سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص
TT

سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص

لا ينتمي الشاعر العراقي سركون بولص، وهو المولود في منتصف أربعينات القرن الفائت، إلى الجيل المؤسس للحداثة الذي مثله السياب ونازك والبياتي وأدونيس وعبد الصبور وغيرهم. إلا أن ما دفعني للكتابة عنه هو رغبتي الملحة في الوقوف على العناصر الفنية والجمالية لهذه التجربة التي احتفى بها شعراء الحداثة ونقادها أيما احتفاء. فمعظم الذين كتبوا عن سركون، في حياته وبعد رحيله، يُجمعون على كونه واحداً من أهم رموز قصيدة النثر العربية وأحد آبائها المؤسسين. وهو أمر لا يمكن أن يؤخذ على محمل الحقيقة البديهية، بل يحتاج إلى تدقيق وتمحيص وقراءة نقدية متأنية، خاصة أن الجمال الشعري والفني بوجه عام هو أمر نسبي وحمّال أوجه، وأن نقاداً وقراء آخرين لا يجدون في نتاج صاحب «الحياة قرب الأكروبول» ما يتوافق مع ذائقتهم ومفهومهم للشعر. وقد يكون دافعي الآخر إلى الكتابة متصلاً بحياة الشاعر الحافلة بالمشقات وروح المغامرة والإخلاص للكتابة، بحيث بدت هذه الحياة كما لو أنها قصيدة سركون الموازية، ونصه الأبلغ والأصدق.
منذ مطالع صباه في كركوك بدا بولص متعلقاً بالشعر ومقتنعاً تماماً بأنه حبل خلاصه الشخصي وسط شعور ممض بالغربة والانسلاخ عن محيطه الاجتماعي والسياسي المثخن بالعنف والفوضى العارمة والصراع الدامي بين الإثنيات والعصبيات القومية والآيديولوجية. ولكن قتامة الواقع العراقي آنذاك لم تجد ترجمتها في شعره عبر اللجوء إلى الصخب الخطابي والكتابة السياسية المباشرة التي اعتمدها الكثير من شعراء تلك المرحلة، بل ذهب منذ بواكيره الأولى إلى خيارات أكثر تعقيداً ومقاربات للعالم يتقاطع فيها الرفض الرومانسي مع التعريفات المقتضبة للكائنات والأشياء والحالات التي يكابدها. ولم يواجه بولص بمفرده محنة الانفصال عن واقع بلاده البائس، بل وجد نفسه وسط مجموعة من الشعراء الشبان الذين يشاطرونه المحنة ذاتها ويخوضون إلى جانبه مغامرة الحداثة والانحياز إلى النص الجديد، من أمثال صلاح فائق وجان دمو والأب يوسف سعيد، وكثيرين غيرهم ممن أطلقت عليهم تسمية «جماعة كركوك»، وعُرفوا بنزوعهم الوجودي العدمي وسعيهم الدؤوب لتقويض اللغة السائدة، ورؤيتهم إلى الشعر لا بوصفه غناءً وسيولة إنشائية، بل بما هو تقصّ معرفي وعراك مع اللغة وسفَر في عوالم الداخل.
ولعل قرار سركون في أوج شبابه بمغادرة العراق وقدومه إلى بيروت، التي قصدها سيراً على الأقدام قبل أن يغادرها لاحقاً إلى الغرب الأميركي، هو الذي وفر له سبل الانخراط فيما يمكن تسميته بمشروع الحداثة الثانية، التي حمل لواءها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، والتي شهدت انطلاقة قصيدة النثر على يد أنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا والماغوط وآخرين. وقد وجد الشاعر في ذلك المناخ الإبداعي المنفتح على الثقافة الغربية، فرصته الملائمة للتجاوز والتجريب الأسلوبي والبحث عن آفاق مغايرة للكتابة، ناشرا نصوصه في «شعر» و«النهار» و«تحولات»، وصولاً إلى «مواقف». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والمفتقر إلى الطمأنينة، لم يصدر عمله الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين»، إلا بعد أن تجاوز الأربعين من عمره. كما أن ريبة سركون المرَضية إزاء الحقيقة الشعرية، جعلته يعيد النظر مرات عدة فيما يكتبه، الأمر الذي يفسر اقتصار الأعمال التي نشرت في حياته على الخمسة، وهي: «الوصول إلى مدينة أين» و«الحياة قرب الأكروبول» و«الأول والتالي» و«حامل الفانوس في ليل الذئاب»، و«إذا كنت نائماً في مركب نوح». أما الأعمال التي صدرت بعد رحيله، مثل «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» و«سيرة ناقصة» و«رسالة إلى صديقة في مدينة محاصرة» فيعود الفضل في جمعها واستخراجها من بطون الصحف والمجلات، إلى صديق سركون الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي. كما أن الحديث عن المنجز الإبداعي لصاحب «عاصمة آدم» لا يستقيم بأي حال دون الإشارة إلى ترجماته المميزة للشعر الأميركي وسواه، والتي لا يعود تميزها إلى إتقان الشاعر للغة الإنجليزية فحسب، بل إلى مواءمته الحاذقة بين دقة المعنى وجمالية التعبير عنه. وهو ما يظهر جلياً في ترجماته لأودن وجبران وألن غينسبرغ وتيد هيوز.
وإذا كان سركون بولص مديناً بشهرته الواسعة إلى أعماله التي تندرج في خانة قصيدة النثر، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل نصوصه الموزونة، والتي نُشر معظمها في ديوان «سيرة ناقصة» الذي صدر بعد رحيله. ومن يعود إلى بواكيره الأولى، لا يتأخر في الاستنتاج بأن الشاعر يمتلك كافة الأدوات التي تستلزمها قصيدة الوزن، إضافة إلى أن تجنبه للتقفية يبعد عنها شبهة الافتعال والتعسف. وإذا كان سركون يتجنب الإنشاد التطريبي في معظم المقطوعات فلأنه منذ بداياته يرى الشعر بوصفه حفراً معرفياً، وتعبيراً عن قلق النفس وتمزقاتها. وإذ تكشف بعض نصوصه عن حضور «فاقع» للأفكار، كقوله: «طول الليل ترنّ الحافة من ضجرٍ \ تدعو العقل إلى تفجير فقاعته الجلدية»، نعثر في نصوص أخرى على مواءمة ناجحة بين الإيقاع والمعنى، كما في قوله: «أصعقيني يا قصيدة \ أسْقطي وجهي وعرّيني، أفيقي \ في زمان ساحرٍ في مدنٍ لا أعرفها \ تسحر البحر كأعمى \ بنسيج الأبدية \ آه عرّيني اتركيني نائماً \ أسمع العالم يبكي في المفاتيح \ وأصغي لأنين الأبجدية \ اردمي عاصمتي فوق قناعي \ اردميها واقتليني يا قصيدة». وما يستوقفنا في هذا المقطع المميز هو الخلل الوزني الذي يظهر من خلال أداة النفي «لا» في السطر الثالث، دون أن نتثبت من كونه خطأ مطبعياً أو نقصاً في حساسية الشاعر الإيقاعية. وإذا كنا نعثر في القصائد الموزونة على الكثير من حالات الزحاف وعلى غير خلل عروضي، فإن من الإنصاف القول بأن سركون كان قادراً، بموهبته الفطرية ومعرفته الواسعة بالتراث، على خلق نموذج تفعيلي لا يقل تميزاً وجدة عن نماذجه النثرية.
في أعماله اللاحقة يحاول الشاعر استكشاف مناطق جديدة للكتابة، يستطيع من خلالها أن يوائم بين رغبته في العثور على نموذجه الحداثي المغاير، وبين الاحتفاظ بحرارة اللغة وحمايتها من وطأة التكلف والبرودة التعبيرية. وإذا كان الشاعر قد نجح أغلب الأحيان في تحقيق هذه المعادلة، فإن بعض نصوصه تفتقر إلى التلقائية وتشي بثقل الجهد المبذول لإنجازها.
ففي بعض قصائد مجموعته «إذا كنت نائماً في مركب نوح» تبدو النصوص أقرب إلى الحذلقات السردية المفتعلة، أو المعادلات الذهنية الشكلية، منها إلى التوهج الروحي واللغة النابضة بالحياة، كأن نقرأ مثلاً: «كأن كل شخص، منتصباً على قدميه المشرئبتين في زوج من الأحذية، هو مجهر كبير مغطى بالثياب. وهو مطلق فريد من أصوات هيارية وانبجاسات، مشيرة إلى مناطق التحرك». أما مجموعة «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» التي يقارب عنوانها بسخرية ماكرة فكرة العظَمة الأميركية، فهي محاولة الذات المنفية، في الحياة واللغة، لتعقب ملامح الأماكن والحيوات الآفلة واللحظات المتقطعة، قبل انحلالها النهائي.
