وزير الخارجية القبرصي لـ «الشرق الأوسط»: تركيا تشعل الصراع في ليبيا

خريستودوليديس: قلقون من زيادة وجود المرتزقة والمقاتلين الإرهابيين في طرابلس

وزير الخارجية القبرصي
وزير الخارجية القبرصي
TT

وزير الخارجية القبرصي لـ «الشرق الأوسط»: تركيا تشعل الصراع في ليبيا

وزير الخارجية القبرصي
وزير الخارجية القبرصي

شدد وزير خارجية قبرص نيكوس خريستودوليديس، على أن التدخل العسكري التركي في ليبيا «يثير قلقاً بالغاً ويزعزع استقرار الوضع المتقلب بالفعل، مع تداعيات خطيرة على الأمن الليبي والإقليمي والأوروبي»، مؤكداً استعداد نيقوسيا للعمل المشترك مع الرياض «لمواجهة التحديات، وتعزيز الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط على أوسع نطاق».
وقال الوزير القبرصي في إجاباته على أسئلة «الشرق الأوسط» من العاصمة القبرصية، إن «القرار التركي بنشر قوات في ليبيا، وكذلك التصريحات المتكررة من قبل القيادة التركية بشأن عمليات النشر هذه، يشعل الصراع ويقوض جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حل سلمي. كما نشعر بالقلق بشكل خاص من الأدلة المستمرة على زيادة وجود المرتزقة السوريين والمقاتلين الإرهابيين الأجانب في طرابلس».
وانتقد خريستودوليديس «استخدام تركيا الهجرة غير النظامية كوسيلة للابتزاز والحصول على التنازلات السياسية من الاتحاد الأوروبي»، مشدداً على أن «طريقة العمل الكلية لتركيا في كل جانب من جوانب سياستها الخارجية تجاه جيرانها، تخلو حتى من الحد الأدنى من الاحترام لنظام القانون الدولي، وتساهم في تفاقم الوضع». وفيما يلي نص الحوار:

