رفض يمني للمشاورات الشاملة مع الحوثيين قبل تنفيذ اتفاق «استوكهولم»

سياسيون يتهمون غريفيث والمساعي البريطانية بالانحياز للانقلابيين

غريفيث يقدم افادات امام جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (موقع مجلس الأمن)
غريفيث يقدم افادات امام جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (موقع مجلس الأمن)
TT

رفض يمني للمشاورات الشاملة مع الحوثيين قبل تنفيذ اتفاق «استوكهولم»

غريفيث يقدم افادات امام جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (موقع مجلس الأمن)
غريفيث يقدم افادات امام جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (موقع مجلس الأمن)

أثارت الدعوات الأخيرة للمبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، وكذا التصريحات البريطانية الداعية إلى الذهاب نحو مشاورات شاملة للحل السياسي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين الحوثيين، غضباً واسعاً في أوساط السياسيين اليمنيين المؤيدين للشرعية، إذ اعتبروا أن هذه المساعي والدعوات تصب في خدمة الجماعة الحوثية، خاصة في ظل عدم التزامها بتنفيذ اتفاق «استوكهولم»، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منه بالحديدة.
وفي هذا السياق، يعتقد الباحث السياسي المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالقاهرة، بليغ المخلافي، أن المبعوث الأممي «يبحث عن تمديد مهمته، إذ إنه يعمل من أجل نفسه، ولا يعمل من أجل اليمنيين، أو من أجل تنفيذ القرارات الأممية التي جاءت به إلى اليمن مبعوثاً دولياً».
ويعتقد المخلافي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن غريفيث حاول الهروب من تعقيدات الحل السياسي الشامل في اليمن، بعد أن تسلم مهمته خلفاً للمبعوث السابق إسماعيل ولد الشيخ أحمد، والتعقيدات التي حصلت في مشاورات الكويت، وبدأ يبحث عن تجزئة الملف اليمني، نظراً لاعتقاده أن هذه التجزئة ستساهم في تحقيق نجاحات شخصية له، وبالتالي أتى اتفاق «استوكهولم» الذي دعمته بريطانيا حينها، من خلال حضور وزير الخارجية جيريمي هنت شخصياً، في سياق دعم مواطنه غريفيث.
وأوضح المستشار اليمني أن اتفاق «استوكهولم» تحقق بفعل الضغط البريطاني على الحكومة الشرعية، وعلى التحالف الداعم لها، لكنه لم ينفذ إلى الآن، حيث وقع غريفيث في المطب الذي سماه اتفاق الحديدة، وهو الآن يحاول تجاوز هذا الاتفاق للبحث عن اتفاق آخر بغرض تمديد مهمته.
واعتبر المخلافي أن الحديث عن «اتفاق الرياض» من قبل غريفيث، أو السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، هو حديث خارج السياق، لأن اتفاق الرياض لا يدخل ضمن ولاية المبعوث أو مهمته، بسبب أنه يخص أطرافاً داخل الشرعية، وكان الهدف منه لململة الأطراف المؤمنة بفكرة الشرعية والمناهضة للحوثي، وبالتالي فهذا لا يدخل في نطاق ولاية المبعوث الأممي، على حد تعبيره.
ويشير المخلافي إلى أن بريطانيا «تحاول من خلال تصريحات سفيرها الأخيرة إنجاح مهمة مواطنها غريفيث، وتحقيق أي نجاحات حتى لو كانت وهمية. كما يؤكد أن القفز على استوكهولم، والذهاب نحو أي اتفاقات أخرى، يعني الذهاب إلى الاتفاق وترك المساحة للحوثي لرفضه، كما حدث مع اتفاق «استوكهولم».