ومع أنني لا أميل إلى الاعتقاد بقدرة الشعراء على الاستشراف والتنبؤ بالمستقبل، فلقد لفتني إلى حد بعيد قول سركون «على أرضية الصمت \ أي نوتردام مشيّدة من الأخطاء \ تنهار على رؤوس عُباّدها بضربة من ناقوس الأيام الدخيلة؟». على أنني أميل إلى الاعتقاد بأن مجموعة الشاعر الأولى «الوصول إلى مدينة أين» هي من أكثر أعماله صدقاً والتصاقاً بروح الشعر، وتعبيراً عن معاناته القاسية في الوطن وخارجه. ورغم أن رحلة الشاعر المضنية بحثاً عن الخلاص، والتي لا ينجح الحب وحده في وضع حد أخير لمتاهاتها المحيرة، تذكّر برحلة قلقامش بحثاً عن عشبة الخلود وبرحلة عوليس الشاقة في أوديسة هوميروس، فإن البعدين الميثولوجي والفلسفي للمجموعة لم يفضيا إلى حجب ملموسية الحياة الحقيقية ولم يخففا من حرارة اللغة وتوهجها: «هذه الغيمة التي عدتُ بها من أسفاري المتقطعة \ وثني المسروق من غابة البرابرة \ شعركِ خيمة سأنام فيها ليلة \ أصغي على جدران وصولي إلى الأيام \ إلى أيام معينة \ بعضها بتردُّد يحتويني \ وحبنا الخاطف سيكون الشرارة». وفي «الحياة قرب الأكروبول» يبدو الشعر بوصفه محاولة يائسة للقبض على الزمن وتثبيت لحظاته الهاربة عبر تعقّب المرئيات والحيوات التي تتصارع مع مصائرها المحتومة. على أن البعد الديني في تجربة الشاعر، المنتمي إلى أقلية مسيحية في شمال العراق، يخلي مكانه في المجموعة إلى عالم ما قبل ديني، حيث بعيداً عن ثنائية الخير والشر، المقدس والمدنس، يستعيد الجسد ألقه القديم والحواس مشروعيتها التلقائية. إذ إن «أقصى ما يمكن أن يحدث هو الواقع \ لا معجزة تُجترح من الهواء \ لا اختراقات غير معقولة لحجاب المعروف \ في اللحم، في اللحم يا صديقي \ أنت بحاجة إلى الخطيئة».
وقد لا يكونون مجافين للحقيقة تماماً، أولئك الذين يرون أن سركون بولص هو شاعر الغربة والمنفى بامتياز. وفي اعتقادي أن الشاعر الذي حاول ما أمكنه التصالح مع واقعه الجديد، لم يستطع إحالة أماكنه الأولى إلى النسيان، بحيث بدت أعماله برمتها ثمرة ذلك التمزق بين العالمين.
وهو ما يجد تمثلاته الواضحة في مجموعته «الأول والتالي» حيث تتجاور بشكل لافت قصائد عن النابغة والسياب وكركوك وعمر بن أبي ربيعة، مع قصائد أخرى عن أثينا وسان فرنسيسكو والحي اللاتيني. وحيث تفتقر الروح إلى ظهير صلب أو نِصاب مكاني، تتحول الحياة إلى لحظات متناثرة ويتعقب الشعر نثار الأماكن والأرصفة والحانات ومحطات السفر. إذ ذاك يهتف سركون بمرارة «تمشي فتدفعك الريح من الوراء \ باردة كأنفاس مقبرة \ وتقرأ بعض العناوين عن أرضك البعيدة \ حيث الحرب لا تنام \ صيحات المسافرين ما زالت ترنّ فارغة بين الأنفاق \ لكن تحت دمائك عاصفة من صيحات أخرى \ لا تكفّ عن الانقصاف». إلا أن هذا الوضع الفصامي ما يلبث أن يتحول في «حامل الفانوس في ليل الذئاب» إلى نوع من الاستسلام القدري للواقع. فما دام العبث هو المحصلة النهائية للمصائر، وما دامت «كل وليمة أخرى ستكنسها الريح، وما دامت المدن الفاضلة مجرد حفنة من غبار في قبضة الوهم، والتاريخ سيتعب يوماً من النوم في المجاري»، فإن سركون ينسحب من المواجهة غير العادلة مع الوجود ليقيم على أرض السخرية والحياد واللامبالاة. وهو تبعاً لذلك يهتف بسلفه اللبناني جبران خليل جبران «هنا نعيش \ لكننا نحيا هناك \ أعطني الناي أو لا تعطني الناي \ سيان أن أغني أو لا أغني في هذا الهدير \ هنا نشتري المغني بدولار \ وهذه ليست أورفليس».



مبادرة لمعالجة البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بـ«لغة الضاد»

اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
TT

مبادرة لمعالجة البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بـ«لغة الضاد»

اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)

استثمرت مبادرة سعودية في اللغة العربية تقنية وميزة تنافسية، وحولتها من وسيلة تواصل إلى محرك ابتكار يخدم مئات الجهات، ويصون الهوية الوطنية، ويتوافق مع عدة مبادرات وطنية بالتزامن مع تسمية السعودية عام 2026 عام الذكاء الاصطناعي.

وفي مشهد تقني يتسارع فيه العالم نحو الأتمتة، وبدعم من الصندوق الثقافي في السعودية، انطلقت «مُزن» وهي مؤسسة رائدة في الذكاء الاصطناعي، لترسم مسارا فريداً للذكاء الاصطناعي المؤسسي، يمنح البيانات القدرة على الفهم العميق بلغة الضاد، ويخلق عقلاً مؤسسياً يواجه أعقد التحديات التي تتجاوز قدرات الأنظمة التقليدية.

واستطاعت «مُزن» معالجة فجوة صامتة تهدد استدامة المعرفة في المنظمات، وهي فقدان الخبرات التراكمية عند خروج الأفراد وضياع الوقت في البحث والتخمين، وعبر منصة «أسس» للذكاء المعرفي المؤسسي، قدمت «مزن» الذاكرة الحية للمؤسسات؛ حيث تعتمد على ذكاء تكيفي واعٍ بالسياق يتعلم باستمرار، ليقرأ المستندات بدقة متناهية ويحولها من بيانات متفرقة إلى بنك معرفة موحد وموثوق، يدعم اتخاذ القرار ويحول المعرفة إلى أصل مؤسسي دائم.

وقال الدكتور محمد الحسين، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مُزن: «نمضي قدماً في شركة مُزن نحو تطوير حلول رقمية متقدمة قائمة على اللغة العربية؛ لترسيخ قيمتها وتعزيز حضورها في صميم الابتكار التقني، بما يدعم ريادة المملكة عالمياً».

واستثمرت «مُزن» في اللغة العربية كعصب تقني وميزة تنافسية، محولة إياها من وسيلة تواصل إلى محرك ابتكار يخدم مئات الجهات، ويصون الهوية الوطنية، ويتوافق مع عدة مبادرات وطنية كعام الذكاء الاصطناعي 2026، والسياسة الوطنية للغة العربية.

وأكد الحسين أن توظيف اللغة العربية في خوارزميات الذكاء الاصطناعي استثمار تقني يضمن دقة المعالجة وخصوصية البيانات الوطنية، ما يفتح آفاقاً اقتصادية تجعل من المحتوى الثقافي واللغوي وقوداً للابتكار والتنمية.

استطاعت «مُزن» معالجة فجوة صامتة تهدد استدامة المعرفة في المنظمات (الصندوق الثقافي)

تميز يدعم الريادة السعودية

حققت «مُزن» إنجازات مهمة عل صعيد التصنيفات العالمية، حيث حققت القفزة الكبرى في تصنيف (FCC50) الصادر عن مؤسسة (Chartis) الدولية، بتقدمها 30 مركزاً لتستقر في المرتبة 16 عالمياً، لتصبح بذلك أصغر الشركات سنّاً بين عمالقة هذا المجال في العالم.

وأطلقت السعودية على عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها، وفي إطار توجه استراتيجي يهدف إلى تعزيز موقعها مركزاً عالمياً للتقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي، مدفوعاً بتحقيق مجموعة من التحولات والقفزات النوعية في هذا القطاع، تشمل السياسات الوطنية والاستثمارات والبنية التحتية التقنية المتطورة.

وتأتي تجربة «مزن» ضمن منظومة أوسع من المشاريع التي يدعمها الصندوق الثقافي، والتي تجاوز عددها 160 مشروعاً ثقافياً، بما يعكس دور الصندوق في تمكين مشاريع وطنية نوعية تسهم في تطوير القطاع، بما يعكس تجاوز القطاع الثقافي في السعودية مرحلة التأسيس، والمضي في مسار تنموي متسارع يعزز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد والارتقاء بجودة الحياة.


عمر رزيق: اختياراتي الفنية أبحث فيها عن أدوار «مركبة» مغايرة للمألوف

قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

عمر رزيق: اختياراتي الفنية أبحث فيها عن أدوار «مركبة» مغايرة للمألوف

قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)

قال الممثل المصري عمر رزيق إن شخصية «نوح» التي قدمها في فيلم «ولنا في الخيال... حب؟» تحمل الكثير من ملامحه الشخصية؛ إذ نحو 80 في المائة من التفاصيل تشبهه بالفعل، لا سيما أنه درس تقريباً في البيئة نفسها التي ينتمي إليها «نوح» ومَرّ بتجارب قريبة من رحلته داخل الفيلم.

وأضاف رزيق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الاختلاف يكمن في بعض الجوانب الخاصة بالشخصية، إذ يمتلك «نوح» اندفاعاً أكبر وقدرة على افتعال المشكلات بسبب طباعه الحادة، وهو ما لا يشبهه تماماً في الواقع، معتبراً أن الفيلم يمثل بالنسبة له أهم تجربة فنية خاضها حتى الآن، لكونه أتاح له التعبير عن جوانب متعددة تعلمها عبر سنوات، سواء في التمثيل أو الموسيقى أو حتى العزف على البيانو، الذي ظهر في أحد المشاهد.

وأكد أن العمل ينتمي إلى نوعية الأفلام التي يحبها باعتباره مشاهداً قبل أن يشارك فيها ممثلاً؛ لكونه يحب الأعمال التي تمزج الدراما بالاستعراضات الموسيقية بصورة ناعمة، على غرار أفلام مثل «لا لا لاند»، موضحاً أن الفيلم ليس غنائياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل روح وأجواء الأفلام المحببة بالنسبة له.

في مشهد من الفيلم مع أحمد السعدني ومايان السيد (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن أكثر ما منحه المتعة في التجربة هو شعوره بأنه يقدم عملاً قريباً من ذائقته الفنية، وليس فقط بسبب ارتباطه بصُنّاع الفيلم، وأضاف: «مرحلة التحضير كانت الأصعب والأهم بالنسبة لي مع العمل على بناء الشخصية، الأمر الذي جعل التصوير سهلاً مع حصولي على الوقت الكافي لفهم الشخصية والتدرب عليها بشكل حقيقي».

وأوضح رزيق أن «فريق العمل خضع لفترة تحضير استمرت قرابة 3 أشهر، تخللها معسكر مغلق في مدينة الجونة جمعني مع أحمد السعدني ومايان السيد، حيث كنا نقرأ السيناريو باستمرار ونجري البروفات ونناقش أدق تفاصيل الشخصيات»، مؤكداً أن هذه الفترة خلقت حالة من التفاهم والانسجام بين الجميع، مما انعكس بوضوح أثناء التصوير.

وقال إن الاستعراضات لم تمثل تحدياً كبيراً بالنسبة له، لأنه درس في معهد الباليه، لذلك كان التعامل مع الحركة والرقص أمراً معتاداً، رغم كثافة التدريبات التي خضع لها فريق العمل، مؤكداً أن سعادته الحقيقية لم تتوقف عند نجاح الفيلم في شباك التذاكر، بل امتدت إلى نجاح هذا النوع المختلف من الأعمال جماهيرياً، و«هو ما قد يساعد على تشجيع صناع السينما لتقديم أشكال أكثر تنوعاً وجرأة»، على حد تعبيره.

وحصل عمر رزيق على جائزة التمثيل عن دوره بالفيلم في الدورة الماضية من مهرجان «جمعية الفيلم السينمائي»، وهو الفيلم الذي عرض في مهرجاني «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي» الشهر الماضي، بعدما حقق إيرادات كبيرة بالصالات السينمائية داخل مصر.

مع بطلة الفيلم مايان السيد خلال العرض في «مالمو» (الشرق الأوسط)

وأكد عمر رزيق أن فكرة البطولة المطلقة لا تشغل تفكيره بقدر اهتمامه بجودة الدور نفسه، موضحاً أنه يبحث دائماً عن الشخصيات التي تمنحه مساحة حقيقية للتعبير والتجريب، بغض النظر عن حجم الدور أو موقع اسمه على الملصق الدعائي؛ لأن حبه للتمثيل قائم على متعة اكتشاف الشخصيات المختلفة والمركبة، وليس على فكرة البطولة أو الظهور الفردي.

وعن مشاركته في موسم رمضان الماضي، قال إنه خاض تجربتين مختلفتين تماماً من خلال مسلسلي «علي كلاي» و«رأس الأفعى»، موضحاً أن «علي كلاي» كان تجربة جديدة أحب خوضها لأنها قريبة من أجواء الأعمال الشعبية التي أراد تقديمها مع حبه من أجل الوصول إلى فئة مختلفة من الجمهور.

وعن دوره في «رأس الأفعى»، أكد أنه استمتع بالتجربة بسبب اختلاف الشخصية عنه بشكل كامل، وهو ما جعله ينجذب أكثر إلى مرحلة التحضير والمذاكرة، مشيراً إلى أن أكثر ما يستهويه في التمثيل هو محاولة فهم الشخصيات المركبة واكتشاف دوافعها النفسية؛ لأن التحضير يظل المرحلة الأكثر متعة بالنسبة له داخل أي مشروع فني.

وأشار رزيق إلى أنه لا يمنح مواقع التواصل الاجتماعي اهتماماً كبيراً، رغم إدراكه لأهميتها بالنسبة للممثلين في الوقت الحالي، موضحاً أنه يحاول الوجود والتفاعل مع الجمهور قدر الإمكان، لكنه بطبيعته لا يميل إلى مشاركة تفاصيل حياته بشكل مستمر عبر «السوشيال ميديا».

وكشف عن انتهائه من تصوير إحدى حكايات مسلسل «القصة الكاملة»، من إخراج إسلام خيري وإنتاج مجدي الهواري، وبطولة محمد فراج، مؤكداً أن الشخصية التي يقدمها هذه المرة تحمل طابعاً نفسياً معقداً ومختلفاً عن أدواره السابقة. وفي الختام أشار إلى أنه ينجذب دائماً إلى الشخصيات التي تتطلب بحثاً داخلياً عميقاً، وهو ما يجعله يبدأ كل مرة بقراءة السيناريو وفهم ما وراء الكلمات قبل تقديم الشخصية على الشاشة.


خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
TT

خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)

بين أحياء جدة الصاخبة، وتجربة الوظيفة في منطقة نائية، والانتقال بين دهاليز العمل المؤسسي... تشكّلت شخصية الممثل السعودي خالد يسلم بعيداً عن المسار التقليدي للفنانين؛ مما يجعله يراهن على المخزون الإنساني الذي جمعه من محطات الحياة المختلفة والتقاطاته تفاصيل البشر في الشارع والميدان، لتجسيدها عبر أدوار متنوعة في الدراما الاجتماعية المحليّة.

يتحدث يسلم لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته مع الفن التي تجاوزت 10 سنوات، موضحاً أن التمثيل بالنسبة إليه لم يكن قراراً مفاجئاً بقدر ما كان تراكماً طويلاً من المراقبة والاحتكاك بالناس والتجارب الإنسانية المختلفة، التي جعلته يرى المجال بفلسفة تميل كثيراً إلى الواقعية.

خالد يسلم في دور «المقدم ماجد» بمسلسل «حفرة جهنم» الذي بدأ عرضه مؤخراً (إم بي سي - MBC)

«حفرة جهنم»... رجل أمن من جديد

بحماسة عالية، يؤكد أن أحدث أعماله مسلسل «حفرة جهنم»، الذي بدأ عرضه مؤخراً على قناة «إم بي سي (MBC)»، محطة مختلفة في مسيرته، فهو يرى أن ما جذبه منذ البداية كان النص نفسه، موضحاً أن «الاسكريبت» حمل اختلافاً عن كثير من الأعمال المتداولة، خصوصاً دور «المقدم ماجد»؛ فالشخصية التي يقدمها هذه المرة تحمل جانباً إنسانياً وصراعاً داخلياً وعائلياً، مع ماضٍ يلاحقها باستمرار، عادّاً أن هذا النوع من الأدوار المركبة ظل نادراً في الدراما التلفزيونية السعودية.

ولأن يسلم ظهر سابقاً بشخصية وزي رجل الأمن، فكان لا بد من سؤاله عن التقاطع بين «المقدم ماجد» في «حفرة جهنم» و«العقيد عزام» في «رشاش»... وهنا يُوضح أن التخوف من تكرار النمط كان حاضراً منذ البداية، قبل أن يكتشف الفروق العميقة بين الشخصيتين، مؤكداً أن «حفرة جهنم» منحه فرصة لتقديم شخصية أشد سوداوية، تركض داخل الأحياء العشوائية وتعيش مطاردة مستمرة، بخلاف شخصياته السابقة، التي كان من آخرها الكابتن الطيار الهادئ والأنيق؛ الذي قدمه في المسلسل الرمضاني «أم 44».

العيون الملونة والصورة النمطية

ومن اللافت لدى الممثل خالد يسلم ملامح مميزة وعيون ملونة، على غير المعتاد في الممثلين المحليين؛ مما جعل الحديث ينتقل إلى الصور النمطية داخل الدراما السعودية؛ نظراً إلى أن بعض الممثلين من أصحاب الملامح المختلفة يوضعون غالباً داخل قوالب اجتماعية محددة، كأن يكون الشخص من طبقة مرفهة أو من خلفية مختلطة أو متعلمة بصورة نمطية متكررة.

وهنا يؤكد خالد أن ذلك لم يُقيده، مستشهداً بتجربته في فيلم «الهامور» حين قدم دور محتال من طبقة أقل، كما يرى أن الصناعة السعودية «ما زالت تتعامل بحذر مع التنوع الشكلي والاجتماعي داخل الشخصيات»، متناولاً مسلسل «رشاش»، حيث يوضح أنه كان يتمنى رؤية تنوع أوسع في شخصيات رجال الأمن؛ من جازان والأحساء والغربية ومناطق أخرى، «بما يعكس صورة المجتمع السعودي الحقيقي بتنوعه».

البطولة... منظور مختلف

وفي حديثه عن بطولة «حفرة جهنم»، يقدّم خالد يسلم رؤية مختلفة عن التصور الشائع المرتبط بفكرة «البطولة المطلقة»، لافتاً إلى أن أول بطولة مطلقة حصل عليها كانت في عام 2019، وأن هذا ليس هاجساً بالنسبة إليه؛ فهمّه الحقيقي «ينصب على جودة الدور ومحوريته داخل العمل، بغض النظر عن عدد المشاهد أو ترتيب الاسم على الملصق الدعائي». كما يرى أن لعبه «دوراً ثانوياً في عمل جيد أكبر إغراءً من بطولة مطلقة داخل عمل ضعيف».

ينتظر خالد يسلم نصاً كوميدياً يشكل مرحلة جديدة في مسيرته (حسابه على إنستغرام)

الانسجام ركيزة في الدراما

ومن أكثر الجوانب اللافتة في حديث خالد يسلم، وصفه تأثير العلاقات الإنسانية بين الممثلين على جودة العمل، حيث يؤكد أن «معرفة الممثلين بعضهم ببعض خارج العمل تنعكس مباشرة على الأداء والانسجام»، مستشهداً مرةً أخرى بتجربة «رشاش»، حين «عاش فريق العمل أشهراً طويلة معاً خلال فترة (كورونا)؛ الأمر الذي خلق ألفة حقيقية ظهرت حتى على مستوى حركة الكاميرا والإضاءة». ويلفت إلى أن «هذا الانسجام الإنساني يمثل عنصراً أساسياً في نجاح الأعمال الدرامية، والتفاهم بين الممثلين يمنح المشاهد إحساساً حقيقياً بالعلاقات داخل القصة».

أما على مستوى اختياراته الفنية، فيبدو واضحاً ميل خالد يسلم نحو الدراما الاجتماعية والقصص القريبة من الواقع؛ إذ يرى أن الأعمال التي تعكس الحياة اليومية وتجارب الناس الحقيقية تستهويه أكبر من الأعمال التي تعتمد على المبالغات غير الواقعية.

في المقابل، يتحدث عن الكوميديا بحذر، مؤكداً أنه ينتظر «نصاً كوميدياً مختلفاً يقدّم مساحة حقيقية للأداء والكتابة الجيدة»، وهنا يتضح الفارق بين الشخصيات الجادة التي يقدمها على الشاشة وتوقه إلى تقديم أدوار كوميدية، حيث يكشف عن أن كثيرين يفاجأون بطبيعته المرحة خارج الشاشة؛ بسبب ارتباط صورته الدرامية بالشخصيات الجادة والهادئة.

كيف اكتشف التمثيل؟

عند العودة إلى البدايات، فإن دخوله الفعلي الفن بدأ من بوابة الإعلانات، بعد استجابته مع مجموعة من أصدقائه لإعلان يبحث عن «موديلز»، ويشير إلى أن تلك المرحلة منحته ألفة مع الكاميرا، خصوصاً مع وجود تجارب سابقة له في المسرح والعمل الطلابي والتطوعي، حيث كان يقدم ورشات عمل أمام الجمهور؛ الأمر الذي أسهم في كسر رهبة الكاميرا مبكراً. ويوضح خالد أن المخرج محمود صباغ كان أول من منحه فرصة تمثيلية حقيقية، حين شارك بمشاهد عدة في فيلم «بركة يقابل بركة»، إلا إنه يخصص مساحة أكبر للحديث عن المخرج عبد الإله القرشي، الذي يصفه بأنه صاحب التأثير الحقيقي في تعميق تجربته الفنية.

وبحماس كبير، يستعيد خالد تفاصيل أول فيلم قصير جمعه مع عبد الإله القرشي، موضحاً أن التحضير استمر 7 أيام كاملة مقابل 3 أيام تصوير فقط. وخلال تلك الفترة، اكتشف أول مرة معنى «تقمص الشخصية»، حين شعر بأن شخصيته الحقيقية بدأت تتداخل مع الشخصية التي يؤديها. ويرى أن هذه التجربة كانت نقطة التحول الأساسية التي جعلته يحب التمثيل بوصفه مساحة للذهاب نحو شخصيات مختلفة عنه تماماً.

التفرّغ للفن... رحلة الفرص

وفي حديثه عن التفرغ للفن، يصف خالد يسلم المرحلة الحالية بأنها مليئة بالتحديات مع اتساع السوق الفنية السعودية، ويرى أن «المرحلة المقبلة تحتاج إلى تنظيم مشابه لما حدث في القطاع الرياضي، حيث أصبح الرياضي المحترف يتمتع بمنظومة واضحة وحقوق مهنية محددة». في المقابل، يؤكد أن «التفرغ للفن يحمل جانباً إيجابياً أيضاً؛ لأنه يدفع الفنان إلى البحث المستمر عن الفرص وعدم انتظارها».

وعند سؤاله عن معادلة النجاح داخل المجال، فإنه يرفض اختصارها في الموهبة فقط، مؤكداً أن الحضور والتواصل والعلاقات الإنسانية تلعب دوراً مهماً في وصول الفنان إلى الفرص المناسبة، ويستشهد بمواقف حدثت معه حين كتب بعض الكتّاب شخصيات وهم يتخيلونه داخلها بعد متابعته أو اللقاء به شخصياً.

أما أكبر ما بدا واضحاً في نهاية حديثه، فهو اهتمام خالد يسلم بالجيل الجديد من صنّاع الأفلام؛ إذ يؤمن بأن «حضور الفنانين مهرجانات الطلبة وأعمالهم يمثل مسؤولية أخلاقية وفنية»، مؤكداً أن «الفنان يمتلك مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمع، عبر الدعم والمشاركة والمساندة، حتى تتوسع دائرة الفرص داخل الصناعة السينمائية السعودية».