ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

تحتوي تفاصيل عن دوره في اتفاقية أوسلو ولقاءاته مع السادات وعرفات وبيريز

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات
TT

ماريك هالتير في مذكراته: كنت أحلم بتغيير العالم

ياسر عرفات  -  أنور السادات  -  شمعون بيريز  -  غلاف المذكرات
ياسر عرفات - أنور السادات - شمعون بيريز - غلاف المذكرات

دائماً كتب المذكرات لها تشويقها الخاص والمثير... دائماً تقرأها من دون كلل أو ملل حتى تصل إلى نهايتها. نقول ذلك خصوصاً إذا كانت صادرة عن شخصيات مهمة. من بين هذه الشخصيات يقف حتماً مؤلف هذا الكتاب ماريك هالتير. وهو يهودي فرنسي من أصل بولوني وصل إلى باريس مع عائلته وهو في سن الرابعة عشرة فقط. ومع ذلك؛ فقد أتقن لغتها وبرع فيها إلى حد أنه أصبح كاتباً مشهوراً رغم أنه لا يحمل شهادات عليا. ولكنه ظل يتكلم الفرنسية بلكنة خاصة تكاد تضحك الفرنسيين. وهو شخصية نافذة جداً في الأوساط الفرنسية؛ بل وحتى العربية، ناهيك بالدولية. إنه يستطيع أن يهاتف القادة والزعماء والرؤساء على تليفوناتهم الجوالة الخاصة؛ ومن بينهم زعماء عرب. ويستطيع أن يتحاور مع جاك شيراك أو بيل كلينتون أو فلاديمير بوتين أو سواهم كأنه صديق شخصي وليس فقط مجرد صحافي. وقد اشتريت مذكراته الصادرة مؤخراً في العاصمة الفرنسية لأني كنت أتوقع أنها تحتوي أسراراً عربية وإسرائيلية وفلسطينية شديدة الخطورة والأهمية. ولم يخِب ظني.
قبل الدخول في صلب الموضوع، ينبغي القول إنه كان قد انخرط سابقاً في كتابة سلسلة من الروايات التاريخية التي تهدف إلى تمجيد ذكرى نساء الإسلام العظيمات: مثل السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة فاطمة بنت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق. وهذا شيء مدهش؛ إذ يصدر عن كاتب ذي أصول يهودية ويفترض أنه بعيد جداً عن الموضوع. ولكنه مهووس بتحقيق التقارب بين العرب واليهود، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق. فكلهم في نهاية المطاف من أحفاد إبراهيم الخليل. إنهم أبناء عمومة؛ كما يقال عادة. ولذلك فهو يهتم بكل شيء يخص تاريخنا وتراثنا. إنه يريد أن يتقرب منا، أن يلتصق بنا بأي شكل، لأنه يعرف أن إسرائيل العزيزة جداً على قلبه لا يمكن أن تندمج في المنطقة إن لم نقبل بها يوماً ما. الكلمة الأخيرة تبقى للعرب لأنهم أصحاب المنطقة الأساسيين من المحيط إلى الخليج. إنهم كالبحر الهادر بأعدادهم التي ستتجاوز نحو 500 مليون نسمة. وبالتالي فإسرائيل عبارة عن قطرة في بحر من العرب والفلسطينيين، وموازين القوى لصالحهم رغم كل المظاهر المعاكسة حالياً. ولهذا السبب؛ فهو مهتم جداً بإحداث التقارب بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وقد أمضى حياته كلها في النضال من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكنه يبقى متحيزاً للطرف الإسرائيلي بطبيعة الحال. وهو لا يخفي ذلك أصلاً وإن كان يحاول جاهداً احترام موقف الفلسطينيين وآلامهم التي تفوق الوصف. وأنا هنا لا أريد الترويج لهذا الكتاب؛ وإنما فقط استعراض آرائه التي تهم كل المثقفين وأصحاب القرار في العالم العربي؛ إذ لا يكفي أن تعرف رأيك في الآخر، وإنما ينبغي أن تعرف رأي الآخر فيك أيضاً.
ما كان يهمني في مذكراته هو معرفة الدور الذي لعبه بوصفه همزة وصل بين القيادة الإسرائيلية والقيادة الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: كيف كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات؟ وأين؟ وما الصورة أو البورتريه الذي يقدمه عنه؟ سوف نتحدث عن ذلك قبل أن ننتقل إلى لقائه الأول مع أنور السادات. وهنا أيضاً نجد أنفسنا أمام بورتريهات عدة أو صور شخصية لقادة عرب كبار، وكلها مرسومة من قبل مثقف يهودي عالمي مؤيد لحق إسرائيل في الوجود ومتحرق لتحقيق رغبة واحدة: أن يقبل بها العرب يوماً ما. وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فإن ذلك لا يغير في الأمر شيئاً. فالشيء المؤكد هو أن هذا الرجل لعب دوراً مهماً جداً طيلة الخمسين سنة الماضية، وقام بمهام سرية كثيرة وحساسة للغاية. فلماذا لا نطّلع على ما يقول؟ لماذا لا نحاول أن نعرف كيف يفكر قادة الرأي العام اليهودي فينا؟
- لقاؤه الأول مع ياسر عرفات
قبل أن يلتقي عرفات كان ينبغي عليه أن يأخذ إذناً من أعلى رأس في القيادة الإسرائيلية: أي رئيسة الوزراء غولدا مائير شخصياً. ولذلك طلب مقابلتها، فاستقبلته في مكتبها الرسمي بالقدس بعد طول انتظار. وقد استقبلته في المطبخ وأمامها علبة سجائر ومنفضة فقط. وعندما قال لها إنه ينوي مقابلة عرفات؛ بل وأخذ موعداً معه في بيروت، تغيّر لونها وامتقع وجهها وضربت بيدها بكل عنف على الطاولة إلى درجة أن السجائر تطايرت والمنفضة سقطت أرضاً. وصرخت في وجهه: تريد أن تقابل عدو إسرائيل الأول وعلى يديه دماء أطفال إسرائيل؟ هل أصابك مسٌ من جنون؟ فأجابها: ولكن النبي موسى قابل الفرعون قاتل الآلاف المؤلفة من أطفال اليهود الرضع! فلماذا لا يحق لي أن أقابل عرفات؟ فأجابته: ولكنك لست النبيّ موسى! فأجابها: بالطبع لست النبي موسى، ولكن إذا ما مسّ كلامي ضمير عرفات وجعله يقبل بالسلام وتوفير حياة آلاف الأطفال اليهود والفلسطينيين معاً؛ فلماذا لا أقابله؟ فأجابته: ولكن الله هو الذي أمر سيدنا موسى بالذهاب لمقابلة الفرعون، فهل كلمك الله يا ترى دون أن نعلم؟ فأجاب: بالطبع لا، ولكن كلمني ضميري، وسوف أفعل كل شيء من أجل السلام بين العرب واليهود. وعندئذ نهضت فجأة بكل غضب علامةً على إنهاء المقابلة فوراً، فخرج بعد أن حياها بالعبرية: «شالوم»؛ أي «سلام»، فلم ترد. ثم خرج الرجل من عندها مذهولاً دائخاً، وفي الشارع نادى على تاكسي جماعي وذهب إلى فندقه في تل أبيب. وفي الصباح الباكر؛ الساعة السادسة فجراً، أيقظه صوت التليفون وهو يغطّ في نوم عميق، وسمع صوتها يهدر ويقول له كلمة واحدة: اذهب! ثم وضعت السماعة. وعندئذ عرف أنه نال موافقتها أو مباركتها لمقابلة ياسر عرفات.
كان اللقاء الأول مع عرفات قد حدث في بيروت عام 1969، وفي ذلك الوقت لم يكن عرفات يعرف كلمة واحدة في الإنجليزية، ولم يكن هو يعرف إلا بضع كلمات نادرة في العربية. وبالتالي فقد كان هناك مترجم، وهذا شيء مزعج دائماً. ثم لم يكن عرفات وحده في المكتب؛ وإنما عشرات الآخرين من المساعدين والمقربين والحراس الشخصيين. وبعضهم كان يضع الكلاشنيكوف على ركبتيه، والبعض الآخر كان يسبّح بالمسبحة... إلخ. لم يفهم عرفات لماذا يلح هذا الرجل على مقابلته. وعندما حيّاه ماريك هالتير بكلمتين عبرية وعربية: «شالوم. سلام»، انزعج عرفات ولم يرد عليه؛ بل رأى فيه جاسوساً ماكراً ليس إلا. في ذلك الوقت؛ لم تكن فكرة السلام تخطر على بال عرفات على الإطلاق. كان يفكر فقط في محو إسرائيل عن الخريطة بمعونة العالم العربي. ولهذا السبب اختصر عرفات المقابلة، فقال له هالتير وهو يودّعه: إلى اللقاء يا فخامة الرئيس. فأجابه عرفات: نلتقي العام القادم في تل أبيب المحررة! ولكن على عتبة الباب وقبل أن يخرج التفت إليه ماريك هالتير مستديراً بكل جسده الضخم وقال له: إذا كان ذلك صحيحاً فإني سأكون قد قتلتك قبل يوم واحد من حصول ذلك! يقول هالتير: ما إن انتهى المترجم من ترجمة عبارتي حتى انتفض حرس عرفات ويدهم على الزناد، وسمعت قعقعة السلاح وهموا بالبطش بي. ولكن عرفات طلب منهم الجلوس والهدوء، ثم اقترب من ماريك هالتير وقال له بعد أن وضع يده على كتفه قائلاً: لا أعرف من الذي سيكون قد قتل الآخر قبل ذلك، ولكن قبل أن نموت معاً دعنا نلتقِ مرة أخرى. فوافق هالتير بطبيعة الحال... ثم اقترب مني، وقبّلني، وتلاقت لحيتي الكثّة مع لحيته الخفيفة. ونفهم من ذلك أن عرفات قائد حقيقي لأنه يعرف كيف يتحكم بعواطفه ولا يجعلها تتحكم به.
