انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

وسط مخاوف من تداعيات التنافس الأوروبي - الروسي - التركي في المتوسط

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس
TT

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

انتخابات الجزائر وحرب ليبيا تربكان الأوضاع في تونس

استقبلت تونس العام الجديد في مناخ تصعيد سياسي وعسكري كبير في «جارتها» الجنوبية الشرقية ليبيا، وتغيير شامل في «جارتها» الغربية الجزائر، بعد تنصيب الرئيس المنتخب عبد المجيد تبّون، الذي أعلن أن بلده سيلعب مستقبلاً دوراً حاسماً في الملف الليبي «أحب مَن أحب وكره من كره». فكيف ستنعكس المتغيرات الإقليمية عامة، وفي ليبيا والجزائر خاصة، على تونس التي يعيش أكثر من نصف شعبها على المبادلات الرسمية وغير الرسمية مع ليبيا والجزائر وعلى السياحة العربية والمغاربية؟ وكيف ستتأثر تونس بالتحركات الإقليمية والدولية المساندة لأحد أطراف الاقتتال في ليبيا بعد الاتفاق الأمني والبحري بين أنقرة و«حكومة الإنقاذ» في طرابلس؟ وما هي مضاعفات زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العاصمة التونسية؟ وأخيراً، ما هو مصير جهود الوساطة التونسية في ليبيا بقيادة الرئيس التونسي قيس سعيّد وزعماء «مجلس القبائل الليبية» بعد تشكيل الحكومة الجزائرية الجديدة بقيادة عبد العزيز جرّاد، التي احتفظ فيها وزير الخارجية صبري بوقادوم وعدد من رموز الحكم السابق بمناصبهم؟

تدعم السلطات المنتخبة أخيراً في تونس والجزائر موقف البلدين القديم المساند لـ«الحياد» و«التسوية السياسية» للأزمة الليبية مع معارضة «كل أنواع التدخل العسكري الأجنبي» في ليبيا.
إلا أن وجود أكثر من ثلاثة أرباع سكان ليبيا في المنطقة الغربية المتاخمة لحدودها مع تونس والجزائر دفع حكومتي البلدين إلى الانحياز عملياً إلى «سلطة» طرابلس منذ تفجّر النزاع المسلح مطلع 2014، بل، وبصورة خاصة، منذ تشكيل «حكومة الوفاق» (التي يرأسها فايز السراج) التي تعترف بها الأمم المتحدة تطبيقاً للاتفاق الأممي الموقّع في الصخيرات بالمغرب عام 2015.
ولقد تعاقبت مبادرات الوساطة التونسية والتونسية – الجزائرية - المصرية ضمن هذا المسار؛ ما تسبب في اندلاع أزمات داخل أوساط صنّاع القرار السياسي والنخب وتبادل الاتهامات بـ«الانحياز والاصطفاف وراء أحد أطراف النزاع... وتهديد مصالح الشعب والبلاد». ويقود منتقدي «الأطراف المنحازة للمحور التركي - القطري» يساريون من «الجبهة الشعبية» ومن حزب الشعب القومي العربي وقياديون في اتحاد نقابات العمال.
إلا أن ثمة مَن يتساءل عن أي مدى ستحافظ القيادة الجزائرية الجديدة على توجهات السياسة الخارجية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحكوماته. وإلى أي حد ستلتزم الرئاسة التونسية في عهد قيس سعيّد ودبلوماسية الحكومة التي أفرزتها الانتخابات الجديدة بـ«الحياد» و«ثوابت الدبلوماسية التقليدية» المعتمدة منذ عهدي الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة (1956 - 1987) ثم في عهدي الرئيس زين العابدين بن علي (1987 - 2011) وصولاً إلى عهد الرئيس الباجي قائد السبسي (2015 - 2019).
أيضاً، يحذّر عدد من كبار الدبلوماسيين التونسيين، بينهم وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس، من احتمال اندفاع الدبلوماسية التونسية نحو مرحلة «المغامرات» و«الانحياز لقوى الثورة» - بما قد يذكّر ببعض المواقف الصادرة في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، وسط انتقادات إلى تصريحات الرئيس قيس سعيّد وعدد من المقرّبين منه.

- فرار المهرّبين والإرهابيين
إلا أن دبلوماسيين وسياسيين من الفريق المقابل، مثل السفير محمود بالسرور والعميد المتقاعد هشام المؤدب، يتهمون خصومهم بالتخاذل عن «دعم غالبية الشعب الليبي» المتضرّرة من «حرب عالمية بالوكالة تجري على أرض ليبيا منذ فبراير (شباط) 2011 بمشاركة غالبية دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وحلفائها في المنطقة»... على حد تعبيرهم.
لكن، في كل الحالات يحذر خبراء أمنيون وعسكريون، بينهم أمير اللواء المتقاعد والمدير العام السابق للأمن العسكري وللديوانة محمد المؤدب، من التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الخطيرة التي تواجه تونس بسبب تصعيد الحرب في ليبيا منذ بدء هجوم قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس قبل 9 أشهر.
من جهة ثانية، بينما يحذّر عدد من الخبراء في الدراسات الأمنية، بينهم الجامعي عليّة العلاّني، من خطر فرار مجموعات من المسلحين والمدنيين الليبيين والمتهمين بالإرهاب العرب نحو تونس والجزائر وتأسيسهم «خلايا نائمة للإرهاب» داخلها، يقلل المهدي ثابت، الخبير التونسي في الشؤون الليبية، من هذا الخطر. إذ يقول ثابت «ليس للإرهاب حاضنة شعبية في تونس»، ويستدل على ذلك بتجارب سابقة كشف فيها المدنيون في الجنوب التونسي الأسلحة المهرّبة من ليبيا والمسلحين المتسللين منها للجيش التونسي، ومشاركة هؤلاء المدنيين في إجهاض مخططات المسلحين، على غرار ما حصل في معركة مدينة بن قردان الحدودية التونسية - الليبية في مارس (آذار) 2016.

- تحديات اقتصادية
في هذه الأثناء، يُعرب عدد من الخبراء الاقتصاديين عن قلقهم من مزيد من خلط الأوراق اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في تونس بسبب اشتداد وتيرة الحرب في العاصمة طرابلس والمدن الغربية الحدودية لليبيا. ويعتقد الخبير الاقتصادي الطاهر خواجة، أن من بين أسباب تعطيل المشاريع التنموية في تونس منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 «اندلاع حرب طويلة في جارتها ليبيا... أدت إلى استنزاف مزيد من ثرواتها في التسلح والنفقات الأمنية والعسكرية».
ويكشف خبراء اقتصاديون تونسيون، عن أن ميزانيتي وزارتي الدفاع والداخلية في تونس تضاعفت 3 مرات بسبب المنعرج العسكري الأمني في ليبيا والتحديات الأمنية التي أفرزها استفحال الجريمة المنظمة والإرهاب والتهريب على حدود تونس مع ليبيا. ووفق الأكاديمي رضا الشكندالي، فإن حرب ليبيا «تسببت في فرار نحو مائة ألف عامل تونسي منها، وفي إفلاس عشرات الشركات التونسية التي كانت تستثمر فيها أو تصدر إليها، معظمها في قطاعات البنية الأساسية والبناء والصناعات الغذائية والملابس».
من جانبه، يقدر الخبير الليبي خالد الغويل خسائر الاقتصاد التونسي سنوياً منذ الإطاحة بحكم معمر القذافي عام 2011 بنحو 3 مليارات دولار أميركي، ورجح أن يرتفع حجم هذه الخسائر في حال استمر القتال.

- رُبَّ ضارة نافعة
وللعلم، فإن المؤشرات الاقتصادية تكشف، في الوقت نفسه، عن أن تطوّر الأوضاع السياسية والأمنية سلباً في ليبيا والجزائر له وجه آخر بالنسبة لتونس؛ إذ ارتفع عدد السيّاح الوافدين إلى تونس من البلدان المغاربية - وغالبيتهم الساحقة من الجزائر وليبيا – إلى مستوى غير مسبوق عام 2019 مناهزاً الـ5 ملايين وافد لأول مرة.
كذلك، تجاوز عدد السياح التونسيين الذين زاروا الجزائر عام 2019، لأول مرة، المليون بفضل تسهيل الإجراءات في المطارات والبوابات البرّية. ويستفيد السياح التونسيون في الجزائر وليبيا من انخفاض الأسعار نسبياً، بحكم الفارق الكبير في سعر صرف العملة، وتسامح السلطات التونسية والجزائرية والليبية نسبياً مع «تجارة الشنطة» في الاتجاهين، ومع المعاملات بالعملة المحلية... زمن الإحجام عن فرض رسوم على المنتجات المصنّعة في إحدى الدول المغاربية.
وحقاً، شهدت غالبية المدن الحدودية والمناطق السياحية التونسية والجزائرية خلال المدة الماضية مبادلات مكثفة وحركية وديناميكية خففتا من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تشكو منها الطبقات الشعبية والوسطى في تونس والجزائر، خاصة في المحافظات التونسية الفقيرة مثل القصرين، والكاف، وجندوبة، وقفصة، وتوزر.
هذا، وتدرك السلطات التونسية والجزائرية الصبغة الحيوية لتشجيع الحركة السياحية والتجارية الرسمية وغير الرسمية في الاتجاهين. ولذا؛ نوّه روني الطرابلسي، وزير السياحة التونسي، بخطة دعم السياحة مع الجزائر ومع كل الدول المغاربية، بينما أعلن الرئيس قيس سعيّد أن الجزائر ستكون أول دولة سيزورها، وبالفعل، بادر إلى الاتصال هاتفياً بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون فور إعلان النتائج الأولية للانتخابات الجزائرية. أيضاً، أرسل سعيّد رئيس أركان الجيش التونسي محمد صالح بالطيب والوزير مدير الديوان الرئاسي طارق بالطيب إلى الجزائر لحضور الجنازة الرسمية التي نظمت لرئيس أركان الجيش الجزائري السابق أحمد قائد صالح.

- الهموم الإقليمية
على صعيد سياسي متّصل، قد تخلط نتائج الانتخابات الجزائرية والمُستجدّات العسكرية والسياسية في ليبيا مزيداً من أوراق السياسيين والمسؤولين عن الدبلوماسية الرسمية والشعبية الإقليمية في تونس. فتونس تؤكد منذ اندلاع النزاع الصحراوي في 1975 على التزامها الحياد.
واللافت للانتباه، أن الرئيس الجزائري الجديد تبّون أدلى خلال مؤتمره الصحافي الأول بعد فوزه بتصريحات تؤكد تمسكه بـ«الموقف الجزائري التقليدي من نزاع الصحراء والخلاف الحدودي القديم مع المغرب». وطالب تبّون الرباط «بالاعتذار» عن القرار الذي اتخذه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني عام 1994 بغلق الحدود المغربية - الجزائرية بعد اتهام جزائريين بالضلوع في عملية إرهابية داخل مدينة مغربية.
ورغم مبادرة العاهل المغربي محمد السادس إلى تهنئة الرئيس الجزائري الجديد فور انتخابه، ودعوته مجدداً إلى فتح الحدود وطي صفحة الماضي، يتخوّف بعض الدبلوماسيين والجامعيين التونسيين مثل المؤرّخ عبد الجليل التميمي من استمرار النزاع حول الصحراء بين الرباط والجزائر.
التميمي يتخوّف من تسبب هذا المعطى في إحراج جديد لتونس التي خسرت الكثير منذ عام 1975 بسبب النزاع وتمسكها بالحياد. كذلك لا يستبعد التميمي أن يزيد الملف الصحراوي تعقيد الأوضاع في عموم المنطقة، ومواصلته «تجميد» الاتحاد المغاربي الذي أسس في مدينة مراكش (المغرب) في فبراير 1989، ويحرم مائة مليون من سكانه من فرص تحقيق اندماج اقتصادي اجتماعي يضمن له تحسين نسب النمو. والسؤال الذي يشغل الساسة في تونس هو هل سيواصل الرئيس الجزائري الجديد وفريقه سياسة القطيعة والتصعيد مع الرباط، أم ينفتح عليها بما يساهم في إعادة الحياة للتنسيق الاقتصادي والشراكة الاقتصادية بين الدول المغاربية؟

- التنافس الروسي - التركي - الأوروبي
من ناحية أخرى، استضافت تونس يوم 3 يناير الحالي وأواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي مؤتمرات مغلقة، رفيعة المستوى، شارك فيها مسؤولون عسكريون واقتصاديون وسياسيون أميركيون وأوروبيون وليبيون، بحضور بعثة الأمم المتحدة المعتمدة في ليبيا، وذلك بمقرها في تونس. وأسفرت الاجتماعات عن قرار بدعم سيناريو التسوية السياسية للأزمة الليبية ومعارضة تضخم الدور العسكري الروسي والتركي فيها.
إلا أن زيارة الرئيس التركي إردوغان إلى العاصمة التونسية خلال الشهر الماضي وإعلانه من قصر الرئاسة في قرطاج انحيازاً إلى «حكومة طرابلس» ضد خليفة حفتر أربكت معظم الساسة التونسيين، بمن فيهم قيادات حزب «حركة النهضة». ولقد أعلن رئيسه راشد الغنوشي أن حزبه «ضد الوقوف مع أحد طرفي الاقتتال»، وأن دوره «القيام بوساطات صلح لا غير».
في أي حال، الجدل في مقرات البعثات الدبلوماسية والأممية المعتمدة في ليبيا يدور هذه الأيام حول مضاعفات الاتفاق الأمني الحدودي البحري المُبرَم بين أنقرة و«حكومة طرابلس»، الذي يتوقع أن يؤثر في الجدل القوي داخل تونس وليبيا والجزائر، وكذلك في عدد من دول المنطقة، حول مستقبل التنافس الروسي والتركي والأوروبي في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه.

- أسلحة روسية
عنصر آخر أثار مزيداً من الجدل في الأيام الماضية هو إعلان الجزائر، أنها اشترت مقاتلات روسية متطورة جديدة بينها طائرات «سوخوي 57». وكشفت الجزائر عن أن الصفقة أبرمها وفد عسكري جزائري كبير على هامش زيارة أداها قائد أركان جيش الجو الجزائري اللواء حميد بومعيزه إلى موسكو، خلال الصيف الماضي، في نطاق فعاليات معرض «ماكس» الدولي للصناعات الجوية العسكرية. وبالتالي، باتت الجزائر أول دولة عربية تشتري هذا النوع من المقاتلات الروسية التي تعدّ أبرز منافس للطائرة الأميركية «إف 35».
ومن ثم، بحكم اعتماد قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير حفتر، أساساً، على أسلحة روسية وصينية، فإن فرضية إرسال أسلحة ومقاتلات تركية متطوّرة إلى سلطات طرابلس قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتكريس «تدويل» الحرب الليبية والتنافس الأوروبي – الروسي - التركي على ثروات البحر الأبيض المتوسط والمواقع الاستراتيجية.
وهنا أيضاً، تجد تونس نفسها مرة أخرى ممزقة بين خياراتها السياسية السلمية وأجندات «الكبار» الذين يشجعون حروب الاستنزاف ويتصارعون على ثروات الدول الغنية المجاورة لها.

- أرقام قياسية في عدد السياح الجزائريين والليبيين
كشف وزير السياحة التونسي روني الطرابلسي، عن أن تحسّن الأوضاع الأمنية، ونجاح الانتخابات التونسية، وجهود موظفي الدولة والقطاع الخاص، عناصر أسهمت في تحقيق أرقام قياسية لعدد زوار تونس من السياح في 2019؛ إذ ناهز الرقم النهائي 9 ملايين ونصف المليون، أكثر من نصفهم من الجزائر وليبيا، وبينهم عشرات الآلاف من المغرب وموريتانيا أو من أصول عربية شرقية.
وأورد وزير السياحة التونسي، خلال مؤتمر صحافي عقده قبل أيام لتقييم نتائج عمل وزارته ما بين 2016 و2019، أن عدد السياح حقق زيادة بأكثر من مليون ما بين عامي 2018 و2019، وفسّر ذلك بتراكم الجهود التي بذلها الديوان الوطني للسياحة والصناعات التقليدية ومصالح الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام وشركات الأسفار والخدمات والسياحة الوطنية.
وبيّن الطرابلسي، أن السوق الفرنسية ارتفعت بنسبة 14 في المائة ليتجاوز عدد السياح الفرنسيين 850 ألف سائح، كذلك انتعشت السوق البريطانية التي تطوّرت بنسبة 70 في المائة ليبلغ عدد السياح البريطانيين نحو 201 ألف سائح. وسجلت السوق الإيطالية ارتفاعاً، كذلك، بنسبة تجاوزت الـ21 في المائة، في حين سجّلت السوق الروسية زيادة بنسبـة ناهزت 6 في المائة وسجّلت توافد ما يزيد على 632 ألف سائح إلى غاية 10 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
من ناحية ثانية، خارج إطار السياح من الدول الأوروبية، أعلن الطرابلسي، أن عدد الوافدين من الصين إلى تونس للسياحة تضاعف 5 مرات ونصف المرة منذ عام 2010، وتجاوز 28 ألف سائح في 2019 مقابل 5175 سائح في 2010، وارتفع عدد الليالي المقضاة بالفنادق بنسبة 11.3 في المائة مقارنة بـ2018 وناهزت الـ29 مليون ليلة.
وبيّن الوزير، أن وزارة السياحة والصناعات التقليدية بادرت ما بين 2016 و2019 إلى استحداث «أنماط جديدة للإيواء السياحي على غرار الإقامات الريفية والاستضافات العائلية والنزل ذات الطابع المميز، وكذلك بعث مراكز التنشيط والمتنزهات السياحية». وكشف عن أن وزارة السياحة واصلت دعمها المناطق السياحية عبر ضخ 12 مليون دينار تونسي (نحو 4 مليارات دولار أميركي) لفائدة 44 بلدية سياحية.
أيضاً، جرى إدراج بلديات متاخمة لليبيا والسوق السياحية في الجنوب التونسي ضمن القائمة، منها بلديات جرجيس الشمالية وتطاوين الجنوبية، في قائمة البلديات السياحية في ظل توقع توسيع هذه القائمة. وعملت الوزارة على استقطاب علامات تجارية كبرى في مجال السياحة والفندقة على غرار «فور سيزونز» بضاحية قمرت (شمالي العاصمة تونس) باستثمارات مقدارها 234 مليون دينار (80 مليون دولار)، وأخيراً «إناتنرا» في توزر على الحدود الجزائرية التونسية جنوباً، الذي بلغت كلفة إنجازه نحو 150 مليون دينار تونسي (نحو 50 مليون دولار).
وفي الاتجاه نفسه، توقع الوزير الانطلاق خلال الأشهر الأولى من 2020 في إنجاز مركّب سياحي آخر بمنطقة قمرت قرب العاصمة بقيمة استثمار قدرت بنحو 250 مليون دولار. ويهدف هذا المشروع إلى إحداث نحو 1500 فرصة عمل إضافية، وذلك على امتداد 3 سنوات.


مقالات ذات صلة

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

حصاد الأسبوع خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية.

نظير مجلي (تل أبيب)
حصاد الأسبوع برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار،

راغدة بهنام (يرلين)
حصاد الأسبوع قاليباف (آ ف ب)

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي

«الشرق الأوسط» ( برلين)
حصاد الأسبوع اجتماعات ومشاورات بلا ثمار حتى الآن (البعثة الأممية لليبيا)

ليبيا بين «تصلّب الساسة» و«خريطة أممية» لم تُثمر بعد

تبدو الأزمة الليبية وكأنها تدور منذ سنوات داخل حلقة مفرغة؛ انسداد سياسي يتجدد مع كل مبادرة، وتسويات مؤقتة لا تلبث أن تعيد إنتاج الانقسام نفسه، في وقت تبدو فيه

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع لقطة من إنتخابات 2014  (أ.ف.ب)

قوانين الانتخابات «عقدة مستعصية» أطالت المرحلة الانتقالية في ليبيا

ظلت الانتخابات التشريعية والرئاسية تُطرح في ليبيا بوصفها المخرج الأهم لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، غير أن القوانين المنظّمة لها تحوّلت مع مرور الوقت إلى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.