المجتمع الدولي يترقب مدى استعداد «حزب الله» لإعادة النظر في سلوكه

تساؤلات عن قدرة دياب على تحرير قطاع الكهرباء من شروط «التيار الوطني»

TT

المجتمع الدولي يترقب مدى استعداد «حزب الله» لإعادة النظر في سلوكه

قال رئيس حكومة سابق إن استجابة لبنان لدفتر الشروط الذي أعده مؤتمر «سيدر» لمساعدته على النهوض من أزماته الاقتصادية والمالية لوقف مسلسل الانهيارات التي يتخبط فيها، لا تقتصر على تحقيق الإصلاحات الإدارية والسياسية المتمثلة في مكافحة الفساد ووقف هدر المال العام؛ وإنما تشمل التصدّي للفساد السياسي الذي كان وراء تعطيل العمل الحكومي وإقحامه في تجاذبات لا مبرر لها أدت إلى التقليل من إنتاجيته وتأخير الحلول للمشكلات التي بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة.
وسأل رئيس الحكومة السابق، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، عن أسباب التباطؤ المدروس الذي حال دون الإسراع في تحقيق الإصلاحات رغم إلحاح فرنسا الراعية لمؤتمر «سيدر» على ضرورة وضعها قيد التنفيذ الفوري، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «باريس تقدّر الجهود التي بذلها الرئيس سعد الحريري لتحييد هذه الإصلاحات عن التجاذبات السياسية، وأبدت تفهُّماً لموقفه؛ وإلا لما وافقت على تمديد فترات السماح للإبقاء على ما تقرر في (سيدر) قائماً باعتبار أن ما تقرر فيه هو بمثابة الممر الإلزامي للبنان للنهوض على مراحل من أزماته».
ولفت إلى أنه «لا قيمة لهذه الإصلاحات ما لم تكن مقرونة بإعطاء الأولوية لإصلاح قطاع الكهرباء وإعادة تأهيله؛ بدءاً بإنتاج المعامل لتوليد الطاقة شرطاً للاستغناء عن الحلول الموقتة المحصورة في استئجار البواخر التركية لتأمين بعض النقص في التيار الكهربائي، مع أن مثل هذه الحلول باتت تُرهق خزينة الدولة في عجز إضافي يقدّر سنوياً بنحو ملياري دولار».
وعدّ أن المسؤولية في عدم تأمين حلول دائمة لإنتاج الطاقة تقع على عاتق «التيار الوطني الحر» الذي «تسلّم حقيبتها منذ أكثر من 11 عاماً وبات يتعامل معها كأنها وكالة حصرية باسمه لا يقبل التنازل عنها»، وقال إن القوى السياسية التي شاركت في الحكومات السابقة كانت على حق في تسجيل اعتراضاتها وتحفّظاتها على الخطط الموضوعة من قبل رئيس «التيار» الوزير جبران باسيل والتي تبنّاها بالنيابة عنه جميع الوزراء الذين تعاقبوا على تسلُّم حقيبة الطاقة.
ورأى رئيس الحكومة السابق أن «التيار الوطني» أعطى الأولوية للحلول الموقتة «ولم يلتفت إلى الحلول الدائمة؛ أي البديلة، إلا على الورق»، وقال إنه كان يتوجب على الرئيس الحريري «التدخّل في الوقت المناسب لتحرير قطاع الكهرباء من استئجار البواخر، خصوصاً أنه استدرك أخيراً ما ترتّب من عجز مالي إضافي على خزينة الدولة بسبب مراعاته لحليفه باسيل قبل أن تلقى التسوية السياسية التي أبرمها مع العماد ميشال عون وأدت إلى انتخابه رئيساً للجمهورية حتفها أسوة بالمصير الذي حل باتفاق (إعلان النيات) الذي أبرمه الأخير مع رئيس حزب (القوات اللبنانية) سمير جعجع».
وقال إن الرئيس عون كان وراء إفراغ التسوية من جهة و«إعلان النيات» من جهة ثانية من مضامينهما السياسية، «وأخذ منهما ما يلبّي طموحاته التي أوصلته إلى سدّة الرئاسة، وإلا فلماذا أقحم نفسه في مجموعة من الاشتباكات السياسية التي تجاوزت الحريري وجعجع إلى رئيس (الحزب التقدمي الاشتراكي) وليد جنبلاط، وأيضاً (حزب الكتائب) وصولاً إلى (تيار المردة) برئاسة النائب السابق سليمان فرنجية الذي يتمثّل حالياً في حكومة الرئيس حسان دياب من موقع الاختلاف مع عون ومن خلاله الوزير باسيل».
وسأل رئيس الحكومة السابق عن «كيف يتباهى رئيس الجمهورية في كل مناسبة باستضافة لبنان إنشاء (أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار) في الوقت الذي يتعطّل فيه الحوار الداخلي، من دون أن يبادر إلى تبديد الأجواء، الذي من شأنه أن يعيد التواصل بين بعبدا والمكوّنات السياسية الفاعلة بدلاً من أن يقتصر تواصل عون على (الثنائي الشيعي) بقوتيه (حركة أمل) و(حزب الله)، مع أن الأخير يشكل إحراجاً له، وهو يعرف قبل غيره أن المطلوب منه دولياً وإقليمياً أن يسعى لدى الحزب لإقناعه بأن يعيد النظر في ترسيم الحدود السياسية لدوره محلياً وخارجياً».
وكشف عن أن «المجتمع الدولي لا يترقّب مضامين البيان الوزاري لحكومة دياب فحسب؛ وإنما يتريث في إصدار موقفه النهائي من حكومة (اللون الواحد) إلى حين التأكد من مدى استعداد (حزب الله) لإعادة النظر في سلوكه على المستويين الداخلي والخارجي، إضافة إلى تأكد المجتمع الدولي من أن الحزب لا يطغى على الحكومة بالتضامن مع باسيل».
وبكلام آخر؛ فإنه «لا صحة لما يردّده بعض من يشكلون رأس حربة في الدفاع عن حكومة (اللون الواحد) لجهة أنها موعودة بدعم دولي بلا شروط بذريعة أن أكثر من 10 وزراء فيها يحملون الجنسية الأميركية وأن الآخرين فيها على تواصل مع جهات خليجية».
ورأى رئيس الحكومة السابق أنه لا صحة لما يشاع على هذا الصعيد، وقال إنه «لا مفاعيل سياسية أو مادية للترويج لمثل هذه الأقاويل التي ما هي إلا مسكّنات إعلامية ورغبات لا تُصرف في مكان»، وقال إن «المطلوب من هذه الحكومة جملة من القرارات والمواقف؛ أبرزها مبادرة (حزب الله) إلى تغيير سلوكه وتليين موقفه، وقد يلجأ إلى ذلك لعله يفتح بعض النوافذ أمام الحكومة للحصول على مساعدات».
لكن لجوء «حزب الله» إلى تبريد مواقفه لا يكفي ما لم يقم رئيس الحكومة حسان دياب بجهد فوق العادة لوضع خريطة طريق لإعطاء الأولوية للحلول الدائمة لأزمة الكهرباء والاستغناء تدريجياً عن البواخر، وهذا ما يدخله في مواجهة مع «التيار الوطني» الذي يصر على التفرّد في السيطرة على قطاع الكهرباء، وإلا فلماذا يتردد في تشكيل الهيئة الناظمة لإدارة هذا القطاع، وأيضاً في تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة لـ«مؤسسة كهرباء لبنان»؟
وعلمت «الشرق الأوسط» من وزراء في الحكومة السابقة بأن ممثلين عن صندوق النقد والبنك الدوليين التقوا وزيرة الطاقة السابقة ندى البستاني وسألوها عن الأسباب التي ما زالت تؤخر تشكيل الهيئة الناظمة وتعيين مجلس إدارة لـ«مؤسسة كهرباء لبنان» باعتبار أن هذين المطلبين من أولويات الشروط الموضوعة من مؤتمر «سيدر» الذي شارك فيه أكثر من 50 دولة ومؤسسة مالية عالمية.
لكن جواب البستاني لم يكن مقنعاً لأنها حصرته، كما يقول هؤلاء الوزراء، في أمور شكلية تراوحت بين الانكباب على دراسة ملفات المرشحين، والتريث إلى حين تعديل قانون الكهرباء.
وفي هذا السياق، نقل أحد الوزراء عن مسؤولين في «البنك الدولي» قولهم: «هل يُعقل استمرار التردّد في الاستجابة لهذين المطلبين رغم أن (سيدر) يشترط إنجازهما للسير في عملية تأهيل قطاع الكهرباء لخفض العجز في الموازنة، وأيضاً في خدمة الدين العام، وبالتالي ما المطلوب لتحقيقهما؟». كما كشف عدد من الوزراء عن محادثات جرت بعيداً عن الأضواء بين البستاني ووزير البترول المصري الذي حضر إلى لبنان بمبادرة من السفير المصري السابق محمد نزيه النجاري قبل انتهاء فترة انتدابه سفيراً لبلاده لدى لبنان، وعرض استعداد مصر لتزويد لبنان بمادة الغاز لتشغيل معامل إنتاج الطاقة بديلاً لاستخدام «الديزل» لأنه أقل ضرراً بالبيئة وأيضاً أقل تكلفة.
لكن البستاني - كما يقول هؤلاء الوزراء - وعدت بدراسة العرض المصري، وهذا ما دفع بهم إلى تفسير تردّدها بأنه يعود إلى إصرار «التيار الوطني»، قبل أن يحسم موقفه من هذا العرض، على ربطه بإنشاء معمل لإنتاج الطاقة في سلعاتا - البترون.
لذلك يبقى السؤال: هل ينجح دياب في تحرير قطاع الكهرباء من شروط «التيار الوطني» للشروع في وضع خريطة طريق يراد منها الالتفات إلى الحلول الدائمة لتوليد الطاقة، أم إن القديم سيبقى على قدمه لجهة التعاطي مع هذا القطاع، كأنه أمر واقع يمنع على الآخرين المس بوكالة «التيار الوطني» الحصرية لهذا القطاع، وبالتالي ستضع الحكومة نفسها في مواجهة مع فرنسا وسائر المشاركين في مؤتمر «سيدر»؟



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.