ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

بعدما أطاحت انتخابات ولاية ثورينجيا وتداعياتها بآنغريت كرامب كارنباور

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل
TT

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 2018، تنفّست المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الصعداء. لم تقاوم الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها، ولا علامات الارتياح التي علت وجهها. لقد كانت تلك من المرات القليلة بل النادرة التي تعبر فيها ميركل عن مشاعرها علناً. ففي ذاك اليوم، نجحت آنغريت كرامب كارنباور، «خليفتها» المختارة لزعامة «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، بانتزاع الفوز بزعامة الحزب المحافظ، في أعقاب قرار «زعيمته» ميركل عن المنصب.
لقد سارت خطة «تقاعد» المستشارة «المنظّم» على ما يرام... وتماماً كما رسمتها. فهي أرادت أن تكمل عهدها كمستشارة حتى الانتخابات العامة عام 2021. وبعد تلك المحطة الانتخابية تتقاعد نهائياً عن العمل السياسي. ولكن ميركل لم تشأ أن تترك حزبها يتخبّط في الفوضى بعد رحيلها، ولا أن ترى إرثها يُمزّق بعدما قادت الحزب الكبير طوال 20 سنة أمضت 15 سنة منها على رأس السلطة في ألمانيا.
وبالتالي، قررت الاستقالة من زعامة الحزب في خطوة غير اعتيادية، لإعطاء الوقت الكافي لـ«خليفتها» كي تتأقلم مع قيادة الحزب تمهيداً لتسليمها المستشارية. غير أن كرامب كارنباور، التي تشتهر في ألمانيا بالأحرف الثلاثة الأولى من كلمات اسمها الكامل «آ.ك.ك»، لم تصمد في زعامة الحزب أكثر من سنة واحدة؛ إذ إنها استقالت، هذا الأسبوع، وأعادت بذلك السباق لخلافة ميركل إلى خط البداية، لا... بل وأيقظت المخاوف على مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي حولته ميركل إلى حزب وسطي متسامح في موضوع اللجوء ومنفتح على التعدّدية، خلافاً لما يؤمن به كثيرون في التيار اليميني ضمن قاعدته الشعبية.
لا يمكن ذكر كثير من الإنجازات التي حقّقتها آنغريت كرامب كارنباور، الخليفة المرتقبة سابقاً لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، طوال السنة التي تزعمت فيها الحزب الحاكم. فالحقيقة أن الصحيح هو العكس تماماً. إذ يمكن القول إنها تسببت غير مرة بتوتّر العلاقة مع الشريك في الائتلاف الحاكم، هو «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (الاشتراكي)، من خلال تصريحات أدلت بها حول المشاركة العسكرية لألمانيا في الخارج.
هنا يجدر التذكير بأن ميركل سلّمت «آ.ك.ك» منصب وزيرة الدفاع في حكومتها، إلى جانب توريثها زعامة الحزب. ولكن حتى في وزارة الدفاع لم تحقق «آ.ك.ك» الكثير. وجاءت تصريحاتها عن المشاركة العسكرية في الخارج، مثلاً، أزعجت وزير الخارجية هايكو ماس الاشتراكي المعارض لأي توسّع خارجي للجيش الألماني لأسباب تاريخية.
أيضاً، لم تستطع خليفة ميركل السابقة من موقعها كزعيمة للحزب المحافظ الكبير تحسين موقعه في استطلاعات الرأي واجتذاب قطاعات من الناخبين يخسرها الديمقراطيون المسيحيون منذ سنوات، تحديداً منذ أزمة اللاجئين وقرار ميركل استقبال مئات آلاف السوريين. ولقد كانت نتائج الانتخابات الأوروبية والانتخابات المحلية في بضع ولايات ألمانية سيئة حقاً بالنسبة للحزب... وعلى الرغم من ذلك، بقيت كرامب كارنباور في منصبها.
