أسبوع نيويورك في أزمة

مشاكل كثيرة وضربات متتالية آخرها اقتحام الأوسكار لتوقيته

صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
TT

أسبوع نيويورك في أزمة

صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ

ما لا يختلف عليه اثنان أن أسابيع الموضة تمر بعدة أزمات منذ سنوات. من تباطؤ في النمو الاقتصادي إلى فيروس كورونا مؤخراً بكل ما يتضمنه من تبعات فيما يتعلق بالتنقل والسفر وشحن المنتجات وإنتاجها، فكان لا بد أن تعلن الموضة معاناتها. لكن الواضح أن أسبوع نيويورك هو أكثر المتضررين لعدة أسباب؛ منها أن التفاحة الكبيرة لم تعد مركز الموضة الأميركية، بعد أن سحبت منها لوس أنجليس السجاد والبريق، وبعد أن توسعت صناعة الموضة الأميركية جغرافياً. فمعامل صناعة الأحذية مثلاً تتمركز في تكساس وويسكونسن، والشمال الغربي من الولايات المتحدة يتخصص في صناعة الجلود كما أصبحت واشنطن مقرراً مهماً لكثير من المصممين، إلى جانب لوس أنجليس، التي لم تعد تقتصر أهميتها على بريق هوليوود. فهي الآن مركز لمصممين معروفين من أمثال الأختين رودارت اللتين تصممان وتنفذان فساتين السهرة فيها إلى جانب آخرين. بالنسبة لكثير من المتابعين فإن مشاكل أسبوع نيويورك ليست وليدة الساعة، ربما تكون بدايتها عندما انتقل من مقره القديم «براينت بارك» وامتدت أيامه لـ9 أيام.
لهذا عندما أعلن المصمم ورئيس منظمة المصممين الأميركيين، توم فورد، في العام الماضي قراره تقليص مدته إلى 5 أيام فقط، استبشر كثير من المتابعين خيراً. فـ9 أيام مدة طويلة كانت تستنزف قواهم ووقتهم، إلى حد أنها أثرت على رغبتهم في حضوره. لم تدم الفرحة طويلاً، حيث وأدها قرار منظمي حفل توزيع جوائز الأوسكار تقديم تاريخه هذا العام، ليتزامن مع الأسبوع ويجعله مجرد خبر جانبي بعد أن كان هو الخبر الرئيسي في هذه الفترة. غني عن القول إن القرار استفز مجموعة لا يستهان بها من المشاركين في الأسبوع. فكل المصممين الكبار مستعدون لصرف مبالغ طائلة على عرض لن يستغرق أكثر من 20 دقيقة على شرط أن يجد له متابعين ومُسوقين لا أن يمر مرور الكرام لا يحضره سوى قلة غير مؤثرة من المتابعين. فكل الأنظار انصبت على أزياء ومجوهرات النجمات. ما زاد الأمر سوءاً أنه بمجرد انتهاء حفل الأوسكار، احتضنت لوس أنجليس معرضها الفني السنوي «فريز»، وهو ما جعل من المنطقي أن تكون الوجهة المفضلة للأغلبية. وكأن هذا كله لا يكفي، جاء قرار توم فورد، رئيس مجلس منظمة المصممين الأميركيين، تقديم عرضه في لوس أنجليس عوض نيويورك، لأنه كما قال سابقاً: «يمكن للموضة أن تكسب كثيراً من قُربها وتقرُبها من هوليوود». وأضاف أن «العلاقة بين الموضة والسينما قوية، وأنا بحكم وظيفتي كرئيس مجلس منظمة المصممين الأميركيين، أرى أن دوري الأساسي وأولويتي أن ألفت أنظار العالم إلى الموضة الأميركية». لكن من الصعب على الكثيرين أن يفهموا وجهة نظره هاته، لأن تفضيله العرض في لوس أنجليس على نيويورك هذا الموسم كان بمثابة الطعنة في الظهر، إذ إن المفترض فيه أن يكون الراعي والداعم الأساسي له.
بيد أن توم فورد لم يكن الغائب الوحيد في الأسبوع، فقد كان غياب رالف لورين أيضاً لافتاً، كذلك المصمم تيلفار كليمنس الذي فضل المشاركة في معرض بيتي أومو بفلورنسا في الشهر الماضي، فيما سيعرض تومي هيلفغر تشكيلته غداً في لندن.
بدوره، ألغى جيريمي سكوت عرضه قبل أسبوعين فقط من تاريخه. كان قراره مفاجئاً لأنه كان قد أرسل بطاقات الدعوة، وأنهى أغلب التفاصيل، برره بأنه يفضل أن يعرض في باريس في شهر يوليو (تموز) المقبل، أسوة بمصمم آخر هاجر إلى باريس في عام 2017 هو جوزيف ألتازورا. ففي عاصمة النور سيحصل على فرصة للوصول إلى شرائح أكبر من الزبائن. ماريا كورنيجو أيضاً ألغت عرضها رغم أنه كان في توقيت جيد في البرنامج الرسمي، بينما قدمت علامة «باجا إيست» عرضها في لوس أنجلوس. الرسالة كانت واضحة، وهي أن الكل يغني على ليلاه، في ظل تشتت فكرة الأسبوع. المدافعون عن توم فورد يقولون إن أزمة الأسبوع بدأت قبل أن يتسلم رئاسة المجلس بسنوات، وبأنها بدأت منذ انتقال مقر الأسبوع من «براينت بارك» إلى مركز لينكولن ثم إلى أماكن أخرى متفرقة، وهي تغييرات زعزعت مكانته وأفقدته بريقه القديم، إلى جانب تراجع المبيعات وعزوف المتسوقين عن المحلات الكبيرة، ما أدى إلى إغلاق بعضها مثل «بارنيز» الأيقونية. إغلاق هذه المحلات أثر على عدة وظائف تم إلغاؤها، مثل وظيفة الشراء، التي لم تعد ضرورية لا سيما بعد ظهور مفهوم «العرض اليوم والبيع غداً». لهذا، فإن رأي المتابعين أن هذه التغييرات والأزمات تتطلب حالياً تدخلات جذرية لاستحداث أفكار جديدة تناسب العصر. فعروض الأزياء بمفهومها التقليدي القديم لم تعد متماشية مع التغيرات التي تشهدها ساحة الموضة، وأولها أنها فقدت نخبويتها بعد أن فتحت أسابيع الموضة العالمية أبوابها للعامة لقاء مبلغ مالي. فهذا أثر على حميميتها وخصوصيتها، وفي المقابل، ظهرت وسائل أخرى للعرض والتسويق تعتمد على التفاعل مع الزبائن بشكل مباشر، وهو ما قد يكون في صالح المصممين الصغار تحديداً.
كل هذا فتح الباب لتساؤلات لم تكن تخطر على البال منذ 10 سنوات عن مدى أهمية أسبوع نيويورك من جهة، وأهمية عروض الأزياء عموماً من جهة ثانية. فالبعض يرى أنها، أي عروض الأزياء، ما هي إلا مجرد إرث من الماضي يثير الحنين أكثر مما يُعبر عن متطلبات العصر الحالي، علماً بأن الأمر لا يقتصر على نيويورك، بل يشمل باقي عواصم العالم. فالمصممون الآن مطالبون بإيجاد لغة جديدة ونسج قصص تشد الانتباه، وهو ما ترجمه البعض من خلال ديكورات تُلهب الخيال لكن تتطلب ميزانيات ضخمة لا يقدر عليها سوى بيوت أزياء كبيرة مثل «شانيل» أو «ديور»، وبالبعض الآخر، وأغلبهم من المصممين الشباب، باللعب على مفهوم الاستدامة وغيرها.
في بريطانيا، حيث سينطلق الأسبوع اللندني غداً، أخذت المصممة فيبي إنغليش المبادرة بإعادة النظر في طريقة عرضها لتصاميمها وكانت النتيجة استغناؤها عنها لثلاثة مواسم الآن. فسرت الأمر بقولها إنها أرادت أن تأخذ فرصة تعيد فيها النظر في طرق الإنتاج القديمة والمتوارثة. وكانت النتيجة أنها بدأت الإنتاج في ورشات ومعامل محلية بإنتاج محسوب حتى لا يكون لديها أي فائض. لم يكن اتخاذ قرار عدم العرض سهلاً في البداية، لأنه محفوف بالمخاطر بالنسبة لمصممة شابة، من المفترض أن ترسخ اسمها بأن تجعله يتردد في مجال سريع الإيقاع ويتمتع بذاكرة ضعيفة، إلا أنها اكتشفت مع الوقت أن قرارها كان صحياً وصحيحاً، لأنه كما توضح «ساعدنا في تقييم الأمور والنظر إليها من زاوية موضوعية».

... والصين تغيب
> المئات من صناع الموضة والمسؤولين عن عمليات الشراء من الصينيين لن يتمكنوا من حضور أسابيع الموضة العالمية هذا الموسم وسط مخاوف من انتشار فيروس «كورونا»، وهو ما يُشكل ضربة بالنسبة للمصممين الذين يُعولون على السوق الصينية. الإيطاليون يتوقعون أن يتغيب نحو ألف صحافي وخبير أزياء، ومتخصصو شراء في المحلات، عن «أسبوع ميلانو».
وأفادت «منظمة الموضة الإيطالية» بأن وباء «كورونا» الذي أودى بآلاف الأرواح لحد الآن، سيتسبب في انخفاض مبيعات الموضة الإيطالية بنسبة 1.8 في المائة في الأشهر الستة الأولى من العالم الحالي.
في المقابل؛ هناك جهود كثيرة يقوم بها الغرب لتفادي الخسائر المرتقبة من جهة، وإظهار تضامنهم مع أصدقائهم الصينيين من جهة ثانية، حيث أعلنوا أنهم سيعملون بكل جُهدهم على بثّ عروضهم على مواقعهم
الإلكترونية بشكل مكثف أكثر من أي وقت مضى حتى يُتيحوا لهم متابعة هذه العروض، وفي
الوقت ذاته أن تتم عمليات البيعوالشراء
عبر الإنترنت. كارولاين راش، رئيسة
«منظمة الموضة البريطانية» أشارت
إلى هذه الجهود بقولها إن المنظمة
ستعمل بجهدها لكي تصل إلى الصين
بشتى الطرق، مضيفة: «نتمنى من
قلوبنا أن يتمكن أصدقاؤنا وشركاؤنا
في الصين من التنقل والترحال وأن
نراهم قريباً في لندن».



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.