مدينة دمرها «الإخوان» تحلم بغد مشرق

الخرطوم... الواقع والآمال الجسام

قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
TT

مدينة دمرها «الإخوان» تحلم بغد مشرق

قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)

ليست هي الخرطوم التي كتب المؤرخون أن شوارعها تغسل صباح مساء بالماء والصابون، في منتصف ستينات القرن الماضي، حيث لا يجرؤ أحد على دخول مركز المدينة ومؤسساتها وأسواقها وأنديتها، بـ«شبشب» أو «سفنجة». ولا تلك المدينة الناعسة الراقدة في ملتقى النيلين الأزرق والأبيض «المقرن»، ولا المدينة الحالمة الناعمة التي ظلت كذلك حتى أواخر الثمانينات، قبل أن يهجم عليها {مغول العصر} أو {الإخوان المسلمين} الذي يطلق عليهم محلياً «الكيزان»، لتصبح بعدهم مدينة بيوت الأشباح والأوساخ والفوضى، والفساد. تصحو على صفوف الخبز المترامية في نواحيها، وتغفو على صفوف الوقود الممتدة كثعابين تلتف بين شوارعها يمنة ويسرة.
سرق {الكيزان} حتى متاحفها الجميلة التي تروي تاريخها الممتد لآلاف السنين، ودمروا معالمها وأماكن الترفيه، ومقاهيها، سرقوا كل شيء، حتى شجرة صندل، كانت قابعة في مدخل المتحف الكبير، اختفت إلى غير رجعة، وحرمت المدينة من عبيرها.
سكانها اعتادوا على معاونة بعضهم البعض في ساعات العسرة والفرح، في غياب أي صور من خدمات الحكومة التي كانت مكرسة لفئة دون سواها.

مستشفياتها لا تقدم لزوارها حتى أبسط الخدمات. مدارسها، متهالكة، متسخة. ساحاتها تحولت إلى خراب. لم يترك {الكيزان} شيئاً سالماً. يردد أهل المدينة مقولة الأديب الشهير الطيب صالح: «من أين أتى هؤلاء؟».
«الخرطوم الجميلة مثل طفلة كانوا ينيمونها عُنوة ويغلقون عليها الباب، تنام منذ العاشرة، تنام باكية في ثيابها البالية، لا حركة في الطرقات. لا أضواء من نوافذ البيوت. لا فرحٌ في القلوب. لا ضحك في الحناجر. لا ماء، لا خُبز، لا سُكّر، لا بنزين، لا دواء».
«مطار الخرطوم لا يزال يمتلئ بالمغادرين... يريدون الهرب إلى أي مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتّسع لهم».
لكن رغم ذلك كله، فالخرطوم لا تزال تحلم بغد مشرق، تحلم وهي مفتحة العينين... ثورة وغضب أمام صفوف الخبز... وأخرى في صفوف الوقود، ثورة ولعنات في المكاتب، في المدارس، في الشوارع... غضب مكتوم في صدور الشباب الذين يحلمون بغد مشرق.
يتأففون من بطء التغيير. بعضهم بدأ يفقد صبره، وبعضهم يكتم ضيقه، في انتظار فرج قريب، يزيح عن كاهلهم قليلاً من التعب والوهن.

حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، تتحرك ببطء، كما يشكو البعض. يقولون إنها عاجزة عن فعل شيء جديد، وسط ركام الأزمات. لا يزال الحال السيئ كما هو. لكن أنصارها يدافعون بأنها ورثت أزمات ثقيلة، يصعب حلها في وقت وجيز، ولم تمنح الوقت الكافي ليحكم لها أو عليها.
يقول كمال عبد الماجد، موظف بإحدى الهيئات الحكومية: «لم يتغير شيء منذ أن أطحنا النظام السابق. الكيزان (الإخوان) لا يزالون يحكموننا ويدمرون مستقبلنا، ويتسببون في الأزمات ويخلقونها. الوضع يتدهور بوتيرة متسارعة، وحكومة حمدوك تتفرج مثلنا ولا تحرك ساكناً... إذا استمر الوضع بهذه الطريقة حتماً سنحتاج لموجة ثانية من الثورة».
تناصره زميلته عائشة عمر، وتضيف: «الشباب عادوا بالفعل إلى الثورة؛ يحرقون الإطارات في بعض شوارع الأحياء النائية، غضباً من بطء التغيير... نتمنى أن يتدارك حمدوك الوضع قبل فوات الأوان».
يختفي رجال الشرطة، بشكل ملحوظ، في شوارع المدينة. تسير لساعات ولا ترى أياً منهم. تتكدس السيارات في صفوف طويلة في قلب العاصمة، وسط اللعنات والشتائم، ولا تجد من ينظم الحركة.
يقول عبد الماجد: «رجال الشرطة غاضبون، بعد أن صب عليهم المحتجون أيام الثورة اللعنات... بسبب قمعهم للثوار»، لكن عائشة ترى أن {جميع قيادات الشرطة في العاصمة والولايات هم من أنصار النظام السابق. ولم يتم تغييرهم. وهم الآن يساعدون في خلق الأزمات بغيابهم}.
أحياناً تحتاج أكثر من ساعة لكي تعبر من منطقة لأخرى، لا تبعد سوى مئات الأمتار. زحمة المرور تكاد تخنق الخرطوم وتحيلها إلى مدينة مكدسة بالسيارات.
كل شيء يتبدل... الناس، الضجيج، الحيرة، الحسرة، الخوف على المستقبل. الكل يحس بإحباط عميق لكنه متمسك بحلمه في غد مشرق. البعض ذهب ليضع سيناريوهات الفوضى والرعب. سليم إبراهيم وهو معلم في مدرسة ثانوية، قال إن «تأخر الإصلاحات يدفع الناس دفعاً للاحتجاجات. وشهدنا ثورات في بعض المدن».
في عطبرة (شمال) التي انطلقت منها شرارة الثورة، خرج محتجون إلى الشوارع مطالبين بتغيير الحاكم العسكري بمدني. ومثلها كوستي (جنوب)، ردد المتظاهرون الشعارات نفسها، وتصدت لهم الشرطة وفرقتهم بعنف وأصيب العشرات.
يقول إبراهيم: «نطالب بالإسراع في الإصلاحات، وتصفية مركز قوى النظام المعزول ومؤيديه، نطالب بتثبيت الأسعار وتوفير الوقود والمواصلات، ومعالجة النفايات الملقاة في الشوارع». ويضيف: «كثير من المطالب التي قامت من أجلها الثورة لا تزال باقية».

تتجمع النفايات في شوارع الخرطوم، بعد فقدان آلية جمعها. ما حوّل العاصمة إلى مكب كبير. ويجتهد عناصر «لجان المقاومة» التي قادت الثورة، في تنظيفها وإعادة تدويرها، ولكن رغم كل ذلك لا تزال النفايات تزاحم الناس في الطرقات. مبارك الفاضل المهدي، الذي التقته «الشرق الأوسط» قبل أيام، يقول إن الوضع الآن مرشح للتغيير. «لا بد أن تقوم سلطة جديدة»، وأضاف: «اتضح أن هذه المجموعة الحاكمة ليست لديها القدرة على الحكم، ليس لديها برنامج اقتصادي أو خطة للسلام، ولا حتى رؤية واضحة لحل أزمات السودان... فهي حتماً ستفشل، الوضع المعيشي لا يحتمل أي تأخير». ويتابع المهدي: «المطلوب الآن هو قيام مؤتمر للسلام هدفه توسيع قاعدة المشاركة، لكل القوى السياسية التي شاركت في الثورة، ويخرج بميثاق تعاد بموجبه تشكيل السلطة».
أما القيادي الشاب في «الحرية والتغيير»، عمرو شعبان، فهو يرى أن {الخرطوم تمر بعاصفة تحولات كبيرة، تنطلق ببطء وثقة، لتهيئ نفسها للتحول لمدينة عصرية، مستفيدة مما حباها الله به من جمال طبيعة وسكان}.
ويشير شعبان باعتباره أحد سكان الخرطوم «الأصلاء»، إلى أن مدينته أصبحت قرية كبيرة بسبب اضطرار سكان البلاد للنزوح إليها هرباً من واقع مرير نتج عن سياسات نظام الرئيس المعزول عمر البشير، الذي {أفقر الريف وشرد سكانه}. ويتابع: «استوعبت الخرطوم الوافدين إليها، ووظفت القيم القادمة إليها بما يخدم القيم الإنسانية، ومزجت بين قيم مجتمعات الريف في الكرم والصدق والأمانة بقيم المدينة، فأنتجت مزيجاً رائعاً هم الشباب الذين قادوا الثورة».
على رغم ذلك كله، فإن الخرطوم لا تزال تحلم بغد أفضل، يحمل سنابل الفرح لتدخل كل بيت، رغم الدمار الذي خلفه {مغول العصر}الذين حلوا في المدينة في 30 يونيو (حزيران) 1989، ليبشروا الناس بحلم كاذب، بينما كانوا يدسون بين طياتهم معاول هدم وتدمير.
ولا تذكر مدينة دمرها أهلها، كما حدث للخرطوم.

