فله الموهبة العظيمة في قرع الطبول وآلات النقر. وفي قمة مجده، قرر الرجل الاعتزال المؤقت ليتعلم نوعاً جديداً من الإيقاع على أيدي الموسيقار العبقري الأسمر «بادي ريتشي»، للمزج بين أسلوبي عزف. وعندما سُئل عن أسباب هذه الخطوة، أجاب ببلاغة: «وما الإتقان إلا أن يتقن المرء فن التعلم».

وقد تشابه مع «لينين الرملي»، فاعتنق في السابعة عشرة من عمره مبادئ الاشتراكية، خلال وجوده في لندن واختلاطه بالحركة اليسارية البريطانية. ومع الوقت، ترك الرجل جزءاً كبيراً من فكره اليساري، وتوجه نحو الفكر الإنساني-الليبرالي، وهو ما عكسه بهدوء في كتاباته لأغاني فرقته «راش». ورغم ذلك، استطاع الرجل أن يدفع بالفرقة إلى عالم النغمة والكلمة على حد سواء. ولعل من أعظم ما كتبه «بيرت» كان ألبومه الشهير «صور متحركة» عام 1981. ودائماً ما تحضرني هنا عبقريته في وصف ظاهرة معتنقي التطرف الديني بأنهم «مرتاحو الضمير، متيقنون من سمو حقهم، واثقون من أن طرقهم هي الأفضل... أناس تغذوا على الخوف والتضليل ليضربوا ويحرقوا ويقتلوا... الجهل والتعصب والعنف يمشون متعانقي الأيادي».

وبصفته كاتباً ومثقفاً، أصدر «بيرت» ستة أعمال أدبية، أهمها كان روايته «السائق الشبح: رحلات على طريق الاستشفاء» التي يصف فيها بلغة أدبية مرهفة رحلته بالدراجة البخارية لأربعة عشر شهراً لينسى مأساة وفاة ابنته وزوجته قبلها بأشهر قليلة، ويشرح فيها كيف استطاع التغلب على هذا الألم بشكل عميق، فيأخذ القارئ من التعاطف إلى البكاء عطفاً عليه، ثم السعادة لعبوره هذه المرحلة، في رحلة أدبية رائعة.

وقد كتب «بيرت» ألبوماً للفرقة بعنوان «ملائكة أعمال الساعة» سرعان ما تم تحويله على أيدي الكاتب «كيفين أندرسون» لرواية ممتعة للغاية تحمل الاسم نفسه، وتناقش مفهوم التدرجية المطلوبة في المجتمع، مقابل مخاطر الفوضى، في محاولة فكرية لإيجاد التوازن السياسي والثقافي داخل المجتمعات.

إن موهبة أي شاعر أو كاتب أو موسيقار إنما تتمثل في القدرة الفائقة على تحويل المشاعر المرهفة والأفكار إلى كلمات مؤثرة أو ألحان عميقة تغزو أعماقنا فتصل الرسالة وتثبت. وأياً كانت المسافة أو الثقافة أو اللغة التي فرقت بين «الرملي» و«بيرت»، فإنهما ارتبطا بروابط إنسانية وفنية عدة، ولكن الرباط الأخير بينهما كان رباط الحق علينا جميعاً، وهو الموت. ومع ذلك، فستظل عظمتهما في تركتهما الفنية والفكرية والقيمية التي ورثوها لمستقبلي أعمالهم، فيموت الفنان العبقري ويبقي إرثه لنا وفينا وبيننا.


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة