انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

وسط مخاوف من تداعيات التنافس الأوروبي - الروسي - التركي في المتوسط

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس
TT

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

استقبلت تونس العام الجديد في مناخ تصعيد سياسي وعسكري كبير في «جارتها» الجنوبية الشرقية ليبيا، وتغيير شامل في «جارتها» الغربية الجزائر، بعد تنصيب الرئيس المنتخب عبد المجيد تبّون، الذي أعلن أن بلده سيلعب مستقبلاً دوراً حاسماً في الملف الليبي «أحب مَن أحب وكره من كره». فكيف ستنعكس المتغيرات الإقليمية عامة، وفي ليبيا والجزائر خاصة، على تونس التي يعيش أكثر من نصف شعبها على المبادلات الرسمية وغير الرسمية مع ليبيا والجزائر وعلى السياحة العربية والمغاربية؟ وكيف ستتأثر تونس بالتحركات الإقليمية والدولية المساندة لأحد أطراف الاقتتال في ليبيا بعد الاتفاق الأمني والبحري بين أنقرة و«حكومة الإنقاذ» في طرابلس؟ وما هي مضاعفات زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العاصمة التونسية؟ وأخيراً، ما هو مصير جهود الوساطة التونسية في ليبيا بقيادة الرئيس التونسي قيس سعيّد وزعماء «مجلس القبائل الليبية» بعد تشكيل الحكومة الجزائرية الجديدة بقيادة عبد العزيز جرّاد، التي احتفظ فيها وزير الخارجية صبري بوقادوم وعدد من رموز الحكم السابق بمناصبهم؟

تدعم السلطات المنتخبة أخيراً في تونس والجزائر موقف البلدين القديم المساند لـ«الحياد» و«التسوية السياسية» للأزمة الليبية مع معارضة «كل أنواع التدخل العسكري الأجنبي» في ليبيا.
إلا أن وجود أكثر من ثلاثة أرباع سكان ليبيا في المنطقة الغربية المتاخمة لحدودها مع تونس والجزائر دفع حكومتي البلدين إلى الانحياز عملياً إلى «سلطة» طرابلس منذ تفجّر النزاع المسلح مطلع 2014، بل، وبصورة خاصة، منذ تشكيل «حكومة الوفاق» (التي يرأسها فايز السراج) التي تعترف بها الأمم المتحدة تطبيقاً للاتفاق الأممي الموقّع في الصخيرات بالمغرب عام 2015.
ولقد تعاقبت مبادرات الوساطة التونسية والتونسية – الجزائرية - المصرية ضمن هذا المسار؛ ما تسبب في اندلاع أزمات داخل أوساط صنّاع القرار السياسي والنخب وتبادل الاتهامات بـ«الانحياز والاصطفاف وراء أحد أطراف النزاع... وتهديد مصالح الشعب والبلاد». ويقود منتقدي «الأطراف المنحازة للمحور التركي - القطري» يساريون من «الجبهة الشعبية» ومن حزب الشعب القومي العربي وقياديون في اتحاد نقابات العمال.
إلا أن ثمة مَن يتساءل عن أي مدى ستحافظ القيادة الجزائرية الجديدة على توجهات السياسة الخارجية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحكوماته. وإلى أي حد ستلتزم الرئاسة التونسية في عهد قيس سعيّد ودبلوماسية الحكومة التي أفرزتها الانتخابات الجديدة بـ«الحياد» و«ثوابت الدبلوماسية التقليدية» المعتمدة منذ عهدي الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة (1956 - 1987) ثم في عهدي الرئيس زين العابدين بن علي (1987 - 2011) وصولاً إلى عهد الرئيس الباجي قائد السبسي (2015 - 2019).
أيضاً، يحذّر عدد من كبار الدبلوماسيين التونسيين، بينهم وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس، من احتمال اندفاع الدبلوماسية التونسية نحو مرحلة «المغامرات» و«الانحياز لقوى الثورة» - بما قد يذكّر ببعض المواقف الصادرة في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، وسط انتقادات إلى تصريحات الرئيس قيس سعيّد وعدد من المقرّبين منه.