ثم يختتم ماريك هالتير كلامه قائلاً: لم نقتل بعضنا بعضاً بعدئذ. أبداً أبداً. وإنما أصبحنا صديقين عزيزين، والتقينا مرات كثيرة لاحقاً في الأردن، وبيروت، وتونس حيث حضّرنا لاتفاقيات أوسلو معاً، وهي الاتفاقيات الوحيدة التي كادت تنجح. ثم يفتخر هالتير قائلاً إنه هو الذي قدم سهى الطويل إلى ياسر عرفات في تونس صحافيةً تريد إجراء مقابلة معه. فوقع في حبها من أول نظرة وأصبحت زوجته ووالدة طفلته الوحيدة التي دعاها «زهوة» على اسم أمه العزيزة الغالية...
- ماريك هالتير يستدعي عرفات وبيريز إلى شقته
بعد ذلك بسنوات طويلة؛ وبالتحديد عام 1992، ابتدأت المناورات الكبرى التي ستؤدي إلى «اتفاقيات أوسلو» واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل. وقد لعب مؤلف الكتاب دوراً كبيراً فيها نظراً لعلاقاته الوثيقة مع كلا الطرفين؛ العربي والإسرائيلي. ولهذا السبب سافر ماريك هالتير مع زوجته كلارا إلى تونس لإقناع عرفات بالفكرة. وعندما عرفت صديقتهما سهى بمجيئهما أرسلت لهما سيارة خاصة إلى مطار قرطاج وحجزت لهما غرفة في فندق «هيلتون». وتعشّى الأربعة في شقة عرفات، ودار الحديث التالي: قال له عرفات وهو يشير إلى بطن سهى الحامل: انظر يا صديقي؛ هذا هو الكتاب الذي وعدتك به! وكان قد وعده بكتابة مذكراته وإرسالها إلى ناشر فرنسي، ولكنه لم يفعل، وإنما اكتفى فقط بالإنجاب! وفي نهاية العشاء سأله عرفات: هل هناك من سبب خاص لزيارتكم؟ فأجابه: نعم. إني أدعوك إلى زيارتي في شقتي الباريسية لكي تلتقي بشخصية إسرائيلية كبيرة. ومن هي؟ شمعون بيريز. وكان هذا اللقاء السري حاسماً في نجاح مؤتمر أوسلو. وكان عرفات أول الواصلين، ثم تبعه بيريز، وتصافحا لأول مرة أمام ماريك هالتير وزوجته كلارا. قال له بيريز: السيد الرئيس: رجالنا يتفاوضون في أوسلو كما تعلم، ونأمل أن ينجحوا. ولكن لا نستطيع أنا وأنت أن نحل في نصف ساعة مشكلة ضخمة عمرها نصف قرن على الأقل. وبعد خروج بيريز وسفره إلى لندن التفت عرفات إلى ماريك هالتير وقال له: صديقك بيريز شخص جيد، ولكن أنا بحاجة إلى جنرال لكي أتفاوض معه. وعندئذ فرض إسحاق رابين نفسه.
- لقاؤه مع أنور السادات
نفهم من كلام المؤلف أن زوجته كلارا هي التي اقترحت على السادات زيارة إسرائيل وإلقاء خطابه التاريخي الشهير في الكنيست. وهي فكرة جنونية في ذلك الوقت. كيف حدث اللقاء؟ القصة وما فيها جرت على النحو التالي: كان المؤلف وزوجته قد وصلا إلى مطار القاهرة حيث استقبلهما لطفي الخولي وزوجته، وكلاهما يتقن الفرنسية تماماً. ثم حجز لهما غرفة في «شيراتون» على ضفاف النيل. وبعدئذ قادهما للعشاء في منزل الممثل حسين فهمي صديق السادات. وقد حضر العشاء مراد غالب سفير مصر في موسكو. وبعد منتصف الليل فوجئ حسين فهمي بسيارة رسمية تتوقف أمام البيت القريب من الأهرامات. فخرج لمعرفة السبب، فإذا به وجهاً لوجه مع الرئيس السادات شخصياً. وهذا يعني أن الرئيس كان يعرف مدى أهمية ماريك هالتير وزوجته ومدى قربهما من القادة الإسرائيليين والعالميين. وعندئذ اقترحت عليه كلارا الفكرة. فرد عليها السادات حرفياً: شكراً على اقتراحك ليدي كلارا. سوف أفكر في الموضوع. وبالفعل؛ فهي الفكرة التي نفذها لاحقاً تحت أنظار العالم كله ولا أحد يكاد يصدق! وعندما سلّم على الشخصيات الرسمية في «مطار بن غوريون» لمح السادات شبح كلارا وزوجها وراء موشي دايان فقال لهما: هكذا تلاحظين مدام كلارا: لقد نفذت فكرتك حرفياً... إلخ.
لا أعرف ما إذا كان الرجل يريد أن يضخم مكانته أو يعطي لنفسه قيمة أكبر منه. ولكن يبقى الكتاب ممتعاً جداً ومليئاً بالمفاجآت والأسرار اليهودية والعربية والعالمية... كنت أتمنى لو كنت أمتلك الوقت الكافي للتحدث عن لقاءاته بمشاهير العرب؛ من أمثال: إدوارد سعيد، ومحمود درويش، وأمين معلوف... هذا ناهيك بمشاهير العالم من أمثال: تشومسكي، وهربرت ماركيوز، وجارودي... إلخ. ولكن الوقت ضاق والمكان لا يتسع...


