الرئيس التنفيذي لـ«مصدر»: «دادجون» ثاني أكبر استثمار للإمارات في سوق طاقة الرياح البحرية في بريطانيا

بالهول قال لـ {الشرق الأوسط} أن علاقة وثيقة تربط الشركة بمدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية ونتطلع لمزيد من التعاون

أحمد عبد الله بالهول
أحمد عبد الله بالهول
TT

الرئيس التنفيذي لـ«مصدر»: «دادجون» ثاني أكبر استثمار للإمارات في سوق طاقة الرياح البحرية في بريطانيا

أحمد عبد الله بالهول
أحمد عبد الله بالهول

أكد الدكتور أحمد عبد الله بالهول الرئيس التنفيذي لشركة مصدر الإماراتية، أن مشروع محطة «دادجون» لطاقة الرياح البحرية، يرسخ مبدأ الشراكة الحقيقية بين دولة الإمارات والمملكة المتحدة، ضمن مجالات تطوير قطاع الطاقة المتجددة، وقال بالهول في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» عبر الهاتف إن هذه الشراكة «ستعود بالفائدة على اقتصاد الدولتين، إذ يشكل المشروع استثمارا هاما للدولة في قطاع الطاقة المتجددة من الرياح، لما سيكون له من تأثير على مستقبل الطاقة النظيفة بمصادرها المتنوعة». وحول ما أعلنته «مصدر» من رعايتها لرحلة الطائرة «سولار إمبلس 2» التي تعمل بالطاقة الشمسية، قال بالهول إن هذه الرحلة تعتبر تاريخية وهي الأولى من نوعها وستنطلق من العاصمة أبوظبي في شهر مارس (آذار) من عام 2015، ومن المتوقع أن تستغرق الرحلة حول العالم 25 يوم طيران.
«الشرق الأوسط» أجرت حوارا عبر الهاتف مع الدكتور أحمد عبد الله بالهول الرئيس التنفيذي لـ«مصدر»، فيما يلي نصه:
* ما الدور الذي تلعبه «مصدر» في جهود تحقيق التنمية المستدامة في قطاع الطاقة المتجددة؟
- تقوم «مصدر» بدور مهم في مجالات تطوير قطاع الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة في مختلف أنحاء العالم، خصوصا أن التنافس على الموارد الطبيعية يزداد بشكل مطرد، في ظل الطلب المتنامي على الطاقة عالميا.
ومن هذا المنطلق، ساهمت «مصدر» خلال السنوات الماضية في بناء قطاع جديد للطاقة المتجددة من خلال التركيز على كافة جوانب سلسلة القيمة لهذا القطاع الناشئ، كما عملت على تنفيذ الكثير من مشروعات الطاقة المتجددة على المستوى المحلي والعالمي، بما ينسجم مع توجهات دولة الإمارات وسياستها الداعمة لقطاع الطاقة المتجددة، وتشجيع جهود التنويع الاقتصادي، إلى جانب دورها الحيوي والرائد في قطاع الطاقة الهيدروكربونية.
* وقعتم مؤخرا اتفاقية شراكة لإنشاء محطة رياح جديدة في المملكة المتحدة، هل لك أن تحدثنا عن تفاصيل المشروع؟
- لا بد من الإشارة إلى أن المملكة المتحدة تعتبر إحدى أهم أسواق الاستثمار في قطاع طاقة الرياح البحرية على مستوى العالم، وفي هذا المجال، قامت «مصدر» بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركتي «ستات أويل» و«ستات كرافت» النرويجيتين لتطوير مشروع محطة «دادجون» لطاقة الرياح البحرية على سواحل مقاطعة «نورفوك» في شرق إنجلترا، إذ استحوذت «مصدر» من خلال الاتفاقية على حصة تبلغ نسبتها 35 في المائة من شركة «ستات أويل» التي كانت تمتلك 70 في المائة من المشروع الذي يغطي مساحة 35 كيلومترا مربعا، وتصل طاقته الإنتاجية إلى 402 ميغاواط من الكهرباء النظيفة.
ويعد استثمار «مصدر» في مشروع محطة «دادجون» ثاني أكبر استثمار للإمارات العربية المتحدة في سوق طاقة الرياح البحرية بالمملكة المتحدة، بعد مساهمتها بـنسبة 20 في المائة في مشروع «مصفوفة لندن»، أكبر محطة لطاقة الرياح البحرية في العالم، والتي أكملت عامها التشغيلي الأول في شهر يوليو (تموز) 2014. بطاقة إنتاجية تبلغ 630 ميغاواط.