- فرار المهرّبين والإرهابيين
إلا أن دبلوماسيين وسياسيين من الفريق المقابل، مثل السفير محمود بالسرور والعميد المتقاعد هشام المؤدب، يتهمون خصومهم بالتخاذل عن «دعم غالبية الشعب الليبي» المتضرّرة من «حرب عالمية بالوكالة تجري على أرض ليبيا منذ فبراير (شباط) 2011 بمشاركة غالبية دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وحلفائها في المنطقة»... على حد تعبيرهم.
لكن، في كل الحالات يحذر خبراء أمنيون وعسكريون، بينهم أمير اللواء المتقاعد والمدير العام السابق للأمن العسكري وللديوانة محمد المؤدب، من التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الخطيرة التي تواجه تونس بسبب تصعيد الحرب في ليبيا منذ بدء هجوم قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس قبل 9 أشهر.
من جهة ثانية، بينما يحذّر عدد من الخبراء في الدراسات الأمنية، بينهم الجامعي عليّة العلاّني، من خطر فرار مجموعات من المسلحين والمدنيين الليبيين والمتهمين بالإرهاب العرب نحو تونس والجزائر وتأسيسهم «خلايا نائمة للإرهاب» داخلها، يقلل المهدي ثابت، الخبير التونسي في الشؤون الليبية، من هذا الخطر. إذ يقول ثابت «ليس للإرهاب حاضنة شعبية في تونس»، ويستدل على ذلك بتجارب سابقة كشف فيها المدنيون في الجنوب التونسي الأسلحة المهرّبة من ليبيا والمسلحين المتسللين منها للجيش التونسي، ومشاركة هؤلاء المدنيين في إجهاض مخططات المسلحين، على غرار ما حصل في معركة مدينة بن قردان الحدودية التونسية - الليبية في مارس (آذار) 2016.

- تحديات اقتصادية
في هذه الأثناء، يُعرب عدد من الخبراء الاقتصاديين عن قلقهم من مزيد من خلط الأوراق اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في تونس بسبب اشتداد وتيرة الحرب في العاصمة طرابلس والمدن الغربية الحدودية لليبيا. ويعتقد الخبير الاقتصادي الطاهر خواجة، أن من بين أسباب تعطيل المشاريع التنموية في تونس منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 «اندلاع حرب طويلة في جارتها ليبيا... أدت إلى استنزاف مزيد من ثرواتها في التسلح والنفقات الأمنية والعسكرية».
ويكشف خبراء اقتصاديون تونسيون، عن أن ميزانيتي وزارتي الدفاع والداخلية في تونس تضاعفت 3 مرات بسبب المنعرج العسكري الأمني في ليبيا والتحديات الأمنية التي أفرزها استفحال الجريمة المنظمة والإرهاب والتهريب على حدود تونس مع ليبيا. ووفق الأكاديمي رضا الشكندالي، فإن حرب ليبيا «تسببت في فرار نحو مائة ألف عامل تونسي منها، وفي إفلاس عشرات الشركات التونسية التي كانت تستثمر فيها أو تصدر إليها، معظمها في قطاعات البنية الأساسية والبناء والصناعات الغذائية والملابس».
من جانبه، يقدر الخبير الليبي خالد الغويل خسائر الاقتصاد التونسي سنوياً منذ الإطاحة بحكم معمر القذافي عام 2011 بنحو 3 مليارات دولار أميركي، ورجح أن يرتفع حجم هذه الخسائر في حال استمر القتال.

- رُبَّ ضارة نافعة
وللعلم، فإن المؤشرات الاقتصادية تكشف، في الوقت نفسه، عن أن تطوّر الأوضاع السياسية والأمنية سلباً في ليبيا والجزائر له وجه آخر بالنسبة لتونس؛ إذ ارتفع عدد السيّاح الوافدين إلى تونس من البلدان المغاربية - وغالبيتهم الساحقة من الجزائر وليبيا – إلى مستوى غير مسبوق عام 2019 مناهزاً الـ5 ملايين وافد لأول مرة.
كذلك، تجاوز عدد السياح التونسيين الذين زاروا الجزائر عام 2019، لأول مرة، المليون بفضل تسهيل الإجراءات في المطارات والبوابات البرّية. ويستفيد السياح التونسيون في الجزائر وليبيا من انخفاض الأسعار نسبياً، بحكم الفارق الكبير في سعر صرف العملة، وتسامح السلطات التونسية والجزائرية والليبية نسبياً مع «تجارة الشنطة» في الاتجاهين، ومع المعاملات بالعملة المحلية... زمن الإحجام عن فرض رسوم على المنتجات المصنّعة في إحدى الدول المغاربية.
وحقاً، شهدت غالبية المدن الحدودية والمناطق السياحية التونسية والجزائرية خلال المدة الماضية مبادلات مكثفة وحركية وديناميكية خففتا من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تشكو منها الطبقات الشعبية والوسطى في تونس والجزائر، خاصة في المحافظات التونسية الفقيرة مثل القصرين، والكاف، وجندوبة، وقفصة، وتوزر.
هذا، وتدرك السلطات التونسية والجزائرية الصبغة الحيوية لتشجيع الحركة السياحية والتجارية الرسمية وغير الرسمية في الاتجاهين. ولذا؛ نوّه روني الطرابلسي، وزير السياحة التونسي، بخطة دعم السياحة مع الجزائر ومع كل الدول المغاربية، بينما أعلن الرئيس قيس سعيّد أن الجزائر ستكون أول دولة سيزورها، وبالفعل، بادر إلى الاتصال هاتفياً بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون فور إعلان النتائج الأولية للانتخابات الجزائرية. أيضاً، أرسل سعيّد رئيس أركان الجيش التونسي محمد صالح بالطيب والوزير مدير الديوان الرئاسي طارق بالطيب إلى الجزائر لحضور الجنازة الرسمية التي نظمت لرئيس أركان الجيش الجزائري السابق أحمد قائد صالح.

- الهموم الإقليمية
على صعيد سياسي متّصل، قد تخلط نتائج الانتخابات الجزائرية والمُستجدّات العسكرية والسياسية في ليبيا مزيداً من أوراق السياسيين والمسؤولين عن الدبلوماسية الرسمية والشعبية الإقليمية في تونس. فتونس تؤكد منذ اندلاع النزاع الصحراوي في 1975 على التزامها الحياد.
واللافت للانتباه، أن الرئيس الجزائري الجديد تبّون أدلى خلال مؤتمره الصحافي الأول بعد فوزه بتصريحات تؤكد تمسكه بـ«الموقف الجزائري التقليدي من نزاع الصحراء والخلاف الحدودي القديم مع المغرب». وطالب تبّون الرباط «بالاعتذار» عن القرار الذي اتخذه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني عام 1994 بغلق الحدود المغربية - الجزائرية بعد اتهام جزائريين بالضلوع في عملية إرهابية داخل مدينة مغربية.
ورغم مبادرة العاهل المغربي محمد السادس إلى تهنئة الرئيس الجزائري الجديد فور انتخابه، ودعوته مجدداً إلى فتح الحدود وطي صفحة الماضي، يتخوّف بعض الدبلوماسيين والجامعيين التونسيين مثل المؤرّخ عبد الجليل التميمي من استمرار النزاع حول الصحراء بين الرباط والجزائر.
التميمي يتخوّف من تسبب هذا المعطى في إحراج جديد لتونس التي خسرت الكثير منذ عام 1975 بسبب النزاع وتمسكها بالحياد. كذلك لا يستبعد التميمي أن يزيد الملف الصحراوي تعقيد الأوضاع في عموم المنطقة، ومواصلته «تجميد» الاتحاد المغاربي الذي أسس في مدينة مراكش (المغرب) في فبراير 1989، ويحرم مائة مليون من سكانه من فرص تحقيق اندماج اقتصادي اجتماعي يضمن له تحسين نسب النمو. والسؤال الذي يشغل الساسة في تونس هو هل سيواصل الرئيس الجزائري الجديد وفريقه سياسة القطيعة والتصعيد مع الرباط، أم ينفتح عليها بما يساهم في إعادة الحياة للتنسيق الاقتصادي والشراكة الاقتصادية بين الدول المغاربية؟

- التنافس الروسي - التركي - الأوروبي
من ناحية أخرى، استضافت تونس يوم 3 يناير الحالي وأواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي مؤتمرات مغلقة، رفيعة المستوى، شارك فيها مسؤولون عسكريون واقتصاديون وسياسيون أميركيون وأوروبيون وليبيون، بحضور بعثة الأمم المتحدة المعتمدة في ليبيا، وذلك بمقرها في تونس. وأسفرت الاجتماعات عن قرار بدعم سيناريو التسوية السياسية للأزمة الليبية ومعارضة تضخم الدور العسكري الروسي والتركي فيها.
إلا أن زيارة الرئيس التركي إردوغان إلى العاصمة التونسية خلال الشهر الماضي وإعلانه من قصر الرئاسة في قرطاج انحيازاً إلى «حكومة طرابلس» ضد خليفة حفتر أربكت معظم الساسة التونسيين، بمن فيهم قيادات حزب «حركة النهضة». ولقد أعلن رئيسه راشد الغنوشي أن حزبه «ضد الوقوف مع أحد طرفي الاقتتال»، وأن دوره «القيام بوساطات صلح لا غير».
في أي حال، الجدل في مقرات البعثات الدبلوماسية والأممية المعتمدة في ليبيا يدور هذه الأيام حول مضاعفات الاتفاق الأمني الحدودي البحري المُبرَم بين أنقرة و«حكومة طرابلس»، الذي يتوقع أن يؤثر في الجدل القوي داخل تونس وليبيا والجزائر، وكذلك في عدد من دول المنطقة، حول مستقبل التنافس الروسي والتركي والأوروبي في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه.

- أسلحة روسية
عنصر آخر أثار مزيداً من الجدل في الأيام الماضية هو إعلان الجزائر، أنها اشترت مقاتلات روسية متطورة جديدة بينها طائرات «سوخوي 57». وكشفت الجزائر عن أن الصفقة أبرمها وفد عسكري جزائري كبير على هامش زيارة أداها قائد أركان جيش الجو الجزائري اللواء حميد بومعيزه إلى موسكو، خلال الصيف الماضي، في نطاق فعاليات معرض «ماكس» الدولي للصناعات الجوية العسكرية. وبالتالي، باتت الجزائر أول دولة عربية تشتري هذا النوع من المقاتلات الروسية التي تعدّ أبرز منافس للطائرة الأميركية «إف 35».
ومن ثم، بحكم اعتماد قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير حفتر، أساساً، على أسلحة روسية وصينية، فإن فرضية إرسال أسلحة ومقاتلات تركية متطوّرة إلى سلطات طرابلس قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتكريس «تدويل» الحرب الليبية والتنافس الأوروبي – الروسي - التركي على ثروات البحر الأبيض المتوسط والمواقع الاستراتيجية.
وهنا أيضاً، تجد تونس نفسها مرة أخرى ممزقة بين خياراتها السياسية السلمية وأجندات «الكبار» الذين يشجعون حروب الاستنزاف ويتصارعون على ثروات الدول الغنية المجاورة لها.

- أرقام قياسية في عدد السياح الجزائريين والليبيين
كشف وزير السياحة التونسي روني الطرابلسي، عن أن تحسّن الأوضاع الأمنية، ونجاح الانتخابات التونسية، وجهود موظفي الدولة والقطاع الخاص، عناصر أسهمت في تحقيق أرقام قياسية لعدد زوار تونس من السياح في 2019؛ إذ ناهز الرقم النهائي 9 ملايين ونصف المليون، أكثر من نصفهم من الجزائر وليبيا، وبينهم عشرات الآلاف من المغرب وموريتانيا أو من أصول عربية شرقية.
وأورد وزير السياحة التونسي، خلال مؤتمر صحافي عقده قبل أيام لتقييم نتائج عمل وزارته ما بين 2016 و2019، أن عدد السياح حقق زيادة بأكثر من مليون ما بين عامي 2018 و2019، وفسّر ذلك بتراكم الجهود التي بذلها الديوان الوطني للسياحة والصناعات التقليدية ومصالح الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام وشركات الأسفار والخدمات والسياحة الوطنية.
وبيّن الطرابلسي، أن السوق الفرنسية ارتفعت بنسبة 14 في المائة ليتجاوز عدد السياح الفرنسيين 850 ألف سائح، كذلك انتعشت السوق البريطانية التي تطوّرت بنسبة 70 في المائة ليبلغ عدد السياح البريطانيين نحو 201 ألف سائح. وسجلت السوق الإيطالية ارتفاعاً، كذلك، بنسبة تجاوزت الـ21 في المائة، في حين سجّلت السوق الروسية زيادة بنسبـة ناهزت 6 في المائة وسجّلت توافد ما يزيد على 632 ألف سائح إلى غاية 10 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
من ناحية ثانية، خارج إطار السياح من الدول الأوروبية، أعلن الطرابلسي، أن عدد الوافدين من الصين إلى تونس للسياحة تضاعف 5 مرات ونصف المرة منذ عام 2010، وتجاوز 28 ألف سائح في 2019 مقابل 5175 سائح في 2010، وارتفع عدد الليالي المقضاة بالفنادق بنسبة 11.3 في المائة مقارنة بـ2018 وناهزت الـ29 مليون ليلة.
وبيّن الوزير، أن وزارة السياحة والصناعات التقليدية بادرت ما بين 2016 و2019 إلى استحداث «أنماط جديدة للإيواء السياحي على غرار الإقامات الريفية والاستضافات العائلية والنزل ذات الطابع المميز، وكذلك بعث مراكز التنشيط والمتنزهات السياحية». وكشف عن أن وزارة السياحة واصلت دعمها المناطق السياحية عبر ضخ 12 مليون دينار تونسي (نحو 4 مليارات دولار أميركي) لفائدة 44 بلدية سياحية.
أيضاً، جرى إدراج بلديات متاخمة لليبيا والسوق السياحية في الجنوب التونسي ضمن القائمة، منها بلديات جرجيس الشمالية وتطاوين الجنوبية، في قائمة البلديات السياحية في ظل توقع توسيع هذه القائمة. وعملت الوزارة على استقطاب علامات تجارية كبرى في مجال السياحة والفندقة على غرار «فور سيزونز» بضاحية قمرت (شمالي العاصمة تونس) باستثمارات مقدارها 234 مليون دينار (80 مليون دولار)، وأخيراً «إناتنرا» في توزر على الحدود الجزائرية التونسية جنوباً، الذي بلغت كلفة إنجازه نحو 150 مليون دينار تونسي (نحو 50 مليون دولار).
وفي الاتجاه نفسه، توقع الوزير الانطلاق خلال الأشهر الأولى من 2020 في إنجاز مركّب سياحي آخر بمنطقة قمرت قرب العاصمة بقيمة استثمار قدرت بنحو 250 مليون دولار. ويهدف هذا المشروع إلى إحداث نحو 1500 فرصة عمل إضافية، وذلك على امتداد 3 سنوات.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.