سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص
TT

سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص

لا ينتمي الشاعر العراقي سركون بولص، وهو المولود في منتصف أربعينات القرن الفائت، إلى الجيل المؤسس للحداثة الذي مثله السياب ونازك والبياتي وأدونيس وعبد الصبور وغيرهم. إلا أن ما دفعني للكتابة عنه هو رغبتي الملحة في الوقوف على العناصر الفنية والجمالية لهذه التجربة التي احتفى بها شعراء الحداثة ونقادها أيما احتفاء. فمعظم الذين كتبوا عن سركون، في حياته وبعد رحيله، يُجمعون على كونه واحداً من أهم رموز قصيدة النثر العربية وأحد آبائها المؤسسين. وهو أمر لا يمكن أن يؤخذ على محمل الحقيقة البديهية، بل يحتاج إلى تدقيق وتمحيص وقراءة نقدية متأنية، خاصة أن الجمال الشعري والفني بوجه عام هو أمر نسبي وحمّال أوجه، وأن نقاداً وقراء آخرين لا يجدون في نتاج صاحب «الحياة قرب الأكروبول» ما يتوافق مع ذائقتهم ومفهومهم للشعر. وقد يكون دافعي الآخر إلى الكتابة متصلاً بحياة الشاعر الحافلة بالمشقات وروح المغامرة والإخلاص للكتابة، بحيث بدت هذه الحياة كما لو أنها قصيدة سركون الموازية، ونصه الأبلغ والأصدق.
منذ مطالع صباه في كركوك بدا بولص متعلقاً بالشعر ومقتنعاً تماماً بأنه حبل خلاصه الشخصي وسط شعور ممض بالغربة والانسلاخ عن محيطه الاجتماعي والسياسي المثخن بالعنف والفوضى العارمة والصراع الدامي بين الإثنيات والعصبيات القومية والآيديولوجية. ولكن قتامة الواقع العراقي آنذاك لم تجد ترجمتها في شعره عبر اللجوء إلى الصخب الخطابي والكتابة السياسية المباشرة التي اعتمدها الكثير من شعراء تلك المرحلة، بل ذهب منذ بواكيره الأولى إلى خيارات أكثر تعقيداً ومقاربات للعالم يتقاطع فيها الرفض الرومانسي مع التعريفات المقتضبة للكائنات والأشياء والحالات التي يكابدها. ولم يواجه بولص بمفرده محنة الانفصال عن واقع بلاده البائس، بل وجد نفسه وسط مجموعة من الشعراء الشبان الذين يشاطرونه المحنة ذاتها ويخوضون إلى جانبه مغامرة الحداثة والانحياز إلى النص الجديد، من أمثال صلاح فائق وجان دمو والأب يوسف سعيد، وكثيرين غيرهم ممن أطلقت عليهم تسمية «جماعة كركوك»، وعُرفوا بنزوعهم الوجودي العدمي وسعيهم الدؤوب لتقويض اللغة السائدة، ورؤيتهم إلى الشعر لا بوصفه غناءً وسيولة إنشائية، بل بما هو تقصّ معرفي وعراك مع اللغة وسفَر في عوالم الداخل.
ولعل قرار سركون في أوج شبابه بمغادرة العراق وقدومه إلى بيروت، التي قصدها سيراً على الأقدام قبل أن يغادرها لاحقاً إلى الغرب الأميركي، هو الذي وفر له سبل الانخراط فيما يمكن تسميته بمشروع الحداثة الثانية، التي حمل لواءها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، والتي شهدت انطلاقة قصيدة النثر على يد أنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا والماغوط وآخرين. وقد وجد الشاعر في ذلك المناخ الإبداعي المنفتح على الثقافة الغربية، فرصته الملائمة للتجاوز والتجريب الأسلوبي والبحث عن آفاق مغايرة للكتابة، ناشرا نصوصه في «شعر» و«النهار» و«تحولات»، وصولاً إلى «مواقف». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والمفتقر إلى الطمأنينة، لم يصدر عمله الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين»، إلا بعد أن تجاوز الأربعين من عمره. كما أن ريبة سركون المرَضية إزاء الحقيقة الشعرية، جعلته يعيد النظر مرات عدة فيما يكتبه، الأمر الذي يفسر اقتصار الأعمال التي نشرت في حياته على الخمسة، وهي: «الوصول إلى مدينة أين» و«الحياة قرب الأكروبول» و«الأول والتالي» و«حامل الفانوس في ليل الذئاب»، و«إذا كنت نائماً في مركب نوح». أما الأعمال التي صدرت بعد رحيله، مثل «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» و«سيرة ناقصة» و«رسالة إلى صديقة في مدينة محاصرة» فيعود الفضل في جمعها واستخراجها من بطون الصحف والمجلات، إلى صديق سركون الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي. كما أن الحديث عن المنجز الإبداعي لصاحب «عاصمة آدم» لا يستقيم بأي حال دون الإشارة إلى ترجماته المميزة للشعر الأميركي وسواه، والتي لا يعود تميزها إلى إتقان الشاعر للغة الإنجليزية فحسب، بل إلى مواءمته الحاذقة بين دقة المعنى وجمالية التعبير عنه. وهو ما يظهر جلياً في ترجماته لأودن وجبران وألن غينسبرغ وتيد هيوز.
وإذا كان سركون بولص مديناً بشهرته الواسعة إلى أعماله التي تندرج في خانة قصيدة النثر، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل نصوصه الموزونة، والتي نُشر معظمها في ديوان «سيرة ناقصة» الذي صدر بعد رحيله. ومن يعود إلى بواكيره الأولى، لا يتأخر في الاستنتاج بأن الشاعر يمتلك كافة الأدوات التي تستلزمها قصيدة الوزن، إضافة إلى أن تجنبه للتقفية يبعد عنها شبهة الافتعال والتعسف. وإذا كان سركون يتجنب الإنشاد التطريبي في معظم المقطوعات فلأنه منذ بداياته يرى الشعر بوصفه حفراً معرفياً، وتعبيراً عن قلق النفس وتمزقاتها. وإذ تكشف بعض نصوصه عن حضور «فاقع» للأفكار، كقوله: «طول الليل ترنّ الحافة من ضجرٍ \ تدعو العقل إلى تفجير فقاعته الجلدية»، نعثر في نصوص أخرى على مواءمة ناجحة بين الإيقاع والمعنى، كما في قوله: «أصعقيني يا قصيدة \ أسْقطي وجهي وعرّيني، أفيقي \ في زمان ساحرٍ في مدنٍ لا أعرفها \ تسحر البحر كأعمى \ بنسيج الأبدية \ آه عرّيني اتركيني نائماً \ أسمع العالم يبكي في المفاتيح \ وأصغي لأنين الأبجدية \ اردمي عاصمتي فوق قناعي \ اردميها واقتليني يا قصيدة». وما يستوقفنا في هذا المقطع المميز هو الخلل الوزني الذي يظهر من خلال أداة النفي «لا» في السطر الثالث، دون أن نتثبت من كونه خطأ مطبعياً أو نقصاً في حساسية الشاعر الإيقاعية. وإذا كنا نعثر في القصائد الموزونة على الكثير من حالات الزحاف وعلى غير خلل عروضي، فإن من الإنصاف القول بأن سركون كان قادراً، بموهبته الفطرية ومعرفته الواسعة بالتراث، على خلق نموذج تفعيلي لا يقل تميزاً وجدة عن نماذجه النثرية.
في أعماله اللاحقة يحاول الشاعر استكشاف مناطق جديدة للكتابة، يستطيع من خلالها أن يوائم بين رغبته في العثور على نموذجه الحداثي المغاير، وبين الاحتفاظ بحرارة اللغة وحمايتها من وطأة التكلف والبرودة التعبيرية. وإذا كان الشاعر قد نجح أغلب الأحيان في تحقيق هذه المعادلة، فإن بعض نصوصه تفتقر إلى التلقائية وتشي بثقل الجهد المبذول لإنجازها.
ففي بعض قصائد مجموعته «إذا كنت نائماً في مركب نوح» تبدو النصوص أقرب إلى الحذلقات السردية المفتعلة، أو المعادلات الذهنية الشكلية، منها إلى التوهج الروحي واللغة النابضة بالحياة، كأن نقرأ مثلاً: «كأن كل شخص، منتصباً على قدميه المشرئبتين في زوج من الأحذية، هو مجهر كبير مغطى بالثياب. وهو مطلق فريد من أصوات هيارية وانبجاسات، مشيرة إلى مناطق التحرك». أما مجموعة «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» التي يقارب عنوانها بسخرية ماكرة فكرة العظَمة الأميركية، فهي محاولة الذات المنفية، في الحياة واللغة، لتعقب ملامح الأماكن والحيوات الآفلة واللحظات المتقطعة، قبل انحلالها النهائي.
ومع أنني لا أميل إلى الاعتقاد بقدرة الشعراء على الاستشراف والتنبؤ بالمستقبل، فلقد لفتني إلى حد بعيد قول سركون «على أرضية الصمت \ أي نوتردام مشيّدة من الأخطاء \ تنهار على رؤوس عُباّدها بضربة من ناقوس الأيام الدخيلة؟». على أنني أميل إلى الاعتقاد بأن مجموعة الشاعر الأولى «الوصول إلى مدينة أين» هي من أكثر أعماله صدقاً والتصاقاً بروح الشعر، وتعبيراً عن معاناته القاسية في الوطن وخارجه. ورغم أن رحلة الشاعر المضنية بحثاً عن الخلاص، والتي لا ينجح الحب وحده في وضع حد أخير لمتاهاتها المحيرة، تذكّر برحلة قلقامش بحثاً عن عشبة الخلود وبرحلة عوليس الشاقة في أوديسة هوميروس، فإن البعدين الميثولوجي والفلسفي للمجموعة لم يفضيا إلى حجب ملموسية الحياة الحقيقية ولم يخففا من حرارة اللغة وتوهجها: «هذه الغيمة التي عدتُ بها من أسفاري المتقطعة \ وثني المسروق من غابة البرابرة \ شعركِ خيمة سأنام فيها ليلة \ أصغي على جدران وصولي إلى الأيام \ إلى أيام معينة \ بعضها بتردُّد يحتويني \ وحبنا الخاطف سيكون الشرارة». وفي «الحياة قرب الأكروبول» يبدو الشعر بوصفه محاولة يائسة للقبض على الزمن وتثبيت لحظاته الهاربة عبر تعقّب المرئيات والحيوات التي تتصارع مع مصائرها المحتومة. على أن البعد الديني في تجربة الشاعر، المنتمي إلى أقلية مسيحية في شمال العراق، يخلي مكانه في المجموعة إلى عالم ما قبل ديني، حيث بعيداً عن ثنائية الخير والشر، المقدس والمدنس، يستعيد الجسد ألقه القديم والحواس مشروعيتها التلقائية. إذ إن «أقصى ما يمكن أن يحدث هو الواقع \ لا معجزة تُجترح من الهواء \ لا اختراقات غير معقولة لحجاب المعروف \ في اللحم، في اللحم يا صديقي \ أنت بحاجة إلى الخطيئة».
وقد لا يكونون مجافين للحقيقة تماماً، أولئك الذين يرون أن سركون بولص هو شاعر الغربة والمنفى بامتياز. وفي اعتقادي أن الشاعر الذي حاول ما أمكنه التصالح مع واقعه الجديد، لم يستطع إحالة أماكنه الأولى إلى النسيان، بحيث بدت أعماله برمتها ثمرة ذلك التمزق بين العالمين.
وهو ما يجد تمثلاته الواضحة في مجموعته «الأول والتالي» حيث تتجاور بشكل لافت قصائد عن النابغة والسياب وكركوك وعمر بن أبي ربيعة، مع قصائد أخرى عن أثينا وسان فرنسيسكو والحي اللاتيني. وحيث تفتقر الروح إلى ظهير صلب أو نِصاب مكاني، تتحول الحياة إلى لحظات متناثرة ويتعقب الشعر نثار الأماكن والأرصفة والحانات ومحطات السفر. إذ ذاك يهتف سركون بمرارة «تمشي فتدفعك الريح من الوراء \ باردة كأنفاس مقبرة \ وتقرأ بعض العناوين عن أرضك البعيدة \ حيث الحرب لا تنام \ صيحات المسافرين ما زالت ترنّ فارغة بين الأنفاق \ لكن تحت دمائك عاصفة من صيحات أخرى \ لا تكفّ عن الانقصاف». إلا أن هذا الوضع الفصامي ما يلبث أن يتحول في «حامل الفانوس في ليل الذئاب» إلى نوع من الاستسلام القدري للواقع. فما دام العبث هو المحصلة النهائية للمصائر، وما دامت «كل وليمة أخرى ستكنسها الريح، وما دامت المدن الفاضلة مجرد حفنة من غبار في قبضة الوهم، والتاريخ سيتعب يوماً من النوم في المجاري»، فإن سركون ينسحب من المواجهة غير العادلة مع الوجود ليقيم على أرض السخرية والحياد واللامبالاة. وهو تبعاً لذلك يهتف بسلفه اللبناني جبران خليل جبران «هنا نعيش \ لكننا نحيا هناك \ أعطني الناي أو لا تعطني الناي \ سيان أن أغني أو لا أغني في هذا الهدير \ هنا نشتري المغني بدولار \ وهذه ليست أورفليس».



غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended