أزمة انتخابات غينيا بيساو تقضّ مضجع «سيدياو»... ومهلة لتسويتها

نائب رئيس غامبيا بكى خشية أن يتكرر فيها ما جرى في بلاده

TT

أزمة انتخابات غينيا بيساو تقضّ مضجع «سيدياو»... ومهلة لتسويتها

شكّل الوضع في جمهورية غينيا بيساو، هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا بين كماشتي السنغال وغينيا كوناكري، إزعاجاً دائماً للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيدياو)، كان آخره في اجتماع المجموعة مساء الأحد الماضي ضمن اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي الـ33 بأديس أبابا، والذي بحث الأزمة الانتخابية التي تعرفها البلاد منذ الإعلان عن نتائج الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، التي جرت في 29 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ووصف مصدر أفريقي الاجتماع، الذي ترأسه رئيس المجموعة الدوري، رئيس النيجر محمدو إيسوفو، بأنه كان صاخبا. وقال المصدر ذاته، الذي حضر الاجتماع، لـ«الشرق الأوسط» إن السنغال في شخص رئيسه ماكي سال دعّم الرئيس المنتخب عمر سيسوكو إمبالو، بينما تدعم غينيا كوناكري في شخص الرئيس ألفا كوندي منافسه دومينغوس سيموس بريرا. مضيفا أن الاجتماع دام حتى ساعة متأخرة من ليلة الأحد.
وبينما طعن دومينغوس في نتائج الاقتراع لدى المحكمة العليا في البلاد، واتهم اللجنة المستقلة للانتخابات بالفساد، تحدث الرئيس المنتخب إمبالو دائما عن شرعية نتائج الانتخابات، بل اتهم غينيا كوناكري بالتدخل في الشأن الداخلي لبلده، وأنها تزعزع من خلال ذلك التعايش الهش القائم فيها، نظراً لكونها عرفت حرباً أهلية، والكثير من الانقلابات، ووفاة رئيسين للبلاد قبل اكتمال فترة رئاستيهما.
وقال الرئيس السنغالي في الاجتماع: «لقد تعبنا من غينيا بيساو... ولا ينبغي العودة إلى الوراء».
ويرى الرئيس سال أن رفض النتائج التي تعلنها اللجان المستقلة للانتخابات، واللجوء إلى المحاكم العليا، كلها أمور ستجعل مؤسسات الدول هشة، وسيصبح بإمكان كل واحد لم تعجبه نتائج الاقتراع أن يلجأ إلى المحكمة العليا.
وأدلى نائب رئيس غامبيا أوساينو داربوي بدلوه، وترافع من أجل التهدئة قبل أن يبدأ في البكاء، وهو يقول: «تعيدون في غينيا بيساو نفس المشهد الذي وقع في بلدي غامبيا». بيد أن الرئيس غينيا كوناكري تدخل ليقول إن ما وقع في غينيا بيساو «مغاير لما وقع في غامبيا»، مشيرا إلى أن «المحكمة العليا في غامبيا هي من أعلنت نتائج الانتخابات. أما في غينيا بيساو فليس هي من أعلنتها».
ومثّل غينيا بيساو في القمة الأفريقية الوزير الأول (رئيس الوزراء)، بينما حضر الرئيس المنتخب إلى أديس أبابا، وأقام في فندق «شيراتون»، لكنه لم يشارك في القمة.
ولم يتمكن اجتماع مجموعة «سيدياو» من الوصول إلى حل، إذ اكتفت المجموعة بمنح مهلة للعدالة في غينيا بيساو من أجل تسوية النزاع الانتخابي القائم، وهي مهلة تنتهي منتصف فبراير (شباط) الجاري.
ويأتي تحديد مهلة جديدة، بينما تقدم رئيس الحزب الحاكم، ومرشحه للانتخابات الرئاسية سيموس بريرا بطعن جديد أمام المحكمة العليا في غينيا بيساو للمطالبة بإلغاء انتخابات 29 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
وكانت لجنة الانتخابات المستقلة قد أعلنت فوز مرشح المعارضة إمبالو في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. غير أن مرشح الحزب الحاكم طعن في النتائج، وطلبت «سيدياو» مراجعة المحاضر، فأعلنت اللجنة عقب القيام بذلك فوز إمبالو، ليطعن دومينغوس مجددا.
وعاشت غينيا بيساو خلال السنوات الأخيرة على وقع أزمة سياسية بين الرئيس المنتهية ولايته، جوزي ماريو فاز، والحزب الحاكم، وهو ما جعل الأخير يختار مرشحا غيره للرئاسة، فيما خاض هو السباق الرئاسي مستقلاً، ودعم في الجولة الثانية مرشح المعارضة إمبالو.
يذكر أن رئيس غينيا بيساو المنتخب من مواليد 23 سبتمبر (أيلول) 1972 في بيساو، من أم مالية وأب غيني، وهو حاصل على شهادة في العلاقات الدولية من المعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية في الجامعة التقنية في لشبونة، وعلى شهادة الماجستير في العلوم السياسية من معهد الدراسات الدولية في مدريد، وعلى شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة كومبلوتنس بمدريد. ويتحدث إمبالو الكثير من اللغات، منها الإسبانية والعربية والفرنسية والبرتغالية.
وسبق لإمبالو أن تولى مسؤوليات كثيرة، منها وزير دولة ووزير الشؤون الأفريقية والشرق الأوسط والتعاون، كما عمل مستشارا لغالبية رؤساء البلاد خلال العقدين الماضيين، قبل أن يعين في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 رئيسا للوزراء من قبل الرئيس جوزي ماريو فاز. بيد أن هذا التعيين قوبل بالرفض من قبل الحزب الحاكم في البلاد، حيث اعتبروه مناقضا لمضمون الاتفاق الموقع بوساطة من مجموعة «سيدياو».
في غضون ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن محاولة وساطة من شخصية أفريقية، غير رسمية، جرت الليلة قبل الماضية في أديس أبابا بين رئيس غينيا كوناكري ورئيس غينيا بيساو المنتخب. لكن هذه الشخصية لم تتوصل إلى نتائج إيجابية. وقال مصدر على صلة بالطرفين إن إصلاح ذات البين بين الرئيس كوندي والرئيس المنتخب إمبالو يتطلب مزيداً من الوقت، خاصة أن هذا الأخير سبق له أن قام بحملة إعلامية شرسة ضد شخص الرئيس كوندي، حيث أدلى خمس مرات بتصريحات صحافية، وصف فيها رئيس غينيا كوناكري بأقدح النعوت.



«إيبولا» يتمدّد شرق الكونغو... ومدير «الصحة العالمية» يتفقد بؤرة التفشي

مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)
مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)
TT

«إيبولا» يتمدّد شرق الكونغو... ومدير «الصحة العالمية» يتفقد بؤرة التفشي

مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)
مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)

وصل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، السبت، إلى بونيا، عاصمة مقاطعة إيتوري، بؤرة التفشي المتسارع لوباء «إيبولا» في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقال في حديث لصحافيين: «نحن هنا للتواصل»، مضيفاً أن الزيارة ترمي إلى «فهم كيفية تنفيذ الاستجابة وتحديد الصعوبات المحتملة لكي نتمكّن من تقديم دعمنا»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

ودعا غيبريسوس المجتمعات المحلية إلى الاضطلاع بدور محوري في مواجهة المرض، مؤكّداً: «نعم، المجتمع الدولي يشارك في هذه الجهود تحت قيادة حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، فإن امتلاك المجتمعات المحلية لزمام هذه القضية يظل أمراً حاسماً. نحن هنا لمناقشة ⁠هذا الأمر مع المواطنين... والمساعدة ‌في مواجهة أي تحديات».

أفراد من فريق الصليب الأحمر بأوغندا يرشّون مادة مطهّرة بعد نقل جثة شخص توفي بفيروس «إيبولا» في كمبالا 26 مايو (أ.ف.ب)

وتُعدّ الكونغو الديمقراطية من بين أفقر دول العالم، وقد أعلنت سلطاتها في 15 مايو (أيار) عن تفش جديد لـ«إيبولا» في البلد مترامي الأطراف، الذي يتخطى عدد سكانه المائة مليون نسمة. وأعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة ذات نطاق دولي. وتم رصد فيروس «إيبولا» الذي يسبب حمى نزفية شديدة العدوى، في ثلاث مقاطعات من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكذلك في أوغندا المجاورة، حيث أكّدت السلطات الجمعة تسجيل إصابتين جديدتين، ما يرفع عدد الإصابات المؤكدة في هذا البلد الواقع في شرق أفريقيا إلى تسع حالات.

وفي الكونغو الديمقراطية، سُجّلت 246 وفاة على الأقل من بين أكثر من ألف حالة مشتبه بها، وفق حصيلة أصدرتها الخميس المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، التابعة للاتحاد الأفريقي. وتم رصد الغالبية العظمى من الحالات المؤكدة في مقاطعة إيتوري في الكونغو الديمقراطية، وفق منظمة الصحة العالمية.

ظروف صحية صعبة

تُعاني المناطق الريفية في الكونغو من نقص حاد في الخدمات الحكومية، كما أن وجود جماعات مسلّحة ترتكب مجازر بحق المدنيين يُصعّب الوصول إليها. وتشير منظمة الصحة أيضاً إلى أن استهداف مراكز لعلاج مصابين بـ«إيبولا»، وانعدام ثقة بعض المجتمعات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، «يُشكّلان في الآونة الأخيرة تحديات عملياتية كبرى».

جهود توعوية حول خطورة إيبولا في غوما يوم 29 مايو (أ.ف.ب)

إلى ذلك، تغصّ مخيمات في شرق الكونغو الديمقراطية بملايين النازحين الفارّين من النزاعات. ويُخشى من عواقب كارثية لوصول الفيروس إلى هذه الأماكن شديدة الاكتظاظ وحيث الأوضاع الصحية متردية، لا سيما من حيث النظافة. وترى السلطات الصحية الدولية أن نطاق تفشي الوباء لا يزال غير معروف، وأن الأرقام المعلنة ربما تكون أقل من الواقع، ويرجع ذلك أساساً إلى محدودية قدرة جمهورية الكونغو الديمقراطية على إجراء الفحوص المخبرية لتأكيد الإصابات.

وأعرب آلان غونزاليس، نائب مدير العمليات في منظمة «أطباء بلا حدود»، في بيان، السبت، عن قلقه، إذ شدّد على أن «أي وباء (إيبولا) لم يسجّل يوماً هذا العدد الكبير من الإصابات في الأيام الأولى من إعلانه».

وتابع غونزاليس: «ما زال عدد المنظمات الطبية المختصة المنتشرة على الأرض غير كاف إلى حدّ كبير، كما أن مستوى الدعم المقدّم حالياً، بما في ذلك الدعم الذي نقدّمه، دون الاحتياجات بكثير».

تفاؤل محدود

في المقابل، قال تيدروس، الخميس: «على الرغم من تعقيد الوضع، أعتقد أننا قادرون على احتواء هذا الوباء». وأكدت منظمة الصحة العالمية الجمعة أن مريضاََ في جمهورية الكونغو الديمقراطية قد تعافى وغادر المستشفى وعاد إلى مكان إقامته. ومنذ بداية التفشي الوبائي، تم تأكيد 225 حالة، في حين يقبع حالياً 142 شخصاً في مراكز العلاج، وفق ما أعلن مساء الجمعة وزير الصحة الكونغولي سامويل-روجيه كامبا خلال مؤتمر صحافي في بونيا.

