ماكرون يعرض عقيدته النووية

الرئيس الفرنسي يرفض اقتسام قرار الردع مع الأوروبيين لكنه اقترح عليهم «حواراً استراتيجياً»

ماكرون يعرض عقيدته النووية
TT

ماكرون يعرض عقيدته النووية

ماكرون يعرض عقيدته النووية

مع خروج بريطانيا في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، بقيت فرنسا الدولة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، وفي ظل التغيرات الاستراتيجية المتمثلة بتخلي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا عن اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ النووية متوسطة المدى وقرب انتهاء معاهدة «نيوستارت» للصواريخ النووية الاستراتيجية، وانطلاق ما يمكن اعتباره سباقاً للتسلح النووي بين هاتين القوتين، إضافة إلى الصين، كان على الرئيس الفرنسي أن يحدد «العقيدة» النووية الفرنسية وموقع الأوروبيين منها ودورهم في عالم متغير. وهذا ما فعله إيمانويل ماكرون، أمس، في خطاب دام 75 دقيقة في المدرسة الحربية، بحضور وزيري الخارجية والدفاع وكثير من الملحقين العسكريين في باريس وكبار ضباط الجيش الفرنسي.
بداية، تعد باريس قوة نووية «متوسطة» إذ إنها تمتلك، وفق ما أكده ماكرون نفسه، نحو 300 رأس نووي، مقارنة بالترسانة النووية الروسية «6500» والأميركية «6185» بحيث إن موسكو وواشنطن تمتلكان وحدهما ما نسبته 91 في المائة من الرؤوس النوية عبر العالم. لكن فرنسا تسبق الصين «290» وبريطانيا «200» وباكستان «160» والهند «140» وإسرائيل «90» وكوريا الشمالية «ما بين 20 و30 رأس».
وتعتمد قوة الردع النووية الفرنسية على مكونين؛ بحري، ويسمى «القوة البحرية الاستراتيجية» وتتشكل من 4 غواصات ذات دفع نووي، قاذفة الصواريخ، وهي توفر ما يعد «الضربة الثانية»، وجوي ويسمى «القوة الجوية الاستراتيجية» وقوامها طائرات ميراج ورافال الموجودة على ظهر حاملة الطائرات «شارل ديغول» ذات الدفع النووي، وهي الوحيدة التي تمتلكها فرنسا. وفي العام 1996 قررت باريس التخلي عن مكون ثالث لقدراتها النووية الرادعة، وهي الصواريخ الباليستية عابرة القارات التي كانت مخزنة في مواقع ثابتة تحت الأرض. وكما بقية القوى النووية، فإن باريس تعمل على تحديث قوتها الضاربة، ومنها بناء جيل جديد «ثالث» من الغواصات النووية. ورصدت الحكومة مبلغ 37 مليار يورو للسنوات 2019 - 2025 ما يساوي 12.5 في المائة من ميزانيتها الدفاعية لهذه السنوات. وإذا كانت باريس تبذل جهداً كبيراً من أجل قوتها النووية فلأنها تعتبرها أساس استراتيجيتها الدفاعية والضمانة الكبرى لمصالحها الوطنية. ومنذ أن أصبحت القوة النووية الرابعة (بعد الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا)، فإن باريس حريصة على استقلالية قرارها النووي. والحال أن التحولات الأخيرة كالعلاقات المتقلبة مع واشنطن في إطار الحلف الأطلسي وموت اتفاقية الصواريخ متوسطة المدى التي تهم أوروبا بالدرجة الأولى ونهاية العمل العام المقبل باتفاقية الصواريخ الاستراتيجية «نيو ستارت»، وبما أن ماكرون من أبرز دعاة قيام الدفاع الأوروبي الموحد، فإنه كان منتظراً منه أن يتناوله مطولاً في خطابه، وهو ما فعله تحت عنوان دعوة الأوروبيين إلى أن تكون لهم كلمتهم في الملف النووي الذي يهم أمنهم بالدرجة الأولى، كذلك حثّهم على المشاركة في «حوار استراتيجي» حول دور الردع النووي الفرنسي.
تقوم رسالة ماكرون للأوروبيين بدعوتهم إلى امتلاك «مزيد من قدرات التحرك» إزاء التحولات والاضطرابات العالمية، وأن يكون لهم دور في المفاوضات المقبلة بشأن الرقابة على الأسلحة النووية، وبخصوص السباق على التسلح الجاري في الوقت الحاضر. وبرأيه، فإن القارة القديمة يمكن أن تكون مسرحاً له. وبكلام آخر، لا يريد الرئيس الفرنسي أن تقف أوروبا «متفرجة»، بينما الآخرون يقررون عنها. وعملياً، تعني هذه الدعوة أنه على الأوروبيين «أن يكونوا مشاركين وموقعين للمعاهدة الجديدة» التي قد يسعى الطرفان الأميركي والروسي للتوصل إليها، لتحل محل معاهدة العام 1987 التي منعت نشر صواريخ متوسطة المدى «من 500 إلى 5500 كيلومتر» والتي خرجت منها واشنطن العام الماضي دون مشاورة الأوروبيين المعنيين الأوائل بها. وبحسب ماكرون، فإن أمن أوروبا على المحك، إذ إن العقد المنتهي «شهد تغيرات في التوازنات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وفي مجال الطاقة، ونحن نرى تحولات تظهر من جديد، يمكن أن تهدد السلام الذي تنعمنا به بعد كثير من المآسي التي ضربت قارتنا». في تلميح لما جرى منذ نهاية الحرب الباردة. ولذا، فإن ماكرون يقترح أن يعرض الأوروبيون معاً «أجندة دولية» لطرحها من أجل السيطرة على سباقات التسلح الممكنة. وفي إطار ذلك، فإن باريس «سوف تعمد إلى تعبئة شركائها الأوروبيين المعنيين لوضع قاعدة لاستراتيجية دولية مشتركة» تستطيع أوروبا اقتراحها. وقناعة ماكرون أنه في غياب «قاعدة قانونية (أي معاهدة)، فإن الأوروبيين سيجدون أنفسهم معرضين على أراضيهم، لسباق تسلح تقليدي وربما نووي ولذا لا يستطيعون وقوف موقف المتفرج». وخلاصة الرئيس الفرنسي أن يرد الأوروبيون على التحديات المتكاثرة من خلال التمتع بـ«استقلالية استراتيجية أكبر». بيد أن رسالة ماكرون الثانية للأوروبيين تبدو أكبر أهمية، لأنها تتناول دور قوة الردع الفرنسية المستقبلي على المستوى الأوروبي. وحقيقة الأمر أن الرئيس الفرنسي التزم إلى حد ما الغموض الذي قد يكون بناء. فهو من جهة، اقترح على الأوروبيين «حواراً استراتيجياً حول دور الردع النووي الفرنسي» من أجل ضمان أمن أوروبا، وأن يضم «من يرغب من الشركاء الأوروبيين إلى تدريبات الردع التي تقوم بها القوات الفرنسية». وبرأيه، فإن «الحوار الاستراتيجي» من شأنه أن يدفع باتجاه قيام «ثقافة استراتيجية» بين الأوروبيين. إلا أنه في الوقت عينه، يعيد التأكيد على «استقلالية القرار» الفرنسي في مجال الردع النووي، التي يراها «متلائمة مع التضامن الأوروبي الذي لا يلين».

