ليبيا... من الفراعنة والإغريق إلى الفتح الإسلامي

ليبيا... من الفراعنة والإغريق إلى الفتح الإسلامي
TT

ليبيا... من الفراعنة والإغريق إلى الفتح الإسلامي

ليبيا... من الفراعنة والإغريق إلى الفتح الإسلامي

يسعى الباحث الليبي الدكتور منصور محمد الكخيا إلى إبراز ملامح البيئة العريضة التي يعيش فيها مواطنو بلاده، بداية من تربتها ومناخها، إلى أنواع النباتات وطبيعة حدودها، وانعكاسات كل ذلك على حيويتهم، ومظاهر أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية، وتكوينهم الديموغرافي، موضحاً أن ليبيا كان اسما ذا مدلول جغرافي، قبل كونه سياسياً أو اجتماعياً، وأن الفراعنة هم الذين أعطوا منطقة الصحراء المتاخمة لوادي النيل غرباً هذا الاسم، وأخذه عنهم الإغريق الذين توسعوا في بسطه على كل الأجزاء المعروفة لديهم من الشمال الأفريقي والمناطق الصحراوية المتاخمة له في جهة الجنوب، لينكمش في العصر الروماني مقتصراً على المنطقة الواقعة بين وادي النيل في الشرق وجبال أطلس في الغرب.
وقسم الكخيا كتابه «ليبيا المكان والزمان والإنسان»، الذي صدر في القاهرة حديثاً عن مجموعة الوسط للإعلام، إلى ثلاثة أقسام، أفرد لكل منها دراسة وافية، ارتكز الأول على ليبيا المكان، وفيه اهتم الباحث بالتعريف بأقاليم الدولة الليبية وتضاريسها، ولفت إلى أن المشكلات والنزاعات التي نشأت عند توقيع اتفاقيات ترسيم الحدود من كل من تشاد والنيجر والجزائر كان أساسها الإجراءات التي قام بها المستعمر الفرنسي على الأرض بعد الحرب العالمية الثانية، وعمله على تغيير حدود ليبيا مع الدول التي احتلت أجزاء منها، واتباع سياسة الأمر الواقع، وهو ما يخالف اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعتها فرنسا عام 1935 مع إيطاليا، إبان استعمارها الأراضي الليبية التي بدأت عملية ترسيم الحدود لها قبل أن تستولي عليها منذ القرن التاسع عشر بين تركيا والحكومات الأوروبية في مناطق الجوار، ثم بعد ذلك بين إيطاليا وقريناتها الاستعمارية، فرنسا في غرب وجنوب ليبيا، وبريطانيا في الشرق والجنوب الشرقي.
ولفت الكخيا إلى أن اتفاقيات ترسيم الحدود بين ليبيا ومصر والسودان وتونس، وحتى الجزائر، اتسمت بروح التسامح والانفتاح والتعاون، بخلاف ما جرى مع تشاد والنيجر اللتين اتخذ النزاع الحدودي معهما شكلاً مسلحا في عهد حكم القذافي، انتهى بانسحاب ليبيا من شريط أوزو بعد مداولات قضائية دولية.
وفي الجزء الثاني من الكتاب، أشار الكخيا إلى أنه منذ فجر التاريخ، أمدت الوثائق والنقوش والمخلفات الفرعونية الباحثين بمعلومات أكثر دقة وتنوعاً عن الليبيين والبلاد التي أطلقوا عليها اسم «ليبيا» التي تجاور حوض النيل، وتتنوع بين رسوم وكتابات على الصخر، أو على مقابض الخناجر والهراوات المستعملة في الحروب، وتعود لعصر ما قبل الأسرات وبدايته، ثم الدولة القديمة والوسطى ووثائق الدولة الحديثة، وأخيراً وثائق عصر ما بعد الأسرات. وقد ورد اسم الليبيين في تلك الوثائق لأول مرة تحت اسم «التحنو»، وكانت تظهرهم بشعور سوداء مرسلة ولحى طويلة مدببة، فيما تظهر المصريين بشعور كثة غير مرسلة، ولحى كثيفة غير مدببة، وكانت وثائق عصر ما قبل الأسرات تعني بالتحنو الأراضي الواقعة غرب دلتا النيل، والجزء الغربي من الدلتا، ويعنون بها في الوقت نفسه القوم الذين يسكنون تلك المناطق.
ويعتبر التحنو -حسب الكخيا- هم أقدم مكون ذكره التاريخ لسكان ليبيا، وهم ينحدرون من نسل سلالات الإنسان القديم الذي كان يسكن مناطق الشمال الأفريقي والصحراء الكبرى خلال العصر المطير، ثم اضطروا إلى الهجرة عندما حل الجفاف شمالاً حيث المناطق الساحلية، وجنوباً صوب المناطق المدارية وشبه المدارية، ونحو أحواض الأنهار، النيجر والنيل وغيرهما من الأنهار الأفريقية، كما استقر ما تبقى من السكان الليبيين بواحات الصحراء الكبرى.
وذكر الباحث أن من هذه الأقوام جماعات التحنو الذين استوطن بعضهم مصر الوسطى، كما استوطنت جماعات أخرى الجزء الغربي من دلتا النيل. وجرى صراع بالطبع بين القبائل، لكنه انتهى سلمياً بانتقال العرش لأسرة من أصل ليبي، وذلك في بداية الألف الأولى قبل الميلاد.
كما تحدثت الوثائق الفرعونية عن جماعات التماحو، خلال حكم الأسرة السادسة، وهي آخر الأسر الحاكمة في الدولة القديمة، وهم قوم جاءوا إلى وادي النيل من جهة الغرب خلال الألف الثالثة قبل الميلاد. ويذكر المؤلف أن هذه الجماعات استوطنت الواحات الواقعة غرب النيل، في منخفض الفيوم، ودخلوا مصر الوسطى على شكل دفعات وهجرات متلاحقة. ومع مرور الزمن، قوي نفوذهم في المناطق التي تكاثروا فيها، حتى سيطروا على الأسر الحاكمة نفسها، وأصبحوا سادة مصر الوسطى، وتمكنوا من حماية تلك المناطق المصرية من موجات الهجرات الزنجية الوافدة من الجنوب.
ويؤكد بعض المؤرخين أن التماحو سيطروا بشكل تام على مصر الوسطى، وكونوا أسرتين حاكمتين، هما الأسرة التاسعة التي حكمت من 2161 إلى 2130 قبل الميلاد، والأسرة العاشرة التي حكمت من 2130 حتى 2040 قبل الميلاد، وكانت مدينة إهناسيا عاصمة حكم هاتين الأسرتين.
وتشكل قبيلة التماحو واحدة من أقدم القبائل الليبية، ومعها التحنو، والآسيويون، والهكسوس، والإثيوب، والقهق، والليبو والمشواش، وأسبات، وتايكش، وهاسا، وقد وردت أسماءهم كمشاركين في حملات الليبو والمشواش على مصر، أو كأسرى حرب أو مجندين مرتزقة في الجيش الفرعوني.
وفي قسم آخر من الباب الثاني، تحدث الكخيا عن تأثير الفينيقيين، وما قاموا بتأسيسه من مدن على ساحل ليبيا الغربي، مثل صبراته، وأويا ولبدة، وقد جعلوا منها مدناً بحرية عامرة بالتجارة، واستوطنها إلى جانب الفينيقيين كثير من أهل البلاد الأصليين، وامتزجوا ثقافياً وعرقياً بهم. وعرف الشعب الذي نتج عن ذلك التمازج بالبونيقيين، وقد أسسوا دولة ورثت الحضارة الفينيقية، عرفت بالحضارة البونيقية، استمرت مزدهرة حتى قضى عليها الرومان بعد حروب طويلة. كما أفرد الكخيا جزءاً من حديثه عن التأثيرات التي تعرضت لها الأرضي الليبية وسكانها على يد المهاجرين الإغريق الذين تزوجوا من نساء ليبيات، وكانت اللغة اليونانية التي استعملوها في شمال شرقي ليبيا تختلف قليلاً عن اللغة اليونانية الأم. ورغم أن الإغريق وثقافتهم كان لهم تأثير في سكان ليبيا الأصليين، فإنه ظل محدوداً بسبب محدودية علاقاتهم معهم، وتوترها وضعفها، ولأن القوانين أو دساتير المدن الإغريقية في إقليم قورينائه كانت تضع فوراق اجتماعية وسياسية وعرقية بين اليونانيين الوافدين والسكان من أهل البلاد الأصليين.
وهؤلاء نقلوا أيضاً نظم الحكم إلى الممالك التي أسسوها في ليبيا، وكانت هناك ثلاث مستويات من المؤسسات، تتمثل في مجلس الشعب ومجلس الشورى ومجلس الشيوخ، ويأتي الملك في قمة هرم السلطة متحكماً فيها جميعا، إضافة إلى ترؤسه مجلسي الكهنة والقضاء.
ولفت الكخيا إلى أن صراعاً نشب بين القبائل الليبية والغزاة الإغريق، استمر حتى بعد سيطرة الرومان وحلولهم محل اليونانيين، في مملكتي قرطاجنة ونوميديا. وقد عمل الرومان على تقوية الفتن بين أحفاد مسينسا ملك نوميديا، ونجحوا آخر الأمر في تدميرها، كما حاربوا مملكة جرمة في الجنوب، لكنهم لم يتمكنوا من القضاء عليها، فعقدوا معها معاهدة سلام وتعاون على تأمين تجارة قوافل الصحراء.
وبعد الوجود الإغريقي والفينيقي والروماني، تحدث الكخيا عن ليبيا إبان العصور الإسلامية المختلفة، منذ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حتى الخلافة العثمانية، ثم ما حدث من تحولات بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر وبدء الحملات التبشيرية، وما تبعه من سيطرة على موانئ الساحل الليبي، اتخذتها منطلقاً لتوسع داخل البلاد، ولم تستطع تركيا والعثمانيون مواجهتهم أو صدهم. لكن رغم الاستسلام العثماني، وتوقيع معاهدة لوزان السويسرية عام 1912، فإن الليبيين لم يستسلموا للمحتل الإيطالي الذي بذل جهوداً كبيرة للقضاء على الهوية الليبية العربية الإسلامية.
ولم يغفل الكخيا دور المملكة السنوسية، وما تلاها من حكم «شمولي» بدأ في سبتمبر (أيلول) 1969، رأى أنه قضى على معالم الحرية والديمقراطية الناشئة قبل أن يشتد عودها، ويقطف الليبيون ثمارها.
وفي الجزء الثالث من كتابه، تحدث الكخيا عن «ليبيا الإنسان»، وأشار فيه إلى الأصول والأنساب التي يرجع إليها الليبيون، والأعراق التي اختلطت وتناسلت بالسكان الأصليين من أمازيغ وطوارق وفزانيين، فضلاً عن تأثير وملامح الهجرة السكانية التي تعرضت لها البلاد، وأقاليمها وسكانها، كما تتبع خطوات تعريب ليبيا، ابتداء من الفتح الإسلامي، ثم تعرضها لموجات من الهجرات المتتالية، أكسبت الليبيين أصولهم العرقية وطابعهم الحضاري الإسلامي العربي.


مقالات ذات صلة

النياشين لا تغني عن الغفران

كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).


محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».