مراسم دفن أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في بونيا بالكونغو 25 مايو (أ.ف.ب)

وكان الوزير شدّد الخميس على ضرورة وضع الأمور في سياقها الصحيح، وعدم المبالغة، وقال: «لسنا في الوضع الذي يتم تصوّره على الصعيد الدولي»، وأضاف: «لا يمكن أن يُقال لنا إن الوباء خرج عن السيطرة».

وحصد وباء «إيبولا» أرواح أكثر من 15 ألف شخص في أفريقيا خلال السنوات الخمسين الماضية. أما التفشي الأشد فتكاً في جمهورية الكونغو الديمقراطية فقد حصد أرواح نحو 2300 شخص من أصل 3500 مصاب بين عامَي 2018 و2020. ولا يوجد لقاح أو علاج لسلالة «بونديبوغيو» من «إيبولا» المنتشرة حالياً في الكونغو الديمقراطية. ومعظم التفشيات الوبائية السابقة كانت ناجمة عن سلالة «زائير»، وهو الفيروس الوحيد الذي أُجيز لقاح مضاد له.

وتوقّع رئيس المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي دي سي أفريقيا)، جان كاسيا، الخميس، أن يكون لقاح ضد هذه السلالة جاهزاً بحلول نهاية العام. وقال لصحافيين عبر الفيديو إن «قادتنا مستعدون للاستثمار. نحن نستثمر على المستوى التقني، وعلى المستوى الاستراتيجي، لضمان توفير اللقاح».

وقالت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إن لجانها الاستشارية أوصت بإجراء تجارب سريرية على لقاحات وعلاجات قد تكون مفيدة ضد سلالة «بونديبوغيو». وتقول المنظمة إن المخاطر الصحية على البلدان المجاورة للكونغو الديمقراطية تعد «مرتفعة»، لكنها ما زالت «منخفضة» على المستوى العالمي.


تفشي «إيبولا» في الكونغو يختبر حدود الاستجابة الدولية

جانب من وصول مدير منظمة الصحة تيدروس غيبريسوس إلى مطار كينشاسا 28 مايو (أ.ف.ب)
جانب من وصول مدير منظمة الصحة تيدروس غيبريسوس إلى مطار كينشاسا 28 مايو (أ.ف.ب)
TT

تفشي «إيبولا» في الكونغو يختبر حدود الاستجابة الدولية

جانب من وصول مدير منظمة الصحة تيدروس غيبريسوس إلى مطار كينشاسا 28 مايو (أ.ف.ب)
جانب من وصول مدير منظمة الصحة تيدروس غيبريسوس إلى مطار كينشاسا 28 مايو (أ.ف.ب)

وصل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إلى كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، لدعم جهود احتواء تفشٍ لنوع نادر من فيروس «إيبولا»، في وقت يواجه فيه العاملون الصحيون نقصاً في المعدات، وانعداماً للثقة بين السكان، وتهديدات أمنية في منطقة مضطربة تنتشر فيها جماعات مسلحة.

وقال تيدروس للصحافيين لدى وصوله إلى المطار، مساء الخميس، إن زيارته تهدف إلى توجيه رسالة واضحة إلى المجتمعات المتضررة بأنها «ليست وحدها». وأضاف: «من السهل أن أصدر التعليمات من مكتبي المريح في جنيف، لكنني أطلب من زملائي أن يعملوا مع المجتمعات المحلية، كما أطلب من هذه المجتمعات أن تحمي نفسها». وتابع، في إشارة إلى التفشي: «يمكن وقف هذا الأمر».

ووصف تيدروس التفشي بأنه «معقّد للغاية»، مشيراً إلى أن احتواءه تُعقّده عوامل عدة؛ من بينها ارتفاع أعداد النازحين بسبب النزاع المسلح، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في المنطقة. وزادت صعوبة السيطرة على التفشي بعدما رجّحت السلطات الصحية أن يكون الفيروس قد انتشر لأسابيع قبل رصده للمرة الأولى في منتصف مايو (أيار).

