أذن مضادة لتنثير الشعر

لم تعد قصيدة النثر العربية معنية بالبحث عن شرعيتها وتقصي أصولها في الموروث الأدبي

ناقد سعودي
ناقد سعودي
TT

أذن مضادة لتنثير الشعر

ناقد سعودي
ناقد سعودي

ناضلت قصيدة النثر العربية لتحرير الشعر من فكرة كونه الكلام الموزون المقفى، وهي معركة محسومة أصلاً عند بعض المناقدة العرب منذ زمن بعيد، حيث أكد الجرجاني أن الشعر لا تنبني قوته على وزنه أو قافيته، بل يحدث التأثير الشعري لدى المتلقي لأن الشاعر «قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر». وهو منحى تنظيري يتوفر عند جان كوهن في نظريته «الانزياح». إلا أن بعض رموز قصيدة النثر أرادوا تضخيم ذلك الوثن للبناء على أطلاله منصة انطلاق لمفارقة السلفية الشعرية العربية، وكأنهم يستأنفون كتابة الشعر من صفر تنظيري، بمعنى التبشير بنص حداثي الملامح، فردي النزعة بالضرورة، حيث اشترط يوسف الخال في كتابه «الحداثة في الشعر» أن يعبر الشعر عن «رؤيا الشاعر الشخصية الفريدة».
عندما التقط بودلير خيط الضوء النحيل لقصيدة النثر صرخ «إنها خطرة كالحرية» انطلاقاً من معرفته العميقة بما تعد به كأداة تعبير واسعة ومغوية لكل من أراد التعبير عن وجوده. وهذا هو بالتحديد مأزق وامتياز قصيدة النثر العربية، لأن تهشيم عمود الشعر، وتجريف الوزن، بقدر ما فتح الباب على اتساعه للتجريب المتطرف، والتفكير المتمادي عبر اللغة، والسير بالتعبير الشعري عكس اشتهاءات رياح التلقي، بقدر ما أثار السؤال الوعر عن ماهية الشعر الجديد الذي يعاند الوزن والقافية ورنين أجراس القصيدة العمودية، ولكنه لا يصرح بمعالم التفكير الشعري الأحدث. وهو ملمح مربك استدركه أدونيس فيما سماه «أوهام الحداثة»، التي ترتكز فقط على معاداة الأوزان، في الوقت الذي كان فيه محيي الدين اللاذقاني ينادي بالحداثة اللازمنية، وعدم إهمال حداثة النص ذاته، مندداً في كتابه «آباء الحداثة العربية» بمن سماهم أصنام الحداثة الذين فرضوا «رؤية قاصرة للحداثة تعزلها عن سياق الحياة، وتحولاتها السياسية والاجتماعية وتحصرها في تشطير البيت الشعري وتجريد الشكل واللون».
ومنذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، تغير المشهد الشعري العربي على إيقاع تنامي «قصيدة الملاعين» بتعبير أنسي الحاج، وكأن الإنسان العربي بات يعيش بالفعل نثرية الحياة التي تحتم عليه بالضرورة تغيير مفاهيمه القديمة للشعر والامتثال لما تطرحه قصيدة النثر كمعادل لتلك الحالة الشعورية المفهومية الممتدة بعمق واتساع وشمولية في قلب المشهد الحياتي، أي الكتابة داخل رحم زمني هو بمثابة الوجود التاريخي المعاش الذي يحدد حداثة النصوص المتناسلة بكثافة وصلابة آنذاك، بحيث لم تعد كتابة قصيدة النثر تعني مجرد فرط البيت الشعري في سطور متقشفة ومتتالية، لضبط هذيانات الذوات الحائرة الساخطة، بل أُريد لها أن تكون هي الشكل الجوهري للتفكير، كما تفترض قصيدة النثر التي تحولت بدورها إلى ملكية عامة ومشاعة لكل من يريد التماس مع الوجود بذات تستشعر قدرتها على الأداء النثري الشعري.
لم يكن من السهل ظهور ذلك اللون الإبداعي، ومروره على الذائقة العربية بسهولة، ومن دون مساجلات واحتجاجات أدبية وآيديولوجية، فدرس الأنواع الأدبية والأجناسية من أصوليات المنهج المدرسي العربي والذائقة العربية كذلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشعر بصفته خزان القيم الجمالية والمعرفية للإنسان العربي. ولذلك بدا التفكير في تغيير مواضعات التعبير الشعري بمثابة القرار التاريخي لتغيير طرائق التفكير في الوجود أكثر من كونه مجرد نزوة شكلية. وتلك هي النقطة التي انتهى إليها السجال، كما تشي بذلك قصيدة النثر في جوهرها، حيث يمكن بموجب ذلك التصور تفسير ضراوة العناد الذي أبدته الذائقة العربية، وما زالت تبديه، كحالة عصيان شكلي يختزن في مضمراته رفضاً لمضامين وروح التماس الجديد مع الوجود، إلى جانب مراودات عنيفة لطمس قصيدة النثر، ليس كبديل وحسب، بل حتى كخيار.
من هذا المنطلق ينبغي التعامل مع شكل الانبعاث النصّي المباغت للقصيدة العمودية في المشهد العربي مؤخراً من تحت رماد السجالات، إذ لا يمكن إرجاع ذلك الظهور الكثيف لشعراء القصيدة العمودية، وبروز ذلك الفصيل اللافت من رموزها إلى الرعاية المؤسساتية والمهرجانات وعطايا الجوائز وروافع «السوشيال ميديا» فقط، إذ تتوفر جملة من الأسباب الموضوعية العميقة التي تعيد إنتاج المتنبي والمعري والجواهري، وتحد من استقبال قصيدة النثر بمقتضى تمنّع الذائقة العربية عن استقبال الحداثة وما بعدها، خصوصاً أن رموز الحداثة لحظة انفجار قصيدة النثر كانوا يبشرون بحداثة في الحياة العربية تجرها قاطرة الشعر. وهي لافتة حداثية نادت بها سوزان برنارد في كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»، عندما أكدت على ضرورة اتخاذ قصيدة النثر شكلاً حديثاً للكتابة الشعرية. فقصيدة النثر بتصورها «ستصبح نوعاً أدبياً جذرياً وشكلاً يستجيب لحاجات الغنائية الحديثة، لأنه يجب أن نسلم بأن قصيدة النثر منجز أدبي، وأن كل العالم يوافق حالياً على وجودها كنوع أدبي». وهي المنطقة الملتبسة الوعرة التي يستوي فيها الشعر بالفعل، أي ما يصطلح عليه باستواء الأضداد الشعرية والنثرية في مصطلح الحداثة.
حتى أدونيس، أحد رُسل الحداثة الشعرية العربية كان يكرر بأن اللغة العربية لغة شعرية، وذلك من منظوره ووعيه الخاص الذي يرى من خلاله قدرة اللغة العربية على الذود عن شعريتها داخل التعقيدات الكونية لقصيدة النثر. وهو تصور عانده طابور طويل من أصوليي القصيدة العمودية ومنتجي الجماليات المضادة لقصيدة النثر، لدرجة أن نازك الملائكة اعتبرت من يتجرؤون على تجاوز تقاليد الكتابة الشعرية العربية «خونة الأمة». كما أقام ناصر الدين الأسد حائطاً ذوقياً منيعاً قبالة قصيدة النثر سماه «الأذن العربية» مشترطاً أن تخاطب قصيدة النثر خصوصية وجدان الإنسان العربي للتسليم بحداثتها. الأمر الذي يعني أن الإحساس بالتماسك والاتزان داخل الزمان والمكان والأفكار هو الحاضنة للإنسان العربي، ولا وجود لذلك التشظي النثري للحياة إلا عند فئة عاجزة عن التواصل مع واقعها وموروثها النصي انطلاقاً من عدم قدرتها على التماس مع راهنها الحياتي.وهكذا أُثقلت الذاكرة العربية بسجالات كثيفة ووعرة حول شرعية قصيدة النثر بكل أبعادها الفنية والتاريخية والاجتماعية والآيديولوجية، إلى أن وصلت إلى الجيل المعاصر الذي لم ير من آثار المعركة إلا ثمرتها المشرعنة وأرشيف معركتها المنطفئة، فأسرف في إنتاج نصوص نثرية فائضة بطاقة «الأنا» بمعزل عن طيات تلك المنازلة المختزنة في زمان ومكان ووعي ومزاج الإنسان العربي، ليجاور بها منتجات شعرية يراها تقليدية منتهية الصلاحية، متجاوزاً بذلك ما عُرف بأزمة جمهور الشعر، بحيث بات جمهور قصيدة النثر هم كُتّابها في المقام الأول، وذلك بعد تخفيض النبرات الرسولية التي تهب لكاتب قصيدة النثر صفة الرائي والعرّاف، والاكتفاء بتنصيص التجارب والخبرات الداخلية للشاعر. وبذلك صارت قصيدة النثر خارج سياق الجدل التاريخي الآيديولوجي، وداخل عملية إنتاجية مصنعية ضخمة لا حد لها.
لم تعد قصيدة النثر العربية، اليوم، معنية بالبحث عن شرعيتها وتقصي أصولها في الموروث الأدبي العربي. ولا تبدو مهجوسة بمقارعة القصيدة العمودية ومنافستها على المنابر التي تحتلها، أو حتى تغيير موجات بثها لتناسب الأبعاد التكوينية للأذن العربية. فهي قصيدة فردانية تُكتب على قاعدة استدماج الذات مع موضوعية النثر الذي يعادل نثرية الحياة. وهذا هو جوهر نظرية الشعر كما يراها والاس ستيفنز، أي بما هي نظرية للحياة. على الأقل بالنسبة لفصيل من الشعراء الذين لا يجدون ذواتهم إلا في الغنائيات الحديثة لقصيدة النثر.
ذلك هو المبدأ الأهم الذي قامت عليه قصيدة النثر، أي بوصفها قرينة للديمقراطية، كما بشر بها والت وايتمان، إذ لا يمكن التغافل عن الرابط ما بين هذا الشكل الكتابي وحقيقة الإحساس بمعنى وجدوى الديمقراطية بمعانيها الإنسانية وتمظهراتها الحقوقية. وهو ما يعنى أن قصيدة النثر العربية بكل هذا التكثُّر النصي، المتأتي من سهولة التجرؤ على إتيانها، إنما هي صوت إنسان يحاول إقناع نفسه وقرائه بأن النص الشعري النثري هو الأقدر والأنسب لمماثلة نثرية الحياة، وأنه بات يكتب نصّاً لا يحتكم إلى أذن مجبولة على استقبال النصوص ذات الرنين اللفظي فقط، وإن كان عاجزاً عن إقناع الجمهور بأن ما ينتجه جهاز مفاهيمه فيه من الغنائيات ما يشبه إيقاع اللحظة.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.