مذكرات عربي في الأمم المتحدة (الحلقة 2 والأخيرة): سمير صنبر لـ «الشرق الأوسط»: بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق

قال إن تلاشي دور الأمم المتحدة انعكس على قضايا المنطقة العربية

سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
TT

مذكرات عربي في الأمم المتحدة (الحلقة 2 والأخيرة): سمير صنبر لـ «الشرق الأوسط»: بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق

سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997

ستة أشهر من العمل التجريبي وصلت إلى 44 سنة أمضاها سمير صنبر في مكتب الأمم المتحدة. شهد خلالها عدم رغبة الدّول الكبرى والنّافذة في إيجاد حلٍّ للنزاع العربي - الإسرائيلي، رغم جهود كورت فالدهايم، الذي رافقه عام 1980 إلى طهران لمحاولة إطلاق سراح الرهائن الأميركيين، ليرحل الأمين العام ويبقى هو وحده مستمراً بالمحاولة. ربطته علاقة صداقة مع كوفي أنان، وبقي إلى جانب بطرس غالي لآخر يوم في ولايته، بعد تخلي الكثيرين عنه بسبب تقرير رسمي طال الهجوم الإسرائيلي لمقر «اليونيفيل» في بلدة قانا اللبنانية الجنوبية. وكما لعبت الصدفة دوراً في بداية حياته المهنية، سؤال طرحه على نفسه جعله يتّخذ قرار الاستقالة: «هل سأمضي ما تبقى من العمر على هذه الحال؟ أم سأحاول أقله الاستمتاع بالحياة؟». ومع ساعات الصباح ذهب إلى المكتب ليلقي تحية الوداع. وفيما يلي نص حوار الحلقة الثانية والأخيرة:
> شهدت الأمم المتحدة في عهد كورت فالدهايم ملفات ملحة في منطقة الشرق الأوسط. أطلعنا على أبرز ذكرياتك وقتها...
- حاول فالدهايم لعب دور فعال لحل النزاع العربي - الإسرائيلي على أساس الشرعية الدُّولية والقرار 242 ابتداء من جمع الأطراف في جنيف، ولم يحصل على نتائج عملية لأنّ الدّول الكبرى لم تكن ترغب في إيجاد حل متوازن. ذهب إلى إيران بعد الثورة ولم يستطع البقاء أكثر من أيام، خصوصاً بعدما أحاط به الجموع وهو يحاول وضع إكليل من الزهور في «مقابر الشهداء» وحاصرت المظاهرات سيارته، وكان من الواضح أنّ هناك صراعاً داخلياً على السلطة لم تكن معالمه قد اكتملت بعد. غادر حينها وتركني أحاول إجراء اتصالات بالتعاون مع سفراء كندا والجزائر للبحث عن مخرج لائق. الحرب العراقية - الإيرانية استمرت حتى اتفاق وقف النار في أيام الأمين العام الذي تلاه.
> سافرت إلى طهران في أوج الثورة. ما ذكرياتك عن تلك المرحلة؟
- لم تكن مقاليد الحكم قد حسمت، فحاولت الوصول إلى صاحب القرار واكتشفت أنّها توزعت على أطراف عدّة والجميع تحت إشراف الخميني. علمت أنّ اللقاء معه يقتضي الجلوس على الأرض وعدم المبادرة بالحديث أو إثارة أي موضوع سياسي.
وسمعت أنّ المنافسة احتدمت بين اللاجئين إلى الخارج والثائرين في الداخل والأتباع القدامى للرئيس السابق مصدق وبعض جماعة اليسار والحركات الجديدة التي انطلقت مع الذين احتجزوا الرهائن بالسفارة الأميركية. حاولت عقد ندوات صحافية مع العدد المحدود من المراسلين الأجانب. واستفدت من تجربة سفراء الجزائر وكندا واستمر الاتصال بيننا حتى الإفراج عن الرهائن.
> ما الدور الذي لعبته في الإفراج عن الرهائن الأميركيين المحتجزين في السفارة؟
- رافقت فالدهايم إلى طهران خلال الوساطة لإطلاق الرهائن ووصلت صباح أوّل يوم من عام 1980. كنا نستمع لأحد الخطباء في طهران عندما همس لي الأمين العام، بأنّه يشعر أنّ أحد المسلحين قد وضع سراً رشاشاً قرب ظهره للتهديد المبطن. غادر بعد يومين وبقيت للاستمرار في المحاولة.
> ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال عملك مع الأمين العام خافيير دي كويلار، خصوصاً في ملف الصحراء المغربية والبوليساريو؟
- ارتبط ملف الصحراء الغربية ودور البوليساريو بالخلاف بين السلطات في المغرب والجزائر. حاول كويلار جهده وعين زميلنا البريطاني - الدنماركي اريك جنسن مبعوثاً خاصاً للإقامة هناك ومتابعة الاتصالات. واستقبل زعماء البوليساريو في نيويورك بعد تنسيق مع حكومة المغرب. ولم تؤدِّ العناوين الصحافية عن مبادرات متجددة إلى نتيجة للتوافق. وكادت مدينة العيون تتحول إلى بعثة للتقاعد المؤقت لعدد من الدبلوماسيين الذين انتهت مهمتهم لتمثيل حكوماتهم بالأمم المتحدة.
> وماذا عن دوركم في مرحلة إدارة بطرس غالي للانتخابات المستقلة الأولى بإريتريا؟
- تسلم غالي الأمانة العامة مع ظهور ملامح إيجاد مخرج سلمي للثورة المسلحة التي ناضل خلالها الإريتريون ضد إثيوبيا من أجل الاستقلال. واتخذ مجلس الأمن القرار باستقصاء مطالب الشعب الإريتري حقوقاً مع تبديل نظام الحكم. كانت شؤون الدول الأفريقية المجاورة من المسائل المباشرة التي أشرف عليها عندما كان وزيراً للخارجية العربية. إثيوبيا تشارك في منابع النيل وإريتريا تطل على الجانب المقابل لدول الخليج وتشرف على باب المندب. هناك من اقترح إرسال «خوذ زرقاء»، أي جنود دوليين للإشراف على التنفيذ، واقترحت «القمصان البيض» بديلاً لإشعار الإريتريين باحتمال توفير حرية التعبير لهم مستقبلاً.
صدف أنّ أكثرية مجموعة الاتصال كانت من النساء، وفي يوم المرأة العالمي نزلن إلى الشارع لتقديم أنفسهن للإريتريات والاحتفاء باليوم المشترك. كنا نرتدي قمصاناً بيضاء كتب عليها بالأزرق «استفتاء حر وعادل لإريتريا». اكتسبنا قاعدة شعبية في يوم واحد. التقيت كل الأطراف السياسية وفي مقدمتها القائد الميداني والرئيس الحالي أسياس أفورقي. طفت القرى والمناطق قرب حدود السودان، وزرت بطريرك الأقباط وشيخ دار الفتوى. أنهينا المهمة. وأُعلنت النتيجة رسمياً من مقر الأمم المتحدة، فاقترحت على الرئيس أن يتقدم بطلب انضمام إلى عضوية الأمم لتأكيد الاستقلال. وعلمت أنّ إمارة موناكو تفكر أيضاً بالانضمام، فاقترحت تقديم الطلبين معاً بالجلسة نفسها ليبدو التوازن الدولي بين دولة نامية ودولة أوروبية.
> أخبرنا عن دورك في الملفات الملحة تحت إدارة بطرس بطرس غالي.
- عندما هاجم الجيش الإسرائيلي بلدة قانا، مقر القوة الفيجية لليونيفيل بجنوب لبنان، أُثيرت أزمة سياسية حول التقرير الرسمي. هل ينشر أم لا؟ لبنان طالب بالنشر وإسرائيل طالبت بحفظ الملف. كان الأمين العام في ألمانيا عندما عُقد اجتماع داخلي. تدخلت مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة مطالبة بعدم النشر. سايرها كوفي أنان، الأمين العام المساعد لعمليات حفظ السلام. شرحت له أنّ التلفزيون البريطاني (بي بي سي) قد أشار إلى النقاط الرئيسية ومن الصعب لفلفة الموضوع. عاد غالي ووصل الرئيس اللبناني إلياس الهراوي لعرض القضية على الجمعية العامة. وخلال اجتماع في مكتب الأمين العام شرح الهراوي التفاصيل وهو يشير إلى «قانا الجليل». التقط غالي الإشارة واتخذ القرار بالنشر. اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز واقترح التأجيل بضعة أيام يرسل خلالها قائد الجيش الجنرال إيهود باراك للاطلاع عليه. تدخلت أولبرايت من جديد؛ لكن القرار حدد بالتنفيذ. بعدها بدأت أولبرايت حملة ضد التجديد لغالي، وحملتني مسؤولية خاصة عندما دافعت عنه عبر وسائل الإعلام، خصوصاً في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» ومحطات التلفزيون الرئيسية. بل ازدادت حملتها علي بعد ترشيح أمين عام جديد. مع أنّ كوفي أنان كان زميلي وصديقي طوال الأعوام. شرحت أنّ هناك أميناً عاماً واحداً وأنّ ولائي الوحيد له، حتى نهاية ولايته في آخر السنة. وتوجهت إلى مكتبه بعد أن بدأ كثيرون التخلي عنه.
> تقاعدت من الأمم المتحدة تحت رئاسة كوفي أنان، في الفترة التي قررت الولايات المتحدة الأميركية اجتياح العراق رغم رفض الأمم المتحدة. ما كواليس هذه الأزمة؟ وكيف تتذكر آخر أيامك في المنظمة؟
- شعرت أنّني أرتاح في العمل الميداني أكثر من الإشراف الإداري. أشعر لدى مساهمتي بتوفير الغذاء للأطفال والتعليم المشترك، وتعزيز كرامة الإنسان في المجتمعات النّامية والمساهمة في حرية استقلال الشعوب كأنّني ولد بسيط.
اقترح كوفي أنان التّعاون المستمر كما كنّا طوال عقود، ورغم مسايرة الجميع والانقسام الدّائم، كنت أدرك مشاعره الدّاخلية من بعض الملامح. وبعد أيام من اجتياح القوات الأميركية للعراق من دون موافقة الأمم المتحدة، لاحظت خلال لقاء معه، بعد اجتماعه مع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، أنّ أجفانه ترفّ بسرعة وصوته يبح خوفاً ونحن نشاهد طائرات الهليكوبتر العسكرية تطوف حول مبنى الأمانة العامة. عندما أشرت إليها كأنّها سترتطم بالمكتب مثل مركز التجارة العالمي، ضرب قبضته على يدي. فشرحت رأيي له أنّهم دخلوا العراق من دون إذن شرعي من المنظّمة، ولكنّهم لا بدّ سيحتاجون إلى قرارها بخروج اللائحة.
كنت أسكن على بعد دقائق من باب البيت إلى المكتب. وبعد يوم طويل من الاستماع إلى خطابات السفراء ومطالب الموظفين مررت على دكان قريب من منزلي لشراء بعض الأغذية وجدته قد أقفل وأنّ الساعة قد بلغت العاشرة والنصف مساءً. فتساءلت هل سأمضي ما تبقى من العمر على هذه الحال؟ أم سأحاول أقله الاستمتاع بالحياة؟ وفي اليوم التالي توجّهت إلى المكتب للوداع. كنت قد بدأت العمل في الأمم المتحدة عندما جئت من روما، على افتراض أن أبقى 6 أشهر فقط، وبقيت 44 سنة.
> ما نصيحتك للصحافيين الشباب؟
- أشجعهم على التطلع نحو الإعلام الدبلوماسي، وأقترح عليهم تحديد الهدف على قدر الموهبة المناسبة وتخطيط أسلوب للتنفيذ. والأهم أن يستمعوا قبل أن يتكلّموا، ويفكروا قبل أن يكتبوا. وألا يستجدوا بل يتقدموا بالموهبة الخلاقة والرأي الحر المستقل. فالمصداقية ثروة. والتّعرف على الآخرين بلا مكابرة ولا ادعاء. اكتشفت بالتجربة أنّ الاتصال بالآخرين يوفّر ثقافة حضارية واحترام كرامة الإنسان تبدأ بالنفس أولاً. وألّا يتخلوا عن جذورهم مهما كبرت الإغراءات.
> كيف كانت علاقتك مع الصحافيين ومراسلي الأمم المتحدة؟
- بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق وجسر من الاهتمام المشترك، ساعدت خلفيتي الصحافية في تفهم احتياجات الصحافيين والمراسلين بمختلف المواقع والمهمات. كانت هناك 3 مراحل.
الأولى عند بدء عملي الصحافي في بيروت. كنت طالباً في الجامعة أطمح للعمل الصحافي، وأشاهد أكبر المراسلين الأجانب وألمعهم من على شرفة فندق السان جورج. فرحتي كانت كبيرة عندما حصلت على أوّل حديث صحافي من الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك داغ همرشولد.
المرحلة الثانية عندما تسلمت عملي بالأمم المتحدة في الجنوب «اليونيفيل» والاتصالات مع دول المنظمة العربية، وعندما انتقل تجمّع المراسلين إلى فندق «الكومودور» قرب منزل عائلتي في رأس بيروت، أصبحت أتردد على بهو الفندق أو أستقبلهم في مكتبي القريب بالمنارة. وقتها انطلق عدد من المراسلين للشهرة الإعلامية من بينهم توماس فريدمان، المعلّق الأسبوعي في «نيويورك تايمز» الذي بدأ في مكتب «أسوشييتد برس» في مبنى النهار شارع الحمرا؛ وروبرت فيسك وكان مراسلاً لـ«التايمز» اللندنية، ولورين جانكينز الذي فاز بجائزة «بوليتزر» الإعلامية لتغطيته أحداث بيروت عام 1982.
المرحلة الثالثة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث يعمل المراسلون بمكاتب في المبنى نفسه. ومهمتي كانت تقديم رؤساء الدّول والحكومات في المؤتمرات الصحافية، أسهمت خلالها بنسج علاقات ودّية مع وبين الطرفين. بعض الرؤساء كان يحاذر اللقاء مع الصحافيين، كما أنّ بعض المراسلين كان يشكّ في فائدة الحوار المثمر مع عدد من الرؤساء، أفادتني التجربة بالوصول إلى توازن عملي بين اللياقات الرسمية والنتائج المهنية. اكتسبت أصدقاء العمل من خلال الممارسة اليومية مع المراسلين. وتأكدت بعد عمل دولي لثلاثة عقود أنّني في نهاية الأمر صحافي.
> كيف ترى الأمم المتحدة اليوم كمنظومة؟
- كانت المركز الرئيسي للعلاقات التفاوضية بين الدّول الأعضاء، لكنّ دورها تلاشى في العقدين الماضيين. وبعد أن حازت جائزة نوبل للسلام لوقفها إطلاق النار والمراقبة الفعالة للنزاعات المسلحة في القارات الخمس، باتت الصحافة تتحدّث اليوم، عن فضائح الاستغلال الجنسي لعدد من المراقبين في أفريقيا الوسطى والغابون وهايتي. إنّها بحاجة للدول الكبرى لتستمر والصغرى لتنجح.
نتذكّر مثلاً، كيف أوقف الأمين العام الأسبق داغ همرشولد احتمالية اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين بسبب اختطاف طيّار في آسيا لوقف حرب السويس. وكيف قتل بعد تحطّم طائرته أثناء محاولته تدبير وقف القتال في الكونغو. ونجح يو ثانت بعده في ترتيب تسوية لتجنيب الحرب حول تشيكوسلوفاكيا، ومنع حرب عالمية ثالثة حول كوبا. وطرح أسس حل لمشاكل الشرق الأوسط على أساس الشرعية الدّولية. وكيف استطاع خافيير بيريز دي كويلار إنجاز مهمة وقف المعارك في سان سلفادور وغواتيمالا، ووقف إطلاق النار بين العراق وإيران. ولا ننسى الدور الأساس الذي لعبه الدكتور بطرس غالي في تفادي المعارك بين صربيا وكرواتيا والبوسنة.
تعكس الأمم المتحدة عادة حال العالم، الذي تبدّل مع الألفية الثالثة فاختفت وانقسمت دول أعضاء، وبرزت أخرى جديدة وتبدّلت أسماء بعضها، كما تبدّلت مفاهيم القيادة، ودور المؤسسات. عالم جديد غاضب وغامض لم تتضح معالمه بعد، يحتاج إلى تحوّل واقعي للإطار الدّولي الشّامل. أمّا بالنسبة للمنفعة العربية فانعكس تلاشي دور الأمم المتحدة على أصحاب قضايا المنطقة. وبات التمثيل العربي بحاجة لمراجعة واقعية. فليس من عربي واحد في مركز نافذ داخل الأمانة العامة، على عكس ما كان في السابق حين ترأس 3 من بينهم امرأة عربية، دوائر مهمة كالإعلام وإدارة الاجتماعات وصندوق التنمية السّكانية.



هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم