عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

وحيد الطويلة يكشف عن أقنعته في «جنازة جديدة لعماد حمدي»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

هناك دائماً جلادون يعبثون في فراغ المشهد من أجل أن يظل محكوماً ومنضبطاً على أمن النظام، أو على الأقل أمنهم الخاص، حتى وهم يصارعون أنفاسهم الأخيرة في الحياة... مشهد يتجدد بقوة في رواية وحيد الطويلة «جنازة جديدة لعماد حمدي»، الصادرة حديثاً عن دار الشروق بالقاهرة، وهو مشهد ليس ببعيد عن مشهد الختام في روايته السابقة «حذاء فلليني»، حيث يتدخل المخرج الإيطالي الشهير لضبط إيقاع الجريمة ومفارقاتها الدامية، لتليق بأبطالها الذين اختلطت في ذواتهم خيانة الذات بخيانة الوطن والحب والحياة.
كانت صرخة فلليني الشهيرة «استوب» كلمة السر لضبط هذا الإيقاع، لكن المشهد لم ينضبط على مسرح الرواية والواقع معاً، فلا يزال يعج بالدم والحروب وأشتات اللاعبين من كل صنف ولون في بلاد نخرها سوس السلطة حتى أصبحت غريبة عن نفسها... في الطريق نفسه شكلت جملة «كل شيء يحدث في الحمام» في روايته الأسبق «أبواب الليل» كلمة السر الموجعة في فضاء مقهى «لمة الأحباب» التونسية، حيث عالم متهرئ من البشر، يقتات على ما يتساقط من بلطة النضال من ذكريات وأحلام، صارت ومضاً متخثراً في أزقة العمر والثورة.
لا يبتعد عماد حمدي عن هذا السياق، فرغم أنه رمز عابر وشجي في الرواية، عاش البطل وقائع جنازته في أثناء خدمته بالبوليس، فإنه منح الرواية اسمها، ويتردد صداه في قصصها ومفارقاتها، وجرائمها كزمن هارب، ورمانة ميزان تبحث عن كفتين عادلتين، ربما تعيد إلى المشهد سخونته وهو يصرخ في وجه عبد الحليم حافظ، بعد أن لطمه «انت مش ابني... انت لقيط».
لطمة شهيرة، في فيلم شهير وبطل غادر الدنيا وحيداً مفلساً ليس في جعبته شيء من مجده الغابر، سوى زفرات من الألم والحزن، هي الزفرات نفسها التي يحصدها بطل الرواية في صراعه مع كينونة تساوى فيها الـمع والضد، تغلفها فجوة من عبث الحياة والأقدار، تضيق وتتسع كل يوم، لكنها لم تستطع أن تردم عاطفياً المسافة بين الرغبة والفعل، أو بين الحلم والواقع فيتحول كلاهما إلى عقدة، تتناثر حولها الحكايات والخطايا، يشد خيوطها الجلاد من طرف، بينما تشدها الضحية من الطرف الآخر، وكأن كليهما قناع للآخر، يمكن أن يتبادلا الأدوار، كلما اقتضت الحاجة... «اسمع قولاً واحداً، ضابط المباحث الناجح يقاس نجاحه بتعدد مصادره بالمسجلين خطراً، يتمشون داخل عباءته، ويربطهم من شواربهم في سلسلة مفاتيحه».
ينتصب سرادق عزاء «هوجان» ابن «ناجح»، الوريث الشرعي لوالده، الملك المتوج على عالم المسجلين خطراً، والذي قتل غدراً بعد أن ارتفع سقف نفوذه، مشكلاً بمفارقات الحزن والسخرية والحيرة في معرفة القاتل، زمن الرواية الخاص المفتوح على قوسي البداية والنهاية، بينما يشكل الإهداء الذي يستهل به الطويلة لعبته الروائية «إلى المسجلين خطراً: تصحبكم السلامة»، تحفيزاً للقارئ، للدخول في اللعبة، عبر ضمائر المخاطب بوتيرتها المباشرة، والمستترة، المسكونة بلطشات حريفة من العامية والحكم والنوادر والأمثال ابنة الذاكرة الخاصة والوجدان الشعبي، لإثارة حواس القارئ بشكل أعمق حتى لا يدخل إلى الحكاية بجسده فقط تاركاً روحه على العتبات. وفي الوقت نفسه، تجعل السرد وكأنه طائر يحلق باللغة.
