مدينة دمرها «الإخوان» تحلم بغد مشرق

الخرطوم... الواقع والآمال الجسام

قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
TT

مدينة دمرها «الإخوان» تحلم بغد مشرق

قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)
قمامة محترقة في أحد شوارع الخرطوم (تصوير: عباس عزت)

ليست هي الخرطوم التي كتب المؤرخون أن شوارعها تغسل صباح مساء بالماء والصابون، في منتصف ستينات القرن الماضي، حيث لا يجرؤ أحد على دخول مركز المدينة ومؤسساتها وأسواقها وأنديتها، بـ«شبشب» أو «سفنجة». ولا تلك المدينة الناعسة الراقدة في ملتقى النيلين الأزرق والأبيض «المقرن»، ولا المدينة الحالمة الناعمة التي ظلت كذلك حتى أواخر الثمانينات، قبل أن يهجم عليها {مغول العصر} أو {الإخوان المسلمين} الذي يطلق عليهم محلياً «الكيزان»، لتصبح بعدهم مدينة بيوت الأشباح والأوساخ والفوضى، والفساد. تصحو على صفوف الخبز المترامية في نواحيها، وتغفو على صفوف الوقود الممتدة كثعابين تلتف بين شوارعها يمنة ويسرة.
سرق {الكيزان} حتى متاحفها الجميلة التي تروي تاريخها الممتد لآلاف السنين، ودمروا معالمها وأماكن الترفيه، ومقاهيها، سرقوا كل شيء، حتى شجرة صندل، كانت قابعة في مدخل المتحف الكبير، اختفت إلى غير رجعة، وحرمت المدينة من عبيرها.
سكانها اعتادوا على معاونة بعضهم البعض في ساعات العسرة والفرح، في غياب أي صور من خدمات الحكومة التي كانت مكرسة لفئة دون سواها.

مستشفياتها لا تقدم لزوارها حتى أبسط الخدمات. مدارسها، متهالكة، متسخة. ساحاتها تحولت إلى خراب. لم يترك {الكيزان} شيئاً سالماً. يردد أهل المدينة مقولة الأديب الشهير الطيب صالح: «من أين أتى هؤلاء؟».
«الخرطوم الجميلة مثل طفلة كانوا ينيمونها عُنوة ويغلقون عليها الباب، تنام منذ العاشرة، تنام باكية في ثيابها البالية، لا حركة في الطرقات. لا أضواء من نوافذ البيوت. لا فرحٌ في القلوب. لا ضحك في الحناجر. لا ماء، لا خُبز، لا سُكّر، لا بنزين، لا دواء».
«مطار الخرطوم لا يزال يمتلئ بالمغادرين... يريدون الهرب إلى أي مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتّسع لهم».
لكن رغم ذلك كله، فالخرطوم لا تزال تحلم بغد مشرق، تحلم وهي مفتحة العينين... ثورة وغضب أمام صفوف الخبز... وأخرى في صفوف الوقود، ثورة ولعنات في المكاتب، في المدارس، في الشوارع... غضب مكتوم في صدور الشباب الذين يحلمون بغد مشرق.
يتأففون من بطء التغيير. بعضهم بدأ يفقد صبره، وبعضهم يكتم ضيقه، في انتظار فرج قريب، يزيح عن كاهلهم قليلاً من التعب والوهن.

حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، تتحرك ببطء، كما يشكو البعض. يقولون إنها عاجزة عن فعل شيء جديد، وسط ركام الأزمات. لا يزال الحال السيئ كما هو. لكن أنصارها يدافعون بأنها ورثت أزمات ثقيلة، يصعب حلها في وقت وجيز، ولم تمنح الوقت الكافي ليحكم لها أو عليها.
يقول كمال عبد الماجد، موظف بإحدى الهيئات الحكومية: «لم يتغير شيء منذ أن أطحنا النظام السابق. الكيزان (الإخوان) لا يزالون يحكموننا ويدمرون مستقبلنا، ويتسببون في الأزمات ويخلقونها. الوضع يتدهور بوتيرة متسارعة، وحكومة حمدوك تتفرج مثلنا ولا تحرك ساكناً... إذا استمر الوضع بهذه الطريقة حتماً سنحتاج لموجة ثانية من الثورة».
تناصره زميلته عائشة عمر، وتضيف: «الشباب عادوا بالفعل إلى الثورة؛ يحرقون الإطارات في بعض شوارع الأحياء النائية، غضباً من بطء التغيير... نتمنى أن يتدارك حمدوك الوضع قبل فوات الأوان».
يختفي رجال الشرطة، بشكل ملحوظ، في شوارع المدينة. تسير لساعات ولا ترى أياً منهم. تتكدس السيارات في صفوف طويلة في قلب العاصمة، وسط اللعنات والشتائم، ولا تجد من ينظم الحركة.
يقول عبد الماجد: «رجال الشرطة غاضبون، بعد أن صب عليهم المحتجون أيام الثورة اللعنات... بسبب قمعهم للثوار»، لكن عائشة ترى أن {جميع قيادات الشرطة في العاصمة والولايات هم من أنصار النظام السابق. ولم يتم تغييرهم. وهم الآن يساعدون في خلق الأزمات بغيابهم}.
أحياناً تحتاج أكثر من ساعة لكي تعبر من منطقة لأخرى، لا تبعد سوى مئات الأمتار. زحمة المرور تكاد تخنق الخرطوم وتحيلها إلى مدينة مكدسة بالسيارات.
كل شيء يتبدل... الناس، الضجيج، الحيرة، الحسرة، الخوف على المستقبل. الكل يحس بإحباط عميق لكنه متمسك بحلمه في غد مشرق. البعض ذهب ليضع سيناريوهات الفوضى والرعب. سليم إبراهيم وهو معلم في مدرسة ثانوية، قال إن «تأخر الإصلاحات يدفع الناس دفعاً للاحتجاجات. وشهدنا ثورات في بعض المدن».
في عطبرة (شمال) التي انطلقت منها شرارة الثورة، خرج محتجون إلى الشوارع مطالبين بتغيير الحاكم العسكري بمدني. ومثلها كوستي (جنوب)، ردد المتظاهرون الشعارات نفسها، وتصدت لهم الشرطة وفرقتهم بعنف وأصيب العشرات.
يقول إبراهيم: «نطالب بالإسراع في الإصلاحات، وتصفية مركز قوى النظام المعزول ومؤيديه، نطالب بتثبيت الأسعار وتوفير الوقود والمواصلات، ومعالجة النفايات الملقاة في الشوارع». ويضيف: «كثير من المطالب التي قامت من أجلها الثورة لا تزال باقية».

تتجمع النفايات في شوارع الخرطوم، بعد فقدان آلية جمعها. ما حوّل العاصمة إلى مكب كبير. ويجتهد عناصر «لجان المقاومة» التي قادت الثورة، في تنظيفها وإعادة تدويرها، ولكن رغم كل ذلك لا تزال النفايات تزاحم الناس في الطرقات. مبارك الفاضل المهدي، الذي التقته «الشرق الأوسط» قبل أيام، يقول إن الوضع الآن مرشح للتغيير. «لا بد أن تقوم سلطة جديدة»، وأضاف: «اتضح أن هذه المجموعة الحاكمة ليست لديها القدرة على الحكم، ليس لديها برنامج اقتصادي أو خطة للسلام، ولا حتى رؤية واضحة لحل أزمات السودان... فهي حتماً ستفشل، الوضع المعيشي لا يحتمل أي تأخير». ويتابع المهدي: «المطلوب الآن هو قيام مؤتمر للسلام هدفه توسيع قاعدة المشاركة، لكل القوى السياسية التي شاركت في الثورة، ويخرج بميثاق تعاد بموجبه تشكيل السلطة».
أما القيادي الشاب في «الحرية والتغيير»، عمرو شعبان، فهو يرى أن {الخرطوم تمر بعاصفة تحولات كبيرة، تنطلق ببطء وثقة، لتهيئ نفسها للتحول لمدينة عصرية، مستفيدة مما حباها الله به من جمال طبيعة وسكان}.
ويشير شعبان باعتباره أحد سكان الخرطوم «الأصلاء»، إلى أن مدينته أصبحت قرية كبيرة بسبب اضطرار سكان البلاد للنزوح إليها هرباً من واقع مرير نتج عن سياسات نظام الرئيس المعزول عمر البشير، الذي {أفقر الريف وشرد سكانه}. ويتابع: «استوعبت الخرطوم الوافدين إليها، ووظفت القيم القادمة إليها بما يخدم القيم الإنسانية، ومزجت بين قيم مجتمعات الريف في الكرم والصدق والأمانة بقيم المدينة، فأنتجت مزيجاً رائعاً هم الشباب الذين قادوا الثورة».
على رغم ذلك كله، فإن الخرطوم لا تزال تحلم بغد أفضل، يحمل سنابل الفرح لتدخل كل بيت، رغم الدمار الذي خلفه {مغول العصر}الذين حلوا في المدينة في 30 يونيو (حزيران) 1989، ليبشروا الناس بحلم كاذب، بينما كانوا يدسون بين طياتهم معاول هدم وتدمير.
ولا تذكر مدينة دمرها أهلها، كما حدث للخرطوم.

لا يزال كثير من السودانيين يذكرون عهوداً عسكرية سابقة، رغم ما قامت به من قمع وجبروت، يتندمون على زوالها، منذ الفريق إبراهيم عبود 1958 - 1964 الذي عرف بنزاهته ونظافة يده... يذكرون المشاريع التي أنشأها، يذكرون كيف كانت الخرطوم في عهده مدينة أوروبية مخملية، يذكرون شخصيته المحببة ورحلاته الخارجية عندما استقبلته ملكة بريطانيا، في قصرها، ورؤساء أميركا وأوروبا، بالترحاب والحفاوة البالغة، ولا يزالون يتبادلون الفيديوهات التي تؤرخ لتاريخه.
يذكرون النميري، الذي عاش بعد خروجه من الحكم في منزل متواضع في أحد أحياء أم درمان، وسط البسطاء من شعبه، يذكرون رجل التضامن العربي الذي أنقذ ياسر عرفات المحاصر في الأردن، ليعيده إلى القاهرة بعد «أيلول الأسود». يذكرون كيف أنه كان صلة الوصل بين العرب عندما انقسموا بعد اتفاق «كامب ديفيد». لم يغتن ولم يتكبر على شعبه. أما البشير فلا أحد يذكره بخير، أو يتمنى عودته.
يقول شعبان: «لن نذكره إلا بأنه قسّم البلاد، وأساء إلى العباد بعد اتهامه بجرائم الحرب والإبادة الجماعية في دارفور... الآن الخرطوم تقبل أن تجوع وتعرى وتدمر وتنشق بها الأرض، ولا ترى البشير يعود مرة أخرى».



ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.


أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.