هروب من إعلان فشل «استوكهولم»
ومن جهته، يعتقد الناشط السياسي الصحافي اليمني همدان العليي أن تصريحات المبعوث الأممي والسفير البريطاني الأخيرة، وحديثهما عن مشاورات لإيجاد الحل الشامل «هي بمثابة هروب من إعلان فشل اتفاقية استوكهولم، بعد أكثر من عام على التوقيع عليها، وما حدث هو فقط تنفيذ مطالب الحوثيين، وهي إيقاف تحرير المحافظة».
وقال العليي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نقدر جهود السفير البريطاني والمبعوث الأممي، وندرك صدق نواياهم، لكن يجب أن يعرفوا أنهم، في نظر اليمنيين، سبب من أسباب إطالة الحرب في اليمن، فلولا الضغوطات التي مارسوها ضد الحكومة الشرعية لإيقاف تحرير الحديدة، لكانت الحرب قد انتهت اليوم».
واعتبر العليي أن العوامل التي أشار إليها السفير آرون لإلغاء استحقاقات اتفاقية استوكهولم، وعدم ضرورة تنفيذها، خطأ كبير لأنها تتجاهل العوامل المتعلقة باليمن، وهي الأساس. فالحرب، والحديث للعليي، لن تتوقف «بشكل كلي لأي سبب من الأسباب حتى يتم إنهاء أسبابها، وهو الانقلاب الذي تحقق في سيطرة جماعة تمثل فئة من فئات المجتمع على سلاح الدولة، وعلى القرار السياسي والإداري والمالي، وعلى مقدرات الدولة كافة، وقيامها بفرض فكرها المتطرف على اليمنيين بقوة السلاح».
وتابع العليي: «نعم، توقفت عملية تحرير الحديدة، وهذا مطلب الحوثيين منذ البداية، وقد تحقق على يد المبعوث الأممي والسفير البريطاني، لكن مطالب الحكومة الشرعية التي تمثل غالبية اليمنيين لم يتحقق منها شيء، ومن المستغرب أن يقوم السفير البريطاني والأمم المتحدة بالحديث عن مشاورات سلام وحل شامل في اليمن وهي التي عجزت عن إقناع الحوثيين بتطبيق القرار الأممي (2216)، وعجزت عن إقناعهم بتنفيذ اتفاقية (استوكهولم) التي وقعوا عليها بإشراف الأمم المتحدة».
ويعتقد الناشط الصحافي العليي أن «كل ما يحدث أن موقف الأمم المتحدة والسفير البريطاني في اليمن يمكن الحوثيين ويسلم لهم اليمن، كما تم إنقاذهم في الحديدة»، ويتهم المجتمع الدولي بأنه «يحاول تثبيت سيطرة الحوثيين، من خلال إيقاف عمليات تحرير المدن، دون تطبيق القرارات الدولية أو اتفاقية استوكهولم».
ويضيف العليي مستغرباً: «عندما نسأل: لماذا؟ يقولون إن الحرب طالت، ولم تحسمها الشرعية... لكن كيف يتم حسمها وأنتم من تضغطون لإيقافها، كما حدث في الحديدة؟ توقفون عمليات تحرير الحديدة، وتعجزون عن إجبار الحوثيين على تنفيذ الاتفاقيات والقرارات الدولية، ثم تشتكون من إطالة الحرب! هذا غير معقول»، بحسب تعبيره.

دعوات غير منطقية
أما الكاتب الإعلامي اليمني وضاح الجليل، فيصف من جهته الدعوات الأممية والبريطانية لمشاورات الحل الشامل بأنها «غير منطقية». ويعتقد الجليل في الوقت نفسه، وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك تنسيقا بين الحوثيين والمبعوث الأممي، ومن خلفه البريطانيين، لإجبار الشرعية على تقديم تنازلات».
وما يشير إلى وجود هذا التنسيق -بحسب قوله- دعوة غريفيث لـ«خفض التصعيد، ودعوة بريطانيا لحل شامل، بالتزامن مع التصعيد الحوثي، والمكاسب التي حققتها الجماعة من خلال استعادة مواقع كانت قد خسرتها قبل 4 سنوات. وهذا الأمر يؤشر إلى تواطؤ دولي مع الحوثيين، ومحاولة تثبيت نفوذهم خلال سنوات الحرب والانقلاب».
ويتهم الجليل بريطانيا بأنها «تسعى من خلال غريفيث لتأكيد نفوذ الحوثيين كاستحقاق للجماعة، وإجبار الشرعية على الاعتراف بالجماعة كأمر واقع يتم التعاطي معه كقوة لا يمكن تجاوزها».
ويعتقد أن الدعوة الحالية للمشاورات الشاملة «دعوة غير منطقية لأنها تأتي بعد أكثر من 13 شهراً من اتفاقية (استوكهولم) التي لم ينفذ منها سوى بند وقف إطلاق النار الذي خدم الحوثيين وجاء لصالحهم».
ويرى الجليل أن هذه المساعي الدافعة لمباحثات شاملة للحل «تتسم بالعبث»، ويتساءل: «لماذا حدث من البداية اتفاق (استوكهولم)، إذا كان المجتمع الدولي غير مقتنع به أساساً، والآن يريد اتفاقاً سياسياً شاملاً، بينما لم يتم تنفيذ الاتفاق الجزئي الذي كان المبرر له مزاعم الحالة الإنسانية».
ويجزم الصحافي الكاتب اليمني وضاح الجليل بأن «المجتمع الدولي لا يسعى لحل الأزمة اليمنية، بل إلى تعقيدها، لجهة أن إدخال اليمن في اتفاق شامل مزعوم مع الحوثيين، مع ما حققوه من مكاسب، يؤكد أن الاتفاق المزمع الذي تسعى إليه بريطانيا هو جزء من العملية العبثية وإدارة الصراع، إذ إنه لن يضع نهاية للحرب، بل سيشكل نقطة تحول في مسارها، وتأجيلاً لبعض المعارك».

تثبيت حالة اللاسلم واللاحرب
وفي السياق ذاته، يرى رئيس مركز «فنار» لبحوث السياسات، الكاتب عزت مصطفى، أن مثل هذه الدعوات هدفها النهائي في اليمن «تثبيت حالة اللاسلم واللاحرب».
ويقول مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: «من تصريحات السفير البريطاني، اتضح أن اتفاق استوكهولم حقق النتائج المرجوة لبريطانيا ومصالحها في المنطقة، وليس لليمنيين، وتمثل ذلك في أن استوكهولم منع تحقيق السلام في الحديدة عبر العمل العسكري، ولم يعطِ بديلاً للسلام عبر العمل السياسي، وعلَّق الحالة هناك بين اللاسلم واللاحرب، ما فاقم المأساة الإنسانية في الحديدة واليمن».
ويعتقد مصطفى أن «سياسة لندن في اليمن التي تعتمد في تنفيذها على غريفيث، كوسيلة بريطانية يلبس الرداء الأممي، ستواصل تثبيت حالة اللاسلم واللاحرب في عموم اليمن، بعد أن نجحت في تطبيقه في الحديدة، عبر محاولتها الدفع باتجاه اتفاق سلام شامل مشابه لا يحمل أي ضمانات تنفيذ، ولا يحظى بأي مقومات نجاح. وهذان عنصران مهمان تتعمد بريطانيا الاعتماد عليهما لتمرير أجندتها، واستمرار بقاء اليمن بؤرة صراع قابلة للاشتعال في أي وقت لتهديد الخليج والمنطقة، على حساب معاناة الشعب اليمني».

رفض حكومي قاطع
وفي سياق المواقف المعلنة للحكومة الشرعية، أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن الحكومة «ترفض رفضاً قاطعاً الحديث عن أي مفاوضات للحل الشامل للأزمة اليمنية قبل التنفيذ الكامل غير المشروط لبنود اتفاق السويد بخصوص الوضع في محافظة الحديدة، وإطلاق كافة الأسرى والمختطفين، ورفع الحصار عن محافظة تعز».
وقال الإرياني، في سلسلة تغريدات على «تويتر»: «أي دعوة لعقد مفاوضات مقبلة قبل تنفيذ اتفاق السويد، وإنهاء التصعيد العسكري من قبل مرتزقة طهران (الميليشيات الحوثية)، هي مجرد خطوة عبثية لامتصاص الغضب الشعبي، وضرب حالة الاصطفاف الوطني خلف الشرعية والجيش الوطني، وإعطاء الميليشيات فسحة من الوقت لتعويض خسائرها البشرية، وإعادة ترتيب صفوفها».
وأكد الوزير اليمني أن «المجتمع الدولي، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة الذي عجز عن إقناع وممارسة الضغط على الميليشيات الحوثية لتنفيذ بنود اتفاق السويد، سيفشل بالتأكيد في إجبارها على الانخراط بجدية في تسوية شاملة للأزمة، ترتكز على المرجعيات الثلاث، وهي مستمرة في حمل السلاح وقتل وإرهاب الشعب اليمني».
وكان غريفيث قد دعا أطراف النزاع في اليمن إلى «خفض تصعيد العنف، وتجديد التزامهم بالتوصل لحل سلمي للنزاع»، وقال: «يستحق اليمنيون ما هو أفضل من الحياة، في ظل حرب لا تنتهي».
وزاد غريفيث، في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «منذ ما يزيد على العام، قطع أطراف النزاع في اليمن عهداً على أنفسهم أمام الشعب اليمني بإبقاء الحديدة آمنة، وباستخدام إيرادات الميناء في دفع الرواتب، وإعادة المحتجزين لذويهم وأحبائهم. يجب على أطراف النزاع الوفاء بتلك العهود، وبناء بيئة مواتية لعملية السلام».
أما السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، فكان قد أكد في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن اتفاق استوكهولم الذي توصلت إليه الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيين كان مهماً، وأدى إلى نتائج جيدة خلال الفترة الماضية، غير أنه أشار إلى أن الوضع تغير الآن، وهنالك حاجة إلى اتفاق سياسي شامل، ليس محدداً بمنطقة أو محافظة وحدها، وإنما اتفاق لوقف الحرب تماماً في كل الجبهات. وقال آرون إنه «يتفهم موقف الحكومة الشرعية الأخيرة تجاه اتفاق استوكهولم الذي يطالب بتحقيق تقدم أكبر في تطبيق الاتفاق، إلا أن الموقف تغير اليوم؛ حيث تحتاج الأطراف جدية في الوصول إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب في جميع الجبهات».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.