حرب النساء الثلاث للفوز بمعركة بلدية باريس

أنياس بوزين مرشحة الحزب الرئاسي لخوض انتخابات بلدية باريس (أ.ف.ب)
أنياس بوزين مرشحة الحزب الرئاسي لخوض انتخابات بلدية باريس (أ.ف.ب)
TT

حرب النساء الثلاث للفوز بمعركة بلدية باريس

أنياس بوزين مرشحة الحزب الرئاسي لخوض انتخابات بلدية باريس (أ.ف.ب)
أنياس بوزين مرشحة الحزب الرئاسي لخوض انتخابات بلدية باريس (أ.ف.ب)

بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات المكثّفة على أعلى المستويات من أجل تدارك الكارثة التي حلت بالحزب الرئاسي، بعد انسحاب بنجامين غريفو، مرشحه لرئاسة بلدية في باريس، الشهر المقبل، بسبب فضيحة شريط الفيديو الجنسي، استقر رأي حزب «فرنسا إلى الأمام» على استدعاء وزيرة الصحة أنياس بوزين، لتكليفها المهمة الإنقاذية. ولم يكن إقناع الوزيرة بوزين أمراً سهلاً، إذ إنها كررت للعديد من المرات أنها غير مهتمة بمعركة باريس البلدية، وأنها تكرس وقتها للاهتمام بالتحديات التي تواجهها وزارتها، وليس أقلّها موجة فيروس «كورونا الجديد»، أو ملف التقاعد، أو أخيراً وضع المستشفيات الحكومية والحركات الاحتجاجية التي تعرفها منذ أشهر.
بيد أن الأمور انقلبت رأساً على عقب، وإذا بالحزب الرئاسي يعلن ترشيح أنياس بوزين، التي تشغل منصب وزارة الصحة منذ حكومة إدوار فيليب الأولى. وأكثر من ذلك، جاءت تصريحاتها الأولى، عقب تعيينها، لتؤكد أنها تريد خوض هذه المنافسة، وأنها تريد الفوز بها. وأضافت بوزين أن مصير العاصمة «يهمها كثيراً»، لأنها ولدت وعاشت فيها، وبالتالي لم تسقط فيها بالمظلة.
حقيقة الأمر أن من حمل الوزيرة السابقة على الاستدارة الحادة هو الرئيس إيمانويل ماكرون. ذلك أنه يعول كثيراً على انتزاع العاصمة من يدي عمدتها الاشتراكية آن هيدالغو، التي تحكمها منذ عام 2014، حين خلفت رئيساً اشتراكياً آخر هو برتراند دولانويه. وكانت آمال الحزب الرئاسي تتغذى مما حصل عليه في الانتخابات الأوروبية، حيث حلّ في المرتبة الأولى. إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة بيّنت تراجع مرشحه بنجامين غريفو ولوائحه للموقع الثالث، بعد هيدالغو، ومرشحة حزب «الجمهوريون» اليمني. وقد أثار اختيار ماكرون انقسامات حادة داخل حزبه، فانشق عنه النائب والعالم الرياضي سيدريك فيلاني، الذي يخوض غمار المنافسة بلائحة أخرى، ولم تنفع نصائح ماكرون وضغوطه في حمل فيلاني على التخلي عن ترشيحه الذي أضعف غريفو. يضاف إلى ذلك أن شخصية الأخير لم تخدم شعبيته.
فضلاً عن ذلك، فإن برنامجه الانتخابي للعاصمة لم ينظر إليه على أنه «واقعي» أو «مجدد». وعلى سبيل المثال، فقد اقترح تحويل محطة القطارات المعروفة باسم «محطة الشرق» إلى حديقة، علماً بأنها محطة رئيسية، وتلعب دوراً مهماً في مخططات «باريس الكبرى» المنتظر قيامها في السنوات القليلة المقبلة. كذلك، فإن اقتراحه إعطاء 100 ألف يورو لكل راغب بشراء شقة في باريس من الطبقة الوسطى أثار سخرية منافسيه الذين تساءلوا عن مصدر الأموال التي سيخصّصها لهذا الغرض، علماً بأن ديون بلدية باريس تقدر بالمليارات.