> ما تقييمك للتحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الوضع القبرصي، خصوصاً فيما يتعلق باللاجئين؟
- بطبيعة الحال، كانت قبرص تكافح خلال الأعوام السبعة الماضية آثار الأزمة المالية. وفي هذا السياق، كان عليها أن تدير تدفق الهجرة بشكل لا يتناسب مع حجمها ومواردها. لكن رغم التحديات الاقتصادية وقدرتها المحدودة والبنية التحتية، حافظت قبرص على التزامها بتوفير الحماية لمن يحتاجونها حقاً، بموجب القانون الدولي.
> ما حجم تدفقات المهاجرين إلى أوروبا عبر قبرص وما استراتيجية الحكومة في التعامل معها؟
- في عام 2019. تلقينا 12.9 ألف طلب لجوء. وتم تقديم أكثر من نصف هذه الطلبات من الأشخاص الذين وصلوا من تركيا إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرة فعالة من جمهورية قبرص ثم عبروا «خط الترسيم» لطلب اللجوء. غالبية طالبي اللجوء لا تنطبق عليهم متطلبات الحماية الدولية، بل هم مهاجرون اقتصاديون يستفيدون من نية تركيا في استخدام الهجرة غير النظامية كوسيلة للابتزاز للحصول على التنازلات السياسية من الاتحاد الأوروبي. فتركيا لا تفي بالتزامها بمنع ظهور طرق للهجرة وترفض تنفيذ التزامات إعادة القبول تجاه قبرص. إن طريقة العمل الكلية لتركيا في كل جانب من جوانب سياستها الخارجية تجاه جيرانها، تخلو حتى من الحد الأدنى من الاحترام لنظام القانون الدولي، وتساهم في تفاقم الوضع.
> ما استراتيجية قبرص في التعامل مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وطلب بلاده من الأمم المتحدة الاعتراف باتفاقية تعيين الحدود البحرية مع حكومة السراج في ليبيا، وتبريره التدخل العسكري التركي هناك؟
- كما عبر الاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً، فإن التدخل العسكري التركي في ليبيا يثير قلقاً بالغاً. إنه يزعزع استقرار الوضع المتقلب بالفعل، مع تداعيات خطيرة على الأمن الليبي والإقليمي والأوروبي.
وبالعودة إلى مسوغات الموقف الأوروبي تجاه التدخل العسكري في ليبيا، فإن كلا من الأمم المتحدة وعملية برلين حددتا التدخل الخارجي والانتهاكات الصارخة والمنهجية لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، باعتبارها المصدر الرئيسي الذي يثير الصراع، وأكبر حجر عثرة أمام العملية السياسية. في ضوء ذلك، فإن قرار الجمعية الوطنية التركية الكبرى بنشر قوات في ليبيا، وكذلك التصريحات المتكررة من قبل القيادة التركية بشأن عمليات النشر هذه، يشعل الصراع ويقوض جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حل سلمي. كما نشعر بالقلق بشكل خاص من الأدلة المستمرة على زيادة وجود المرتزقة السوريين والمقاتلين الإرهابيين الأجانب في طرابلس.
> ما تقييمك للعلاقات القبرصية - السعودية؟ وما أهم مجالات التعاون السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي؟
- إن الالتزام السياسي الواضح لبلدي هو مواصلة تعزيز العلاقات بين قبرص والسعودية على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف. وتشكل زيارتي الأخيرة للرياض، بما في ذلك لقائي مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، خطوة مهمة في تعزيز العلاقات بين بلدينا. إنها أيضاً شهادة على الإرادة السياسية المشتركة والتزام قبرص والمملكة بتحسين علاقاتنا بشكل ملموس على جميع المستويات. في الواقع، قطعت علاقاتنا شوطاً طويلاً خلال العامين الماضيين، وكان تعيين أول سفير سعودي لدى قبرص، خطوة مهمة أخرى في تعزيز روابط الصداقة القائمة بين بلدينا وشعبينا. وتم بالفعل اتخاذ الخطوات الأولى مع سريان مفعول اتفاقيتين، هما تجنب الازدواج الضريبي والخدمات الجوية، وهما مهمتان للغاية وتحددان الإطار القانوني للمضي قدماً في توسيع علاقاتنا.
> ما الموضوعات التي ناقشتها في السعودية خلال زيارتك الأخيرة؟
- خلال زيارتي، أجرينا مناقشة جوهرية وتطلعات كبيرة حول الطيف الكامل لعلاقاتنا الثنائية ونظرنا في سبل زيادة توسيعها. ناقشنا أيضاً سبل التعاون المحتملة التي يقدمها برنامج «رؤية السعودية 2030» الواعد. وأعتقد أن هناك إمكانات هائلة غير مستغلة للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والدفاعية، على سبيل المثال لا الحصر، تحتاج إلى جهود استكشافية. كذلك، ناقشنا أيضاً التطورات الإقليمية، وكيفية تعزيز العمل المشترك بين بلدينا، من أجل مواجهة التحديات الماثلة الملحّة، بهدف تعزيز الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط على أوسع نطاق.
> ما هو تقييمك لدور السعودية في تعزيز الأمن والاستقرار وجهودها في مكافحة الإرهاب؟
- في الواقع، انضمت قبرص تقليدياً إلى الدول العربية المعتدلة المشابهة في جهودها لمكافحة الإرهاب وتحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. كما تعلمون جيداً، فإن منطقتنا متقلبة ولا يمكن التنبؤ بها. لقد شعرنا بقلق بالغ إزاء موجة الهجمات الصاروخية الأخيرة في منطقة الخليج والتي استهدفت السفن والمنشآت النفطية وصالات المطارات في السعودية، مما أدى إلى وقوع العديد من الإصابات. ندين بلا تحفظ هذه الهجمات التي تتسم بطابعها القاسي ونقف بحزم مع أصدقائنا في المملكة والمنطقة الذين كانوا هدفاً للهجمات الأخيرة. لا شك في أن دور السعودية رئيسي وملموس في المنطقة.
> ما توقعاتكم فيما يتعلق بزيادة حركة الاستثمار السعودي في قبرص؟
- في الواقع، من المتوقع أيضاً أن يرتفع حجم التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة في كلا البلدين بشكل تصاعدي. ومن القطاعات التي شهدت أهم استثمار أجنبي مباشر في قبرص هي البنوك والنقل البحري والعقارات والتجزئة والأدوية والطاقة. وبشكل عام فإننا ندرك أن قطاع الأعمال السعودي مهتم بفرص التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين. كما تعد استثمارات الشركات القبرصية في المملكة بالمقابل، مهمة في مجالات الأدوية وكفاءة الطاقة والبناء والضيافة والخدمات السياحية.
> لوحظت زيادة في عدد السياح السعوديين الذين يزورون قبرص. ما تعليقك؟
- بالفعل، شهد العدد السنوي للسياح السعوديين نمواً ملحوظاً على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ووصل إلى أكثر من 4 آلاف في عام 2019. إن احتمال استئناف الرحلات المباشرة من الرياض إلى لارنكا سيوفر خياراً أكثر ملاءمة للسائحين والمستثمرين السعوديين والقبرصيين.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...