وكان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر قد قال إن ثلاثة من متطوعيه في إيتوري توفوا بعد الاشتباه في إصابتهم بـ«إيبولا» أثناء عمل صحي غير مرتبط بالاستجابة للوباء في 27 مارس (آذار)، أي قبل أكثر من شهر من أول وفاة مشتبه بها أوردها المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

تفشي يسبق الاستجابة

رغم أن جهود الاستجابة باتت أكثر تنظيماً مع وصول مزيد من المعدات، لا يزال التفشي ينتشر بوتيرة أسرع من القدرة على احتوائه.

وحسب مركز عمليات الطوارئ الصحية العامة في الكونغو، الذي تشارك فيه منظمة الصحة العالمية، سُجلت حتى الثلاثاء 1077 حالة مشتبه بها، و238 وفاة مشتبه بها.

ووصلت، الخميس، مساعدات طبية تبرع بها الاتحاد الأوروبي إلى إقليم إيتوري، بؤرة التفشي في الكونغو، على أن تصل دفعات إضافية خلال الأيام الثمانية المقبلة. وفي اليوم نفسه، أعلنت الولايات المتحدة مساعدات إضافية بقيمة 80 مليون دولار، ليرتفع إجمالي تعهداتها إلى أكثر من 112 مليون دولار.

وزيرة التنمية الدولية البريطانية جيني تشابمان مستقبلة مدير «منظمة الصحة» تيدروس غيبريسوس لدى وصوله إلى مطار كينشاسا 28 مايو (أ.ب)

وقال مراسل «أسوشييتد برس» في بونيا، عاصمة الإقليم، إن الاستجابة شهدت تحسناً منذ وصول المساعدات الجديدة في وقت سابق هذا الأسبوع. وفي مستشفى روامبارا، حيث أُنشئ مركز للعلاج، بدت الاستجابة أكثر تنظيماً مقارنة بالأيام السابقة، مع نشر مزيد من الطواقم، وتعزيز إجراءات الوقاية، وظهور فرق ترتدي معدات واقية في مختلف الأقسام، رغم استمرار وصول المرضى على مدار الساعة.

ولوحظ التحسن نفسه في مستشفى بونيا العام، حيث أسهم وصول مستلزمات طبية جديدة، وطواقم دعم، وتمويل طارئ، في إعادة تنشيط العمل داخل المستشفى.

وكان العاملون الصحيون، في ظل شح الإمدادات، يكافحون لاحتواء تفشي متحوّر «بونديبوغيو»، وهو السلالة المنتشرة من فيروس «إيبولا»، ولا يوجد له علاج أو لقاح معتمدان. وفي بعض المناطق، اضطر أطباء إلى استخدام كمامات طبية منتهية الصلاحية أثناء علاج مرضى يشتبه في إصابتهم. ورصد مسؤولون تعافي مريضين فقط من المرض حتى الآن؛ أحدهما في الكونغو والآخر في أوغندا، في حين لا تزال العلاجات المخصصة له غير متوافرة.

وقال وزير الصحة الكونغولي صامويل روجيه كامبا للصحافيين، مساء الخميس: «نبحث حالياً استخدام مزيد من الأدوية والمركبات التي قد تساعد في إنقاذ عدد أكبر من الأرواح؛ لأن هذا المرض، كما ذكرت، يبدأ بأعراض تشبه أي مرض معدٍ مألوف لدينا: دوار، وصداع، وحمى، وقيء، وإسهال».

استياء شعبي

تفاقمت المخاطر التي يواجهها العاملون الصحيون بسبب غضب السكان من البروتوكولات الطبية الصارمة المتبعة في التعامل مع جثث الضحايا، والتي تتعارض مع طقوس الدفن المحلية. ونفذ سكان ما لا يقل عن ثلاث هجمات على مراكز صحية.

مراسم دفن أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في بونيا بالكونغو 25 مايو (أ.ف.ب)

ويقع إقليم إيتوري في شمال شرق الكونغو، قرب الحدود مع أوغندا، ويعاني منذ سنوات هجمات تشنها «القوات الديمقراطية المتحالفة»، وهي جماعة متمردة مرتبطة بتنظيم «داعش»، إلى جانب تحالف من ميليشيات عرقية، وفق وكالة «أسوشييتد برس». وفي مطلع مايو (أيار)، قتلت الجماعة ما لا يقل عن 40 شخصاً وأحرقت عدداً من المنازل في إيتوري.

كما أُبلغ عن إصابات في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو، جنوب إيتوري، حيث تسيطر حركة «إم 23» المدعومة من رواندا على مدن رئيسية عدة، بينها غوما وبوكافو. وأعلنت الحركة المسلّحة تسجيل حالتين.

حظر السفر

بعد إغلاق أوغندا حدودها مع الكونغو، قال تيدروس إن منظمة الصحة العالمية لا تُشجّع الدول على فرض حظر سفر. وأوضح أن «هناك طرقاً لإدارة حركة العاملين والتعامل مع الحالات من دون اللجوء إلى حظر سفر صارم ومقيّد، ونحن في منظمة الصحة العالمية لا نشجع ذلك».

وكانت إدارة ترمب قد أعلنت الأسبوع الماضي حظراً مؤقتاً على دخول غير حاملي جوازات السفر الأميركية ممن زاروا الكونغو أو أوغندا أو جنوب السودان خلال الأيام الـ21 السابقة. وقالت، الأربعاء، إنها تعتزم نقل الأميركيين الذين تعرضوا لـ«إيبولا» إلى منشأة جديدة في كينيا، بدلاً من إعادتهم جواً إلى الولايات المتحدة.

القضاء الكيني يعرقل خطط واشنطن

في أحدث انعكاسات الجدل حول القيود المرتبطة بالتفشي، علّقت محكمة كينية، الجمعة، افتتاح مركز حجر صحي أنشأته الولايات المتحدة لاستقبال مواطنين أميركيين يُحتمل تعرضهم لـ«إيبولا»، وذلك بعد طعن تقدّم به معهد حقوقي كيني.

أفراد من فريق الصليب الأحمر بأوغندا يرشّون مادة مطهّرة بعد نقل جثة شخص توفي بفيروس «إيبولا» في كمبالا 26 مايو (أ.ف.ب)

وكان من المقرر أن يبدأ المركز عمله، الجمعة، في كينيا، لحجر أميركيين قادمين من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تكافح السلطات تفشياً واسعاً للفيروس.

ودافعت واشنطن عن قرارها المثير للانتقادات بعدم إعادة الأميركيين المصابين بالفيروس إلى أراضيها. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد تعهّد بعدم السماح بدخول أي حالة «إيبولا» إلى الولايات المتحدة.

ووفق مسؤولين أميركيين، كان يفترض أن تضُمّ المنشأة، التي بنتها واشنطن في قاعدة لايكيبيا الجوية على بعد نحو 200 كيلومتر من نيروبي، 50 سريراً للعزل، وأن يتولى إدارتها طاقم طبي أميركي. وأكد مسؤول أميركي، الخميس، إنشاء المركز، في حين لم تردّ الحكومة الكينية مباشرة على أسئلة بشأنه، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال المسؤول إن المنشأة ستُزوّد لاحقاً بطواقم إضافية، إلى جانب «ثلاث وحدات عزل تتسع كل منها لأربعة مرضى»، و«وحدتين للاحتواء البيولوجي تتسع كل منهما لمريضين»، من دون أن يحدد جدولاً زمنياً لذلك. وأضاف أنه في حال ظهرت أعراض على المرضى، أو كانت فحوصهم إيجابية، فسيبقون في هذه الوحدات «إلى حين نقلهم إلى الخارج» لتلقي العلاج في مراكز متخصصة في أوروبا.

وكان «معهد كاتيبا»، وهو منظمة حقوقية كينية، قد طعن أمام القضاء في خطط إنشاء المركز، عادَّاً أن المشروع أُقرّ من جانب واحد وبعيد عن الشفافية. وأصدرت المحكمة، الجمعة، أمراً تحفظياً بوقف الإجراءات، كما حظر الطعن دخول أشخاص تعرضوا لـ«إيبولا» إلى كينيا. وأمهلت المحكمة الحكومة الكينية 48 ساعة للرد على الطعن، وحددت الثاني من يونيو (حزيران) موعداً لجلسة متابعة.

في المقابل، دافع مسؤول أميركي عن المشروع، قائلاً إن الهدف منه اختصار رحلة المرضى، نافياً أن تكون وراءه أي دوافع سياسية. وقال متحدث باسم روبيو إن وزير الخارجية الأميركي أجرى اتصالاً هاتفياً، الخميس، بالرئيس الكيني وليام روتو، وأكّد أن واشنطن تعتزم تقديم 13.5 مليون دولار لدعم استعدادات كينيا لمواجهة «إيبولا». وقال مسؤول أميركي ثانٍ إن السلطات الكينية منحت واشنطن «موافقة مسبقة» على المشروع، وإن محادثات جرت مع روتو بشأن إنشاء المنشأة.

ووقّعت نيروبي وواشنطن في ديسمبر (كانون الأول) اتفاقاً صحياً تقدم الولايات المتحدة بموجبه دعماً مالياً لبرامج عدة، من بينها «الاستجابة لتفشي الأمراض المعدية والاستعداد لها». غير أن هذا الاتفاق يواجه بدوره طعناً أمام القضاء.


انتخابات إثيوبيا... شرعية جديدة منتظرة لآبي أحمد رغم الأزمات

جانب من الحملات الانتخابية لحزب «الازدهار» الحاكم (وكالة الأنباء الإثيوبية)
جانب من الحملات الانتخابية لحزب «الازدهار» الحاكم (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

انتخابات إثيوبيا... شرعية جديدة منتظرة لآبي أحمد رغم الأزمات

جانب من الحملات الانتخابية لحزب «الازدهار» الحاكم (وكالة الأنباء الإثيوبية)
جانب من الحملات الانتخابية لحزب «الازدهار» الحاكم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تترقَّب إثيوبيا الانتخابات السابعة العامة في تاريخ البلاد، في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وسط كتلة تصويتية تتجاوز 50 مليوناً، ومناطق توتر مع الحكومة الفيدرالية في أمهرة وتيغراي، لن تصل لها الصناديق رسمياً؛ بسبب مخاوف أمنية.

وسيسفر ذلك المشهد الانتخابي عن «شرعية جديدة منتظَرة لآبي أحمد في ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، إلا أنَّ الأمر لن يخلو من أزمات سياسية وأمنية في البلاد»، بحسب ما يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدَّث لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، الجمعة، بأنَّه «يُنظَر إلى الانتخابات المقبلة في إثيوبيا على نطاق واسع بوصفها اختباراً مهماً في مسار التحوُّل الديمقراطي المتطوِّر في البلاد».

وبحسب معلومات نشرتها الوكالة، بدأ الخميس الصمت الانتخابي، وتشير الأرقام الرسمية إلى تسجيل أكثر من 50.5 مليون ناخب (من بين 120 مليوناً)، سواء عبر الحضور المباشر أو من خلال التطبيق الرقمي (مرتشاي)، في عملية هي الأكبر من نوعها في تاريخ البلاد، تتزامن مع إطلاق أول نظام رقمي واسع النطاق لتسجيل الناخبين في إثيوبيا.

ويشارك في الانتخابات 47 حزباً سياسياً، بينها حزب «الازدهار» الحاكم، قدَّمت ما مجموعه 10 آلاف و934 مرشحاً، بخلاف قيام 55 منظمة محلية معتمدة من المجلس الوطني للانتخابات بنشر أكثر من 60 ألف مراقب في مختلف الأقاليم، بحسب الوكالة.

وأفادت الوكالة، قبل أيام أيضاً، بأنَّه «لا تزال المخاوف الأمنية والتوترات السياسية والتحديات اللوجستية تؤثر على أجزاء من البلاد».

