فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

في ظل المتغيرات الأمنية والاعتبارات السياسية

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب
TT

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

فرنسا ودول الساحل... نحو تدويل الحرب على الإرهاب

حاولت «قمة بو»، يوم الاثنين الماضي، فتح صفحة جديدة من التعاون بين فرنسا ودول الساحل الأفريقي، يضمن معها الفرنسيون لقواتهم الموجودة على الأرض (4500 جندي) حماية وشرعية أقوى، في ظل تصاعد موجة الرفض الشعبي للوجود العسكري الأجنبي في مالي وبوركينا فاسو.
وللعلم، هاتان الدولتان هما الأكثر معاناة من تصاعد الهجمات الإرهابية، والصعود القوي لتنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» (داعش الصحراء)، إلا أن القمة التي انعقدت في ظروف أمنية وسياسية استثنائية لم تخرج عن التوقّعات، فظلت حبيسة الاستراتيجيات «التقليدية» لمواجهة خطر الإرهاب، باستثناء محاولتها «تدويل» الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة.
ثلاث ساعات من النقاش في اجتماع مغلق، بمدينة بو الواقعة في جنوب غربي فرنسا، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة دول الساحل الخمس (موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، أسفرت عن بيان مشترك، تضمن الاتفاق على «تعزيز التعاون العسكري» بين فرنسا ودول الساحل الخمس. لكن الأهم بالنسبة لفرنسا هو أنها حصلت على «موقف واضح» من قادة دول الساحل بخصوص الوجود العسكري الفرنسي، حين أعربوا عن رغبتهم في استمرار هذا الحضور العسكري، بل وتعزيزه، من خلال تشكيل «ائتلاف من أجل الساحل»، هو عبارة عن تحالف دولي واسع النطاق لمحاربة الإرهاب في الساحل سيصار إلى إطلاقه قريباً.

في حين كان قادة دول «منطقة الساحل» (ساحل الصحراء الكبرى) يحضرون «قمة بو» على الأراضي الفرنسية، كانت مظاهرات تجوب بعض المدن في مالي وبوركينا فاسو، رافعة شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، رافضة بشكل مسبق نتائج هذه القمة التي يعتقدون أن قادة دول الساحل «استدعوا بطريقة مهينة». وهذه نقطة سبق أن أثارت كثيراً من الجدل في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتسببت في تصريحات غاضبة من روش مارك كابوري، رئيس بوركينا فاسو، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول «الساحل» الخمس.
كان المحتجّون وهم يجوبون شوارع العاصمة المالية باماكو، متوجّهين نحو «نصب الحرية» في قلب المدينة، ساعات قبيل انعقاد «قمة بو»، يردّدون شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، من قبيل: «نعم لرحيل القوات الفرنسية!»، و«لترحل فرنسا»، و«نعم لرحيل القوات الأجنبية!»، بينما يرفع أكثر المحتجّين تطرّفاً شعارات تقول: «أوقفوا المجازر الفرنسية في مالي».
بدأ هذا الرفض الشعبي منذ عدة أسابيع في بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً)، الدولة الشيوعية السابقة التي حكمها المناضل الأفريقاني المعروف توماس سانكارا في ثمانينات القرن الماضي، قبل اغتياله في انقلاب عسكري، مخلفاً وراءه حركات سياسية ونقابية «أفريقانية» توصف بأنها مناهضة لفرنسا. وهذه الحركات ما زالت تعتبرها قوة استعمارية، وأن جنودها الموجودين في الساحل مهمتهم الأولى الحفاظ على المصالح الفرنسية، وليس محاربة الإرهاب أو حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولكن هذا التيار الشعبي الذي أثار وجوده استياء الفرنسيين لا يزال محدود الانتشار في بلدان بلا جيوش. ويدرك معظم سكانها أنهم يعتمدون في أمنهم بشكل شبه كامل على القوات الفرنسية الموجودة في المنطقة (4500 جندي)، وقوات حفظ السلام في دولة مالي (مينوسما)، البالغ قوامها 15 ألف جندي، بالإضافة إلى قوة عسكرية مشتركة شكلتها دول الساحل الخمس منذ سنوات، ويبلغ قوامها 5 آلاف جندي، ما تزال ضعيفة التدريب والتجهيز.
هذا وسبق أن انتقد الفرنسيون بشكل صريح صمت الحكومات في دول الساحل حيال التيار الشعبي الرافض للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، وهو ما دفع ماكرون إلى أن يطلب منهم موقفاً واضحاً في هذه النقطة، مشيراً إلى أنه لن يقبل أن يضحي الجنود الفرنسيون بأرواحهم (قُتل 41 جندياً منذ 2013) في مناطق لا ترحب بهم.
وقال ماكرون في نهاية القمة: «لم يكن من المقبول السماح ببروز مغالطات وأكاذيب وتوهّمات حول الوجود الفرنسي في بلدان الساحل، وترك ذلك من غير رد». وحُسمت هذه النقطة في البيان الختامي للقمة، حين أشارت إحدى الفقرات إلى أن قادة دول الساحل «أعربوا عن تمنيهم استمرار الالتزام العسكري الفرنسي في الساحل».

- منعطف تاريخي!
خلال الجلسة المغلقة، كان ماكرون يجلس إلى طاولة مستديرة، عن يمينه الرئيس التشادي إدريس ديبي، وهو عسكري وقائد سابق لأركان الجيش في تشاد يتولى حكم بلاده منذ 3 عقود، ويسعى للتمديد. أما عن يسار ماكرون، فجلس الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو جنرال متقاعد وقائد سابق لأركان الجيش الموريتاني، تولى الحكم في بلاده قبل 6 أشهر فقط، في حين جلس على بقية مقاعد الطاولة، قبالة الرئيس الفرنسي، رؤساء النيجر ومالي وبوركينا فاسو «المدنيون» الذين لا يحملون وراءهم أي خلفية عسكرية، وتعاني دولهم من عمليات إرهابية تكاد تكون يومية.
وكان واضحاً أن الملف العسكري سيستحوذ على الجزء الأكبر من النقاش، خاصة أن التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل كان من أهم النقاط المدرجة على جدول أعمال القمة التي لم تزد على عدة ساعات فقط؛ ذلك أنه سبق للفرنسيين أن أعربوا عن رغبتهم في مراجعة استراتيجيتهم العسكرية والأمنية لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل، لكنهم كانوا يحتاجون في البداية إلى ضرورة إعادة تحديد قواعد الشراكة مع دول المنطقة.
هذا ما أعلن عنه ماكرون، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة، حين قال إنها «شكلت منعطفاً تاريخياً مهماً، إنها منعرج في المنهج والمقاربات، إذ تمكنا من أن نعيد تحديد الإطار السياسي، ونعيد بوضوح تحديد الأهداف، وشروط تنظيم تدخلنا المشترك، وتدخل شركائنا».
وأكد ماكرون أن الإشكال المتعلق بالوجود العسكري الفرنسي في المنطقة أمكن تجاوزه، مما يعني أن فرنسا ستبقى اللاعب الأول في تلك المنطقة التي طالما شكلت حديقة خلفية بالنسبة للفرنسيين الذين دخلت جيوشهم هذه المنطقة نهاية القرن التاسع عشر كقوة استعمارية، وخرجت منتصف القرن العشرين، مخلّفة إرثاً ما زال يلقي بظلاله على العلاقة بين فرنسا وهذه المنطقة من العالم.
ومع هذا، كان الفرنسيون بحاجة لإعادة صياغة قواعد التعاون والشراكة العسكرية والأمنية مع دول الساحل، بعد 7 سنوات من التدخل العسكري، وهو ما كان قد بدأ بشكل عاجل في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2013، بدعوة وطلب رسمي من الرئيس المالي السابق ديونكوندا تراوري. وكان وراء الطلب الحاجة لوقف زحف مقاتلي «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» نحو العاصمة باماكو، بعد 6 أشهر من سيطرتهم على ثلثي مساحة البلاد في الشمال. آنذاك، أطلق الفرنسيون عملية «سيرفال» التي أرغمت الإرهابيين على الانسحاب من شمال مالي، ثم تحولت عملية «سيرفال» عام 2014 إلى عملية «برخان» التي توسّعت لتشمل محاربة الجماعات الإرهابية في دول الساحل الخمس، بالتعاون والتنسيق مع الجيوش المحلية.

- تعزيز قوة «برخان»
لم تعلن تفاصيل القواعد الجديدة للشراكة بين فرنسا ودول الساحل، فيما أعلن الرئيس الفرنسي أنه سيعزّز قوة «برخان» بقوة عسكرية جديدة، تتشكل من 220 جندياً، وقال: «قررت استخدام قدرات قتالية إضافية؛ 220 جندياً سيعززون قوة (برخان)»، وهو ما يعني ارتفاع عدد الجنود الفرنسيين في الساحل إلى 4720 جندياً، في حين أشار رئيس بوركينا فاسو روش مارك كابوري إلى أنه يجب تركيز العمل العسكري في منطقة المثلث الحدودي الرابط بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، الذي بات «الخاصرة الرخوة» لمنطقة الساحل، إذ تنفذ فيه النسبة الأكبر من الهجمات الإرهابية.

- هواجس سياسية
كابوري، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجموعة دول الساحل الخمس، كان يشعر بالخطر المُحدق ببلده الهش بوركينا فاسو، وجيشه العاجز عن مواجهة التنظيمات الإرهابية التي طورت خلال السنوات الأخيرة من أساليب عملها وقدراتها القتالية، إلا أنه في حديثه أمام الصحافيين كان يستحضر الرأي العام المحلي في منطقة الساحل، قائلاً: «خلاصة نقاشاتنا (في القمة) هي أن نصل إلى نتائج ملموسة وبسرعة، لأن مصداقيتنا كدول مرتبطة بذلك».
ولكن الغضب الشعبي من الوجود العسكري الأجنبي، الذي يتنامى في بوركينا فاسو، واتسع ليشمل دولة مالي، قد يتحوّل في أي لحظة إلى غضب شعبي ضد أنظمة الحكم. وللعلم، شهدت الدولتان انتفاضات شعبية دامية نجحت في قلب أنظمة الحكم (2015 في بوركينا فاسو، و1991 في مالي). ولا تسمح الظروف الأمنية الهشة في أي منهما بأي نوع من التأزيم لأنه سيصب الزيت على النار، ويعقد الوضع في منطقة مشتعلة منذ عدة سنوات.
لذا يبحث رئيس بوركينا فاسو عن «صدقية» مبنية على إنجاز ميداني، كضامن لاستقرار نظام الحكم في بلاده وبقية دول الساحل. بيد أن كابوري، وهو يتكلّم باسم قادة دول الساحل، كان صريحاً حين قال إن «النتائج التي تحققت على الأرض لا تسمو إلى مستوى تطلعات السكان» للقضاء على الجماعات الإرهابية. وأضاف أنه من أجل تحقيق نتائج مُرضية «لا بُد من تكثيف مستوى التنسيق الأمني والعسكري بين مختلف القوى العسكرية على الأرض، وتعزيز قدرات الجيوش الوطنية، ومنحها الوسائل التي تمكنها من القيام بمهمات قتالية ناجحة». وخلُص إلى التأكيد على أن «تبادل المعلومات الاستخباراتية هو حجر الزاوية لتحقيق النجاح الميداني».
من جهة أخرى، ناقش القادة الستة المشاركون في القمة قضية تعزيز سيادة دول الساحل، وحضورها في المناطق النائية، وذلك من خلال إعادة توطين السكان في مناطقهم الأصلية، وفتح المدارس والمستشفيات التي أغلقت بسبب الإرهاب، وتوفير الخدمات الضرورية. غير أن هذا لن يتحقق من دون تحقيق الأمن أولاً، وتوفر تمويلات سبق أن تعهد بها المانحون الدوليون خلال مؤتمر بالعاصمة الموريتانية نواكشوط نهاية 2018. ولا تزال دول الساحل غير راضية عن الوفاء بالالتزامات التي وصلت آنذاك إلى أكثر من ملياري يورو من أجل تمويل 40 مشروعاً تنموياً، أغلبها في المناطق الحدودية بين الدول التي تغيب عنها الدولة.

