فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

في ظل المتغيرات الأمنية والاعتبارات السياسية

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب
TT

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

حاولت «قمة بو»، يوم الاثنين الماضي، فتح صفحة جديدة من التعاون بين فرنسا ودول الساحل الأفريقي، يضمن معها الفرنسيون لقواتهم الموجودة على الأرض (4500 جندي) حماية وشرعية أقوى، في ظل تصاعد موجة الرفض الشعبي للوجود العسكري الأجنبي في مالي وبوركينا فاسو.
وللعلم، هاتان الدولتان هما الأكثر معاناة من تصاعد الهجمات الإرهابية، والصعود القوي لتنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» (داعش الصحراء)، إلا أن القمة التي انعقدت في ظروف أمنية وسياسية استثنائية لم تخرج عن التوقّعات، فظلت حبيسة الاستراتيجيات «التقليدية» لمواجهة خطر الإرهاب، باستثناء محاولتها «تدويل» الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة.
ثلاث ساعات من النقاش في اجتماع مغلق، بمدينة بو الواقعة في جنوب غربي فرنسا، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة دول الساحل الخمس (موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، أسفرت عن بيان مشترك، تضمن الاتفاق على «تعزيز التعاون العسكري» بين فرنسا ودول الساحل الخمس. لكن الأهم بالنسبة لفرنسا هو أنها حصلت على «موقف واضح» من قادة دول الساحل بخصوص الوجود العسكري الفرنسي، حين أعربوا عن رغبتهم في استمرار هذا الحضور العسكري، بل وتعزيزه، من خلال تشكيل «ائتلاف من أجل الساحل»، هو عبارة عن تحالف دولي واسع النطاق لمحاربة الإرهاب في الساحل سيصار إلى إطلاقه قريباً.

في حين كان قادة دول «منطقة الساحل» (ساحل الصحراء الكبرى) يحضرون «قمة بو» على الأراضي الفرنسية، كانت مظاهرات تجوب بعض المدن في مالي وبوركينا فاسو، رافعة شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، رافضة بشكل مسبق نتائج هذه القمة التي يعتقدون أن قادة دول الساحل «استدعوا بطريقة مهينة». وهذه نقطة سبق أن أثارت كثيراً من الجدل في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتسببت في تصريحات غاضبة من روش مارك كابوري، رئيس بوركينا فاسو، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول «الساحل» الخمس.
كان المحتجّون وهم يجوبون شوارع العاصمة المالية باماكو، متوجّهين نحو «نصب الحرية» في قلب المدينة، ساعات قبيل انعقاد «قمة بو»، يردّدون شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، من قبيل: «نعم لرحيل القوات الفرنسية!»، و«لترحل فرنسا»، و«نعم لرحيل القوات الأجنبية!»، بينما يرفع أكثر المحتجّين تطرّفاً شعارات تقول: «أوقفوا المجازر الفرنسية في مالي».
بدأ هذا الرفض الشعبي منذ عدة أسابيع في بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً)، الدولة الشيوعية السابقة التي حكمها المناضل الأفريقاني المعروف توماس سانكارا في ثمانينات القرن الماضي، قبل اغتياله في انقلاب عسكري، مخلفاً وراءه حركات سياسية ونقابية «أفريقانية» توصف بأنها مناهضة لفرنسا. وهذه الحركات ما زالت تعتبرها قوة استعمارية، وأن جنودها الموجودين في الساحل مهمتهم الأولى الحفاظ على المصالح الفرنسية، وليس محاربة الإرهاب أو حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولكن هذا التيار الشعبي الذي أثار وجوده استياء الفرنسيين لا يزال محدود الانتشار في بلدان بلا جيوش. ويدرك معظم سكانها أنهم يعتمدون في أمنهم بشكل شبه كامل على القوات الفرنسية الموجودة في المنطقة (4500 جندي)، وقوات حفظ السلام في دولة مالي (مينوسما)، البالغ قوامها 15 ألف جندي، بالإضافة إلى قوة عسكرية مشتركة شكلتها دول الساحل الخمس منذ سنوات، ويبلغ قوامها 5 آلاف جندي، ما تزال ضعيفة التدريب والتجهيز.
هذا وسبق أن انتقد الفرنسيون بشكل صريح صمت الحكومات في دول الساحل حيال التيار الشعبي الرافض للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، وهو ما دفع ماكرون إلى أن يطلب منهم موقفاً واضحاً في هذه النقطة، مشيراً إلى أنه لن يقبل أن يضحي الجنود الفرنسيون بأرواحهم (قُتل 41 جندياً منذ 2013) في مناطق لا ترحب بهم.
وقال ماكرون في نهاية القمة: «لم يكن من المقبول السماح ببروز مغالطات وأكاذيب وتوهّمات حول الوجود الفرنسي في بلدان الساحل، وترك ذلك من غير رد». وحُسمت هذه النقطة في البيان الختامي للقمة، حين أشارت إحدى الفقرات إلى أن قادة دول الساحل «أعربوا عن تمنيهم استمرار الالتزام العسكري الفرنسي في الساحل».