- قشة ثورينجيا... التي قصمت ظهر البعير
ولكن على ما يبدو كانت انتخابات ولاية ثورينجيا الصغيرة، وهي واحدة من ولايات ألمانيا الشرقية السابقة، «القشة التي قصمت ظهر البعير». فالولاية شهدت انتخابات محلية قبل 3 أشهر، وأفرزت تلك الانتخابات نتائج سيئة للديمقراطيين المسيحيين، أسهمت في القضاء (إن لم تكن هي التي قضت فعلاً) على كرامب كارنباور. غير أن اللافت فيما حصل أن ما هز مكانة «آ.ك.ك» ما كان خسارة الحزب هناك أو تحقيقه نتائج سيئة فحسب، بل كان الأمر الأسوأ «تمرُّد» أعضاء الحزب في ثورينجيا على أوامرها، وخرقهم العرف القاضي بتجنّب التعامل مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف؛ إذ اختار هؤلاء التصويت لمصلحة الحزب المتطرف، الذي يتهمه بعض خصومه بالعنصرية، لاختيار رئيس حكومة ائتلافية في الولاية من «حزب الديمقراطيين الأحرار».
شكّل هذا «الحلف» صدمة وطنية، وكانت تلك المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتحالف فيها المحافظون مع المتطرفين. وبالنسبة لكثيرين من الساسة والصحافيين كان ذلك اليوم «يوماً أسود للديمقراطية الألمانية». كثيرون، من بينهم بودو روميلو، رئيس حكومة ثورينجيا السابق الذي ينتمي لحزب «دي لينكا» اليساري المتشدد، شبّهوا ما حصل في مدينة إيرفورت (عاصمة ثورينجيا) بالتطورات في «جمهورية فايمار» السابقة (بين عامي 1919 و1933) التي مهدت لصعود أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة. يومذاك بدأ المحافظون يتحالفون مع حزب هتلر النازي المتطرّف في الولايات الشرقية، أملاً في الاحتفاظ بالسلطة في وجه خطر اليسار. وكان هذا التحالف الظرفي الاستنسابي مدخل هتلر للسلطة وبداية صعوده الفعلي... والمفارقة أن ولاية ثورينجيا أيضاً نفسها كانت التي تسببت بالأزمة القائمة اليوم.
أكثر من هذا، أنه بين ما يزيد من التشبيهات بين «جمهورية فايمار» وما يحصل اليوم، أن زعيم حزب «البديل لألمانيا» في تورينغن، يورغ هوكيه، هو نفسه من الجناح الشديد التطرف في الحزب لدرجة أن قاضياً حكم، العام الماضي، بأنه يمكن وصفه بـ«الفاشي». وهو يستخدم دوماً تعابير نازية، وحتى أعضاء حزبه لا يمكنهم التمييز بين جمل منسوبة له وجمل منسوبة لهتلر.
وفي إحدى المرات، قبل إجراء مقابلة معه، عرضت قناة ألمانية على هوكيه شريطاً مصوّراً يُظهِر مراسلاً يسأل أعضاء في «البديل لألمانيا» بأن يخمِّنوا ما إذا كانت الجملة المتلوة هي لهوكيه أم أنها مستخرجة من كتاب «كفاحي» لهتلر... وبالنتيجة أخطأ معظمهم في التخمين. وعلى الأثر، غادر هوكيه المقابلة وهو يهدد الصحافي بأن «شيئاً ما قد يصيبه».
- شخصية «آ.ك.ك» مسؤولة جزئياً
على الرغم مما سبق، لا يتفق الجميع على التشابه بين ما يحصل الآن وما حصل في أيام «جمهورية فايمار»؛ إذ يقول كريستيان كاستروب، من معهد برتلسمان في العاصمة الألمانية برلين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى رابطاً مباشراً، قبل أن يضيف: «لكنه كتذكير تاريخي ومثل سيئ جداً فهو مهم، لأنه يعني أن ثمة مسؤولية خاصة على الأحزاب المحافظة؛ بأن تبقى متيقظة».
أيضاً لا يرى كاستروب أن المسؤولية كلها تقع على عاتق كرامب كارنباور. ذلك أنه يعتبر أنها ما كانت تتمتع بما يكفي من «السلطة والإرادة» لأحداث تغيير داخل الحزب. ويتابع: «لقد أمضت معظم وقتها في إدارة شؤون الحزب» لا أكثر... و«طبعاً، لم يساعدها أنها لا تتمتع بكاريزما خاصة». ومن ثم استطرد كاستروب قائلاً: «ميركل نفسها لا تتمتّع بكاريزما معينة، ولكن ما يميزها صلابة مواقفها ووضوح رؤيتها، وهو ما تفتقر إليه كرامب كارنباور».
ويرى الباحث والمحلل الألماني أن تصريح ميركل من بريتوريا (عاصمة جنوب أفريقيا)، الذي جاء بعد يوم على «فضيحة ثورينجيا»، والذي أعلنت خلاله أن ما حصل «غير مقبول بتاتاً، ولا يمكن التسامح معه»، كان أشبه بالضربة القاضية لسلطة كرامب كارنباور. إنه بعد تصريح ميركل هذا، كان واضحاً بأنه سيتوجب على «آ.ك.ك» الاستقالة.
هذا شكّل، على ما يبدو، نوعاً من الاستياء لدى زعيمة الحزب المستقيلة التي لم تتردّد بانتقاد قرار ميركل فصل المستشارية عن زعامة الحزب، وهو أمر غير معهود في ألمانيا؛ إذ قالت «آ.ك.ك» يومذاك إن «فصل المنصبين» أضعف موقعها، مع أن ميركل كانت تأمل تحقيق عكس ذلك عندما قرّرت فصل الموقعين مؤقتاً.
- وأين مسؤولية ميركل؟
من جهة أخرى، كتبت بعض الصحف أن فشل الديمقراطيين المسيحيين في ثورينجيا، مسؤولية ميركل التي «أغلقت الطريق أمام تجديد الحزب بتمسكها بموقع المستشارية، وهي رغم أنها اختارت كرامب كارنباور لخلافتها، فإنها أعاقت تقدمها، وحولتها إلى ميني ميركل».
بيد أن كاستروب يرى أن ميركل كانت «محقة من حيث المبدأ»؛ بأن تمنح خليفتها فترة انتقالية للتأقلم، كما أنها ساعدتها بمنحها حقيبة وزارة الدفاع التي كانت بيد أورسولا فون دير لاين، التي أصبحت مفوضة الاتحاد الأوروبي. وحسب كاستروب، فإن كرامب كارنباور «لم تقم بدور جيد كذلك في وزارة الدفاع»، ومن كان ليُعلم ما إذا كانت ستؤدي أداء مختلفاً في حال تسلمت منصب المستشارية مع زعامة الحزب في الوقت نفسه.
في أي حال، لكن الآن بعد أن استقالت كرامب كارنباور، عاد السباق لخلافة ميركل إلى البداية، ومعها المخاوف حول هوية الذي سيخلفها... وإلى أين سيذهب بالحزب. فطوال السنوات العشرين الماضية، نجحت أنجيلا ميركل بتطوير الحزب وتحويله إلى حزب وسطي، رغم أنه بقي محافظاً. ولكن قرار ميركل (وهي ابنة قسيس بروتستانتي) فتح الأبواب للاجئين تسبب بانقسام شديد، ليس فقط في أوساط ناخبي الحزب، بل داخل هيكله القيادي كذلك.
ومن ثم، ظهر جناحان، أحدهما وسطي والآخر يميني متطرف، يدعو بعض ناشطيه إلى التحالف مع «البديل لألمانيا» على الصعيد المحلي. ولم تساعد اعتدال ميركل استطلاعات الرأي التي أخذت تظهر تراجع حزبها إلى المرتبة الثالثة وما دون، في معظم الولايات الشرقية، في حين يحل حزب «البديل لألمانيا» في الطليعة.
وبالتالي، يعتقد بعض الديمقراطيين المسيحيين أن الحل الوحيد للبقاء في السلطة بالولايات الشرقية هو عبر التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، بينما يروّج آخرون إلى تبنّي الحزب نفسه مبادئ سياسية قريبة من مبادئ الحزب المتطرف، خاصة تلك المتعلقة باللجوء، في محاولة لاستعادة الناخبين المحافظين الذين هجروا الديمقراطيين المسيحيين، ولجأوا إلى «البديل لألمانيا». ويرى هؤلاء الناخبون أن الحزب المحافظ لم يعد يمثلهم بشكل جيد، وأن سياسة اللجوء التي اعتمدتها ميركل ليست بالضرورة السياسة التي يريدون دعمها.
- بين نقيضين يميني ويساري
وفي هذا الصدد، يرى كاستروب أن الدعوات للتعاون من حزب «البديل لألمانيا» ستبقى دائماً مطروحة، لا سيما في الولايات الشرقية، حيث «هناك إرادة كبيرة عند الديمقراطيين المسيحيين لاستعادة السلطة». لكنه يضيف أن هذه ليست فكرة جيدة، مع العلم أنه كما «يمنع» حزب ميركل التحالف مع «البديل لألمانيا»، فهو يمنع كذلك التحالف مع حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد. وللعلم، مثلما يتمتع «البديل لألمانيا» بنفوذ قوي في الولايات الشرقية، فإن حزب «دي لينكا» (الوريث غير الرسمي للشيوعيين الحاكمين سابقاً في ألمانيا الشرقية مع حلفاء لهم) يتمتع أيضاً بشعبية واسعة. ولقد حل «دي لينكا» أولاً في ثورينجيا، متقدماً عن «البديل لألمانيا»، ما يعني أنه كان بإمكان الديمقراطيين المسيحيين دعم رئيس الحكومة اليساري هناك لإبقائه في منصبه، لكنهم لم يفعلوا، بل فضّل قادتهم التحالف مع اليمين المتطرف.
كاستروب يرى هنا أن وضع اليمين المتطرف في الخانة نفسها مع اليسار المتشدد «مشكلة بحد ذاتها»، ويجب أن تنتهي. وهو يعتقد أن من أولى مهام أي زعيم جديد إنهاء هذا «التوازن بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد لأن (دي لينكا) لا يشكل أبداً خطراً على الديمقراطية بعكس (البديل لألمانيا)». ويضيف: «على الجميع أن يواجه الفاشية، ولكن اليسار المتشدد ليس فاشياً، ولا يجوز وضعه في الخانة نفسها».
في هذه الأثناء، يروّج البعض، لا سيما «حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، وهو الحزب الشقيق للديمقراطيين المسيحيين في وزارة بافاريا، لاعتماد أسلوب شبيه بالأسلوب الذي اعتمده المستشار النمساوي اليميني سيباستيان كورتز، زعيم حزب الشعب المحافظ؛ إذ استعار كورتز كثيراً من سياسات حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا، لا سيما فيما يتعلق بالمسلمين والهجرة واللاجئين، ثم إنه تحالف في الحكومة الأولى التي شكلها مع حزب الحرية. غير أن تلك الحكومة لم تعمّر طويل بسبب فضيحة هزّت الحزب اليميني المتطرف. وبالتالي، شكل كورترز حكومته الثانية مع حزب «الخضر» اليساري، مع محافظته على انعزاليته المتطرفة المتعلقة باللاجئين.
ومما يجدر ذكره، أن كرامب كارنباور حاولت اتخاذ مواقف أكثر حزماً من اللاجئين إبان فترة ترؤسها للحزب، في محاولة لإبعاد نفسها عن ميركل وكسب المزيد من الأصوات، إلا أن مسعاها لم ينجح... ثم إن سياستها لم تكن أصلاً «راديكالية» بما يكفي لإرضاء جموع الناخبين اليمينيين المتطرفين.
- عود على بدء: من سيخلف أنجيلا ميركل؟
> يعتمد مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الألماني اليوم بعد استقالة زعيمته آنغريت كرامب كارنباور على من سيكسب معركة الزعامة. ومن بين المرشحين لخلافة «آ.ك.ك»، مجدداً منافسها القديم، فريدريش ميرز (63 سنة)، وهو رجل أعمال ثري كانت ميركل نفسها قد دفعته للتقاعد من العمل السياسي قبل نحو 15 سنة، ويُعد من أشرس منتقديها داخل الحزب.
يحظى ميرز بتأييد كبير داخل الجناح اليميني المتشدد في الحزب، أي أولئك الذين يروّجون لضرورة إجراء تحالفات مع «البديل لألمانيا»، ثم إنه لا يخفي طموحه السياسي، إذ استقال من منصبه في شركة «بلاك روك» قبل بضعة أسابيع تمهيداً للتركيز على السياسة أكثر. وهو كان يأمل أصلاً أن ينتخب زعيماً للحزب في ديسمبر (كانون الأول) 2018، لكن «آ.ك.ك» سبقته بفارق ضئيل.
ورغم أن هذه المرة لم يعلن أحد بعد نيته الترشح لزعامة الحزب، ولم يحدد أصلاً موعداً لهذه الانتخابات، فإن الكلام يدور على أن التنافس سيكون بين ميرز ورئيس حكومة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا ونائب زعيم الحزب أرمين لاشيت (58 سنة). كذلك هناك وزير الصحة الشاب يانس شبان (39 سنة) الذي برز اسمه عام 2018. ورغم أن الأخير قد لا يتمكن من كسب أصوات كافية للفوز بزعامة الحزب، فهو ما زال يطمح لذلك. وللعلم، عام 2018، خرج شبان من الدورة الأولى للتصويت فيما بقيت «آ.ك.ك» وميرز للدورة الثانية.
بين الثلاثة، يُعد لاشيت من المقرّبين لميركل، وهو لم يترشح لخلافتها في المرة الماضية. وثمة من يتحدّث عن اتفاق «تحت الطاولة» حصل بين لاشيت وميركل عام 2018 يقضي بإحجامه عن الترشح في حينه إفساحاً في المجال أمام كرامب كارنباور للفوز. ولكن الآن قد تكون الطريق أمامه ممهدة، خاصة أن سياسته قريبة من سياسة ميركل.
وحقاً، كثرة من المتابعين يرون أن فرصة لاشيت وافرة هذه المرة، مستبعدين فرص اختيار ميرز، رغم التأييد الكبير الذي يحظى به من «الجناح المتطرف» داخل الحزب. ويعتبر هؤلاء المتابعون أن لاشيت محبوب من الجميع داخل الحزب المحافظ ويجيد التعاطي مع الناخبين.
وفي المقابل، تتداول صحف ألمانية منذ أيام «سيناريو» ضم ميرز لحكومة يرأسها لاشيت، وتعيينه وزيراً للاقتصاد من أجل الاستفادة من خبرته في عالم الأعمال، وفي محاولة لكسبه إلى جانبه وطمأنة «المتطرفين» في الحزب كذلك.
في مطلق الأحوال، وبغض النظر عمّن سيكون زعيم الحزب المقبل، يبدو أن ما حصل في ثورينجيا لن يتكرر... على الأقل في الفترة القليلة المقبلة؛ إذ إن رد الفعل الذي تبع التحالف بين الديمقراطيين المسيحيين و«البديل لألمانيا» كان مزلزلاً، ومن كل الأحزاب. ولكن التحدي الآن هو انتخاب زعيم جديد، والإبقاء على الحكومة قائمة في الوقت نفسه؛ إذ إن الاشتراكيين أعلنوا بوضوح أنهم دخلوا الحكومة مع ميركل، وسيغادرونها مع ميركل. وهذا ما يعني أن أي إصرار من الزعيم المنتخب على تولي منصب المستشارية في الوقت نفسه وعلى الفور، سيؤدي إلى إسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة، عوضاً عن الانتخابات المجدوَلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وفي حال حصل ذلك، ستُجبر ميركل العازمة على إكمال ولايتها حتى نهايتها، على التقاعد المبكر.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.