ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

تحتوي تفاصيل عن دوره في اتفاقية أوسلو ولقاءاته مع السادات وعرفات وبيريز

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات
TT

ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات

دائماً كتب المذكرات لها تشويقها الخاص والمثير... دائماً تقرأها من دون كلل أو ملل حتى تصل إلى نهايتها. نقول ذلك خصوصاً إذا كانت صادرة عن شخصيات مهمة. من بين هذه الشخصيات يقف حتماً مؤلف هذا الكتاب ماريك هالتير. وهو يهودي فرنسي من أصل بولوني وصل إلى باريس مع عائلته وهو في سن الرابعة عشرة فقط. ومع ذلك؛ فقد أتقن لغتها وبرع فيها إلى حد أنه أصبح كاتباً مشهوراً رغم أنه لا يحمل شهادات عليا. ولكنه ظل يتكلم الفرنسية بلكنة خاصة تكاد تضحك الفرنسيين. وهو شخصية نافذة جداً في الأوساط الفرنسية؛ بل وحتى العربية، ناهيك بالدولية. إنه يستطيع أن يهاتف القادة والزعماء والرؤساء على تليفوناتهم الجوالة الخاصة؛ ومن بينهم زعماء عرب. ويستطيع أن يتحاور مع جاك شيراك أو بيل كلينتون أو فلاديمير بوتين أو سواهم كأنه صديق شخصي وليس فقط مجرد صحافي. وقد اشتريت مذكراته الصادرة مؤخراً في العاصمة الفرنسية لأني كنت أتوقع أنها تحتوي أسراراً عربية وإسرائيلية وفلسطينية شديدة الخطورة والأهمية. ولم يخِب ظني.
قبل الدخول في صلب الموضوع، ينبغي القول إنه كان قد انخرط سابقاً في كتابة سلسلة من الروايات التاريخية التي تهدف إلى تمجيد ذكرى نساء الإسلام العظيمات: مثل السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة فاطمة بنت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق. وهذا شيء مدهش؛ إذ يصدر عن كاتب ذي أصول يهودية ويفترض أنه بعيد جداً عن الموضوع. ولكنه مهووس بتحقيق التقارب بين العرب واليهود، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق. فكلهم في نهاية المطاف من أحفاد إبراهيم الخليل. إنهم أبناء عمومة؛ كما يقال عادة. ولذلك فهو يهتم بكل شيء يخص تاريخنا وتراثنا. إنه يريد أن يتقرب منا، أن يلتصق بنا بأي شكل، لأنه يعرف أن إسرائيل العزيزة جداً على قلبه لا يمكن أن تندمج في المنطقة إن لم نقبل بها يوماً ما. الكلمة الأخيرة تبقى للعرب لأنهم أصحاب المنطقة الأساسيين من المحيط إلى الخليج. إنهم كالبحر الهادر بأعدادهم التي ستتجاوز نحو 500 مليون نسمة. وبالتالي فإسرائيل عبارة عن قطرة في بحر من العرب والفلسطينيين، وموازين القوى لصالحهم رغم كل المظاهر المعاكسة حالياً. ولهذا السبب؛ فهو مهتم جداً بإحداث التقارب بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وقد أمضى حياته كلها في النضال من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكنه يبقى متحيزاً للطرف الإسرائيلي بطبيعة الحال. وهو لا يخفي ذلك أصلاً وإن كان يحاول جاهداً احترام موقف الفلسطينيين وآلامهم التي تفوق الوصف. وأنا هنا لا أريد الترويج لهذا الكتاب؛ وإنما فقط استعراض آرائه التي تهم كل المثقفين وأصحاب القرار في العالم العربي؛ إذ لا يكفي أن تعرف رأيك في الآخر، وإنما ينبغي أن تعرف رأي الآخر فيك أيضاً.
ما كان يهمني في مذكراته هو معرفة الدور الذي لعبه بوصفه همزة وصل بين القيادة الإسرائيلية والقيادة الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: كيف كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات؟ وأين؟ وما الصورة أو البورتريه الذي يقدمه عنه؟ سوف نتحدث عن ذلك قبل أن ننتقل إلى لقائه الأول مع أنور السادات. وهنا أيضاً نجد أنفسنا أمام بورتريهات عدة أو صور شخصية لقادة عرب كبار، وكلها مرسومة من قبل مثقف يهودي عالمي مؤيد لحق إسرائيل في الوجود ومتحرق لتحقيق رغبة واحدة: أن يقبل بها العرب يوماً ما. وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فإن ذلك لا يغير في الأمر شيئاً. فالشيء المؤكد هو أن هذا الرجل لعب دوراً مهماً جداً طيلة الخمسين سنة الماضية، وقام بمهام سرية كثيرة وحساسة للغاية. فلماذا لا نطّلع على ما يقول؟ لماذا لا نحاول أن نعرف كيف يفكر قادة الرأي العام اليهودي فينا؟