- تدويل الحرب
الأمم المتحدة، في تقرير صدر يوم الأربعاء الماضي، وصفت الوضع في منطقة الساحل بأنه «ينذر بالخطر»، وأعربت عن استعدادها لتنفيذ «حلول أكثر إبداعاً واستباقية» لضمان وصول الدعم اللازم إلى القوة المشتركة لدول الساحل الخمس، مؤكدة أن القوات الدولية والمحلية تبذل جهوداً كبيرة في الحرب على الإرهاب، لكنها جهود يبدو أنها غير كافية.
وأمام تدهور الوضع الأمني في المنطقة، وانفجار الوضع في ليبيا المجاورة، أعلنت دول الساحل وفرنسا عن سعيها نحو تنسيق جهودها في «الائتلاف من أجل الساحل» الذي هو إطار سياسي واستراتيجي وعملياتي جديد، يشمل قوة «برخان» الفرنسية ودول منطقة الساحل، بالإضافة إلى مجموعة دول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الشريكة، وهو ائتلاف مفتوح أمام كل طرف يرغب في الالتحاق به للمساهمة في الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة من العالم، وفق ما أعلنه رئيس بوركينا فاسو.
إن الاتفاق على تشكيل هذا الائتلاف الجديد يؤكد رغبة فرنسا ودول الساحل في تدويل حربها على الإرهاب، كي لا تكون القوات الفرنسية بمفردها في مواجهة الجماعات الإرهابية التي بدا واضحاً أنها اكتسبت الخبرة، وعمقت حضورها على الأرض، وتغلغلت وسط السكان المحليين. ورغم حالة التفاؤل التي هيمنت على القمة بعد القرارات الصادرة عنها، فإن الرئيس ماكرون قال بحزم: «لننتظر ونرى ونقيم في الصيف المقبل ما سيجري على الأرض».
لقد حاولت «قمة بو» أن تعطي إشارة انطلاق جهد دولي ينقل الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي إلى مستويات جديدة، خاصة أن باريس تراهن بشكل كبير على تشكيل قوة خاصة أوروبية (تابوكا) ستكون بعد تشكيلها «قوة تدخل سريع»، مهمتها دعم الجيوش المحلية والقوات الدولية على الأرض في منطقة الساحل الأفريقي، لكن تشكيلها ما زال في مراحله الأولى. ومع أن 10 دول أوروبية عبّرت عن نيتها المشاركة فيها، فإن الأطر القانونية المشكّلة لهذه القوة العسكرية الأوروبية لم توضع بعدُ، وهي أطر يجب عرضها على البرلمان الأوروبي.

- صدمة من واشنطن
وفي حين يتحرّك الأوروبيون ببطء نحو تشكيل قوة «تابوكا»، جاءت الصدمة من الولايات المتحدة التي أعلنت نيتها تقليص حضورها العسكري في أفريقيا، بما في ذلك منطقة الساحل، وهو ما يفسد خطط دول الساحل الخمس وفرنسا نحو رفع وتيرة الحرب على الإرهاب في هذه المنطقة الشاسعة المترامية الأطراف.
وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة توفر 80 في المائة من الدعم اللوجيستي للقوات الفرنسية الموجودة في منطقة الساحل، خاصة فيما يتعلق بنقل الجنود والمعدات، هذا بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي عبر توفير وتسيير طائرات «الدرون» من قواعد عسكرية شيدها الأميركيون في النيجر، ومكّنتهم من أن يغدوا لاعبين أقوياء في هذه المنطقة الشاسعة التي تنتشر فيها شبكات التهريب والإرهاب، وتغيب عنها السلطة.
ولكن حضور الأميركيين، رغم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الذي يقدمونه لفرنسا ودول الساحل، ما يزال محدوداً جداً على الأرض في منطقة الساحل، وهو يقتصر على بعض وحدات القوات الخاصة التي تدرب قوات مكافحة الإرهاب في النيجر لدعمها في محاربة جماعة «بوكو حرام»، قرب بحيرة حوض تشاد.
وكانت دول الساحل تتطلع لأن يرفع الأميركيون من مستوى حضورهم العسكري الميداني، لدعم الفرنسيين والجيوش المحلية في حربها على الإرهاب، خاصة أن الأشهر الأخيرة شهدت دخول «داعش» على الخط في منطقة الساحل، وهو التنظيم الذي سبق أن ألحق به الأميركيون الهزيمة في العراق وسوريا، وهم أكثر خبرة من الفرنسيين في مواجهة عناصره.
وفي الوقت الذي تدرس فيه واشنطن تقليص عدد جنودها في أفريقيا، البالغ 7 آلاف جندي «أعربت دول المنطقة عن امتنانها للدعم المهم الذي قدمته الولايات المتحدة، وأكدت رغبتها في استمراره». وأعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي أنها ستتوجه إلى العاصمة الأميركية لبحث الدعم الأميركي العسكري للقوات الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، وسط مخاوف متزايدة من انسحاب الأميركيين من المنطقة.

- الفرع الصحراوي لـ«داعش»... العدو الصاعد في منطقة الساحل
منذ قرابة عقدين من الزمن ومنطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً شمال مالي، مرتعاً لتنظيم «القاعدة» والجماعات الإرهابية التابعة له. إلا أن الوضع على ما يبدو قد تغير في ظل الصعود القوي لتنظيم داعش، عبر فرع أسس قبل قرابة 5 سنوات يحمل اسم «تنظيم داعش في الصحراء الكبرى». ووصفت «قمة بو» الأخيرة هذا التنظيم بأنه بات العدو الأول في منطقة الساحل، ويطرح تحدياً كبيراً على القوات الوطنية والدولية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال أمام الصحافيين في مدينة بو إن مكافحة هذا التنظيم باتت أولوية، لكونه شنّ خلال الأشهر الأخيرة هجمات إرهابية غير مسبوقة في المنطقة، من حيث الجرأة والقوة والدموية. وحقاً، تركزت هذه الهجمات في المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي يتحرك فيها مقاتلوه الذين تشير بعض التقارير إلى أنهم لا يزيدون على 300 مقاتل.
هجمات التنظيم خلال الشهرين الماضيين تسببت بمقتل أكثر من 300 شخص، جلّهم من أفراد قوات الأمن وجنود الجيوش المحلية. وكان أحدث هجوم له يوم الخميس 9 يناير (كانون الثاني) الحالي، في منطقة شينيغودار بالنيجر، وخلّف 89 قتيلاً في صفوف الجيش النيجري. وقبله، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن التنظيم هجوماً دامياً على أربيندا في بوركينا فاسو، وخلف 42 قتيلاً، من ضمنهم 35 مدنياً. وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شن هجوماً على ثكنة عسكرية في إيناتس بالنيجر، خلف 71 قتيلاً في صفوف الجنود النيجريين. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استهدف منطقة تبانكورت في مالي، وقتل 43 جندياً من جنود الجيش المالي، وغير بعيد عن المنطقة، في أنديليمان، قتل 49 جندياً مالياً.
ويشير الخبراء إلى أن التنظيم يعتمد أسلوب عمليات شبيه بذلك المعتمد من طرف مقاتلي «بوكو حرام» في نيجيريا، إذ يهاجم العشرات من سائقي الدراجات النارية ثكنات عسكرية معزولة، ويدمرون وسائل الاتصال فيها، ويقصفونها بقذائف الهاوين، ويقتلون الجنود، ثم يهربون إلى الأدغال. ويفسر الخبراء هذا التطور في الأسلوب بوجود اتصالات وتعاون وتنسيق بين الجماعات الإرهابية في القارة الأفريقية، سواء في منطقة الساحل أو منطقة بحيرة تشاد أو جنوب ليبيا.
ثم إن بعض التقارير تتحدث عن وصول مقاتلين فارين من جبهات أخرى هزم فيها تنظيم داعش، وتولوا مناصب قيادية بارزة في «داعش الصحراء»، ونقلوا إليه تجاربهم التي اكتسبوها في الحروب السابقة، كما يستعين التنظيم الإرهابي بمرتزقة ومأجورين ينتمون للمنطقة ولديهم دراية واسعة بمسالك الأرض الوعرة.


مقالات ذات صلة

تشييع أردني حاشد لضحايا هجوم الكنيسة

المشرق العربي حشود شاركت في تشييع الضحايا الأحد (أ.ب)

تشييع أردني حاشد لضحايا هجوم الكنيسة

تحوّل تشييع 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدف «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب الأردن، إلى مناسبة لتأكيد مبادئ العيش المشترك والتآخي المسيحي.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

شيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدفهم يوم الجمعة الماضي في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك...

محمد خير الرواشدة (عمّان)
أوروبا صورة الشاب الراحل بينغو بوسيو وانغي (أكاديمية «أتش»)

من هو بينغو وانغي؟ رياضي فرنسي ضحية الهجوم الإرهابي العنصري في فرنسا

مقتل رياضي فرنسي واعد من أصول كونغولية في اعتداء إرهابي عنصري بضواحي باريس يثير صدمة واسعة، ويسلط الضوء مجدداً على ملف الإرهاب في عهد ماكرون.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية حادث إرهابي قرب باريس أودى بحياة لاعب فنون قتالية (رويترز)

لاعب فنون قتالية ضحية هجوم يشتبه أنه عنصري بالقرب من باريس

تبين أن الرجل الذي قُتل في إطلاق نار، الجمعة، في ضواحي باريس كان لاعب فنون قتالية مختلطة هاوياً، حسبما قال ناديه.

«الشرق الأوسط» (تراب (فرنسا))
المشرق العربي عناصر أمن يقفون خارج كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس حيث أطلق مسلحون النار خلال مراسم جنازة في اليوم السابق بقرية حمود بمحافظة الكرك - الأردن (رويترز) p-circle

السفارة الأميركية تعلن تشديد الإجراءات الأمنية في الأردن عقب هجوم كنيسة الكرك

قالت السفارة الأميركية في عمان إنه جرى تشديد الإجراءات الأمنية في مراكز التسوق والسفارات الأجنبية ومواقع أخرى في الأردن بعد هجوم كنيسة الكرك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.