السودان يعلن انتهاء التمرد... والجيش يسيطر... واستقالة رئيس المخابرات

تشكيل لجنة تحقيق في الحادث... والبرهان يتعهد عدم السماح بتكرار ما حدث

مقر المخابرات العامة السودانية في حي الرياض بالخرطوم الذي شهد معارك أمس (إ.ب.أ)
مقر المخابرات العامة السودانية في حي الرياض بالخرطوم الذي شهد معارك أمس (إ.ب.أ)
TT

السودان يعلن انتهاء التمرد... والجيش يسيطر... واستقالة رئيس المخابرات

مقر المخابرات العامة السودانية في حي الرياض بالخرطوم الذي شهد معارك أمس (إ.ب.أ)
مقر المخابرات العامة السودانية في حي الرياض بالخرطوم الذي شهد معارك أمس (إ.ب.أ)

استعادت الخرطوم وعدد من المدن السودانية، الهدوء، أمس، بعد يوم طويل أثار الرعب في نفوس الموطنين، إثر تمردٍ، قادته مجموعة من قوات هيئة العمليات، التابعة لجهاز الأمن والمخابرات، أسسها النظام السابق.
وسيطرت القوات المسلحة السودانية على جميع المرافق التي كانت القوات المتمردة استولت عليها، من بينها حقول النفط الخام غربي البلاد، ومقار جهاز الأمن بالخرطوم والأبيض (غرب).
وأكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الحاكم، عبد الفتاح البرهان، أن القوات المسلحة تسيطر الآن على الأوضاع، كاشفاً عن استقالة تقدم بها رئيس المخابرات أبو بكر حسن مصطفى دمبلاب، عبر اتصال هاتفي أجراه معه، لكنه طلب منه تقديم الاستقالة مكتوبة، حتى يمكن النظر فيها.
وكان نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو، المشهور بحميدتي، اتهم دمبلاب بالتقصير، في حسم تفلتات أفراد تلك القوات، وحمّله مسؤولية الأحداث التي حبست أنفاس السودانيين طيلة يوم الثلاثاء، أول من أمس.
وأكد البرهان تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث، برئاسة فريق من الجيش، لكشف ملابسات الحادث، وأن المساءلات ستطال جميع الأفراد الذين تورطوا في الأحداث.
وقال البرهان، في حديث بثه التلفزيون السوداني: «بعد انتهاء العملية تسلمنا 45 مدرعة، وأسلحة مضادة للطائرات، و80 عربة مسلحة في المقار الأمنية التي كانت تتحصن فيها القوات المتمردة».
وأكد البرهان أن القوات المسلحة ليست لها أطماع في السلطة، وتعمل على نجاح الفترة الانتقالية، إلى حين إجراء انتخابات يختار فيها الشعب السوداني من يحكمه.
وقام العشرات من قوات هيئة العمليات بجهاز الأمن، يوم أول من أمس (الثلاثاء)، بالتمرد في عدد من أحياء العاصمة الخرطوم وبعض الولايات. وقاموا بإغلاق بعض الشوارع، وأطلقوا الذخيرة الحية في الهواء، ما تسبب في حالة من الذعر والهلع وسط المواطنين، وأغلقت السلطات مطار الخرطوم لعدة ساعات. كما قامت هذه القوات بالاستيلاء على حقلي «سيفان وحديدة» بولاية غرب كردفان، وأوقفت عمليات الضخ وقطعت التيار الكهربائي. وأعلن الجيش السوداني، فجر أمس، انجلاء الأزمة، بعد اشتباكات مع الوحدات المتمردة، أسفرت عن مقتل وإصابة 7 عسكريين من الجانبين، وتسلم جميع المقرات التي كانت تتحصن فيها القوات.
وكانت هيئة العمليات قد تم تشكيلها في العام 2005 بإشراف المدير العام السابق صلاح عبد الله قوش، وقوامها 13 ألفاً من الضباط والجنود، ولديها ترسانة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كما أنها تلقت تدريبات عالية، وتنتشر في مواقع مختلفة في العاصمة ومدن الولايات، وشاركت في العمليات العسكرية ضد الحركات المسلحة، ولكنها متهمة بقمع وقتل المتظاهرين في الثورة التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2018. وتم تسريح هذه القوات في وقت سابق، وتم تخييرهم بين الانضمام إلى القوات المسلحة والدعم السريع أو الشرطة، أو إخلاء سبيلهم.
وقال البرهان إن 8 آلاف منهم تم تسريحهم، وترك الخيار لمن تبقى منهم في الانضمام للقوات النظامية.
وقال البرهان رداً على سؤال حول مسؤولية قوش عن الأحداث: «إن رئيس جهاز الأمن السابق، صلاح قوش، هو من أسس هذه القوات، وكان يشرف عليها بنفسه، وتعتبر قوة خاصة به، وبالتالي فإن أي تصرفات تصدر عن هذه القوات هي بالضرورة بأمر من قوش».
وكشف عن تكوين غرفة عمليات لمتابعة الأحداث، بمشاركة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقادة «قوى إعلان الحرية والتغيير»، وعدد من القادة العسكريين، حتى انتهاء العملية.
وفي إجابة عن سؤال عما حدث في اللحظات الأولى للتمرد، قال: «أمهلناهم عدة ساعات لتسليم أنفسهم وسلاحهم، وأبلغناهم أن القوات ستقتحم المقرات. ونفذنا خطة التدخل، بعد أن رفضوا الاستجابة لنا». وأضاف: «استخدمنا أقل قوة ممكنة لتجنب وقوع خسائر بشرية كبيرة»؛ حيث تقع بعض مقرات القوات المتمردة داخل الأحياء السكنية.
وتابع البرهان: «في معسكر سوبا جنوب الخرطوم، استخدمت القوات المتمردة المدرعات ضد مواجهة القوات النظامية، احتسبنا شهيدين و5 جرحى، وبعض القذائف أصابت المناطق السكنية المحيطة وأدت إلى وقوع وفيات».
وحول مطالب المتمردين، قال إنهم لم يطالبوا بشيء محدد ولم يرفعوا لنا أي مذكرات مطلبية، وإن استحقاقاتهم «بعد نهاية الخدمة بعد تسريح هذه القوات» تمت وفقاً للوائح والقوانين.
وقال البرهان إن التمرد بدأ من مدينة الأبيض في ولاية كردفان، بعد لحظات من تسلمهم مستحقاتهم، مشيراً إلى أن عناصر القوة المتمردة قاموا باعتقال القوة التي كانت تنفذ مهمة تسليمهم المستحقات. وأوضح أن عناصر هذه القوة المتمردة، تم تسريحهم جميعاً، ولا يوجد أحد منهم داخل المعسكرات، «والتحقيق سيكشف من الذي يقف وراء هذا التمرد».
وقال البرهان: «هذه الأحداث فتحت بصيرتنا على وجود المعسكرات داخل الأحياء السكنية، وستوضع مقرات هيئة العمليات تحت إمرة القوات المسلحة، وإخراج القوات العسكرية من المدن»، ولم يستبعد أن تكون هنالك بعض الجهات تحضر لأعمال تخريبية في البلاد، مشيراً إلى ضبط القوات النظامية قبيل شهرين 6 حاويات، بداخل كل واحدة منها 500 بندقية، كانت موزعة في العاصمة الخرطوم.
وأشار البرهان إلى أن القوات المسلحة ستتولى تأمين حقول النفط التي كانت تقوم بحراستها قوات هيئة العمليات بجهاز الأمن.
وبشأن هيكلة جهاز الأمن، قال رئيس مجلس السيادة إن الجهاز مؤسسة وطنية، يقوم بمهام كبيرة في الحفاظ على الأمن القومي، وسنعمل على استيعاب عناصر لتجديد الدماء، وكل من يثبت أن له ولاء لجهة ما سيتم الاستغناء عنه. وأشار إلى أن الوثيقة الدستورية نصت على أن تكون مهام جهاز الأمن جمع المعلومات وتحليلها ورفعها إلى المسؤولين، ولن تكون هنالك قوات تابعة للأمن مسلحة.
ونفى البرهان وجود أي معلومات لمشاركة قوات الدفاع الشعبي، التي أسسها النظام المعزول، في أحداث تمرد قوات هيئة العمليات. وأشار إلى سحب جميع أسلحة الدفاع الشعبي وإدخالها مخازن القوات المسلحة.
وقال رئيس مجلس السيادة: «طلبنا من الأجهزة العدلية سن قانون لضبط المسيرات السلمية، سيصدر الأسبوع المقبل، وعلى الجهات الأمنية المختصة التصديق أو الرفض، وفق ما يقتضيه حفظ الأـمن في البلاد». وأضاف أن المكون العسكري منذ بدء التفاوض مع «قوى إعلان الحرية والتغيير» يسعى إلى شراكة متينة للعبور بالبلاد. وحيّا البرهان الشعب السوداني وشبابه الذي قاد الحراك، وقال: «نطلب من المدنيين في كل المناطق الخطرة ترك الأمر للجهات المختصة، وهي لن تخون الشعب ولا الثورة». وقال البرهان إن القوات المسلحة والشعب السوداني في خندق واحد. وأضاف: «لدينا شرعية قائمة وملتزمون بعهدنا للشعب السوداني وليست للقوات المسلحة أي أطماع للاستياء على السلطة، وما نسعى إليه هو الوصول إلى الانتخابات في موعدها بعد 3 سنوات».
وقطع البرهان بعدم السماح بتكرار مثل هذه الأحداث أو الانقلاب على الحكومة الانتقالية، وقال: «الجيش سيطر على مقرات المخابرات، وأعيد فتح المجال الجوي» الذي أغلق لقرب إحدى مناطق التمرد من مطار الخرطوم الدولي.
البرهان، واستكمالاً للتحذير من مخاطر محتملة، حذر المواطنين ودعاهم لأخذ الحيطة والحذر، وتبليغ الشرطة على الفور حال حدوث أي تعديات على الأرواح أو الأموال، وناشد «لجان الأحياء» لتنظيم دوريات لحماية ومراقبة مناطقهم، مع التنسيق والتعاون مع الشرطة وقوات الجيش.
بدوره، أكد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على أن شراكة العسكريين والمدنيين في حكومته، تقدم «نموذجاً سودانياً» يتقدم نحو بناء تجربة راسخة وقوية تفيد الإقليم ودول العالم، وأشاد بالقوات المسلحة و«قوات الدعم السريع» على دورها في إجهاض ما أطلق عليه «الفتنة» التي شهدها السودان، وتصديهم لمتمردي هيئة العمليات، وقطع الطريق أمام الفتنة التي قصد منها قطع الطريق أمام تطور الشعب والحيلولة دون الانتقال لبناء ديمقراطية راسخة.
وكان وزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة، فيصل محمد صالح، قد أعلن في بيان أن قوات هيئة العمليات «نفذت تمرداً مسلحاً» بعد قرار تسريحها، كاشفاً توصيفاً رسمياً لطبيعة الأحداث وإطلاق النيران الكثيف.
وقال إن بعض وحدات هيئة العمليات نفذت تمرداً مسلحاً، ونصبت المتاريس في الشوارع وأطلقت الرصاص في الهواء، في أحياء كافوري، وسوبا، والمقر الرئيسي لهيئة العمليات شرق مطار الخرطوم الدولي.
لقد سكتت أصوات البنادق في الخرطوم، لكن الشارع السوداني ما زال «مذهولاً»، رغم أن دوي القذائف صار مألوفاً في العاصمة الخرطوم، بعد أن كان محصورا في مناطق الحروب في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وقبلها جنوب السودان.
لكن كثيرين ما زالوا يضعون أياديهم على قلوبهم حذر تجدد أحداث مشابهة، قد توفرها أجواء عدم الاستقرار، للانقلاب على ثورتهم التي دفعوا من أجلها ثمناً باهظاً من الدماء والأرواح.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.