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه
TT

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات. وكتاب المؤرخ الإيطالي إيميليو جِنتيليه «قبل أن يصبح الدوتشي»، الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامين»، هو من هذا الصنف النادر من الكتب، فهو لا يُحاكم موسوليني ولا يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعين الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟

لمن لا يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فهو أستاذ فخري في جامعة لاسابينزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفاً في تاريخ الفاشية الإيطالية، وهو يُعدّ اليوم المرجع الأول عالمياً في هذا الحقل حيث قضى نصف قرن يفحص هذه الظاهرة من زوايا متعددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعلاقتها بالدين.

في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالباً ما أُسدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك المرحلة السابقة لصعوده إلى السلطة وتحديداً السنوات الممتدة بين نشاطه في الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الإيطالي ونهاية عشرينات القرن الماضي. يبدأها الكاتب بطفولة بنيتو موسيليني في كنف أسرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم معلمة متدينة، ثم مرحلة سفره إلى سويسرا بحثاً عن عمل، وطرده بسبب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط الاشتراكيين الإيطاليين المهجرين الذين احتجّوا لأجله وأعادوا إليه اعتباره. عاد موسيليني إلى إيطاليا ليُكمل تشكيله الآيديولوجي في المواجهة الأكثر إثارة في مسيرته، حيث حضر عام 1904 نقاشاً علنياً مع قسٍّ إنجيلي حول وجود الله فرفع ساعته ووجّه تحدياً شهيراً: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجوداً. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئاً، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم المزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مسرحي، استفزازي، ومُحكم في توظيف الكلمة بوصفها أداةَ تعبئة.

في عام 1911 سيق موسوليني إلى السجن خمسة أشهر بسبب تحريضه ضد الحرب الليبية، تلك الحرب التي رأى فيها استغلالاً للعمال في خدمة مصالح البرجوازية، سمعته كمعارض اشتراكي بدأت تنتشر وهو في السجن، حيث كتب سيرته الذاتية الأولى وتدريجياَ ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط الاشتراكية الثورية الإيطالية.

الحجّة الجوهرية لكتاب إيميليو جِنتيليه تقوم على مادة أولية ثرية استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مقالاته في جريدة «أفانتي» لسان الحزب الاشتراكي حين كان مديرها، ثم في «إيل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته مع الحزب الاشتراكي عام 1914، فضلاً عن خطبه وتقارير الشرطة عنه ومراسلاته الخاصة، حيث يستعرض المؤلف هذه الوثائق بدقة المؤرِّخ، لرصد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لغة الصراع الطبقي والأممية الاشتراكية إلى خطاب الإرادة والقوة والأمة و«العنف الخلّاق».

يجمع المؤلف في منهجه بين مسارين متوازيين: سرد زمني لمراحل حياة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لبنية الفاشية الأولى ومعجمها، وفي الصميم أطروحة مفاجئة في بساطة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية الإيطالية لم تولد في قلب اليمين المحافظ ولا في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت من رحم اليسار الثوري ذاته، بوصفها تمرّداً على الاشتراكية المؤسّسية كما فهمها جيل الحرب. فموسوليني الذي كان عام 1912 زعيم الجناح الأقصى داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي ومدير صحيفته المركزية «أفانتي»، والرجل الذي أقصى الإصلاحيين ورفع لواء الثورة الاجتماعية دون هوادة، هذا الرجل نفسه تحوّل في غضون سنتين فقط إلى داعية للحرب بوصفها «ثورةً بديلة»، قبل أن يُقصى من الحزب ويؤسس صحيفته وحركته الجديدة.

يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتداداً خيانياً مفاجئاً، بل كان متدرِّجاً وذا منطق داخلي مفهوم. وكان موسوليني قد أعلن لصديقه المثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساساً بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريين». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخلَّ في البداية عن قاموس الثورة والعداء للرأسمالية، بل أعاد توجيهه: حيث أحلّ «الأمة البروليتارية» محل «البروليتاريا الأممية»، وأبدل بـ«الحزب الاشتراكي» «الفصائل» والكتائب المسلحة، واستعاض عن «الصراع الطبقي» بـ«الصراع الحضاري القومي». وهذا الانزياح المفهومي التدريجي، من الماركسية إلى القومية الثورية المتعطشة للعنف، ليس قطيعةً كاملةً مع اليسار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري في داخله: حيث تستبقي لغته الثورية الجياشة وتُفرغها من محتواها الاجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي.

يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن الدراسات السابقة حول موسوليني: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل في السنوات التي سبقت تأسيس النظام الفاشي، فموسوليني الذي جسّد صورة القائد الكاريزمي القوي الذي يقرأ النفوس ويعبّر عن روح الجماهير، لا أثر له في صفحات جِنتيليه التي تستحضر بدله الشاب الذي يتخبّط ويتذبذب ويواجه الفشل المتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اختراع نفسه. انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1919 البرلمانية كانت أبلغ تعبير عن هذه الهشاشة: لم يحصل موسوليني في ميلانو إلا على بضعة آلاف من الأصوات، مقابل مئات الآلاف للحزب الاشتراكي، في هزيمة مدوّية دفعته جديّاً إلى التفكير في الانسحاب من الحياة السياسية. ثم أتت المرحلة اللاحقة 1920-1922، حيث بنى موسوليني نفسه وحركته من جديد على قاعدة العنف المنظّم والتحالفات الانتهازية مع الملكية والجيش والبرجوازية الكبيرة الخائفة من المّد الشيوعي.

يقدّم جِنتيليه من خلال هذه التفاصيل صورة لزعيم هو في جوهره «مغامر في كل الدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يتلاعب بمواقفه بعقل براغماتي قاسٍ، ولا يتردد في نقض ماضيه الاشتراكي الثوري إذا اقتضت معادلة السلطة ذلك. يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً وموحَّداً، بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية المؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية والمؤسسة العسكرية، ومناهضة لـ«العالم البرجوازي» ومُوظِّفة لماله في تمويل العنف السياسي. هذا التناقض ليس عرضاً لضعف آيديولوجي بقدر ما هو القوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحد. دار النشر الفرنسية «سيرتامين» التي تولّت نشر الترجمة الفرنسية المزودة بمقدمة المؤرخ فريدريك لو موال، وصفت هذه الدراسة البالغة 344 صفحة بأنها «درس تاريخي بالغ الدقة» يبّدد مختلف المختزلات والمسلّمات المتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف.


الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث». وقد جاءنا التعقيب التالي على المقال):

- هل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟

من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عن حماسته لموضوع ما من الموضوعات، فيدبج مقالة ملأى بخواطر، تثير في نفوس القراء الاهتمام. وقد تنجح في نقل عدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققاً لغرضه من مقالة تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما هي باطنياً تغص بالذاتية. وتكمن حراجة هذا التفاوت بشكل مخصوص في ذاك النوع من الموضوعات الإشكالية التي تنطوي على كثير من الاختلاف والتشكيك مثل موضوعه «الاستشراق».

وليس مما يلذ في الحماسة المفرطة علو كعب الأنوية، فيغتبط كاتب المقالة أو يغتمُّ على هواه من دون أن يكترث إن كان ذلك يرضي القراء أو لا. صحيح أنَّ من الجائز له أن يكشف لنفسه عن خواطره متجنياً ومقصراً أو موبخاً ومقرعاً، غير أنَّ من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم.

أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب على مقالة الأستاذ هاشم صالح «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث» المنشورة 4 مارس 2026 في جريدة «الشرق الأوسط». وفيها مجَّد الكاتب «الاستشراق» بعمومه ومجمله، أعني الأوروبي القديم والأميركي الجديد أيضاً. ومصدر هذا التمجيد متأتٍ من حماسته في تبني فكرة «أنَّ الاستشراق هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرُّ أنفسنا كثيراً» فكأن المستشرقين أفاضوا في نعمهم على الثقافة والفكر إفاضة تحتاج منا نحن العرب تحميد قضهم وتبجيل قضيضهم من دون أي استثناء.

برنارد لويس

ونظراً للحماسة الكبيرة التي اعترت الكاتب، لم يقصر في التعبير عن هذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن الاستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح.

إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام» و«العلم الذي ينير الأبصار» والمحصلة من وراء ذلك كله أنوية التعبير الذاتي «شكراً لهم وألف شكر... أشعر بأني أولد من جديد». ولكن هل فعلاً كان الاستشراق علماً وعبقرية؟ وهل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة»!

ما لا ريب فيه أنَّ جهود المستشرقين ليست جميعها على حالة واحدة. الأمر الذي لا يسمح لنا أن نصفهم بالعموم وصفاً إيجابياً؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومناهجهم التي لم تتجاوز الفرويدية والماركسية والداروينية والتاريخية المادية، تطورت اليوم إلى مجموعة اختصاصات، ولكل اختصاص مناهجه الخاصة. ولا نعدم أن كثيراً من أولئك وهؤلاء كانوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أنّ العصور الوسطى - التي شهدت قيام الحضارة العربية الإسلامية - كانت مرحلة انحطاط، وأنَّ العرب لم ينهضوا من سباتهم إلا بسبب الحملات التبشيرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد الأدب العربي، شكك المستشرقون في كثير من المصادر والأصول الأدبية، وعدُّوها غير عربية.

ولقد فات كاتب المقالة موضع التعقيب وهو يستشهد بالموسوعة الإسلامية وغيرها التحفظات الكثيرة التي سجلها الباحثون العرب عليها. ومن خلالها أكدوا أنَّ للاستشراق علاقة وثقى بالمركزية الغربية والسلطة الاستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب المستشرقين بمقاييسهم المادية من أجل تغريب الفكر الإسلامي وإثارة الشبهات حول وقائع مهمة مثل «ثورة الزنج» والقرامطة والحلاج والباطنية و«إخوان الصفا»، ناهيك عن تصويرهم الصراعات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بأنها سياسية دارت بين يمين ويسار، وتصويرهم الإسلام ثورة مجتمعية وليس رسالة سماوية إنسانية، وكذلك وصفهم التصوف بأنه ثورة على الإسلام ورجوع به إلى التثليث المسيحي، وعدّهم الفلسفة الإسلامية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلك من التصورات التي كان لها أكبر الأثر في صياغة رؤى غربية عن الإسلام، ساهمت في تشكيل مواقف الغرب من الشرق عامة وبلاد العرب خاصة.

وهنا نتساءل هل ثمة من ينكر أنَّ المستشرق كارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة الإسلام الألمانية قام بدراسات تخدم الاستعمار الألماني في احتلال أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن المستشرق بارتولد مؤسس مجلة عالم الإسلام خدم مصالح الروس في السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس المستشرقون هم الذين صوروا أحداث عام 1860 على أنها فتنة بين المسلمين ومسيحيي لبنان لأجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟.

وإذا تركنا ذلك كله، وأقررنا بأن المستشرقين قدموا لنا علوماً ونظريات، فإن ذلك يبقى أيضاً نسبياً بمحدودية أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم لا وجود لعلم نظري يقدم تفسيراً أصيلاً ونهائياً للحياة التي هي نفسها لا ثبات فيها ولا كمال.

ومعلوم أن الاستشراق القديم «الأوروبي» كان قد تجرأ على الإسلام والقرآن ونبينا الرسول الكريم. أما الاستشراق الجديد «الأميركي» فعرف كيف يتلفع بالثقافة والفكر واجهة، يداري من خلالها على أغراضه السياسية. فغدت الدراسات الثقافية طريقاً للخوض في مسائل الذات والآخر والهوية والهامش والتابع وما إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أنّ الصراع بين الشرق والغرب هو صراع فكري.

ومنذ أن أكَّد إدوارد سعيد حقيقة أن لا وجود لمؤسسة تعليمية عربية قادرة على مضاهاة ما لدى جامعات أكسفورد وهارفارد من مجلات ومراكز أبحاث، فإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائرة معارف إسلامية جديدة» نستطيع من خلالها مواجهة موقف التنقيص من الإسلام وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل الاتباع حاكماً علينا، مصيباً ذواتنا بالعمى المعرفي فنرى «الشخصيات الاستشراقية كبرى» تجدد نفسها ومناهجها، بينما لا نقدر نحن على ذلك.

ومن ثم يكون واجباً «ألا يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة...» بهذا الشكل الاتباعي، نبقى ملزمين بأن نردد بلا اكتراث أقوال تلك الشخصيات مثل أرنست رينان الذي يرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد المستشرق جيب في قوله إن حضارة العرب أسطورة وأن الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى كانوا مجرد ناقلين ووسطاء للتراث اليوناني والروماني!.

ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق» وهكذا تبقى القناعة راسخة بـ«شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة»، وكأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثاً فلسفياً كبيراً كان سبباً في بزوغ فلسفة القرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضاً على قرننا الحالي؛ حتى لا أصالة لدى الباحث العربي إلا إذا كان طالباً يتلقف ما يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها على تراثنا» ومن دون ذلك ستحكمه «العقلية الأصولية» التي غرق برنارد لويس في البحث فيها، وستهيمن عليه «الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية»، وهذا نسف متحمس وغير مشروع لمئات الأعمال البحثية التي تبناها المفكرون العرب، ورفضوا من خلالها وصاية الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جعيط وأنور عبد الملك وهادي العلوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم.

ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق المفكر إدوارد سعيد حين وسم موقفه من نقد الاستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيداً أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي من عقر داره، وتصدى له بلغته نفسها، فكشف حقيقة أن علاقة الغرب بالشرق علاقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن الاستشراق صنيعة الجغرافيا المتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جوهري في أجيال من الباحثين الغربيين الذين صاروا - في الثلاثين سنة الأخيرة - يرفضون مفردة الاستشراق، واستبدلوها بـ«الدراسات الشرقية» وصاروا يستنكفون من وسمهم بالمستشرقين، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربين».

أما ما أضافه إدوارد سعيد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «الاستشراق» فكان رداً على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته في أن الثقافة والعلم مجرد قناع تخفى الغرب السياسي خلفه «أعتقد شخصياً أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأميركية على الشرق أكثر من كونه خطاباً صادقا حول الشرق» الاستشراق، ص 50. ووصف الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة الأمر من المناهضين للإمبريالية، بل في صفوف عملائها السريين» تعقيبات على الاستشراق، ص 47. وننصح بأمانة أن تُعاد قراءة هذين الكتابين قراءة ثاقبة من أجل التخلص من «مستنقع التخلف»،

بيد أن هذا كله لا يقرُّ به من يتحمس للاستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا» ومن تستحكم عليه الحماسة والاتباعية، فلن يرى أنوار تلك العصور الذهبية، وسيسأل نفسه: «متى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الكاتب صالح مقالته به، فجافى لغة النقد التي تتقبل الرد والخصومة والجدال والحوار. ودخل في منطقة الأنا المتعالية حيث الذات تُصادر غيرها بوصفها هي السائلة المجيبة معاً!.


فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