بانكسي مهووس بالسيطرة... ولكنه لا يستطيع التحكم في إرثه

بانكسي ومبرانت في معرض واحد بمتحف «شتاتسغاليري» بمدينة شتوتغارت الألمانية (نيويورك تايمز)
بانكسي ومبرانت في معرض واحد بمتحف «شتاتسغاليري» بمدينة شتوتغارت الألمانية (نيويورك تايمز)
TT

بانكسي مهووس بالسيطرة... ولكنه لا يستطيع التحكم في إرثه

بانكسي ومبرانت في معرض واحد بمتحف «شتاتسغاليري» بمدينة شتوتغارت الألمانية (نيويورك تايمز)
بانكسي ومبرانت في معرض واحد بمتحف «شتاتسغاليري» بمدينة شتوتغارت الألمانية (نيويورك تايمز)

المقارنة بين لوحة لفنان من القرن السابع عشر ولوحة من القرن الـ21 وضعت لجانبها هي مقارنة بين النقيضين. إلى اليسار نرى لوحة الفنان العالمي رمبرانت التي صور فيها نفسه مرتديا «بيريه» أحمر على رأسه بينما تعلو سحنته علامات التفكير العميق. إلى اليمين وخلف زجاج حافظ نرى لوحة «فتاة تحمل بالونة» لفنان الغرافيتي بانكسي وهي اللوحة التي شغلت الصحف العالمية بعد أن دمرت نفسها تلقائيا بواسطة جهاز تحكم عن بعد عند عرضها للبيع في مزاد فني بلندن، وها هي هنا تبدو ونصفها ممزق بفعل آلة تمزيق الورق التي زرعها داخلها بانكسي. اللوحة أطلق عليها اسم آخر لاحقا ليتناسب مع التغيرات التي طرأت عليها بعد تمزيقها، وهو: «الحب في سلة القمامة»، وهي اللوحة التي قضت عاما معارة لمتحف شتاتسغاليري بمدينة شتوتغارت الألمانية.
المعرض الذي ضم لوحة بانكسي أغلق أبوابه الأسبوع الماضي محققا حضورا غير عادي في هذا المتحف الألماني، فخلال 11 شهرا من العرض جذب المعرض 180 ألف زائر، وهو ضعف المعتاد واضطر المتحف لمد ساعات العرض للساعة العاشرة مساء في الخمسة أيام الأخيرة من العرض لاستيعاب العدد الضخم من الزوار.
ويعد هذا الإقبال استثنائيا، خاصة إذا ما قارناه بالوضع منذ 15 عاما حين كان بانكسي فنانا صاعدا يقوم بتهريب أعماله لوضعها داخل المتاحف كنوع من الخدعة، ولكن اليوم أعماله أصبحت هي القطع الرئيسية في أي عرض مصحوبة بمعلومات مكتوبة ومسموعة.
كيف استطاع بانكسي الفنان المشاغب الوصول إلى هنا؟
لم يحدث هذا بالصدفة. فصعود بانكسي المستمر تم عن طريق السيطرة والتحكم الكامل منه في إنتاجه ومضامين أعماله، وأيضا التحكم في السوق التي يعرض فيها عمله، وأخيرا وهو الأهم: الإبقاء على عنصر الغموض الذي يحيط بشخصه.
ومثلت الشعبية التي يحظى بها عمل بانكسي من الفن المعاصر تحديا للمؤسسات الفنية النخبوية ووضعت أمامهم كثيرا من الأسئلة، فمتحف ستاتسغاليري الألماني واجه السؤال الأهم وهو: هل يعتبر بانكسي فنانا مهما من الناحية التاريخية؟ وإذا كان كذلك فهل ستكون تركته الفنية كذلك؟
في عام 2008 كان الالتحاق بالنخبة الفنية من آخر الأشياء التي قد يفكر بها الفنان الشاب بانكسي، البوهيمي الذي يتجول حاملا رشاش الألوان ليترك رسومات على الحوائط في شوارع بريستول ولندن، لفئران وقردة وموناليزا تحمل قاذفة صواريخ.
ستيف لازيريديس الذي كان سابقا وكيل أعمال بانكسي وشريكه خلال الأعوام الأولى، اتجه لاحقا لإنشاء غاليري تجاري لتمثيل بانكسي وبيع صور من أعماله خلال الفترة ما بين 2006 - 2008. في مقابلة حديثة قال لازيريديس إن بانكسي «مهووس بالتحكم في كل شيء لآخر تفصيلة صغيرة»، مضيفا: «هذا ما يجعله بهذه الجودة». في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نشر لازيريديس كتابا بعنوان «شرح بانكسي» ضم فيه أهم أعمال بانكسي الحائطية.
وإثر خلاف بينهما انفصل لازيريديس عن بانكسي في عام 2008، كما انسحب من أعمال الغاليري التجارية العام الماضي، «جعلت الإنترنت من كل شيء أمرا مكررا، لماذا تعطي خمسين في المائة لوسيط فني، عندما يمكّن الفنان من بيع أعماله عبر موقع ويب وآخر على إنستغرام والاحتفاظ بكامل أرباحه».
ويعمل بانكسي الآن من دون غاليري يمثله وتمم عمليات بيع شبه سرية مع عملاء أثرياء محدودين، وهو ما مكنه من الإنفاق على أعماله الأخرى الطموحة الضخمة مثل مشروع «ديزمالاند» وهو حديقة ترفيهية ساخرة أقامها الفنان في جنوب إنجلترا، وهناك أيضا «والد أوف أوتيل» (الفندق المحاط بأسوار) والمقام في مدينة بيت لحم بفلسطين يضم رسومات جدارية لبانكسي في حجراته التسع.
لجأ بانكسي أيضا إلى تعيين وكالة اسمها «بيست كنترول» لتوثيق أعماله ولمنع تزويرها وظهورها في السوق الفنية دون إذن منه، وأصبح الآن الوكلاء الفنيون ودور المزادات يتعاملون حصريا مع الأعمال الموثقة من «بيست كنترول».
ويمكن القول إن «اليد الخفية» لبانكسي لها تأثير واضح على دور المزادات رغم أن بانكسي لا يستفيد ماديا بشكل كبير من مبيعات أعماله، ولكن الأسعار التي تباع بها الأعمال في المزادات العلنية تحدد الأسعار التي يضعها الفنان على أعماله المبيعة لعملائه المباشرين من المقتنين.
في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما قدمت دار سوذبيز لوحته «البرلمان المنقسم» التي نفذها عام 2008 للبيع رأى البعض أن الفنان وراء تحديد وقت بيع لوحته والذي أتى في خضم الخلافات في البرلمان البريطاني بسبب قضية «بريكست». ورغم أن فريق بانكسي بادر بنفي أي تدخل في توقيت بيع اللوحة قامت دار سوذبيز بالتدابير اللازمة لمنع أي محاولة من الفنان لتدبير حيلة مماثلة لما قام به من تثبيت آلة تمزيق ورق في لوحته السابقة «الفتاة والبالونة»، ففرضت إجراءات أمنية صارمة وأجبرت العملاء على المرور من خلال «ميتال ديتكتور» (جهاز الكشف عن المعادن) قبل دخول قاعة المزاد. وبيعت اللوحة لاحقا بمبلغ قياسي وصل إلى 12.1 مليون جنيه إسترليني وهو أعلى بستة أضعاف من سعر آخر لوحة بيعت للفنان. ومن جانبه قال الوسيط الفني أكوريس أنديبا المتخصص في أعمال بانكسي إن لوحة «البرلمان المنقسم» ظهرت على موقع «إنستغرام» الخاص ببانكسي في شهر مارس (آذار) السابق على المزاد، مردفا: «يبدو غير مفهوم أن يقفز عمل لهذا السعر دون أي تأثير أو تدخل من الفنان».
وللحفاظ على غموض هويته يفرض بانكسي على عملائه التوقيع على تعهدات خاصة بعدم إفشاء المعلومات، وتبقى حقيقة أنه لا أحد يعرف الهوية الحقيقية للفنان لتشهد على فاعلية النظام الذي يتبعه الفريق العامل معه.
«يفرض على كل من يعمل معه في أي من مشاريعه التوقيع على تعهد بعدم إفشاء المعلومات، لضمان سرية الأمور»، يقول إنريكو بوناديو وهو محاضر في القانون بجامعة سيتي بلندن، مضيفا أن بانكسي «يوظف كثيرا من المحامين».
في الفترة الأخيرة لجأ الفريق العامل معه لاستخدام قانون أوروبي للحماية الفكرية لملاحقة الأعمال المقلدة.
في يناير (كانون الثاني) 2019 حصلت وكالة «بيست كونترول» الممثلة لبانكسي على حكم قضائي ابتدائي في إيطاليا ضد معرض يضم ستة من أعمال بانكسي وتم رفعها من العرض.
وبعد ذلك بشهرين لجأت شركة بريطانية لإنتاج بطاقات المعايدة للمحكمة لإلغاء حق الملكية الفكرية لبانكسي عن أحد أشهر رسوماته، «قاذف الزهور»، الذي تستخدمه الشركة على البطاقات.
وجه فريق بانكسي له نصيحة بأن ينتج ويسوق أعماله بنفسه ليثبت للجميع أنه يستخدم علامته التجارية في التجارة وليس فقط لإبعاد المستغلين. وكانت النتيجة خطا كاملا من البضائع وفرها بانكسي على متجر إلكتروني لفترة محدودة مكونة من 22 غرضا منزليا، كما عرضت القطع في أحد المحال جنوب لندن لمدة أسبوعين قبل أن تختفي.
- خدمة «نيويورك تايمز»



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.