* متى تتوقعون انتهاء أعمال إنشاء محطة «دادجون» ودخولها مراحل التشغيل؟
- ستقوم «مصدر» بالتعاون مع شريكيها شركتي «ستات أويل» و«ستات كرافت» النرويجيتين بتطوير مشروع المحطة ضمن المواصفات العالمية في هذا المجال، ويشتمل المشروع على بناء توربينات للرياح مع أساساتها، وكذلك إنشاء محطة بحرية فرعية، وتركيب كابلات كهربائية تحت الماء وعلى اليابسة، حيث سيتم ربط المحطة بشبكة الكهرباء الوطنية في المملكة المتحدة.
ومن المتوقع أن يستغرق بناء المحطة 3 أعوام ونصفا تقريبا، على أن تدخل حيز التشغيل بكامل طاقتها الإنتاجية في نهاية عام 2017، وستقوم المحطة عند اكتمالها بتزويد نحو 410 آلاف منزل بالطاقة المتجددة في مقاطعة نورفوك.
* ما أهم مشاريع الطاقة المتجددة التي تساهم «مصدر» في تنفيذها على المستوى العالمي وفي دولة الإمارات؟
- لقد أصبحت دولة الإمارات من خلال مبادرة «مصدر» في مقدمة مطوري مشاريع الطاقة المتجددة عالميا، حيث تساهم مشاريع الطاقة النظيفة التي شاركت في تنفيذها «مصدر» حول العالم بتوليد نحو 1 غيغاواط من الطاقة الكهربائية النظيفة التي تضاف إلى إجمالي الاستطاعة المركبة لشبكات الكهرباء عالميا.
وفي هذا السياق ساهمت «مصدر» بتنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة في إسبانيا، وهي محطة «خيما سولار» للطاقة الشمسية المركزة، ومحطتي «فالي 1» و«فالي 2» بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ميغاواط، بالإضافة إلى مساهمتها في تنفيذ مشروع مصفوفة لندن، الذي لعب دورا مهما في رفع حصة طاقة الرياح البحرية ضمن مزيج الطاقة العالمي.
كما قامت «مصدر» بتنفيذ مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي كبير في عدة دول نامية، مثل محطة الشيخ زايد للطاقة الشمسية في موريتانيا، بطاقة إنتاجية تصل إلى 15 ميغاواط، ومحطة ميناء فيكتوريا لطاقة الرياح في سيشل بطاقة إنتاجية تبلغ 6 ميغاواط، وأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية التي قامت بتوفيرها لـ27 قرية أفغانية، إضافة إلى مساهمتها في تنفيذ مشروع محطة الطفيلة لطاقة الرياح في الأردن، بطاقة إنتاجية تصل إلى 117 ميغاواط، ونتطلّع في «مصدر» إلى مزيد من الشراكات والاستثمارات مما يساهم في تنمية قطاع الطاقة المتجددة في المنطقة.
وكذلك وقعت «مصدر» على اتفاقيات إطارية مع 5 دول مكونة من جزر في المحيط الهادي لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، وقامت بإنجاز عدد منها مؤخرا، مثل، محطة توليد الطاقة من الرياح في دولة ساموا بطاقة إنتاجية تصل إلى 550 كليوواط من الكهرباء النظيفة، من خلال منح تمويلية بقيمة 50 مليون دولار عبر «صندوق الشراكة بين الإمارات ودول المحيط الهادي» الذي يموله صندوق أبوظبي للتنمية.
* هل هناك تعاون بين «مصدر» وشركات أخرى بدول الخليج في مجال تطوير مشاريع الطاقة المتجددة؟
- إن دول الخليج تنعم بوفرة من الأشعة الشمسية على مدار السنة، مما يؤهلها لتوليد كميات كبيرة من الطاقة النظيفة التي تفوق احتياجاتها المحلية ويمكن لها تصدير الفائض، فضلا عن أنها تمتلك رأس المال اللازم للاستثمار في تقنيات وتكنولوجيا الطاقة النظيفة الجديدة والمتطورة، وتعزز قدراتها في إنشاء محطات توليد الطاقة الشمسية أو محطات توليد طاقة الرياح في عدد منها.
وبالنظر إلى النهضة الاقتصادية والعمرانية الكبيرة التي تعيشها دول الخليج فإننا ندرك تماما الحاجة الماسة إلى توليد مزيد من الطاقة لمواكبة متطلبات هذا النمو، خلال السنوات المقبلة، وأهمية الاتجاه نحو دمج مصادر الطاقة النظيفة ضمن مزيج متكامل إلى جانب الطاقة الهيدروكربونية والطاقة النووية السلمية، لتحقيق التنمية المستدامة.
ونرى في هذا الصدد أن دول مجلس التعاون الخليجي اتجهت مؤخرا نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة، ومن أهم المشاريع في المنطقة، مشروع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في المملكة العربية السعودية، التي ترتبط «مصدر» معها باتفاقية استراتيجية تهدف إلى دراسة فرص التعاون في الأبحاث والتطوير المشترك في مشروعات الطاقة المتجددة وتوليد الكهرباء النظيفة.
* أعلنت أبوظبي مؤخرا عن رعايتها لرحلة الطائرة التي تعمل بالطاقة الشمسية لتقوم بجولة حول العالم، ما تفاصيل هذه الرحلة؟
- تستقطب دولة الإمارات مثل هذه الفعاليات التي تهدف إلى رفع مستوى الوعي بأهمية دور الطاقة النظيفة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي، ومن هذا المنطلق، قامت «مصدر» بعقد شراكة استراتيجية تمكن الطائرة «سولار إمبلس 2»، والتي تعمل بشكل كامل بالطاقة الشمسية من القيام برحلة تاريخية حول العالم، هي الأولى من نوعها، انطلاقا من العاصمة أبوظبي في شهر مارس من عام 2015.
ومن المتوقع أن تستغرق الرحلة 25 يوم طيران، على مدار 3 أو 4 أشهر، لتعود مجددا إلى نقطة النهاية في أبوظبي بشهر يوليو من العام المقبل.
كما ستقوم الطائرة بإجراء اختبارات وتدريبات على الطيران في أبوظبي لمدة شهرين قبل موعد بدء الرحلة، حيث سيتم خلال هذه الفترة اختبار مدى جاهزية الطائرة للقيام بهذه المهمة بنجاح.
* ما دور «مصدر» في هذه الرحلة، والفائدة التي ستعود على دولة الإمارات من هذه الشراكة؟
- قامت «مصدر» بعقد شراكة استراتيجية لتمكين أول طائرة قادرة على الطيران ليلا ونهارا دون استخدام أي نوع من أنواع الوقود التقليدي من التحليق حول العالم في رحلة هي الأولى من نوعها، لتبرهن أن روح الريادة والابتكار واستخدام التكنولوجيا النظيفة يمكنها تغيير الكثير من الحقائق حول مفهوم صناعة الطيران، وتشجيع شركات الطيران الكبرى على دعم مثل هذه المبادرات مستقبلا.
كما أن «مصدر» حريصة على إنجاح جولة الطائرة، لتساهم بنشر مفاهيم الطاقة المتجددة حول العالم، إذ تسهم مشاريعها التي تتنوع في تقنياتها وحضورها الجغرافي بشكل إيجابي بتحقيق التنمية المستدامة في الكثير من المجتمعات والدول.
وعند وصول الطائرة إلى أبوظبي، سيتم تنظيم ورش عمل وفعاليات وزيارات للطلاب والجمهور بغرض تعريفهم على التكنولوجيا المتطورة المستخدمة في الطائرة وتحفيزهم على التفكير الإبداعي في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة وكيفية استخدامها لتحقيق طموح التحليق حول العالم.
وتعتمد الطائرة في عملية الطيران على أجنحة يصل طولها إلى 72 مترا، وهي بذلك أكبر من أجنحة طائرة بوينغ 747. كما تحتوي على 17000 خلية شمسية تحوّل أشعة الشمس إلى طاقة لتشغيل محركات الطائرة الـ4، وتزن الطائرة بشكل إجمالي 2300 كيلوغرام، أي ما يعادل وزن سيارة عائلية.
ستحلق الطائرة في رحلتها فوق بحر العرب والهند وميانمار والصين والمحيط الهادي والولايات المتحدة والمحيط الأطلسي وأوروبا أو شمال أفريقيا، قبل العودة بوجهتها النهائية إلى أبوظبي في يوليو 2015.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.