وجاءت الفضيحة الأخلاقية التي تورّط بنجامين غريفو بمثابة السيف القاطع الذي بتر أي حظوظ لبقائه في المنافسة، فاستقال من غير البحث عن حجج أو تبريرات. وجاءت استقالته كزلزال سياسي. ويجمع المحللون والمتابعون على أن «معركة العاصمة» قد أفلتت من أيدي ماكرون وحزبه، وأن مهمة أنياس بوزين هي «الحد من الخسائر»، إذ ليس أمامها فسحة زمنية كافية للقيام بحملة ناجعة، كما أن عليها أن ترث برنامجاً انتخابياً وفرقاً لم يكن لها دور في بلورتها.
فضلاً عن ذلك، فإن بوزين لا تملك أي خبرة في القيام بحملات انتخابية. وإذا ما فشلت في إيجاد أرضية توافق مع سيدريك فيلاني، فإنه سيكون عليها من الصعب ردم الفارق الكبير بين ما قد تحصل عليها لوائحها وما تظهره الاستطلاعات من تقدم خصومها.
بدخولها المنافسة الانتخابية، تكون معركة العاصمة محصورة عملياً بين ثلاث نساء: الأولى اشتراكية آن هيدالغو، والثانية يمينية وهي رشيدة داتي، من أصل مغربي، وسبق لها أن شغلت منصب وزيرة العدل في إحدى حكومات الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، وحالياً هي رئيسة بلدية الدائرة السابعة في باريس. وداتي، كما هيدالغو، لم تولد في فرنسا. فالأولى ولدت في المغرب، بينما الثانية ولدت في إسبانيا. أما أنياس بوزين، فإنها في الأساس طبيبة متخصصة بجراحة القلب، وجاءت إلى الوزارة عندما كان ماكرون يبحث عن وزيرات نساء من المجتمع المدني. ولم يعرف عنها انتماؤها إلى حزب، أكان يساراً أو يميناً.
ومنذ أن بدأ بحث «الجمهورية إلى الأمام» عن مرشح أو مرشحة لخوض معركة العاصمة، طرح اسمها مراراً، وكان أحد الأسباب التي دفعت إلى ذلك محاولة تخطي الانقسامات الداخلية للحزب الرئاسية وكثرة مرشحيه. إلا أن الطريقة التي اتبعها الحزب لتزكية مرشحه غريفو، القريب جداً من ماكرون، ومن أوائل الذين انضموا إليه في مغامرته الرئاسية عام 2017، وإبعاد الآخرين (النائب فيلاني ووزير الاقتصاد الرقمي منير محجوبي) عمّقت الانقسامات بدل أن تردمها.
وكان لافتاً أن «فضيحة غريفو» قد دفعت الطبقة السياسية إلى رص الصفوف، والتنديد بما قام به الفنان الروسي بيوتر بافلينسكي، الذي نشر الفيديو الفاضح على إحدى المنصات، ثم غزا وسائل التواصل الاجتماعي. وبافلينسكي موقوف في الوقت الحاضر، ولكن بسبب قضية أخرى تتعلق بمشاجرة جرت بداية العام الحالي. كذلك، تحقق الأجهزة القضائية في الدور الذي لعبه محامي بافلينسكي المدعو خوان برانكو. وثمة من لا يتردد في الحديث عن «مؤامرة»، وبعضهم يشير بالإصبع إلى روسيا... لكن لا شيء حتى اليوم يدفع في هذا الاتجاه.
في 15 مارس (آذار)، تجري الجولة الأولى للانتخابات البلدية، تتبعها الجولة الثانية بعد أسبوع. وحتى هذين التاريخين، ستبقى الأنظار متجهة لما سيحصل في العاصمة، خصوصاً لما ستحمله من مؤشرات حول مكانة ماكرون، وحظوظه في الفوز بولاية ثانية عام 2022. من هنا، تتبدى أهمية المهمة التي أنيطت بأنياس بوزين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended