سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص
TT

سركون بولص بين المغامرة التجريبية والكتابة بالشرايين

سركون بولص
سركون بولص

لا ينتمي الشاعر العراقي سركون بولص، وهو المولود في منتصف أربعينات القرن الفائت، إلى الجيل المؤسس للحداثة الذي مثله السياب ونازك والبياتي وأدونيس وعبد الصبور وغيرهم. إلا أن ما دفعني للكتابة عنه هو رغبتي الملحة في الوقوف على العناصر الفنية والجمالية لهذه التجربة التي احتفى بها شعراء الحداثة ونقادها أيما احتفاء. فمعظم الذين كتبوا عن سركون، في حياته وبعد رحيله، يُجمعون على كونه واحداً من أهم رموز قصيدة النثر العربية وأحد آبائها المؤسسين. وهو أمر لا يمكن أن يؤخذ على محمل الحقيقة البديهية، بل يحتاج إلى تدقيق وتمحيص وقراءة نقدية متأنية، خاصة أن الجمال الشعري والفني بوجه عام هو أمر نسبي وحمّال أوجه، وأن نقاداً وقراء آخرين لا يجدون في نتاج صاحب «الحياة قرب الأكروبول» ما يتوافق مع ذائقتهم ومفهومهم للشعر. وقد يكون دافعي الآخر إلى الكتابة متصلاً بحياة الشاعر الحافلة بالمشقات وروح المغامرة والإخلاص للكتابة، بحيث بدت هذه الحياة كما لو أنها قصيدة سركون الموازية، ونصه الأبلغ والأصدق.
منذ مطالع صباه في كركوك بدا بولص متعلقاً بالشعر ومقتنعاً تماماً بأنه حبل خلاصه الشخصي وسط شعور ممض بالغربة والانسلاخ عن محيطه الاجتماعي والسياسي المثخن بالعنف والفوضى العارمة والصراع الدامي بين الإثنيات والعصبيات القومية والآيديولوجية. ولكن قتامة الواقع العراقي آنذاك لم تجد ترجمتها في شعره عبر اللجوء إلى الصخب الخطابي والكتابة السياسية المباشرة التي اعتمدها الكثير من شعراء تلك المرحلة، بل ذهب منذ بواكيره الأولى إلى خيارات أكثر تعقيداً ومقاربات للعالم يتقاطع فيها الرفض الرومانسي مع التعريفات المقتضبة للكائنات والأشياء والحالات التي يكابدها. ولم يواجه بولص بمفرده محنة الانفصال عن واقع بلاده البائس، بل وجد نفسه وسط مجموعة من الشعراء الشبان الذين يشاطرونه المحنة ذاتها ويخوضون إلى جانبه مغامرة الحداثة والانحياز إلى النص الجديد، من أمثال صلاح فائق وجان دمو والأب يوسف سعيد، وكثيرين غيرهم ممن أطلقت عليهم تسمية «جماعة كركوك»، وعُرفوا بنزوعهم الوجودي العدمي وسعيهم الدؤوب لتقويض اللغة السائدة، ورؤيتهم إلى الشعر لا بوصفه غناءً وسيولة إنشائية، بل بما هو تقصّ معرفي وعراك مع اللغة وسفَر في عوالم الداخل.
ولعل قرار سركون في أوج شبابه بمغادرة العراق وقدومه إلى بيروت، التي قصدها سيراً على الأقدام قبل أن يغادرها لاحقاً إلى الغرب الأميركي، هو الذي وفر له سبل الانخراط فيما يمكن تسميته بمشروع الحداثة الثانية، التي حمل لواءها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، والتي شهدت انطلاقة قصيدة النثر على يد أنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا والماغوط وآخرين. وقد وجد الشاعر في ذلك المناخ الإبداعي المنفتح على الثقافة الغربية، فرصته الملائمة للتجاوز والتجريب الأسلوبي والبحث عن آفاق مغايرة للكتابة، ناشرا نصوصه في «شعر» و«النهار» و«تحولات»، وصولاً إلى «مواقف». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والمفتقر إلى الطمأنينة، لم يصدر عمله الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين»، إلا بعد أن تجاوز الأربعين من عمره. كما أن ريبة سركون المرَضية إزاء الحقيقة الشعرية، جعلته يعيد النظر مرات عدة فيما يكتبه، الأمر الذي يفسر اقتصار الأعمال التي نشرت في حياته على الخمسة، وهي: «الوصول إلى مدينة أين» و«الحياة قرب الأكروبول» و«الأول والتالي» و«حامل الفانوس في ليل الذئاب»، و«إذا كنت نائماً في مركب نوح». أما الأعمال التي صدرت بعد رحيله، مثل «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» و«سيرة ناقصة» و«رسالة إلى صديقة في مدينة محاصرة» فيعود الفضل في جمعها واستخراجها من بطون الصحف والمجلات، إلى صديق سركون الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي. كما أن الحديث عن المنجز الإبداعي لصاحب «عاصمة آدم» لا يستقيم بأي حال دون الإشارة إلى ترجماته المميزة للشعر الأميركي وسواه، والتي لا يعود تميزها إلى إتقان الشاعر للغة الإنجليزية فحسب، بل إلى مواءمته الحاذقة بين دقة المعنى وجمالية التعبير عنه. وهو ما يظهر جلياً في ترجماته لأودن وجبران وألن غينسبرغ وتيد هيوز.
وإذا كان سركون بولص مديناً بشهرته الواسعة إلى أعماله التي تندرج في خانة قصيدة النثر، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل نصوصه الموزونة، والتي نُشر معظمها في ديوان «سيرة ناقصة» الذي صدر بعد رحيله. ومن يعود إلى بواكيره الأولى، لا يتأخر في الاستنتاج بأن الشاعر يمتلك كافة الأدوات التي تستلزمها قصيدة الوزن، إضافة إلى أن تجنبه للتقفية يبعد عنها شبهة الافتعال والتعسف. وإذا كان سركون يتجنب الإنشاد التطريبي في معظم المقطوعات فلأنه منذ بداياته يرى الشعر بوصفه حفراً معرفياً، وتعبيراً عن قلق النفس وتمزقاتها. وإذ تكشف بعض نصوصه عن حضور «فاقع» للأفكار، كقوله: «طول الليل ترنّ الحافة من ضجرٍ \ تدعو العقل إلى تفجير فقاعته الجلدية»، نعثر في نصوص أخرى على مواءمة ناجحة بين الإيقاع والمعنى، كما في قوله: «أصعقيني يا قصيدة \ أسْقطي وجهي وعرّيني، أفيقي \ في زمان ساحرٍ في مدنٍ لا أعرفها \ تسحر البحر كأعمى \ بنسيج الأبدية \ آه عرّيني اتركيني نائماً \ أسمع العالم يبكي في المفاتيح \ وأصغي لأنين الأبجدية \ اردمي عاصمتي فوق قناعي \ اردميها واقتليني يا قصيدة». وما يستوقفنا في هذا المقطع المميز هو الخلل الوزني الذي يظهر من خلال أداة النفي «لا» في السطر الثالث، دون أن نتثبت من كونه خطأ مطبعياً أو نقصاً في حساسية الشاعر الإيقاعية. وإذا كنا نعثر في القصائد الموزونة على الكثير من حالات الزحاف وعلى غير خلل عروضي، فإن من الإنصاف القول بأن سركون كان قادراً، بموهبته الفطرية ومعرفته الواسعة بالتراث، على خلق نموذج تفعيلي لا يقل تميزاً وجدة عن نماذجه النثرية.
في أعماله اللاحقة يحاول الشاعر استكشاف مناطق جديدة للكتابة، يستطيع من خلالها أن يوائم بين رغبته في العثور على نموذجه الحداثي المغاير، وبين الاحتفاظ بحرارة اللغة وحمايتها من وطأة التكلف والبرودة التعبيرية. وإذا كان الشاعر قد نجح أغلب الأحيان في تحقيق هذه المعادلة، فإن بعض نصوصه تفتقر إلى التلقائية وتشي بثقل الجهد المبذول لإنجازها.
ففي بعض قصائد مجموعته «إذا كنت نائماً في مركب نوح» تبدو النصوص أقرب إلى الحذلقات السردية المفتعلة، أو المعادلات الذهنية الشكلية، منها إلى التوهج الروحي واللغة النابضة بالحياة، كأن نقرأ مثلاً: «كأن كل شخص، منتصباً على قدميه المشرئبتين في زوج من الأحذية، هو مجهر كبير مغطى بالثياب. وهو مطلق فريد من أصوات هيارية وانبجاسات، مشيرة إلى مناطق التحرك». أما مجموعة «عظْمة أخرى لكلب القبيلة» التي يقارب عنوانها بسخرية ماكرة فكرة العظَمة الأميركية، فهي محاولة الذات المنفية، في الحياة واللغة، لتعقب ملامح الأماكن والحيوات الآفلة واللحظات المتقطعة، قبل انحلالها النهائي.
ومع أنني لا أميل إلى الاعتقاد بقدرة الشعراء على الاستشراف والتنبؤ بالمستقبل، فلقد لفتني إلى حد بعيد قول سركون «على أرضية الصمت \ أي نوتردام مشيّدة من الأخطاء \ تنهار على رؤوس عُباّدها بضربة من ناقوس الأيام الدخيلة؟». على أنني أميل إلى الاعتقاد بأن مجموعة الشاعر الأولى «الوصول إلى مدينة أين» هي من أكثر أعماله صدقاً والتصاقاً بروح الشعر، وتعبيراً عن معاناته القاسية في الوطن وخارجه. ورغم أن رحلة الشاعر المضنية بحثاً عن الخلاص، والتي لا ينجح الحب وحده في وضع حد أخير لمتاهاتها المحيرة، تذكّر برحلة قلقامش بحثاً عن عشبة الخلود وبرحلة عوليس الشاقة في أوديسة هوميروس، فإن البعدين الميثولوجي والفلسفي للمجموعة لم يفضيا إلى حجب ملموسية الحياة الحقيقية ولم يخففا من حرارة اللغة وتوهجها: «هذه الغيمة التي عدتُ بها من أسفاري المتقطعة \ وثني المسروق من غابة البرابرة \ شعركِ خيمة سأنام فيها ليلة \ أصغي على جدران وصولي إلى الأيام \ إلى أيام معينة \ بعضها بتردُّد يحتويني \ وحبنا الخاطف سيكون الشرارة». وفي «الحياة قرب الأكروبول» يبدو الشعر بوصفه محاولة يائسة للقبض على الزمن وتثبيت لحظاته الهاربة عبر تعقّب المرئيات والحيوات التي تتصارع مع مصائرها المحتومة. على أن البعد الديني في تجربة الشاعر، المنتمي إلى أقلية مسيحية في شمال العراق، يخلي مكانه في المجموعة إلى عالم ما قبل ديني، حيث بعيداً عن ثنائية الخير والشر، المقدس والمدنس، يستعيد الجسد ألقه القديم والحواس مشروعيتها التلقائية. إذ إن «أقصى ما يمكن أن يحدث هو الواقع \ لا معجزة تُجترح من الهواء \ لا اختراقات غير معقولة لحجاب المعروف \ في اللحم، في اللحم يا صديقي \ أنت بحاجة إلى الخطيئة».
وقد لا يكونون مجافين للحقيقة تماماً، أولئك الذين يرون أن سركون بولص هو شاعر الغربة والمنفى بامتياز. وفي اعتقادي أن الشاعر الذي حاول ما أمكنه التصالح مع واقعه الجديد، لم يستطع إحالة أماكنه الأولى إلى النسيان، بحيث بدت أعماله برمتها ثمرة ذلك التمزق بين العالمين.
وهو ما يجد تمثلاته الواضحة في مجموعته «الأول والتالي» حيث تتجاور بشكل لافت قصائد عن النابغة والسياب وكركوك وعمر بن أبي ربيعة، مع قصائد أخرى عن أثينا وسان فرنسيسكو والحي اللاتيني. وحيث تفتقر الروح إلى ظهير صلب أو نِصاب مكاني، تتحول الحياة إلى لحظات متناثرة ويتعقب الشعر نثار الأماكن والأرصفة والحانات ومحطات السفر. إذ ذاك يهتف سركون بمرارة «تمشي فتدفعك الريح من الوراء \ باردة كأنفاس مقبرة \ وتقرأ بعض العناوين عن أرضك البعيدة \ حيث الحرب لا تنام \ صيحات المسافرين ما زالت ترنّ فارغة بين الأنفاق \ لكن تحت دمائك عاصفة من صيحات أخرى \ لا تكفّ عن الانقصاف». إلا أن هذا الوضع الفصامي ما يلبث أن يتحول في «حامل الفانوس في ليل الذئاب» إلى نوع من الاستسلام القدري للواقع. فما دام العبث هو المحصلة النهائية للمصائر، وما دامت «كل وليمة أخرى ستكنسها الريح، وما دامت المدن الفاضلة مجرد حفنة من غبار في قبضة الوهم، والتاريخ سيتعب يوماً من النوم في المجاري»، فإن سركون ينسحب من المواجهة غير العادلة مع الوجود ليقيم على أرض السخرية والحياد واللامبالاة. وهو تبعاً لذلك يهتف بسلفه اللبناني جبران خليل جبران «هنا نعيش \ لكننا نحيا هناك \ أعطني الناي أو لا تعطني الناي \ سيان أن أغني أو لا أغني في هذا الهدير \ هنا نشتري المغني بدولار \ وهذه ليست أورفليس».



لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
TT

لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)

قد تمرّ بأوقات لا تشعر فيها بأي رغبة في القيام بشيء، حتى إن الأنشطة التي اعتدت الاستمتاع بها لا تبدو جذابة بالنسبة إليك. وربما لا تجد في أي من الخيارات المتاحة ما يثير اهتمامك، بل قد تشعر بالضيق أو الانزعاج من اقتراحات المقرّبين منك، رغم أنها تنبع من نيات طيبة.

ويُعد هذا الشعور طبيعياً من حين إلى آخر، خصوصاً خلال فترات الضغط النفسي أو عندما تتزايد مسؤولياتك وانشغالاتك اليومية.

لكن إذا استمر فقدان الاهتمام، المعروف باسم «اللامبالاة»، أو تراجعت قدرتك على الاستمتاع بالأشياء التي كانت تمنحك المتعة سابقاً، وهي حالة تُعرف باسم «انعدام التلذذ»، فقد يشير ذلك إلى مشكلة أكثر جدية.

ومع ذلك، يكون هذا الشعور مؤقتاً في كثير من الحالات، ويمكن لبعض الخطوات البسيطة أن تساعدك على تجاوزه واستعادة نشاطك تدريجياً، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

1. امنح نفسك استراحة تستعيد خلالها طاقتك

قد يكون عدم رغبتك في القيام بأي شيء أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة.

وإذا كنت معتاداً على الضغط على نفسك باستمرار، فإن الاستجابة لهذه الحاجة ومنح نفسك فرصة للاسترخاء قد يساعدانك على تجنب الاحتراق النفسي.

ويؤدي التعاطف مع الذات دوراً أساسياً في مثل هذه المواقف؛ فمن المهم أن تعترف بحجم الجهد الذي تبذله، وأن تسمح لنفسك بالحصول على بعض الوقت للراحة من دون الشعور بالذنب.

ويمكنك أخذ قيلولة قصيرة، أو تصفح تطبيقات التواصل الاجتماعي المفضلة لديك، أو الاسترخاء تحت غطائك المفضل برفقة حيوانك الأليف، أو ممارسة أي نشاط بسيط يمنحك شعوراً بالهدوء والراحة.

وقد تساعدك الاستراحة على:

- استعادة طاقتك الذهنية والجسدية.

- التفكير بوضوح أكبر وتحسين مستوى أدائك.

- تقليل احتمالات ارتكاب الأخطاء، سواء في العمل أو أثناء القيادة أو في مواقف أخرى.

- الوقاية من الاحتراق النفسي.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة أُجريت عام 2019 إلى أن ارتفاع مستويات الاحتراق النفسي لدى الممرضين قد يؤثر في سلامة الأشخاص الذين يتولون رعايتهم.

وهذا يعني أن الحصول على قسط من الراحة لا يعود بالنفع عليك وحدك، بل قد ينعكس إيجاباً أيضاً على الأشخاص المحيطين بك.

2. اخرج إلى الهواء الطلق ولو لدقائق

يمكن لممارسة نشاط بدني خفيف في الهواء الطلق، حتى لو اقتصر على المشي لمدة 10 دقائق حول الحي، أن تساعد على تحسين مزاجك.

وقد أظهرت الأبحاث أن ممارسة التمارين الرياضية ترتبط بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية والنفسية، من أبرزها:

- تقليل خطر الإصابة بأمراض مختلفة، بما فيها السكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.

- المساعدة على التعامل مع القلق والاكتئاب.

- تعزيز القوة البدنية والتناسق الحركي والمرونة.

- تقوية جهاز المناعة.

- تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالرفاه العاطفي.

وفي إحدى الدراسات، حققت الممرضات اللواتي أمضين فترات استراحتهن في حديقة المستشفى نتائج أفضل في اختبارات تقييم الأعراض النفسية المرتبطة بالاحتراق الوظيفي، مقارنة بزميلاتهن اللواتي قضين استراحاتهن داخل المبنى.

وحتى إذا لم تكن لديك رغبة في المشي أو ممارسة الرياضة، فإن مجرد الجلوس على مقعد في مكان مفتوح وقضاء بعض الوقت وسط الطبيعة قد يمنحك فوائد ملموسة.

3. دوّن مشاعرك لفهم أسباب فتورك

قد تساعدك الكتابة اليومية على ترتيب أفكارك ومشاعرك، إذ إن محاولة فهم حالتك العاطفية قد تكشف عن الأسباب الكامنة وراء فقدان رغبتك في القيام بأي شيء.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا استمر شعورك بعدم الرغبة في ممارسة الأنشطة لأكثر من بضعة أيام.

ابدأ بسؤال نفسك عما إذا كنت تشعر بأي من المشاعر التالية:

- القلق أو التوتر أو العصبية بشأن أمر معين.

- الغضب أو الإحباط.

- الحزن أو الوحدة.

- اليأس.

- الشعور بالانفصال عن ذاتك أو العزلة عنها.

فقد يستحوذ أي من هذه المشاعر على تفكيرك، إلى درجة تجعل التركيز على الأنشطة أو المسؤوليات الأخرى أمراً صعباً.

وحاول تدوين ما تشعر به بكلمات بسيطة، حتى لو بدت أفكارك غير مترابطة أو لم تتمكن من التعبير عنها بوضوح كامل.

4. جرّب التأمل لتهدئة ذهنك

قد يبدو التأمل نشاطاً يتطلب منك القيام بشيء، لكن يمكنك النظر إليه باعتباره طريقة واعية ومقصودة لعدم القيام بأي شيء.

وفي عام 2019، شاركت مجموعة من الأشخاص في جلسات تأمل استمرت 13 دقيقة يومياً.

وبعد مرور 8 أسابيع، أظهرت النتائج لديهم مجموعة من التحسينات، شملت:

- انخفاض مستويات التوتر والقلق والمزاج السلبي.

- تعزيز القدرة على التركيز.

- تحسّن الذاكرة العاملة وذاكرة التعرّف.

وقد لا تكون ممارسة التأمل سهلة دائماً، خصوصاً في البداية، لكنها قد تساعدك تدريجياً على ملاحظة مشاعرك وفهمها وتقبّلها من دون إصدار أحكام على نفسك، أو السماح لتلك المشاعر بالتأثير سلباً فيك.

5. تواصل مع صديق أو شخص مقرّب

عندما تفقد الرغبة في القيام بأي شيء، قد يكون التحدث إلى صديق أو جار أو أحد أفراد العائلة وسيلة بسيطة لتحسين حالتك النفسية.

ويمكنك التواصل مع شخص يجيد الاستماع إليك بتفهّم، أو الاكتفاء بمرافقة شخص ترتاح لوجوده في نزهة قصيرة أو قضاء بعض الوقت معه.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن كبار السن الذين يعانون ضعفاً في نشاطهم الاجتماعي قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

كما وجدت دراسات أخرى أدلة تشير إلى أن وجود شبكة اجتماعية داعمة قد يساعد على الوقاية من الاكتئاب والتدهور المعرفي، الذي يشمل مشكلات مرتبطة بالتفكير والذاكرة.

ورغم أنك قد تميل إلى الانعزال عندما لا تشعر برغبة في فعل أي شيء، فمن المهم الانتباه إلى عدم استمرار هذه العزلة لفترة طويلة.

فالتخلي عن الأنشطة والعلاقات الاجتماعية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات على المدى البعيد.

6. استمع إلى الموسيقى المفضلة لديك

قد تساعدك الموسيقى على كسر الصمت ومنح ذهنك شيئاً للانشغال به، خصوصاً عندما لا تكون لديك رغبة في ممارسة الكثير من الأنشطة.

ويمكن للاستماع إلى موسيقاك المفضلة أن يمنحك شعوراً بالهدوء، أو يمدّك بالطاقة والحماس، أو يثير مشاعر أخرى، بحسب نوع الموسيقى التي تفضلها.

ولا تقتصر فوائد الموسيقى المحتملة على تحسين الحالة المزاجية، إذ قد تنعكس إيجاباً أيضاً على وظائف الدماغ، بما في ذلك تعزيز الانتباه والذاكرة.

وتشير بعض الأبحاث كذلك إلى أن الموسيقى قد تسهم في تخفيف الألم والمساعدة على علاج الاكتئاب.

7. ابدأ بإنجاز مهمة منزلية بسيطة

قد تفقد الرغبة في القيام بأي شيء عندما تتراكم أمامك مهام مزعجة أو مملة، مثل الأعمال المنزلية أو دفع الفواتير أو إنجاز المشاوير اليومية.

ومع تزايد هذه المسؤوليات، قد تبدو فكرة البدء في تنفيذها مرهقة وصعبة، حتى لو كانت بعض المهام بسيطة في حد ذاتها.

وفي هذه الحالة، يمكنك البدء بمهمة صغيرة لا تتطلب جهداً ذهنياً أو تركيزاً كبيراً، مثل:

- غسل الأطباق.

- ترتيب السرير.

- تنظيم إحدى الخزائن.

- أخذ كيس من الأغراض التي لم تعد بحاجة إليها إلى إحدى الجمعيات الخيرية.

- إجراء مكالمة هاتفية واحدة.

- تحضير وجبة بسيطة.

- إعادة الملابس المغسولة إلى أماكنها.

- ترتيب سطح المكتب.

وقد يكون إنجاز مهمة واحدة فقط، خصوصاً إذا كنت تؤجلها منذ فترة، كافياً لمنحك شعوراً بالإنجاز، وإتاحة الفرصة لشطبها من قائمة مهامك.

8. ضع جدولاً زمنياً ينظم يومك

إذا كنت تشعر باستمرار بعدم الرغبة في القيام بأي شيء، وتجد صعوبة متكررة في إنجاز الأعمال المنزلية أو الوفاء بمسؤولياتك الأخرى، فقد يساعدك إعداد جدول زمني على تنظيم يومك.

وربما تستخدم بالفعل مفكرة لتسجيل المهام المهمة أو المواعيد التي لا تريد نسيانها، لكن الجدول الزمني يمنحك خطة أكثر وضوحاً وتحديداً لما يمكنك القيام به، حتى خلال الأوقات التي تشعر فيها بفتور الحماس.

وليس من الضروري أن تخطط لكل دقيقة من يومك، إلا إذا وجدت أن ذلك يناسبك، بل يكفي تخصيص فترات زمنية عامة للأنشطة الأساسية، مثل:

- الاستيقاظ من النوم.

- الاستعداد لبدء اليوم.

- تحضير الوجبات.

- إنجاز المهام الدراسية أو المهنية أو المسؤوليات المنزلية.

- لقاء الأصدقاء أو المشاركة في أنشطة اجتماعية أخرى.

- الذهاب إلى النوم.

ومن المهم أيضاً تخصيص وقت للأنشطة التي تستمتع بها، وللقاء الأشخاص الذين تحب قضاء الوقت معهم.

وفي المقابل، حاول ألا تقسو على نفسك إذا لم تتمكن من الالتزام بالجدول الذي وضعته؛ فقد يكون ذلك مجرد مؤشر إلى حاجتك إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات، أو تخصيص وقت أطول لإنجاز مهام معينة.


حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
TT

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي»، إن الجدل حول الملصق الترويجي للدورة الجديدة انصبّ على مدى تشابه الصورة مع ملامح الفنانة شادية، وأغفل الدلالة السياسية وراء استدعاء شخصية «فؤادة»، التي جسّدتها في فيلم «شيء من الخوف»، موضحاً أن مشهد فتح الهويس وتدفّق المياه إلى الأراضي يمثل جوهر الفكرة التي أراد المهرجان تقديمها.

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الشخصية يرتبط بموقفها في مواجهة حرمان الأهالي من المياه، وما يحمله ذلك من دلالة على الدفاع عن حق المصريين فيها. وأوضح أن المهرجان استند إلى الذاكرة السينمائية المصرية للتعبير عن هذا الموقف، مستحضراً شخصية ارتبطت في وجدان الجمهور بالشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف والانتصار للحياة.

وأكد أن الملصق الترويجي سيخضع لتعديل يجعل ملامح شادية أكثر وضوحاً، مع الاحتفاظ بفكرته الأساسية، مشيراً إلى أن النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينتقص من المعنى الذي يستهدفه التصميم؛ إذ ينبغي لملصق مهرجان بحجم مهرجان القاهرة السينمائي وتاريخه أن يحمل رسالة توازي مكانته، وأن يستند اختيار شخصياته وعناصره البصرية إلى فكرة واضحة.

وتعرّضت إدارة مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» لانتقادات عقب الكشف عن الملصق الترويجي للدورة الجديدة، بسبب عدم تطابق ملامح الصورة مع الملامح الحقيقية للفنانة شادية.

وتدور أحداث فيلم «شيء من الخوف» حول «فؤادة»، التي تتحدى سطوة «عتريس»، وتفتح الهويس لتصل المياه إلى أراضي الفلاحين، بعدما حُرِموا منها عقاباً لهم، فيتحول موقفها إلى تحدٍّ للخوف الذي يسيطر على القرية. والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب ثروت أباظة، وأخرجه حسين كمال، وعُرض عام 1969، وهو من بطولة شادية ومحمود مرسي. ويأتي استحضار الفيلم مجدداً في ظل الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وأبدى حسين فهمي تقديره للتصميمات البديلة التي تداولها مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أن احتفاظ عدد منها بشخصية «فؤادة» يعكس وصول الفكرة إلى أصحابها. لكنه أشار إلى أن ما أحزنه هو اختزال النقاش في ملامح الوجه، من دون التوقف عند البعد السياسي لاختيار الشخصية، أو دلالة موقفها في الفيلم الذي استلهم منه الملصق رسالته.

ونفى فهمي أن تكون الانتقادات قد أصابته بالإحباط، مؤكداً تمسكه بحرية النقد وإبداء الرأي، وأن اختلافه مع بعض التعليقات لا ينتقص من حق أصحابها في التعبير عنها. وشدد على أن تبادل الأفكار لا يشترط انتهاء النقاش إلى اتفاق، إذ يحق لكل طرف الاحتفاظ بقناعته، مع إتاحة المجال لعرض وجهات النظر ومناقشتها بحرية.

وعن اختيار أفلام الدورة الجديدة، قال حسين فهمي إن المهرجان يكتسب ثقلاً متزايداً عاماً بعد آخر، وهو ما انعكس على علاقته بصناع الأفلام ورغبتهم في المشاركة فيه. ولفت إلى أن استقطاب الأعمال أصبح أقل صعوبة مقارنة بالسابق، بعدما بات بعض السينمائيين يفضلون عرض أفلامهم في القاهرة، ويحتفظون بها انتظاراً للمشاركة في المهرجان، عاداً أن ذلك نتيجة للمصداقية التي راكمها المهرجان.

وأضاف أن «هذا الإقبال منح إدارة المهرجان خيارات أوسع، ودفعها إلى الاعتذار عن عدم ضم عدد من الأعمال»، مؤكداً أن «الأولوية تظل للمستوى الفني، وأن كثرة الأفلام المتاحة تفرض مزيداً من التدقيق والمفاضلة، للوصول إلى برنامج يعبر عن قيمة المهرجان، ويحافظ على ثقة الجمهور وصناع السينما في اختياراته».

وتضم الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقررة إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، نحو 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، بينها 17 عرضاً عالمياً أول، و5 عروض دولية أولى، و87 عرضاً أول في العالم العربي. وتأتي هذه الاختيارات بعدما استقبل المهرجان 5600 طلب مشاركة، توزعت بين 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 طلب للأفلام القصيرة.

يمنح المهرجان جائزة فاتن حمامة للفنان المصري آسر ياسين (إدارة المهرجان)

وربط فهمي بين تطور برنامج المهرجان والحضور المستمر في المهرجانات الدولية، مثل «برلين» و«كان»، موضحاً أن هذه المشاركات تتيح له لقاء صناع الأفلام، والتعرف إلى مشروعاتهم، ومتابعة أعمالهم في مراحل مبكرة. وأضاف أن التواصل المباشر يساعد على بناء علاقات ممتدة، ويفتح المجال لمناقشة مشاركات محتملة، إلى جانب التعريف بأنشطة مهرجان القاهرة وما يتيحه للسينمائيين من فرص للقاء الجمهور.

وأشار إلى أن هذه اللقاءات تشمل أيضاً التواصل مع الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، واستعراض ما قدمه المهرجان في دوراته السابقة، بما في ذلك المبادرات الموجهة إلى الطلاب. وأكد أن النقاش يمتد إلى دور المهرجان في نشر الثقافة السينمائية، وإتاحة المعرفة وفرص المشاهدة لفئات قد لا تتوافر لها إمكانات منتظمة لمتابعة الأفلام والفعاليات.

ووفقاً لفهمي، تسعى إدارة المهرجان باستمرار إلى تطوير أنشطة جديدة، لافتاً إلى أن تبادل الخبرات مع رؤساء المهرجانات الأخرى يساعد على مناقشة هذه الأفكار وتوسيع أثرها، ومشيراً إلى أن بعض المبادرات التي يقدمها المهرجان تثير اهتمام زملائه في الخارج.

وفيما يتعلق بترميم كلاسيكيات السينما المصرية، قال فهمي إن اختيار الأفلام يستند إلى قيمتها الفنية، وأهمية مخرجيها وكتّابها، ومكانتها في تاريخ السينما المصرية، موضحاً أن مشروع الترميم شمل هذا العام نحو 6 أفلام، من بينها «شفيقة القبطية»، و«المتمردون»، و«البوسطجي»، و«إحنا التلامذة».

وعن تمويل المهرجان، أقرّ فهمي بأن الظروف الاقتصادية والحروب في المنطقة تزيدان من صعوبة الحصول على الرعاية، لكنه أشار إلى استمرار التعاون مع عدد من الرعاة السابقين، بالتوازي مع التفاوض مع جهات أخرى.

وأكد استمرار مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، موضحاً أن إدارة المهرجان تعتذر عن عدم قبول عروض الرعاية المقدمة من هذه الجهات، وتواصل التعاون مع شركات مصرية وطنية. وأشار إلى أن هذا الموقف يظل حاكماً لاختيارات الرعاية، رغم التحديات التي تواجه توفير التمويل، والحاجة المستمرة إلى دعم يضمن تقديم الفعاليات بالمستوى الذي تسعى إليه الإدارة.


رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
TT

رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)

من حنان امرأة لم ترزق بالأطفال، لكنها منحت طفلةً شعورَ الأمومة والأمان، ولدت حكاية سينمائية شقت طريقها من الأحساء إلى مهرجان الجونة السينمائي في مصر. تلك الطفلة هي المخرجة السعودية رزان الصغير، التي استعادت علاقتها بعمّة والدتها الراحلة لتقدم فيلمها القصير «ولد الحجية»، محوّلة تجربة شخصية رافقتها لسنوات إلى حكاية إنسانية عن الطفولة والفراق والأشخاص الذين يتركون أثرهم في حياتنا.

لم تكن الصغير تبحث عن قصة تستعرض من خلالها المكان الذي نشأت فيه، بقدر ما أرادت استعادة شعور يصعب الإمساك به؛ ذلك المزيج من الحرية والحنان الذي عاشته في طفولتها. وتوضح المخرجة السعودية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن فكرة الفيلم بدأت من تساؤلات رافقتها حول علاقتها بعمّة والدتها، وكيف استطاعت امرأة لم ترزق بالأطفال أن تمنحها إحساساً بالأمومة، وتوفر لها مساحة تشعر فيها بحرية مطلقة، دون أن تفقد في الوقت نفسه شعورها بالأمان.

الملصق الرسمي لفيلم «ولد الحجية» من إخراج رزان الصغير (إنستغرام)

ومن هذه العلاقة ولدت حكاية الطفل «حمد»، ذي السنوات السبع، الذي يقضي يومه الأخير في القرية برفقة عمّة والدته، قبل أن يغادر العالم الصغير الذي نشأ فيه وألفه. ولا يتوقف مشهد الوداع في الفيلم على لحظة مغادرة المكان، بل يمتد للتحولات النفسية العميقة التي يختبرها الإنسان حين يبتعد عمّن منحه الأمان في سنواته الأولى.

وتوضح الصغير أن اختيارها لهذا اليوم الأخير جاء بوصفه استعارة للفراق والتغيّر، سواء أكان الابتعاد عن شخص عزيز، أو مكان مألوف، أو مرحلة من الطفولة. وعلى الرغم من تصوير العمل في الأحساء، فإنها تعمّدت عدم تحديد موقع القرية جغرافياً داخل الحكاية، ليبقى المكان امتداداً لذاكرتها، وقابلاً لأن يجد فيه الآخرون شيئاً من ذكرياتهم.

صورة تشبه الذاكرة

لم تكتفِ المخرجة باستعادة طفولتها عبر النص، بل اختارت للصورة أيضاً ما يتناسب مع طبيعة الحكاية، مستخدمة خام الفيلم السينمائي بقياس 16 ملليمتراً، في قرار أضاف تحديات تقنية إلى عملية الإنتاج.

وتشير إلى أن التصوير بهذه التقنية، خلافاً للتصوير الرقمي، يتطلب تحميض الخام ومسحه ضوئياً قبل مشاهدة النتيجة، لكنها تمسكت باختيارها لما تحمله الصورة التناظرية من إحساس بالحنين والذاكرة، وهما العنصران اللذان يقوم عليهما الفيلم.

أما التحدي الآخر فكان العمل مع الطفل سعود الراشدي، الذي يؤدي شخصية «حمد»، إذ حرصت على ألا يشعر بأنه مطالب بتقديم أداء تمثيلي طوال الوقت. وتقول إن الفريق سعى إلى خلق بيئة طبيعية ومريحة، حتى أصبح الطفل صديقاً لجميع أفراد العمل، وانعكست تلك الألفة على عفويته أمام الكاميرا.

صورة تجمع طاقم عمل فيلم «ولد الحجية» (الشرق الأوسط)

ويشارك في بطولة الفيلم خيرية نظمي، إلى جانب إبراهيم الحساوي، وعلي الأحمد، وحسن العاشور، فيما تولّى إنتاجه بكر الدحيم، ضمن إنتاج سعودي هولندي مشترك، بدعم من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» وصندوق البحر الأحمر.

من التجربة إلى صناعة الحكاية

لم تكن «ولد الحجية» المحطة الأولى في مسيرة الصغير، لكنها مثّلت تحولاً في علاقتها بصناعة الأفلام. ففي عام 2019، شاركت في برنامج تدريبي نظّمه «إثراء» بالتعاون مع معهد الفيلم البريطاني، وأنجزت خلاله فيلم «نَفَس»، الذي شكّل إحدى تجاربها الإخراجية المبكرة.

تستعيد المخرجة تلك التجربة بوصفها مرحلة لاكتشاف أدواتها الفنية، فبينما كان النص جاهزاً، ولم يستغرق التصوير سوى نحو أسبوع، انصبّ تركيزها على التعلم والتعامل مع الممثلين وفريق العمل.

أما مشروع «ولد الحجية» فكان مشروعاً أكثر خصوصية إذ تولت كتابته بنفسها، واستغرقت رحلته من تطوير السيناريو إلى التصوير قرابة عامين، تزامناً مع دراستها للماجستير. وبعد انتهاء دراستها، تفرغت للتحضيرات، من اختيار الممثلين ومواقع التصوير إلى متابعة التفاصيل الفنية للعمل.

تقول إن فيلم «نَفَس» أتاح لها اكتشاف نفسها كمخرجة، بينما منحها «ولد الحجية» فرصة خوض تجربة متكاملة، من الكتابة حتى مراحل ما بعد الإنتاج، فضلاً عن مساحة أوسع لتقديم رؤيتها الخاصة.

وتكشف تجربتها عن دور برامج التدريب والدعم السينمائي السعودية في مرافقة صناع الأفلام خلال مراحل تطورهم، من التجارب التعليمية الأولى إلى إنجاز مشاريع مستقلة قادرة على الوصول إلى المهرجانات.

حكاية محلية بمشاعر عالمية

بين فرنسا وبريطانيا وهولندا، تنقلت الصغير لاكتساب المعرفة السينمائية، فدرست في مدرسة «لا فيميس» الفرنسية بدعم من المجلس السعودي للأفلام آنذاك، وفي بريطانيا بدعم من «إثراء»، قبل أن تكمل الماجستير في الدراسات السينمائية بجامعة أمستردام عبر برنامج الابتعاث الثقافي.

غير أن هذا التنوع في المدارس والخبرات لم يدفعها بعيداً عن الحكايات المحلية، بل عزّز قناعتها بأن خصوصية المكان ليست عائقاً أمام وصول الفيلم إلى جمهور عالمي.