لا يزال كثير من السودانيين يذكرون عهوداً عسكرية سابقة، رغم ما قامت به من قمع وجبروت، يتندمون على زوالها، منذ الفريق إبراهيم عبود 1958 - 1964 الذي عرف بنزاهته ونظافة يده... يذكرون المشاريع التي أنشأها، يذكرون كيف كانت الخرطوم في عهده مدينة أوروبية مخملية، يذكرون شخصيته المحببة ورحلاته الخارجية عندما استقبلته ملكة بريطانيا، في قصرها، ورؤساء أميركا وأوروبا، بالترحاب والحفاوة البالغة، ولا يزالون يتبادلون الفيديوهات التي تؤرخ لتاريخه.
يذكرون النميري، الذي عاش بعد خروجه من الحكم في منزل متواضع في أحد أحياء أم درمان، وسط البسطاء من شعبه، يذكرون رجل التضامن العربي الذي أنقذ ياسر عرفات المحاصر في الأردن، ليعيده إلى القاهرة بعد «أيلول الأسود». يذكرون كيف أنه كان صلة الوصل بين العرب عندما انقسموا بعد اتفاق «كامب ديفيد». لم يغتن ولم يتكبر على شعبه. أما البشير فلا أحد يذكره بخير، أو يتمنى عودته.
يقول شعبان: «لن نذكره إلا بأنه قسّم البلاد، وأساء إلى العباد بعد اتهامه بجرائم الحرب والإبادة الجماعية في دارفور... الآن الخرطوم تقبل أن تجوع وتعرى وتدمر وتنشق بها الأرض، ولا ترى البشير يعود مرة أخرى».



مصر تتمسك بـ«وحدة المصير العربي» لمواجهة أزمات المنطقة

لقاء سابق لوزير الخارجية المصري مع نظيره الكويتي بالقاهرة في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
لقاء سابق لوزير الخارجية المصري مع نظيره الكويتي بالقاهرة في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تتمسك بـ«وحدة المصير العربي» لمواجهة أزمات المنطقة

لقاء سابق لوزير الخارجية المصري مع نظيره الكويتي بالقاهرة في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
لقاء سابق لوزير الخارجية المصري مع نظيره الكويتي بالقاهرة في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)

أكدت مصر تمسكها بـ«وحدة المصير العربي» في مواجهة أزمات المنطقة، وذلك إثر تجدد الاعتداءات الإيرانية على الكويت والبحرين والأردن وقطر خلال الأيام الماضية.

وبحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في اتصالات هاتفية مع وزراء خارجية الكويت والبحرين والأردن وقطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في أعقاب التصعيد الإيراني، وفقاً لبيانات صادرة عن «الخارجية المصرية»، الجمعة.

وتواصلت، الخميس، الهجمات الإيرانية على دول الخليج لليوم الثاني على التوالي، في تصعيد عسكري جديد استهدف الكويت وقطر والبحرين بالصواريخ البالستية، والطائرات المسيّرة، وسط استنفار أمني وعسكري واسع.

كما أعلنت القوات المسلحة الأردنية، الخميس، اعتراض وإسقاط 8 صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي الأردنية، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الأردنية (بترا)».

وحسب بيان «الخارجية المصرية» بحث عبد العاطي مع كل من نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين بالمملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي، ووزير خارجية دولة الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، ووزير خارجية مملكة البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني تداعيات الاعتداءات الإيرانية الأخيرة.

وأكد عبد العاطي «تضامن مصر الكامل مع الدول العربية الشقيقة، ورفضها القاطع لأي اعتداء يمس أمنها وسيادتها، أو يُهدد سلامة شعوبها واستقرارها»، مشدداً على «وقوف مصر إلى جانبها ودعمها الكامل لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها».

وشدد على «الروابط الأخوية الوثيقة ووحدة المصير العربي»، لافتاً إلى أن «أمن الدول العربية يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

كما أجرى وزير الخارجية المصري اتصالاً مع رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية دولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناول مجريات وتطورات التصعيد الأخير في المنطقة، وشدد الوزيران على أهمية «احتواء التوترات والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع».

وحث الوزيران جميع الأطراف «على تغليب لغة الدبلوماسية والحوار، والعودة إلى مائدة المفاوضات للعمل على تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين الأميركي والإيراني، تمهيداً للوصول إلى اتفاق نهائي، وبما يُسهم في خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين»، وفق بيان «الخارجية المصرية».

وأعلنت البحرين والكويت، الخميس، نجاح دفاعاتهما الجوية في اعتراض وتدمير الأهداف المعادية، فيما رفعت قطر مستوى التهديد الأمني، ودعت السكان إلى البقاء في منازلهم، في وقت أكدت الجهات الرسمية استمرار الجاهزية للتعامل مع أي تطورات، مع تسجيل أضرار مادية، وإصابة شخص في الكويت جرّاء سقوط شظايا ناتجة عن عمليات الاعتراض.


الحوثيون يخضِعون إعلاميّي إب وذمار لدورات تعبوية

الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)
الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يخضِعون إعلاميّي إب وذمار لدورات تعبوية

الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)
الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من إجراءاتها الرامية إلى إحكام السيطرة على الخطاب الإعلامي في مناطق نفوذها، بإخضاع أكثر من 250 صحافياً وناشطاً إعلامياً في محافظتي إب وذمار لدورات ذات طابع تعبوي وآيديولوجي، تحت شعار رفع «الجاهزية الإعلامية» والاستعداد لما تصفه بـ«المرحلة المقبلة»، وفق ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار القيود المفروضة على العمل الصحافي في مناطق سيطرة الجماعة، وسط مخاوف من توظيف هذه الدورات لإحكام السيطرة على المحتوى الإعلامي وتوجيهه بما يتوافق مع خطاب الجماعة السياسي والعسكري، في وقت يشكو فيه الصحافيون والإعلاميون من تضييق متواصل على حرية العمل وازدياد الضغوط المفروضة عليهم.

وحسب المصادر، أجبرت الجماعة، عبر ما يسمى «قطاع التعبئة»، أكثر من 150 عاملاً في المجال الإعلامي بمحافظة إب، ونحو 100 آخرين في محافظة ذمار، على الالتحاق بهذه الدورات.

حشد من أتباع الحوثيين في صنعاء ضمن أعمال التصعيد والتعبئة (إ.ب.أ)

وشملت قائمة المستهدفين موظفين في مكاتب الإعلام، ومندوبين لوسائل إعلام رسمية خاضعة لسيطرة الجماعة، إضافة إلى ناشطين على منصات التواصل الاجتماعي وعناصر مرتبطة بما يسمى قطاع التعبئة في المحافظتين.

وتضمنت البرامج محاضرات ذات مضامين تعبوية وآيديولوجية، ركزت على توحيد الخطاب الإعلامي وتعزيز التعبئة السياسية، بالتزامن مع التوترات العسكرية والسياسية والقبلية التي تشهدها البلاد.

ضغوط وتهديدات

أكَّد عدد من الصحافيين والإعلاميين الذين شاركوا في هذه الدورات لـ«الشرق الأوسط» أنهم حضروا على مضض، بعد تعرضهم لضغوط مباشرة من قيادات حوثية، أبرزهم مسؤول التعبئة في إب عبد الفتاح غلاب، ومسؤول التعبئة في ذمار أحمد الضوراني، اللذان هدَّدا المتخلفين عن الحضور بالمساءلة أو الاعتقال أو الحرمان من فرص العمل.

وأوضح مشاركون أن محتوى الدورات انصبّ على توجيهات تتعلق بطبيعة التغطية الإعلامية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة، مع التشديد على تبني خطاب يتماهى مع توجهات الجماعة، مؤكدين أن كثيراً من الحاضرين لم يشاركوا بإرادتهم، وإنما استجابة للضغوط التي مارستها الجهات المشرفة على المؤسسات الإعلامية والتعبوية.

كلية الإعلام في جامعة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين (فيسبوك)

وقال صحافي من محافظة إب، طلب عدم نشر اسمه لدواعٍ أمنية، إن المشاركين تلقوا تعليمات واضحة بضرورة الحضور، مع تحذيرهم من أن الغياب قد يؤدي إلى استبعادهم من أي أعمال إعلامية مستقبلية أو تعرضهم للمساءلة.

وأضاف أن بيئة العمل الإعلامي في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت أكثر تعقيداً، في ظل القيود المفروضة على الصحافيين؛ الأمر الذي يدفع كثيرين إلى حضور مثل هذه الأنشطة خشية اتخاذ إجراءات قد تؤثر على مصدر رزقهم أو حريتهم.

وفي السياق نفسه، أفاد ناشط إعلامي من محافظة ذمار بأن الجانب الأكبر من البرنامج التدريبي انصرف إلى التعبئة الفكرية والتوجيه الإعلامي، مع التركيز على الخطاب الذي ينبغي الالتزام به خلال الفترة المقبلة، بعيداً عن أي مضامين مهنية أو تدريبية متخصصة.

تشديد القبضة الإعلامية

يرى مراقبون أن تكثيف الجماعة الحوثية للدورات التعبوية الموجهة إلى الإعلاميين والنشطاء، إلى جانب قطاعات أخرى، يعكس توجهاً متزايداً لإحكام السيطرة على الخطاب الإعلامي في المناطق الخاضعة لها، بالتزامن مع استعداداتها لتطورات سياسية وعسكرية تعلن عنها تحت مسمى «المرحلة المقبلة».

مسلحون حوثيون خلال حشد دعا إليه زعيمهم في صنعاء (أ.ف.ب)

ويشير هؤلاء إلى أن هذه الأنشطة تأتي في وقت يواجه فيه الصحافيون والإعلاميون قيوداً متزايدة على ممارسة عملهم؛ وهو ما ينعكس سلباً على استقلالية الأداء الإعلامي ويضيّق مساحة التغطية المهنية، في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والإدارية المفروضة على العاملين في هذا القطاع.

وحسب المصادر، فإن هذه الدورات ليست معزولة عن سياق أوسع من الأنشطة التعبوية التي تنفذها الجماعة في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وتشمل العاملين في قطاعات حكومية ومدنية وتعليمية وإعلامية، ضمن حملة تعبئة واسعة تستهدف مختلف الشرائح استعداداً للتطورات المقبلة.


عبد الله العليمي يحشد في لندن دعماً للحكومة اليمنية ويعزز حضورها الدولي

جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)
جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)
TT

عبد الله العليمي يحشد في لندن دعماً للحكومة اليمنية ويعزز حضورها الدولي

جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)
جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)

استهل الدكتور عبد الله العليمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، زيارة إلى العاصمة البريطانية لندن بالمشاركة في أعمال مؤتمر لندن 2026 الذي ينظمه المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، في تحرك سياسي يهدف إلى تعزيز الحضور اليمني في المحافل الدولية، وحشد مزيد من الدعم السياسي للشرعية، وسط متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وتصاعد المخاوف من استمرار التدخلات الإيرانية في اليمن والمنطقة.

وشارك العليمي في افتتاح وأعمال المؤتمر بدعوة من «تشاتام هاوس»، الذي يعد إحدى أبرز المنصات الدولية لمناقشة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، بحضور نخبة من كبار المسؤولين وصناع القرار والقيادات السياسية والاقتصادية والفكرية من أكثر من 70 دولة، وبمشاركة ما يزيد على 800 شخصية دولية.

وشهد المؤتمر كلمات رئيسية لنائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي، والمدعي العام لإنجلترا وويلز اللورد ريتشارد هيرمر، كما حضره عدد من الشخصيات البريطانية البارزة، بينهم رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، ووزيرة الداخلية إيفيت كوبر، إلى جانب مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين وقادة مؤسسات دولية وخبراء في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن.

جانب من جلسات مؤتمر لندن 2026 بتنظيم من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

وحسب مصادر رسمية، شارك العليمي في جلسات حوارية ولقاءات جانبية تناولت التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الراهنة، ومستقبل النظام الدولي، وسبل تعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، كما عقد لقاءات مع مسؤولين وشخصيات سياسية ودبلوماسية دولية، جرى خلالها استعراض تطورات الأوضاع في اليمن والمنطقة، وأهمية استمرار الدعم الدولي لتحقيق الأمن والاستقرار والتعافي.

وأوضحت المصادر أن زيارة عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى لندن لا تقتصر على المشاركة في المؤتمر، بل تشمل أيضاً سلسلة لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين البريطانيين، وأعضاء في البرلمان، وشخصيات مؤثرة في مراكز الفكر والدوائر السياسية البريطانية، في سياق السعي لتعزيز المواقف الدولية الداعمة للشرعية اليمنية، وتوسيع التواصل مع دوائر صنع القرار بشأن مستجدات الأزمة اليمنية وتحدياتها.

تحذير من استغلال الهدن

على هامش المؤتمر، التقى العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هاميش فالكونر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية بين البلدين، وآفاق تطوير التعاون، إلى جانب تطورات المشهد السياسي والأمني في اليمن، والتحديات الاقتصادية والإنسانية، وجهود مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في دعم الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

واستعرض المسؤول اليمني الرفيع ما وصفها بجهود الحكومة المستمرة للوصول إلى سلام عادل ومستدام، مشيراً إلى انخراطها في مختلف جولات التفاوض والمسارات السياسية منذ عام 2015، مقابل استمرار الحوثيين في رفض المبادرات السياسية، واستغلال فترات التهدئة لإعادة التسلح وتطوير قدراتهم العسكرية، والتصعيد الميداني.

العليمي باوزير مجتمعاً في لندن مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وأكد العليمي أن التجارب السابقة أظهرت، حسب تعبيره، أن النظام الإيراني لا يتعامل مع الهدن باعتبارها طريقاً نحو سلام دائم، وإنما يوظفها لتعزيز قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة به في المنطقة، مستشهداً بتسيير رحلة جوية مباشرة إلى مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين.

ووصف هذه الخطوة بأنها تمثل انتهاكاً لسيادة الجمهورية اليمنية، ودليلاً جديداً على ارتباط الحوثيين بالمشروع الإيراني، واستخدام مؤسسات الدولة والمنافذ الخاضعة لسيطرتهم لخدمة أجندات خارجية، بما يقوض سيادة اليمن وأمنه واستقراره.

وأضاف أن تداعيات هذه التطورات لا تقتصر على الداخل اليمني، بل تمتد إلى الأمن الإقليمي والدولي، وتضعف الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر فاعلية تقوم على الردع والمساءلة، وضمان عدم استغلال أي تفاهمات سياسية أو هدن لإعادة بناء القدرات العسكرية للجماعات المسلحة.

إشادة بالشراكة البريطانية

أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمستوى الشراكة بين اليمن والمملكة المتحدة، مثمناً الدعم البريطاني السياسي والاقتصادي والإنساني للحكومة اليمنية، ومساندة جهودها في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها.

كما أشاد ببرنامج الدعم الفني والمالي البريطاني لليمن وما يقدمه من إسناد لأولويات الحكومة وبرامج الإصلاح المؤسسي، إضافة إلى مساهمة لندن في دعم الأمن البحري وتعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية، في ظل التحديات الأمنية التي يشهدها البحر الأحمر وخليج عدن.

العليمي باوزير خلال افتتاح مؤتمر لندن الدولي (سبأ)

وفي السياق ذاته، ثمن العليمي الدور السعودي في دعم اليمن، مشيداً بجهود الرياض في مساندة الحكومة اليمنية، ودعم مسار السلام، والإسهام في تخفيف المعاناة الإنسانية، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة، معرباً عن تقديره لمواقف الشركاء الإقليميين والدوليين الداعمة للشرعية اليمنية.

ونقل الإعلام الرسمي أن وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هاميش فالكونر، أكد استمرار التزام بلاده بدعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومساندتهما في تنفيذ الإصلاحات، والعمل من أجل مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لليمن.

وأشار الوزير البريطاني، حسب المصادر نفسها، إلى حرص المملكة المتحدة على تعزيز الشراكة الثنائية مع اليمن في مختلف المجالات، بما يسهم في دعم جهود التعافي الاقتصادي، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وصولاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار.