فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

في ظل المتغيرات الأمنية والاعتبارات السياسية

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب
TT

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

حاولت «قمة بو»، يوم الاثنين الماضي، فتح صفحة جديدة من التعاون بين فرنسا ودول الساحل الأفريقي، يضمن معها الفرنسيون لقواتهم الموجودة على الأرض (4500 جندي) حماية وشرعية أقوى، في ظل تصاعد موجة الرفض الشعبي للوجود العسكري الأجنبي في مالي وبوركينا فاسو.
وللعلم، هاتان الدولتان هما الأكثر معاناة من تصاعد الهجمات الإرهابية، والصعود القوي لتنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» (داعش الصحراء)، إلا أن القمة التي انعقدت في ظروف أمنية وسياسية استثنائية لم تخرج عن التوقّعات، فظلت حبيسة الاستراتيجيات «التقليدية» لمواجهة خطر الإرهاب، باستثناء محاولتها «تدويل» الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة.
ثلاث ساعات من النقاش في اجتماع مغلق، بمدينة بو الواقعة في جنوب غربي فرنسا، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة دول الساحل الخمس (موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، أسفرت عن بيان مشترك، تضمن الاتفاق على «تعزيز التعاون العسكري» بين فرنسا ودول الساحل الخمس. لكن الأهم بالنسبة لفرنسا هو أنها حصلت على «موقف واضح» من قادة دول الساحل بخصوص الوجود العسكري الفرنسي، حين أعربوا عن رغبتهم في استمرار هذا الحضور العسكري، بل وتعزيزه، من خلال تشكيل «ائتلاف من أجل الساحل»، هو عبارة عن تحالف دولي واسع النطاق لمحاربة الإرهاب في الساحل سيصار إلى إطلاقه قريباً.

في حين كان قادة دول «منطقة الساحل» (ساحل الصحراء الكبرى) يحضرون «قمة بو» على الأراضي الفرنسية، كانت مظاهرات تجوب بعض المدن في مالي وبوركينا فاسو، رافعة شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، رافضة بشكل مسبق نتائج هذه القمة التي يعتقدون أن قادة دول الساحل «استدعوا بطريقة مهينة». وهذه نقطة سبق أن أثارت كثيراً من الجدل في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتسببت في تصريحات غاضبة من روش مارك كابوري، رئيس بوركينا فاسو، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول «الساحل» الخمس.
كان المحتجّون وهم يجوبون شوارع العاصمة المالية باماكو، متوجّهين نحو «نصب الحرية» في قلب المدينة، ساعات قبيل انعقاد «قمة بو»، يردّدون شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، من قبيل: «نعم لرحيل القوات الفرنسية!»، و«لترحل فرنسا»، و«نعم لرحيل القوات الأجنبية!»، بينما يرفع أكثر المحتجّين تطرّفاً شعارات تقول: «أوقفوا المجازر الفرنسية في مالي».
بدأ هذا الرفض الشعبي منذ عدة أسابيع في بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً)، الدولة الشيوعية السابقة التي حكمها المناضل الأفريقاني المعروف توماس سانكارا في ثمانينات القرن الماضي، قبل اغتياله في انقلاب عسكري، مخلفاً وراءه حركات سياسية ونقابية «أفريقانية» توصف بأنها مناهضة لفرنسا. وهذه الحركات ما زالت تعتبرها قوة استعمارية، وأن جنودها الموجودين في الساحل مهمتهم الأولى الحفاظ على المصالح الفرنسية، وليس محاربة الإرهاب أو حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولكن هذا التيار الشعبي الذي أثار وجوده استياء الفرنسيين لا يزال محدود الانتشار في بلدان بلا جيوش. ويدرك معظم سكانها أنهم يعتمدون في أمنهم بشكل شبه كامل على القوات الفرنسية الموجودة في المنطقة (4500 جندي)، وقوات حفظ السلام في دولة مالي (مينوسما)، البالغ قوامها 15 ألف جندي، بالإضافة إلى قوة عسكرية مشتركة شكلتها دول الساحل الخمس منذ سنوات، ويبلغ قوامها 5 آلاف جندي، ما تزال ضعيفة التدريب والتجهيز.
هذا وسبق أن انتقد الفرنسيون بشكل صريح صمت الحكومات في دول الساحل حيال التيار الشعبي الرافض للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، وهو ما دفع ماكرون إلى أن يطلب منهم موقفاً واضحاً في هذه النقطة، مشيراً إلى أنه لن يقبل أن يضحي الجنود الفرنسيون بأرواحهم (قُتل 41 جندياً منذ 2013) في مناطق لا ترحب بهم.
وقال ماكرون في نهاية القمة: «لم يكن من المقبول السماح ببروز مغالطات وأكاذيب وتوهّمات حول الوجود الفرنسي في بلدان الساحل، وترك ذلك من غير رد». وحُسمت هذه النقطة في البيان الختامي للقمة، حين أشارت إحدى الفقرات إلى أن قادة دول الساحل «أعربوا عن تمنيهم استمرار الالتزام العسكري الفرنسي في الساحل».

- منعطف تاريخي!
خلال الجلسة المغلقة، كان ماكرون يجلس إلى طاولة مستديرة، عن يمينه الرئيس التشادي إدريس ديبي، وهو عسكري وقائد سابق لأركان الجيش في تشاد يتولى حكم بلاده منذ 3 عقود، ويسعى للتمديد. أما عن يسار ماكرون، فجلس الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو جنرال متقاعد وقائد سابق لأركان الجيش الموريتاني، تولى الحكم في بلاده قبل 6 أشهر فقط، في حين جلس على بقية مقاعد الطاولة، قبالة الرئيس الفرنسي، رؤساء النيجر ومالي وبوركينا فاسو «المدنيون» الذين لا يحملون وراءهم أي خلفية عسكرية، وتعاني دولهم من عمليات إرهابية تكاد تكون يومية.
وكان واضحاً أن الملف العسكري سيستحوذ على الجزء الأكبر من النقاش، خاصة أن التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل كان من أهم النقاط المدرجة على جدول أعمال القمة التي لم تزد على عدة ساعات فقط؛ ذلك أنه سبق للفرنسيين أن أعربوا عن رغبتهم في مراجعة استراتيجيتهم العسكرية والأمنية لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل، لكنهم كانوا يحتاجون في البداية إلى ضرورة إعادة تحديد قواعد الشراكة مع دول المنطقة.
هذا ما أعلن عنه ماكرون، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة، حين قال إنها «شكلت منعطفاً تاريخياً مهماً، إنها منعرج في المنهج والمقاربات، إذ تمكنا من أن نعيد تحديد الإطار السياسي، ونعيد بوضوح تحديد الأهداف، وشروط تنظيم تدخلنا المشترك، وتدخل شركائنا».
وأكد ماكرون أن الإشكال المتعلق بالوجود العسكري الفرنسي في المنطقة أمكن تجاوزه، مما يعني أن فرنسا ستبقى اللاعب الأول في تلك المنطقة التي طالما شكلت حديقة خلفية بالنسبة للفرنسيين الذين دخلت جيوشهم هذه المنطقة نهاية القرن التاسع عشر كقوة استعمارية، وخرجت منتصف القرن العشرين، مخلّفة إرثاً ما زال يلقي بظلاله على العلاقة بين فرنسا وهذه المنطقة من العالم.
ومع هذا، كان الفرنسيون بحاجة لإعادة صياغة قواعد التعاون والشراكة العسكرية والأمنية مع دول الساحل، بعد 7 سنوات من التدخل العسكري، وهو ما كان قد بدأ بشكل عاجل في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2013، بدعوة وطلب رسمي من الرئيس المالي السابق ديونكوندا تراوري. وكان وراء الطلب الحاجة لوقف زحف مقاتلي «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» نحو العاصمة باماكو، بعد 6 أشهر من سيطرتهم على ثلثي مساحة البلاد في الشمال. آنذاك، أطلق الفرنسيون عملية «سيرفال» التي أرغمت الإرهابيين على الانسحاب من شمال مالي، ثم تحولت عملية «سيرفال» عام 2014 إلى عملية «برخان» التي توسّعت لتشمل محاربة الجماعات الإرهابية في دول الساحل الخمس، بالتعاون والتنسيق مع الجيوش المحلية.

- تعزيز قوة «برخان»
لم تعلن تفاصيل القواعد الجديدة للشراكة بين فرنسا ودول الساحل، فيما أعلن الرئيس الفرنسي أنه سيعزّز قوة «برخان» بقوة عسكرية جديدة، تتشكل من 220 جندياً، وقال: «قررت استخدام قدرات قتالية إضافية؛ 220 جندياً سيعززون قوة (برخان)»، وهو ما يعني ارتفاع عدد الجنود الفرنسيين في الساحل إلى 4720 جندياً، في حين أشار رئيس بوركينا فاسو روش مارك كابوري إلى أنه يجب تركيز العمل العسكري في منطقة المثلث الحدودي الرابط بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، الذي بات «الخاصرة الرخوة» لمنطقة الساحل، إذ تنفذ فيه النسبة الأكبر من الهجمات الإرهابية.

- هواجس سياسية
كابوري، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول الساحل الخمس، كان يشعر بالخطر المُحدق ببلده الهش بوركينا فاسو، وجيشه العاجز عن مواجهة التنظيمات الإرهابية التي طورت خلال السنوات الأخيرة من أساليب عملها وقدراتها القتالية، إلا أنه في حديثه أمام الصحافيين كان يستحضر الرأي العام المحلي في منطقة الساحل، قائلاً: «خلاصة نقاشاتنا (في القمة) هي أن نصل إلى نتائج ملموسة وبسرعة، لأن مصداقيتنا كدول مرتبطة بذلك».
ولكن الغضب الشعبي من الوجود العسكري الأجنبي، الذي يتنامى في بوركينا فاسو، واتسع ليشمل دولة مالي، قد يتحوّل في أي لحظة إلى غضب شعبي ضد أنظمة الحكم. وللعلم، شهدت الدولتان انتفاضات شعبية دامية نجحت في قلب أنظمة الحكم (2015 في بوركينا فاسو، و1991 في مالي). ولا تسمح الظروف الأمنية الهشة في أي منهما بأي نوع من التأزيم لأنه سيصب الزيت على النار، ويعقد الوضع في منطقة مشتعلة منذ عدة سنوات.
لذا يبحث رئيس بوركينا فاسو عن «صدقية» مبنية على إنجاز ميداني، كضامن لاستقرار نظام الحكم في بلاده وبقية دول الساحل. بيد أن كابوري، وهو يتكلّم باسم قادة دول الساحل، كان صريحاً حين قال إن «النتائج التي تحققت على الأرض لا تسمو إلى مستوى تطلعات السكان» للقضاء على الجماعات الإرهابية. وأضاف أنه من أجل تحقيق نتائج مُرضية «لا بُد من تكثيف مستوى التنسيق الأمني والعسكري بين مختلف القوى العسكرية على الأرض، وتعزيز قدرات الجيوش الوطنية، ومنحها الوسائل التي تمكنها من القيام بمهمات قتالية ناجحة». وخلُص إلى التأكيد على أن «تبادل المعلومات الاستخباراتية هو حجر الزاوية لتحقيق النجاح الميداني».
من جهة أخرى، ناقش القادة الستة المشاركون في القمة قضية تعزيز سيادة دول الساحل، وحضورها في المناطق النائية، وذلك من خلال إعادة توطين السكان في مناطقهم الأصلية، وفتح المدارس والمستشفيات التي أغلقت بسبب الإرهاب، وتوفير الخدمات الضرورية. غير أن هذا لن يتحقق من دون تحقيق الأمن أولاً، وتوفر تمويلات سبق أن تعهد بها المانحون الدوليون خلال مؤتمر بالعاصمة الموريتانية نواكشوط نهاية 2018. ولا تزال دول الساحل غير راضية عن الوفاء بالالتزامات التي وصلت آنذاك إلى أكثر من ملياري يورو من أجل تمويل 40 مشروعاً تنموياً، أغلبها في المناطق الحدودية بين الدول التي تغيب عنها الدولة.

- تدويل الحرب
الأمم المتحدة، في تقرير صدر يوم الأربعاء الماضي، وصفت الوضع في منطقة الساحل بأنه «ينذر بالخطر»، وأعربت عن استعدادها لتنفيذ «حلول أكثر إبداعاً واستباقية» لضمان وصول الدعم اللازم إلى القوة المشتركة لدول الساحل الخمس، مؤكدة أن القوات الدولية والمحلية تبذل جهوداً كبيرة في الحرب على الإرهاب، لكنها جهود يبدو أنها غير كافية.
وأمام تدهور الوضع الأمني في المنطقة، وانفجار الوضع في ليبيا المجاورة، أعلنت دول الساحل وفرنسا عن سعيها نحو تنسيق جهودها في «الائتلاف من أجل الساحل» الذي هو إطار سياسي واستراتيجي وعملياتي جديد، يشمل قوة «برخان» الفرنسية ودول منطقة الساحل، بالإضافة إلى مجموعة دول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الشريكة، وهو ائتلاف مفتوح أمام كل طرف يرغب في الالتحاق به للمساهمة في الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة من العالم، وفق ما أعلنه رئيس بوركينا فاسو.
إن الاتفاق على تشكيل هذا الائتلاف الجديد يؤكد رغبة فرنسا ودول الساحل في تدويل حربها على الإرهاب، كي لا تكون القوات الفرنسية بمفردها في مواجهة الجماعات الإرهابية التي بدا واضحاً أنها اكتسبت الخبرة، وعمقت حضورها على الأرض، وتغلغلت وسط السكان المحليين. ورغم حالة التفاؤل التي هيمنت على القمة بعد القرارات الصادرة عنها، فإن الرئيس ماكرون قال بحزم: «لننتظر ونرى ونقيم في الصيف المقبل ما سيجري على الأرض».
لقد حاولت «قمة بو» أن تعطي إشارة انطلاق جهد دولي ينقل الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي إلى مستويات جديدة، خاصة أن باريس تراهن بشكل كبير على تشكيل قوة خاصة أوروبية (تابوكا) ستكون بعد تشكيلها «قوة تدخل سريع»، مهمتها دعم الجيوش المحلية والقوات الدولية على الأرض في منطقة الساحل الأفريقي، لكن تشكيلها ما زال في مراحله الأولى. ومع أن 10 دول أوروبية عبّرت عن نيتها المشاركة فيها، فإن الأطر القانونية المشكّلة لهذه القوة العسكرية الأوروبية لم توضع بعدُ، وهي أطر يجب عرضها على البرلمان الأوروبي.

- صدمة من واشنطن
وفي حين يتحرّك الأوروبيون ببطء نحو تشكيل قوة «تابوكا»، جاءت الصدمة من الولايات المتحدة التي أعلنت نيتها تقليص حضورها العسكري في أفريقيا، بما في ذلك منطقة الساحل، وهو ما يفسد خطط دول الساحل الخمس وفرنسا نحو رفع وتيرة الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة الشاسعة المترامية الأطراف.
وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة توفر 80 في المائة من الدعم اللوجيستي للقوات الفرنسية الموجودة في منطقة الساحل، خاصة فيما يتعلق بنقل الجنود والمعدات، هذا بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي عبر توفير وتسيير طائرات «الدرون» من قواعد عسكرية شيدها الأميركيون في النيجر، ومكّنتهم من أن يغدوا لاعبين أقوياء في هذه المنطقة الشاسعة التي تنتشر فيها شبكات التهريب والإرهاب، وتغيب عنها السلطة.
ولكن حضور الأميركيين، رغم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الذي يقدمونه لفرنسا ودول الساحل، ما يزال محدوداً جداً على الأرض في منطقة الساحل، وهو يقتصر على بعض وحدات القوات الخاصة التي تدرب قوات مكافحة الإرهاب في النيجر لدعمها في محاربة جماعة «بوكو حرام»، قرب بحيرة حوض تشاد.
وكانت دول الساحل تتطلع لأن يرفع الأميركيون من مستوى حضورهم العسكري الميداني، لدعم الفرنسيين والجيوش المحلية في حربها على الإرهاب، خاصة أن الأشهر الأخيرة شهدت دخول «داعش» على الخط في منطقة الساحل، وهو التنظيم الذي سبق أن ألحق به الأميركيون الهزيمة في العراق وسوريا، وهم أكثر خبرة من الفرنسيين في مواجهة عناصره.
وفي الوقت الذي تدرس فيه واشنطن تقليص عدد جنودها في أفريقيا، البالغ 7 آلاف جندي «أعربت دول المنطقة عن امتنانها للدعم المهم الذي قدمته الولايات المتحدة، وأكدت رغبتها في استمراره». وأعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي أنها ستتوجه إلى العاصمة الأميركية لبحث الدعم الأميركي العسكري للقوات الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، وسط مخاوف متزايدة من انسحاب الأميركيين من المنطقة.

- الفرع الصحراوي لـ«داعش»... العدو الصاعد في منطقة الساحل
منذ قرابة عقدين من الزمن ومنطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً شمال مالي، مرتعاً لتنظيم «القاعدة» والجماعات الإرهابية التابعة له. إلا أن الوضع على ما يبدو قد تغير في ظل الصعود القوي لتنظيم داعش، عبر فرع أسس قبل قرابة 5 سنوات يحمل اسم «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى». ووصفت «قمة بو» الأخيرة هذا التنظيم بأنه بات العدو الأول في منطقة الساحل، ويطرح تحدياً كبيراً على القوات الوطنية والدولية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال أمام الصحافيين في مدينة بو إن مكافحة هذا التنظيم باتت أولوية، لكونه شنّ خلال الأشهر الأخيرة هجمات إرهابية غير مسبوقة في المنطقة، من حيث الجرأة والقوة والدموية. وحقاً، تركزت هذه الهجمات في المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي يتحرك فيها مقاتلوه الذين تشير بعض التقارير إلى أنهم لا يزيدون على 300 مقاتل.
هجمات التنظيم خلال الشهرين الماضيين تسببت بمقتل أكثر من 300 شخص، جلّهم من أفراد قوات الأمن وجنود الجيوش المحلية. وكان أحدث هجوم له يوم الخميس 9 يناير (كانون الثاني) الحالي، في منطقة شينيغودار بالنيجر، وخلّف 89 قتيلاً في صفوف الجيش النيجري. وقبله، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن التنظيم هجوماً دامياً على أربيندا في بوركينا فاسو، وخلف 42 قتيلاً، من ضمنهم 35 مدنياً. وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن هجوماً على ثكنة عسكرية في إيناتس بالنيجر، خلف 71 قتيلاً في صفوف الجنود النيجريين. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استهدف منطقة تبانكورت في مالي، وقتل 43 جندياً من جنود الجيش المالي، وغير بعيد عن المنطقة، في أنديليمان، قتل 49 جندياً مالياً.
ويشير الخبراء إلى أن التنظيم يعتمد أسلوب عمليات شبيه بذلك المعتمد من طرف مقاتلي «بوكو حرام» في نيجيريا، إذ يهاجم العشرات من سائقي الدراجات النارية ثكنات عسكرية معزولة، ويدمرون وسائل الاتصال فيها، ويقصفونها بقذائف الهاوين، ويقتلون الجنود، ثم يهربون إلى الأدغال. ويفسر الخبراء هذا التطور في الأسلوب بوجود اتصالات وتعاون وتنسيق بين الجماعات الإرهابية في القارة الأفريقية، سواء في منطقة الساحل أو منطقة بحيرة تشاد أو جنوب ليبيا.
ثم إن بعض التقارير تتحدث عن وصول مقاتلين فارين من جبهات أخرى هزم فيها تنظيم داعش، وتولوا مناصب قيادية بارزة في «داعش الصحراء»، ونقلوا إليه تجاربهم التي اكتسبوها في الحروب السابقة، كما يستعين التنظيم الإرهابي بمرتزقة ومأجورين ينتمون للمنطقة ولديهم دراية واسعة بمسالك الأرض الوعرة.


مقالات ذات صلة

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

شؤون إقليمية الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» ونواب الحزب خلال احتجاج داخل البرلمان التركي للمطالبة بالحق في استخدام اللغة الكردية بصفتها لغة أم (حساب الحزب في إكس)

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

أعطى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش إشارة على البدء بمناقشة اللوائح القانونية لـ«عملية السلام» بعد شهر رمضان وسط اعتراضات كردية على غياب قضايا جوهرية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.