- منعطف تاريخي!
خلال الجلسة المغلقة، كان ماكرون يجلس إلى طاولة مستديرة، عن يمينه الرئيس التشادي إدريس ديبي، وهو عسكري وقائد سابق لأركان الجيش في تشاد يتولى حكم بلاده منذ 3 عقود، ويسعى للتمديد. أما عن يسار ماكرون، فجلس الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو جنرال متقاعد وقائد سابق لأركان الجيش الموريتاني، تولى الحكم في بلاده قبل 6 أشهر فقط، في حين جلس على بقية مقاعد الطاولة، قبالة الرئيس الفرنسي، رؤساء النيجر ومالي وبوركينا فاسو «المدنيون» الذين لا يحملون وراءهم أي خلفية عسكرية، وتعاني دولهم من عمليات إرهابية تكاد تكون يومية.
وكان واضحاً أن الملف العسكري سيستحوذ على الجزء الأكبر من النقاش، خاصة أن التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل كان من أهم النقاط المدرجة على جدول أعمال القمة التي لم تزد على عدة ساعات فقط؛ ذلك أنه سبق للفرنسيين أن أعربوا عن رغبتهم في مراجعة استراتيجيتهم العسكرية والأمنية لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل، لكنهم كانوا يحتاجون في البداية إلى ضرورة إعادة تحديد قواعد الشراكة مع دول المنطقة.
هذا ما أعلن عنه ماكرون، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة، حين قال إنها «شكلت منعطفاً تاريخياً مهماً، إنها منعرج في المنهج والمقاربات، إذ تمكنا من أن نعيد تحديد الإطار السياسي، ونعيد بوضوح تحديد الأهداف، وشروط تنظيم تدخلنا المشترك، وتدخل شركائنا».
وأكد ماكرون أن الإشكال المتعلق بالوجود العسكري الفرنسي في المنطقة أمكن تجاوزه، مما يعني أن فرنسا ستبقى اللاعب الأول في تلك المنطقة التي طالما شكلت حديقة خلفية بالنسبة للفرنسيين الذين دخلت جيوشهم هذه المنطقة نهاية القرن التاسع عشر كقوة استعمارية، وخرجت منتصف القرن العشرين، مخلّفة إرثاً ما زال يلقي بظلاله على العلاقة بين فرنسا وهذه المنطقة من العالم.
ومع هذا، كان الفرنسيون بحاجة لإعادة صياغة قواعد التعاون والشراكة العسكرية والأمنية مع دول الساحل، بعد 7 سنوات من التدخل العسكري، وهو ما كان قد بدأ بشكل عاجل في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2013، بدعوة وطلب رسمي من الرئيس المالي السابق ديونكوندا تراوري. وكان وراء الطلب الحاجة لوقف زحف مقاتلي «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» نحو العاصمة باماكو، بعد 6 أشهر من سيطرتهم على ثلثي مساحة البلاد في الشمال. آنذاك، أطلق الفرنسيون عملية «سيرفال» التي أرغمت الإرهابيين على الانسحاب من شمال مالي، ثم تحولت عملية «سيرفال» عام 2014 إلى عملية «برخان» التي توسّعت لتشمل محاربة الجماعات الإرهابية في دول الساحل الخمس، بالتعاون والتنسيق مع الجيوش المحلية.

- تعزيز قوة «برخان»
لم تعلن تفاصيل القواعد الجديدة للشراكة بين فرنسا ودول الساحل، فيما أعلن الرئيس الفرنسي أنه سيعزّز قوة «برخان» بقوة عسكرية جديدة، تتشكل من 220 جندياً، وقال: «قررت استخدام قدرات قتالية إضافية؛ 220 جندياً سيعززون قوة (برخان)»، وهو ما يعني ارتفاع عدد الجنود الفرنسيين في الساحل إلى 4720 جندياً، في حين أشار رئيس بوركينا فاسو روش مارك كابوري إلى أنه يجب تركيز العمل العسكري في منطقة المثلث الحدودي الرابط بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، الذي بات «الخاصرة الرخوة» لمنطقة الساحل، إذ تنفذ فيه النسبة الأكبر من الهجمات الإرهابية.

- هواجس سياسية
كابوري، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول الساحل الخمس، كان يشعر بالخطر المُحدق ببلده الهش بوركينا فاسو، وجيشه العاجز عن مواجهة التنظيمات الإرهابية التي طورت خلال السنوات الأخيرة من أساليب عملها وقدراتها القتالية، إلا أنه في حديثه أمام الصحافيين كان يستحضر الرأي العام المحلي في منطقة الساحل، قائلاً: «خلاصة نقاشاتنا (في القمة) هي أن نصل إلى نتائج ملموسة وبسرعة، لأن مصداقيتنا كدول مرتبطة بذلك».
ولكن الغضب الشعبي من الوجود العسكري الأجنبي، الذي يتنامى في بوركينا فاسو، واتسع ليشمل دولة مالي، قد يتحوّل في أي لحظة إلى غضب شعبي ضد أنظمة الحكم. وللعلم، شهدت الدولتان انتفاضات شعبية دامية نجحت في قلب أنظمة الحكم (2015 في بوركينا فاسو، و1991 في مالي). ولا تسمح الظروف الأمنية الهشة في أي منهما بأي نوع من التأزيم لأنه سيصب الزيت على النار، ويعقد الوضع في منطقة مشتعلة منذ عدة سنوات.
لذا يبحث رئيس بوركينا فاسو عن «صدقية» مبنية على إنجاز ميداني، كضامن لاستقرار نظام الحكم في بلاده وبقية دول الساحل. بيد أن كابوري، وهو يتكلّم باسم قادة دول الساحل، كان صريحاً حين قال إن «النتائج التي تحققت على الأرض لا تسمو إلى مستوى تطلعات السكان» للقضاء على الجماعات الإرهابية. وأضاف أنه من أجل تحقيق نتائج مُرضية «لا بُد من تكثيف مستوى التنسيق الأمني والعسكري بين مختلف القوى العسكرية على الأرض، وتعزيز قدرات الجيوش الوطنية، ومنحها الوسائل التي تمكنها من القيام بمهمات قتالية ناجحة». وخلُص إلى التأكيد على أن «تبادل المعلومات الاستخباراتية هو حجر الزاوية لتحقيق النجاح الميداني».
من جهة أخرى، ناقش القادة الستة المشاركون في القمة قضية تعزيز سيادة دول الساحل، وحضورها في المناطق النائية، وذلك من خلال إعادة توطين السكان في مناطقهم الأصلية، وفتح المدارس والمستشفيات التي أغلقت بسبب الإرهاب، وتوفير الخدمات الضرورية. غير أن هذا لن يتحقق من دون تحقيق الأمن أولاً، وتوفر تمويلات سبق أن تعهد بها المانحون الدوليون خلال مؤتمر بالعاصمة الموريتانية نواكشوط نهاية 2018. ولا تزال دول الساحل غير راضية عن الوفاء بالالتزامات التي وصلت آنذاك إلى أكثر من ملياري يورو من أجل تمويل 40 مشروعاً تنموياً، أغلبها في المناطق الحدودية بين الدول التي تغيب عنها الدولة.

- تدويل الحرب
الأمم المتحدة، في تقرير صدر يوم الأربعاء الماضي، وصفت الوضع في منطقة الساحل بأنه «ينذر بالخطر»، وأعربت عن استعدادها لتنفيذ «حلول أكثر إبداعاً واستباقية» لضمان وصول الدعم اللازم إلى القوة المشتركة لدول الساحل الخمس، مؤكدة أن القوات الدولية والمحلية تبذل جهوداً كبيرة في الحرب على الإرهاب، لكنها جهود يبدو أنها غير كافية.
وأمام تدهور الوضع الأمني في المنطقة، وانفجار الوضع في ليبيا المجاورة، أعلنت دول الساحل وفرنسا عن سعيها نحو تنسيق جهودها في «الائتلاف من أجل الساحل» الذي هو إطار سياسي واستراتيجي وعملياتي جديد، يشمل قوة «برخان» الفرنسية ودول منطقة الساحل، بالإضافة إلى مجموعة دول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الشريكة، وهو ائتلاف مفتوح أمام كل طرف يرغب في الالتحاق به للمساهمة في الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة من العالم، وفق ما أعلنه رئيس بوركينا فاسو.
إن الاتفاق على تشكيل هذا الائتلاف الجديد يؤكد رغبة فرنسا ودول الساحل في تدويل حربها على الإرهاب، كي لا تكون القوات الفرنسية بمفردها في مواجهة الجماعات الإرهابية التي بدا واضحاً أنها اكتسبت الخبرة، وعمقت حضورها على الأرض، وتغلغلت وسط السكان المحليين. ورغم حالة التفاؤل التي هيمنت على القمة بعد القرارات الصادرة عنها، فإن الرئيس ماكرون قال بحزم: «لننتظر ونرى ونقيم في الصيف المقبل ما سيجري على الأرض».
لقد حاولت «قمة بو» أن تعطي إشارة انطلاق جهد دولي ينقل الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي إلى مستويات جديدة، خاصة أن باريس تراهن بشكل كبير على تشكيل قوة خاصة أوروبية (تابوكا) ستكون بعد تشكيلها «قوة تدخل سريع»، مهمتها دعم الجيوش المحلية والقوات الدولية على الأرض في منطقة الساحل الأفريقي، لكن تشكيلها ما زال في مراحله الأولى. ومع أن 10 دول أوروبية عبّرت عن نيتها المشاركة فيها، فإن الأطر القانونية المشكّلة لهذه القوة العسكرية الأوروبية لم توضع بعدُ، وهي أطر يجب عرضها على البرلمان الأوروبي.

- صدمة من واشنطن
وفي حين يتحرّك الأوروبيون ببطء نحو تشكيل قوة «تابوكا»، جاءت الصدمة من الولايات المتحدة التي أعلنت نيتها تقليص حضورها العسكري في أفريقيا، بما في ذلك منطقة الساحل، وهو ما يفسد خطط دول الساحل الخمس وفرنسا نحو رفع وتيرة الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة الشاسعة المترامية الأطراف.
وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة توفر 80 في المائة من الدعم اللوجيستي للقوات الفرنسية الموجودة في منطقة الساحل، خاصة فيما يتعلق بنقل الجنود والمعدات، هذا بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي عبر توفير وتسيير طائرات «الدرون» من قواعد عسكرية شيدها الأميركيون في النيجر، ومكّنتهم من أن يغدوا لاعبين أقوياء في هذه المنطقة الشاسعة التي تنتشر فيها شبكات التهريب والإرهاب، وتغيب عنها السلطة.
ولكن حضور الأميركيين، رغم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الذي يقدمونه لفرنسا ودول الساحل، ما يزال محدوداً جداً على الأرض في منطقة الساحل، وهو يقتصر على بعض وحدات القوات الخاصة التي تدرب قوات مكافحة الإرهاب في النيجر لدعمها في محاربة جماعة «بوكو حرام»، قرب بحيرة حوض تشاد.
وكانت دول الساحل تتطلع لأن يرفع الأميركيون من مستوى حضورهم العسكري الميداني، لدعم الفرنسيين والجيوش المحلية في حربها على الإرهاب، خاصة أن الأشهر الأخيرة شهدت دخول «داعش» على الخط في منطقة الساحل، وهو التنظيم الذي سبق أن ألحق به الأميركيون الهزيمة في العراق وسوريا، وهم أكثر خبرة من الفرنسيين في مواجهة عناصره.
وفي الوقت الذي تدرس فيه واشنطن تقليص عدد جنودها في أفريقيا، البالغ 7 آلاف جندي «أعربت دول المنطقة عن امتنانها للدعم المهم الذي قدمته الولايات المتحدة، وأكدت رغبتها في استمراره». وأعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي أنها ستتوجه إلى العاصمة الأميركية لبحث الدعم الأميركي العسكري للقوات الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، وسط مخاوف متزايدة من انسحاب الأميركيين من المنطقة.

- الفرع الصحراوي لـ«داعش»... العدو الصاعد في منطقة الساحل
منذ قرابة عقدين من الزمن ومنطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً شمال مالي، مرتعاً لتنظيم «القاعدة» والجماعات الإرهابية التابعة له. إلا أن الوضع على ما يبدو قد تغير في ظل الصعود القوي لتنظيم داعش، عبر فرع أسس قبل قرابة 5 سنوات يحمل اسم «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى». ووصفت «قمة بو» الأخيرة هذا التنظيم بأنه بات العدو الأول في منطقة الساحل، ويطرح تحدياً كبيراً على القوات الوطنية والدولية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال أمام الصحافيين في مدينة بو إن مكافحة هذا التنظيم باتت أولوية، لكونه شنّ خلال الأشهر الأخيرة هجمات إرهابية غير مسبوقة في المنطقة، من حيث الجرأة والقوة والدموية. وحقاً، تركزت هذه الهجمات في المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي يتحرك فيها مقاتلوه الذين تشير بعض التقارير إلى أنهم لا يزيدون على 300 مقاتل.
هجمات التنظيم خلال الشهرين الماضيين تسببت بمقتل أكثر من 300 شخص، جلّهم من أفراد قوات الأمن وجنود الجيوش المحلية. وكان أحدث هجوم له يوم الخميس 9 يناير (كانون الثاني) الحالي، في منطقة شينيغودار بالنيجر، وخلّف 89 قتيلاً في صفوف الجيش النيجري. وقبله، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن التنظيم هجوماً دامياً على أربيندا في بوركينا فاسو، وخلف 42 قتيلاً، من ضمنهم 35 مدنياً. وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن هجوماً على ثكنة عسكرية في إيناتس بالنيجر، خلف 71 قتيلاً في صفوف الجنود النيجريين. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استهدف منطقة تبانكورت في مالي، وقتل 43 جندياً من جنود الجيش المالي، وغير بعيد عن المنطقة، في أنديليمان، قتل 49 جندياً مالياً.
ويشير الخبراء إلى أن التنظيم يعتمد أسلوب عمليات شبيه بذلك المعتمد من طرف مقاتلي «بوكو حرام» في نيجيريا، إذ يهاجم العشرات من سائقي الدراجات النارية ثكنات عسكرية معزولة، ويدمرون وسائل الاتصال فيها، ويقصفونها بقذائف الهاوين، ويقتلون الجنود، ثم يهربون إلى الأدغال. ويفسر الخبراء هذا التطور في الأسلوب بوجود اتصالات وتعاون وتنسيق بين الجماعات الإرهابية في القارة الأفريقية، سواء في منطقة الساحل أو منطقة بحيرة تشاد أو جنوب ليبيا.
ثم إن بعض التقارير تتحدث عن وصول مقاتلين فارين من جبهات أخرى هزم فيها تنظيم داعش، وتولوا مناصب قيادية بارزة في «داعش الصحراء»، ونقلوا إليه تجاربهم التي اكتسبوها في الحروب السابقة، كما يستعين التنظيم الإرهابي بمرتزقة ومأجورين ينتمون للمنطقة ولديهم دراية واسعة بمسالك الأرض الوعرة.


مقالات ذات صلة

إعدام 10 مدانين بـ«جرائم إرهابية» في شرق ليبيا

شمال افريقيا المدعي العام العسكري بالقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية الفريق فرج الصوصاع (القيادة العامة)

إعدام 10 مدانين بـ«جرائم إرهابية» في شرق ليبيا

أعلن مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، عن إعدام 10 أشخاص لاتهامهم بـ«ارتكاب جرائم اغتيال بحق عسكريين ومدنيين».

جمال جوهر (القاهرة)
الخليج  الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)

السعودية تدين الهجوم الإرهابي على حافلة لقوات الأمن الداخلي بسوريا

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها للهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة تابعة لقوات الأمن الداخلي في ريف دمشق في سوريا، وأسفر عن عددٍ من الإصابات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا الرئيس هاكايندي هيشيليما الساعي لولاية ثانية (د.ب.أ)

زامبيا: مقتل وزير سابق ينذرُ بأزمة تعمق توتر ما بعد الانتخابات

زامبيا: مقتل وزير سابق ينذرُ بأزمة تعمق توتر ما بعد الانتخابات... تنديد دولي ومطالب بفتح تحقيق مستقل

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت يعلن عن العثور على أسلحة مخبأة في غابة في برلين العام الماضي (د.ب.أ)

ألمانيا تتهم «جهات خارجية» بالتخطيط لعمليات اغتيال داخل أراضيها

كشف وزير الداخلية الألماني وجود مخطط من «قوى خارجية» لتنفيذ اغتيالات داخل البلاد بعد العثور على أسلحة مخبأة بغابة في برلين العام الماضي.

راغدة بهنام (برلين)
أفريقيا شرطيان يحرسان مقراً أمنياً في ولاية كيبي الاثنين (رويترز)

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار... الجيش يصد هجوماً إرهابياً على قاعدة عسكرية متقدمة في بورنو.

الشيخ محمد (نواكشوط)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.