موسكو تسعى لـ«محاصرة» التصعيد... وأنقرة تتحاشى الصدام

تباين بين وزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين حول الاشتباك السوري ـ التركي

TT

موسكو تسعى لـ«محاصرة» التصعيد... وأنقرة تتحاشى الصدام

برزت مساع روسية لمحاصرة احتمالات تفاقم الموقف بعد المواجهات التركية مع القوات النظامية السورية في مدينة إدلب. وأعربت أوساط روسية عن قناعة بأن درجة التوتر ستتراجع رغم «التصريحات النارية» للقيادة التركية التي وصفت بأنها «موجهة في الغالب إلى الداخل التركي»، فيما عكست إشارات برلمانيين روس حول تعرض اتفاق سوتشي لـ«ضغوط كبيرة» تلميحا إلى احتمال إجراء مراجعة لهذا الاتفاق تأخذ في الاعتبار التغييرات الميدانية، ما يمكن أن يقلص إلى درجة كبيرة الوجود التركي في المنطقة.
وأعلنت الخارجية الروسية أن تطورات الوضع في إدلب كانت محور نقاشات هاتفية بين وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو، وأكد الطرفان خلال المكالمة التزامهما بمذكرة سوتشي، وتبع ذلك لقاء مطول جرى بين نائب الوزير ميخائيل بوغدانوف والسفير التركي في موسكو استعرض خلاله الطرفان الوضع في إدلب بشكل تفصيلي.
وفسرت أوساط روسية هذا التحرك بأنه مسعى لمحاصرة الأزمة التي تصاعدت على خلفية المواجهة بين القوات التركية والسورية أخيرا، وذكر خبراء مقربون من الخارجية أن موسكو فتحت قنوات اتصال في هذا الشأن مع الطرفين السوري والتركي على المستويين العسكري والدبلوماسي، لكن وزارة الدفاع لم تعلق على هذه المعطيات.
وأعرب خبراء عن قناعة بأن «ما يجمع موسكو وأنقرة من ملفات أوسع بكثير من النقاط الخلافية. وأنه فضلا عن تطابق الموقف من النزعات الانفصالية للأكراد، والتوافق على المنطقة الأمنة في الشمال السوري، هناك مسألة التعاون في مجالات الطاقة والقطاع العسكري، وهناك تفاهم على حدود التحرك في ليبيا برغم التباين في أهداف ومداخل البلدين».
ولفتت إشارات بعض الخبير إلى وجود تباين داخل المؤسسات الروسية حول آليات التعامل مع الوضع الراهن في إدلب، وأنه في وقت تعمل الخارجية على تعزيز التنسيق مع تركيا ترى وزارة الدفاع التي تتولى بشكل مباشر إدارة الملف السوري أن الأولوية لتقدم الجيش السوري وتوسيع رقعة انتشاره.
وهو أمر أشار إليه أنطون مارداسوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية، وقال إن موسكو لا تزال تبحث عن توازن بين سعيها لتطوير العلاقات مع أنقرة والعمل في اتجاه تعزيز الوضع ميدانيا في سوريا. وزاد الخبير: «من الصعب الجمع بين تنفيذ هاتين المهمتين بالنظر إلى خصوصية السياسة الخارجية الروسية في الاتجاه السوري، على خلفية أن وكالات الاستخبارات والمؤسسة العسكرية دفعت الدبلوماسيين لفترة طويلة إلى المرتبة الخلفية في اتخاذ القرار». وزاد الخبير أنه «تتفهم موسكو الحاجة إلى إنشاء منطقة عازلة في الشمال، لكنها مهتمة أيضا بدفع المعارضة بعيداً عن الطرق الرئيسية وزيادة إضعافها».
لكنه أكد في المقابل عدم وجود مخاوف لتصاعد التوتر أكثر من تركيا، وزاد «تعتمد موسكو على حل الوضع مع أنقرة حتى في ظل أكثر السيناريوهات سلبية في إدلب».
في أثناء ذلك، قلل برلمانيون روس من أهمية «التصريحات النارية» التي تصدر عن القيادة التركية حول استعداد أنقرة لشن ضربات جديدة على مواقع حكومية، ورأى بعضهم أنها «موجهة للاستخدام الداخلي ولمخاطبة الجمهور الانتخابي لإردوغان».
ووفقا للباحث السياسي غيفورغ ميرزايان، فإن إردوغان، بعد الحادث «لا يستطيع سوى التحدث بلهجة نارية»، وإلا فإن «ناخبيه لن يفهموه». وتوقع ألا يُقدم الرئيس التركي على تصعيد واسع النطاق، لأن ذلك يهدد بانهيار اتفاقيات تركيا مع روسيا، بما في ذلك الاتفاقات مع موسكو بشأن سوريا.
إلى ذلك، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما قسطنطين كوساتشييف إن موسكو قلقة بشدة إزاء الوضع في محافظة إدلب السورية، وإن «الموقف هناك يضع كثيراً من الضغوط على الاتفاقات بين روسيا وتركيا». ووفقا لخبراء فإن تطورات الوضع في إدلب وصولا إلى المواجهة التي وقعت أخيرا تدفع باتجاه إجراء مراجعة شاملة لاتفاق سوتشي الموقع بين موسكو وأنقرة في خريف العام الماضي.
ولم تستبعد أوساط برلمانية أن تلجأ موسكو وأنقرة في وقت لاحق إلى إجراء جولات محادثات جديدة لمراجعة الاتفاق، مع الأخذ في الاعتبار التقدم الذي أحرزته القوات النظامية، وبما يسمح بتطويق ملف الوجود التركي في إدلب، وإنهائه، مع منح أنقرة ضمانات أوسع في موضوع المنطقة الآمنة في الشمال.
على صعيد مواز، أعلن مركز المصالحة الروسي في سوريا أنه تلقى بلاغات بأن «مؤسسة الخوذ البيضاء» والمسلحين من تنظيم «هيئة تحرير الشام» يعدون لـ«تنفيذ عمل استفزازي في إدلب باستخدام مواد سامة».
وأكد المركز تلقيه أول من أمس، عبر «الخط الساخن» التابع له، بلاغين من أهالي إدلب، يفيدان بأن عناصر من «الخوذ البيضاء» وبدعم من مقاتلي «هيئة تحرير الشام» يستعدون بنشاط لتنفيذ هجوم باستخدام مواد سامة، في قرية معارة الأرتيق بمحافظة حلب، المشمولة بمنطقة إدلب لخفض التصعيد.
اللافت، أن المركز دعا الجانب التركي إلى «الضغط على المسلحين الناشطين في المناطق الخاضعة لسيطرته في إدلب، لمنع تنفيذ مخططهم الإجرامي» وعكست هذه الدعوة استمرارا للدعم الروسي المعلن للعمليات العسكرية التي تشنها القوات الحكومية باعتبار أنها «تقلص من النشاط الإرهابي في المنطقة».
من جهتها، تحاشت تركيا تصعيد التوتر مع روسيا. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إنه ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة. وأضاف إردوغان، في تصريحات لعدد من الصحافيين خلال عودته من أوكرانيا أمس (الثلاثاء)، علّق فيها على استهداف النظام السوري الجنود الأتراك في إدلب أول من أمس؛ ما أدى إلى مقتل 7 منهم وإصابة موظف مدني: «ليست هناك ضرورة للدخول في نزاع مع روسيا خلال هذه المرحلة، لدينا معها مبادرات استراتيجية جادة للغاية. الاعتداء على الجنود الأتراك، يعد انتهاكاً لاتفاقية إدلب، وبالطبع ستنعكس نتائج هذا الاعتداء على النظام السوري». وتابع: «أعتقد أن العمليات التركية أعطت درساً كبيراً لهؤلاء (نظام الأسد)، لكننا لن نتوقف، سنواصلها بالحزم نفسه».
وفيما يتعلق بنقاط المراقبة العسكرية التركية الموجودة في إدلب، قال إردوغان: «نقاط المراقبة التركية في إدلب لها دور مهم جداً، وستبقى هناك، ونجري التعزيزات اللازمة».
وأضاف، أن النظام السوري «سيدفع ثمن قصفه الجنود الأتراك في إدلب، وأن الرد التركي سيكون قاسياً. نرد على ذلك بكل حزم، سواء من البر أو الجو، بحيث يدفعون ثمن فعلتهم».
في السياق ذاته، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن بلاده ردت على «الهجوم الدنيء» لقوات نظام بشار الأسد في إدلب، وإنه تم تحييد 76 عنصراً للنظام. وأضاف، في تصريح عقب تفقده برفقة عدد من القادة العسكريين، وحدات عسكرية على الحدود مع سوريا، وزيارته جرحى الجنود الأتراك في مستشفى هطاي الحكومي الليلة قبل الماضية: «قمنا ونقوم بالرد على الهجوم الدنيء لقوات نظام بشار الأسد في إدلب، وجرت محاسبتهم على كل قطرة من دماء جنودنا».
وشدد أكار على أن تركيا تسعى لضمان تحقيق وقف إطلاق النار، ووقف نزيف الدماء في أسرع وقت، وتحقيق الاستقرار والسلام للسوريين، مضيفاً أن تركيا قامت بما يترتب عليها بموجب تفاهمات سوتشي وآستانة بشأن سوريا، وأنهم يتطلعوا لأن تقوم الأطراف الأخرى أيضاً بالوفاء بالتزاماتها. وأكد أنه لا ينبغي لأحد أن يشك في قدرة تركيا على حماية حقوقها. وقال إردوغان، إن التطورات في إدلب وصلت إلى وضع لا يطاق، مشيراً إلى أنهم صبروا في هذا الصدد كثيراً. وأعرب عن أمله في أن يعي الجميع التزاماته في إطار اتفاقيتَي «آستانة» و«سوتشي»، وأن يواصلوا العمل في هذا الإطار.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إنه يقع على عاتق روسيا وقف ما سماه «وقاحة نظام الأسد» التي بدأت تزداد في الآونة الأخيرة. وأضاف، في كلمة خلال اجتماع تحت عنوان «آسيا من جديد» بخصوص سياسة تركيا الخارجية، حضره سفراء وممثلو تركيا في القارة، أن بلاده ستواصل الرد على النظام، إن كرر استهدافه القوات التركية في إدلب. وتابع قائلاً: «لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي حيال الهجمات التي تستهدف قواتنا في إدلب، قمنا بالرد وسنواصل الرد إن تكررت».
وتابع أن «الجروح بدأت تصيب مساري آستانة وسوتشي حول سوريا، لكنهما لم ينتهيا تماماً». وأن العذر الروسي بعدم قدرتهم على التحكم بالنظام السوري بشكل كامل، ليس صائباً.
إلى ذلك، واصل الجيش التركي تعزيز نقاط مراقبته داخل محافظة إدلب. وكشفت مصادر عن اجتماع تركي - روسي أمس في أنقرة ضم مسؤولين عسكريين وآخرين من الاستخبارات لمناقشة التطورات.
في السياق ذاته، حمّلت المعارضة التركية إردوغان المسؤولية عن مقتل الجنود الأتراك في إدلب بسبب إصراره على التدخل في شؤون دول المنطقة، وأشارت إلى أن ذلك جعل من تركيا وكراً لجميع الميليشيات في العالم. وقال نائب حزب الشعب الجمهوري عن محافظة إسطنبول، سزجين تانري كولو، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «ما شأننا نحن بإدلب». وأضاف «أن وجود الجنود الأتراك في سوريا ليس صحيحاً، وأن المعارضة التركية تنادي منذ عام 2011 بعدم دخول الجيش التركي سوريا»، وتابع: «ما شأن جنودنا بإدلب. لقد عارضتُ منذ البداية دخول تركيا في الحرب في سوريا، وقلت ذلك مرات عدة. ورغم ذلك استضافت تركيا جميع الميليشيات الذين أتوا من كل مكان في العالم».



منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
TT

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقَّعت اليابان والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مذكرتَي تفاهم تتعلقان بمنحة مخصصة لدعم الأوضاع الإنسانية في اليمن، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

وجرى توقيع المذكرتين، في جنيف بين القائم بالأعمال بالإنابة في البعثة الدائمة لليابان لدى المنظمات الدولية في جنيف، يوشيزاني إيشئي، والمدير الأول للاستراتيجية والتواصل الخارجي في المنظمة الدولية للهجرة، كيم - توبياس إيلينغ. وتبلغ قيمة المنحة نحو 840 مليون ين ياباني، (5.3 مليون دولار).

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقالت السفارة اليابانية لدى اليمن، في بيان، إن هذا المشروع يأتي في ظلِّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها اليمن جراء النزاع المستمر منذ سنوات، حيث تستضيف محافظة مأرب، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.1 مليون نسمة، أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، يقدَّر عددهم بنحو 1.8 مليون شخص، ويعيش أكثر من 60 في المائة من هؤلاء في ملاجئ طارئة أو خيام.

وأضافت السفارة: «وفق المعطيات المتاحة، يفتقر أكثر من 260 ألف نازح في المحافظة إلى خدمات الرعاية الصحية الملائمة، في حين يضطر أكثر من 50 ألف شخص إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، مثل البرك وشبكات المياه المتدهورة».

ويهدف المشروع إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المستضيفة عبر تنفيذ عدد من التدخلات الإنسانية، من بينها إعادة تأهيل المرافق الصحية والطبية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بإدارة الكوارث، إضافة إلى إنشاء ملاجئ في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين في مأرب.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع - بحسب السفارة اليابانية - في تحسين الأوضاع الإنسانية في المحافظة، بما يعزِّز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المرتبطة بالنزوح المستمر، مؤكدة أن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن يمثل عاملاً مهماً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

ويُنظَر إلى المشروع، الذي يستهدف تحسين الوضع الإنساني والمساهمة في تعزيز الاستقرار، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم الأمن الاقتصادي في المنطقة. وأشارت طوكيو إلى أنها ستواصل العمل بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المعنية لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.


تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.