ولمزيد من الوضوح، قال ماكرون: «إن المصالح الحيوية الفرنسية لها من الآن وصاعداً بعد أوروبي»، مضيفاً أن «القوات النووية الفرنسية تعزز أمن أوروبا، من خلال وجودها بحد ذاته، ولديها في هذا المجال بعد أوروبي أصيل». لكن هذا الكلام على أهميته لا يستجيب لما أخذت تطالب به بعض الأصوات، خصوصاً في ألمانيا التي تريد مشاركة في اتخاذ القرار، وهو ما لا يتطابق مع مفهوم باريس الحريصة على استقلالية قرارها. ولا يستطيع ماكرون الابتعاد عن موقف فرنسي يتوافر حوله الإجماع الوطني منذ أن أصبحت فرنسا دولة نووية. وبأي حال، فإن أوروبا الغربية التي عاشت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي فترة الحرب الباردة، في حماية المظلة النووية الأميركية والحلف الأطلسي، ليست مستعدة لمبادلتها بمظلة نووية فرنسية غير واضحة، ولا أكيدة، خصوصاً إذا تمسكت باريس بالاستقلالية المشار إليها. وما يصح على أوروبا الغربية يصح بشك أكبر على أوروبا الوسطى والشرقية. من هنا، قال ماكرون إن «فرنسا مقتنعة بأن أمن أوروبا على المدى الطويل يمر بالتحالف القوي مع الولايات المتحدة» مضيفاً أن «أمننا يمر أيضاً وحتماً بتوفير قدرات أكبر للتحرك، مستقلة للأوروبيين». ومن جهة أخرى، اعتبر ماكرون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «لا يغير شيئاً في التعاون حول القضايا النووية» بين باريس ولندن.
وفي سياق موازٍ، كرر ماكرون دعوته لبناء حوار مع روسيا حول قضايا الأمن الجماعي، متمنياً أن تلعب موسكو دوراً «بناء». وعرض الرئيس الفرنسي هو تحسين ظروف الأمن الجماعي والاستقرار في أوروبا. وما يريده هو حوار فاعل، إذ إن أوروبا «لا يمكن أن تكون راضية عن الحوار الضعيف مع روسيا، خاصة عند ازدياد كم التحديات الأمنية التي تجب مناقشتها مع موسكو... أريد أن تكون روسيا لاعباً أساسياً في الأمن الأوروبي». ووفقاً لما قاله، فإن هذه العملية «تتطلب الصبر والدقة، وسوف تستغرق عدة سنوات».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.