وسبق أن حقَّق حزب «الازدهار» المؤسَّس حديثاً، والذي ينتمي ‌إليه آبي أحمد، فوزاً ساحقاً ‌في الانتخابات السابقة التي أُجريت ‌في 2021، وحصل على 410 من أصل 484 مقعداً في البرلمان.

وفي ضوء ذلك، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن «نسبة نجاح آبي أحمد وحزبه (الازدهار) كبيرة في الفوز بالانتخابات المقبلة ونيل شرعية جديدة، خصوصاً في ظلِّ إبعاد عدد كبير من الأحزاب المعارضة والتاريخية».

وقال إبراهيم: «على الرغم من التوترات في بعض أجزاء البلاد فإنَّ الحزب يظل هو صاحب أكبر عدد من الأعضاء؛ بسبب سيطرته علي البلاد، وعدم وجود منافسين كبار، والمنافسة فقط في ظلِّ أحزاب صغيرة».

تحديات محتملة

ورغم التقديرات التي تذهب إلى أن آبي أحمد سيفوز بهذا السباق، فإنَّ المستقبل القريب بعد الإعلان المتوقع للنتائج بحلول 11 يونيو المقبل لا يخلو من أزمات، بحسب تقديرات أنور إبراهيم.

وأعلن مجلس الانتخابات الإثيوبي، مؤخراً أنَّ التصويت لن يُقام في إقليم تيغراي و8 دوائر انتخابية على الأقل في إقليم أمهرة؛ بسبب ما وصفه بـ«انعدام الأمن، والظروف غير المواتية» خصوصاً أنَّه قد تمَّ منع جبهة «تحرير شعب تيغراي» من خوض الانتخابات.

وخاضت حكومة آبي أحمد حرباً ضد إقليم تيغراي ‌بين عامَي 2020 و2022 أسفرت عن سقوط مئات الآلاف من ‌القتلى.

ورغم أنَّ آبي أحمد أحكم قبضته على السياسة الإثيوبية منذ تعيينه عام 2018، فإنَّه واجه أيضاً اضطرابات عنيفة على مدى سنوات في عدد من المناطق، من بينها أوروميا، مسقط رأسه وأكبر أقاليم البلاد، وأمهرة، حيث تسيطر ميليشيا تُعرف باسم «فانو» على مساحات واسعة من الريف منذ عام 2023، في حين تتواصل المواجهات مع القوات الحكومية.

وتتهم أحزابُ ⁠المعارضة الحكومةَ الاتحادية باتخاذ إجراءات تهدف إلى تقويضها عن طريق اعتقال قادتها، وفرض عقبات قانونية لتقييد أنشطتها السياسية، بينما رفضت الحكومة الاتحادية هذه الاتهامات، وقالت إن أي إجراء اتخذته ضد أحزاب المعارضة يتسق مع القانون.

ويعتقد المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أنَّ «مثل هذه التحديات ليست بالأمر الجديد، ووصلت في انتخابات عام 2020 إلى أن أجَّلت الحكومة الانتخابات، ومن ثم فازت بها بعد إقصاء كثير من الأحزاب».

وأضاف: «رغم أن هناك غياباً لدوائر كبيرة عن السباق الانتخابي؛ بسبب الأوضاع الأمنية في كل من أمهرة وتيغراي وأوروميا، فإنَّ الحكومة أعلنت مواصلة الانتخابات، وهو ما يوضِّح عزمها كسبها بأي طريقة».

ورأى إبراهيم أن «الانقسامات الداخلية ستُشكِّل عقبةً كبيرةً أمام الحكومة حتى عقب الانتخابات، خصوصاً في ظلِّ المطالب بالجلوس لحوار قبل العملية الانتخابية، وهو ما لم يجد آذاناً مصغية».

ويعتقد المحلل السياسي الإثيوبي أنَّ «التحدي المقبل سيكون أكبر أمام الحكومة لفرض الاستقرار في ظلِّ توترات محتملة، وأزمات سياسية وأمنية لم تنتهِ».