- لقاؤه الأول مع ياسر عرفات
قبل أن يلتقي عرفات كان ينبغي عليه أن يأخذ إذناً من أعلى رأس في القيادة الإسرائيلية: أي رئيسة الوزراء غولدا مائير شخصياً. ولذلك طلب مقابلتها، فاستقبلته في مكتبها الرسمي بالقدس بعد طول انتظار. وقد استقبلته في المطبخ وأمامها علبة سجائر ومنفضة فقط. وعندما قال لها إنه ينوي مقابلة عرفات؛ بل وأخذ موعداً معه في بيروت، تغيّر لونها وامتقع وجهها وضربت بيدها بكل عنف على الطاولة إلى درجة أن السجائر تطايرت والمنفضة سقطت أرضاً. وصرخت في وجهه: تريد أن تقابل عدو إسرائيل الأول وعلى يديه دماء أطفال إسرائيل؟ هل أصابك مسٌ من جنون؟ فأجابها: ولكن النبي موسى قابل الفرعون قاتل الآلاف المؤلفة من أطفال اليهود الرضع! فلماذا لا يحق لي أن أقابل عرفات؟ فأجابته: ولكنك لست النبيّ موسى! فأجابها: بالطبع لست النبي موسى، ولكن إذا ما مسّ كلامي ضمير عرفات وجعله يقبل بالسلام وتوفير حياة آلاف الأطفال اليهود والفلسطينيين معاً؛ فلماذا لا أقابله؟ فأجابته: ولكن الله هو الذي أمر سيدنا موسى بالذهاب لمقابلة الفرعون، فهل كلمك الله يا ترى دون أن نعلم؟ فأجاب: بالطبع لا، ولكن كلمني ضميري، وسوف أفعل كل شيء من أجل السلام بين العرب واليهود. وعندئذ نهضت فجأة بكل غضب علامةً على إنهاء المقابلة فوراً، فخرج بعد أن حياها بالعبرية: «شالوم»؛ أي «سلام»، فلم ترد. ثم خرج الرجل من عندها مذهولاً دائخاً، وفي الشارع نادى على تاكسي جماعي وذهب إلى فندقه في تل أبيب. وفي الصباح الباكر؛ الساعة السادسة فجراً، أيقظه صوت التليفون وهو يغطّ في نوم عميق، وسمع صوتها يهدر ويقول له كلمة واحدة: اذهب! ثم وضعت السماعة. وعندئذ عرف أنه نال موافقتها أو مباركتها لمقابلة ياسر عرفات.
كان اللقاء الأول مع عرفات قد حدث في بيروت عام 1969، وفي ذلك الوقت لم يكن عرفات يعرف كلمة واحدة في الإنجليزية، ولم يكن هو يعرف إلا بضع كلمات نادرة في العربية. وبالتالي فقد كان هناك مترجم، وهذا شيء مزعج دائماً. ثم لم يكن عرفات وحده في المكتب؛ وإنما عشرات الآخرين من المساعدين والمقربين والحراس الشخصيين. وبعضهم كان يضع الكلاشنيكوف على ركبتيه، والبعض الآخر كان يسبّح بالمسبحة... إلخ. لم يفهم عرفات لماذا يلح هذا الرجل على مقابلته. وعندما حيّاه ماريك هالتير بكلمتين عبرية وعربية: «شالوم. سلام»، انزعج عرفات ولم يرد عليه؛ بل رأى فيه جاسوساً ماكراً ليس إلا. في ذلك الوقت؛ لم تكن فكرة السلام تخطر على بال عرفات على الإطلاق. كان يفكر فقط في محو إسرائيل عن الخريطة بمعونة العالم العربي. ولهذا السبب اختصر عرفات المقابلة، فقال له هالتير وهو يودّعه: إلى اللقاء يا فخامة الرئيس. فأجابه عرفات: نلتقي العام القادم في تل أبيب المحررة! ولكن على عتبة الباب وقبل أن يخرج التفت إليه ماريك هالتير مستديراً بكل جسده الضخم وقال له: إذا كان ذلك صحيحاً فإني سأكون قد قتلتك قبل يوم واحد من حصول ذلك! يقول هالتير: ما إن انتهى المترجم من ترجمة عبارتي حتى انتفض حرس عرفات ويدهم على الزناد، وسمعت قعقعة السلاح وهموا بالبطش بي. ولكن عرفات طلب منهم الجلوس والهدوء، ثم اقترب من ماريك هالتير وقال له بعد أن وضع يده على كتفه قائلاً: لا أعرف من الذي سيكون قد قتل الآخر قبل ذلك، ولكن قبل أن نموت معاً دعنا نلتقِ مرة أخرى. فوافق هالتير بطبيعة الحال... ثم اقترب مني، وقبّلني، وتلاقت لحيتي الكثّة مع لحيته الخفيفة. ونفهم من ذلك أن عرفات قائد حقيقي لأنه يعرف كيف يتحكم بعواطفه ولا يجعلها تتحكم به.
ثم يختتم ماريك هالتير كلامه قائلاً: لم نقتل بعضنا بعضاً بعدئذ. أبداً أبداً. وإنما أصبحنا صديقين عزيزين، والتقينا مرات كثيرة لاحقاً في الأردن، وبيروت، وتونس حيث حضّرنا لاتفاقيات أوسلو معاً، وهي الاتفاقيات الوحيدة التي كادت تنجح. ثم يفتخر هالتير قائلاً إنه هو الذي قدم سهى الطويل إلى ياسر عرفات في تونس صحافيةً تريد إجراء مقابلة معه. فوقع في حبها من أول نظرة وأصبحت زوجته ووالدة طفلته الوحيدة التي دعاها «زهوة» على اسم أمه العزيزة الغالية...
- ماريك هالتير يستدعي عرفات وبيريز إلى شقته
بعد ذلك بسنوات طويلة؛ وبالتحديد عام 1992، ابتدأت المناورات الكبرى التي ستؤدي إلى «اتفاقيات أوسلو» واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل. وقد لعب مؤلف الكتاب دوراً كبيراً فيها نظراً لعلاقاته الوثيقة مع كلا الطرفين؛ العربي والإسرائيلي. ولهذا السبب سافر ماريك هالتير مع زوجته كلارا إلى تونس لإقناع عرفات بالفكرة. وعندما عرفت صديقتهما سهى بمجيئهما أرسلت لهما سيارة خاصة إلى مطار قرطاج وحجزت لهما غرفة في فندق «هيلتون». وتعشّى الأربعة في شقة عرفات، ودار الحديث التالي: قال له عرفات وهو يشير إلى بطن سهى الحامل: انظر يا صديقي؛ هذا هو الكتاب الذي وعدتك به! وكان قد وعده بكتابة مذكراته وإرسالها إلى ناشر فرنسي، ولكنه لم يفعل، وإنما اكتفى فقط بالإنجاب! وفي نهاية العشاء سأله عرفات: هل هناك من سبب خاص لزيارتكم؟ فأجابه: نعم. إني أدعوك إلى زيارتي في شقتي الباريسية لكي تلتقي بشخصية إسرائيلية كبيرة. ومن هي؟ شمعون بيريز. وكان هذا اللقاء السري حاسماً في نجاح مؤتمر أوسلو. وكان عرفات أول الواصلين، ثم تبعه بيريز، وتصافحا لأول مرة أمام ماريك هالتير وزوجته كلارا. قال له بيريز: السيد الرئيس: رجالنا يتفاوضون في أوسلو كما تعلم، ونأمل أن ينجحوا. ولكن لا نستطيع أنا وأنت أن نحل في نصف ساعة مشكلة ضخمة عمرها نصف قرن على الأقل. وبعد خروج بيريز وسفره إلى لندن التفت عرفات إلى ماريك هالتير وقال له: صديقك بيريز شخص جيد، ولكن أنا بحاجة إلى جنرال لكي أتفاوض معه. وعندئذ فرض إسحاق رابين نفسه.
- لقاؤه مع أنور السادات
نفهم من كلام المؤلف أن زوجته كلارا هي التي اقترحت على السادات زيارة إسرائيل وإلقاء خطابه التاريخي الشهير في الكنيست. وهي فكرة جنونية في ذلك الوقت. كيف حدث اللقاء؟ القصة وما فيها جرت على النحو التالي: كان المؤلف وزوجته قد وصلا إلى مطار القاهرة حيث استقبلهما لطفي الخولي وزوجته، وكلاهما يتقن الفرنسية تماماً. ثم حجز لهما غرفة في «شيراتون» على ضفاف النيل. وبعدئذ قادهما للعشاء في منزل الممثل حسين فهمي صديق السادات. وقد حضر العشاء مراد غالب سفير مصر في موسكو. وبعد منتصف الليل فوجئ حسين فهمي بسيارة رسمية تتوقف أمام البيت القريب من الأهرامات. فخرج لمعرفة السبب، فإذا به وجهاً لوجه مع الرئيس السادات شخصياً. وهذا يعني أن الرئيس كان يعرف مدى أهمية ماريك هالتير وزوجته ومدى قربهما من القادة الإسرائيليين والعالميين. وعندئذ اقترحت عليه كلارا الفكرة. فرد عليها السادات حرفياً: شكراً على اقتراحك ليدي كلارا. سوف أفكر في الموضوع. وبالفعل؛ فهي الفكرة التي نفذها لاحقاً تحت أنظار العالم كله ولا أحد يكاد يصدق! وعندما سلّم على الشخصيات الرسمية في «مطار بن غوريون» لمح السادات شبح كلارا وزوجها وراء موشي دايان فقال لهما: هكذا تلاحظين مدام كلارا: لقد نفذت فكرتك حرفياً... إلخ.
لا أعرف ما إذا كان الرجل يريد أن يضخم مكانته أو يعطي لنفسه قيمة أكبر منه. ولكن يبقى الكتاب ممتعاً جداً ومليئاً بالمفاجآت والأسرار اليهودية والعربية والعالمية... كنت أتمنى لو كنت أمتلك الوقت الكافي للتحدث عن لقاءاته بمشاهير العرب؛ من أمثال: إدوارد سعيد، ومحمود درويش، وأمين معلوف... هذا ناهيك بمشاهير العالم من أمثال: تشومسكي، وهربرت ماركيوز، وجارودي... إلخ. ولكن الوقت ضاق والمكان لا يتسع...


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).