يبدو الصراع مثقلاً بعذابات الضمير والواجب، فبطل الرواية، ضابط البوليس السابق، تحت وطأة ماضيه الطيب يقدم رجلاً ويؤخرها لتقديم واجب العزاء لرجل يدين له بالكثير عما حققه من نجاحات في مهنته... «ناجح» كبير مرشدي الحكومة ومرشده الخاص، وعينه الأخرى، والذراع التي لا تتأخر لمساعدته في الكشف عن الجريمة ومرتكبيها، وتقديم الأدلة ضدهم، بل تلفيقها أحياناً. حين ضاقت مسافة العلاقة بينهما بدوافع إنسانية محضة، تحولت إلى تهمة، غادر على أثرها المهنة، إثر تحقيق عبثي معه... «أنا ضابط مباحث يا باشا، إذا لم أقابل المجرمين والمسجلين والمرشدين لأمارس عملي فماذا أفعل، هل أقابل نقيب الأطباء؟!».
يحتدم الصراع محفوفاً بالخوف أحياناً، ومخاطر الغدر أحياناً أخرى، فالسرادق ضخم، عامر بحشود المعزين من كل صنوف الإجرام، وأيضاً صنوف الكيف، والضابط أصبح لا حول له ولا قوة، انتهت رقة المشهد وغلظته أيضاً، وحده ناجح من يملك ضبط الإيقاع، ولو بدمعة حارة، تنزلق عفوياً من عينيه على ابنه... ويعود الزمن بالضابط البطل خطوة للوراء: «ناجح يعمل لصالحي، لكن لصالح نفسه أولاً، يغنم نقوداً وسمعة وتقرباً من الحكومة، ويبقي رأسه بعيداً عن أي مقصلة».
تلعب صيغ السرد بتنويعاتها وحيويتها الفنية دور الوصل والقطع بين قوسي الحضور والغياب، كما توفر للكاتب السارد مسافة ما، بينه وبين الشخوص والوقائع ليرى ما وراء المشهد... وإمعاناً في الغرابة، كثيراً ما يتحول من راوٍ عليم إلى مراقب، ينظر بزاوية أعلى بصرياً من خط الأفق في اللوحة، بينما تومض وظيفة متخفية وراء توريط القارئ في اللعبة، الذي يحذره بين الحين والآخر: «لا تتهور احترس، لا تلتفت يميناً أو يساراً، لا تستجيب لنظرة أحد»، «لا تستغرب»، «قف مكانك»، «في هذه اللحظة ستبدو بهيئة لص أو قاتل، لا ترتكب أدنى حماقة يستشف منها أنه يمكن أن تكون عاشقاً، إلا إذا استطعت أن تبرز عشق الإجرام، وهذه حكاية أخرى».
لا يقتصر هذا التحفيز على تهيئة القارئ للدخول في اللعبة فحسب، وإنما ليلعب دور الونيس، أو بلغة السينما «السنيد» للبطل المتردد في دخول السرادق، كأنه مجس اختبار لما يكمن وراء الحكاية، وما تخفيه في لفائفها من أسرار وألغاز، وأن مفتاحها ليس بيده، ولا بيد الكاتب نفسه، وإنما كلاهما متورط في دهاليز عالم شائك وملتبس، تختلط فيه الألوان والمصائر، فلا الأبيض أبيض، ولا الأسود أيضاً، ثمة منطقة مبهمة تتشكل في عالم القاع ودهاليزه، حيث تتسع الهوة، وتنقلب معادلات الوضوح والغموض: لصوص ومحتالون، نصابون وتجار ممنوعات ومخدرات، باعة ضمير وشهود زور، ضحايا وجلادون محتملون وعابرون، مجرمون بالصدفة وبالسخرة، يعرفون كيف يموهون على جرائمهم، حتى في جيوب النظام... «مخطئ من يتصور أن المسجلين لا يحبون الحكومة، هم يعرفون نظرية المقص جيداً، إذا ما انفتح وجرح رؤوساً، تعود أطرافه لتتجاور، ولو بمسافة، كلاهما يحتاج إلى الآخر، مع أن كل طرف ينظر في طرف آخر».
تحت هذه المظلة تتنوع الحكايات، وينفرط عقدها في الرواية، فلكل مسجل، ولكل ضابط حكاية، وراءها أخرى تتصل بها من طرف ما، تعري الشخوص، وتسقط أقنعة التواطؤ بينهم وبين ذواتهم، وصورتهم البائسة المراوغة في الخارج، صورة مشوشة ومضطربة تثير التعاطف والسخرية والسخط معاً، فهم مهانون تحت الطلب، اغتالتهم ضرورة الحياة والوجود، أدمنوا اللعب على كل الحبال، بأجسادهم ونزواتهم، تتكشف طبيعتهم من أسمائهم (عبقرينو - رجل المطافئ، أبو شفة، قنبل، عماد لون، آيات - جسد المشارط والأمواس، كلبش.. وغيرها)، بل وصل الأمر إلى ما يمكن تسميته «غسل الجريمة»، لتبرئة الجناة الأصليين... «أحياناً تحس أنه مشتاق للحبس كأنه بيته، أحياناً يحضر كأنه ذاهب لامرأة يعرفها جيداً، لا يريدها ولا يرفضها»، «شحتة يأتي لسعادتك كل يوم وأنتم تعيدونه، إنه يسألني كل ساعة، جذمته ذاب قعرها، أصبحت من غير نعل، وصار يمشي على الجورب... إنه يسألني متى تحبسونه يا سعادة البيه». لكن الحبس لعشرات المرات، وبالأجر، لم يستر حياة شحتة، أول مسجل يعتزل بلا مؤثرات خارجية ولا مباراة اعتزال، ويتزوج من آيات بالمحبة، بعد أن دهسها الجميع، ولتأمين حياته فكر أن يبيع كليته، ثم انتهى به المطاف لبيع إحدى خصيتيه، إنه مثل أقرانه من أخوة القاع، مهما ارتفع شأنهم يدركون أن دورهم الحقيقي ومكمن بطولتهم المقموعة أن يظلوا على الحافة لا يبرحون ثوب المسجل خطراً الذي فصله النظام على مقاسهم فقط، ليظلوا هكذا أشبه بعالم لقيط، لا يملك شرف الانتساب للوطن.
يعي ذلك برهافة بطل الرواية «فجنون» عاشق الرسم والموسيقى خريج المدارس الفرنسية، الذي أطلق عليه زملاؤه هذا الاسم كدعابة تمزج الفن بالجنون، يطارده إجبار والده لواء الشرطة السابق في أن يورِث أبناءه هذه المهنة حفاظاً على مكانة العائلة، ليتحول إلى ضحية لصراع خفي في الداخل، يجعله مشتتاً بين دوره الصارم المحدد كضابط بوليس كل مهمته تعقب الجريمة وحفظ الأمن والنظام، وبين حلمه المكبوت الممسوس بروح الفن والولع بالألوان؛ «لا تكذب على نفسك، أنت استمرأت هذه الحالة لتنسى بها كل رغباتك، كل يوم قضية جديدة تغوص فيها، كي لا تسمع أي صوت يذكرك بحالك، البيت أصبح فندقاً يتيماً، تعود إليه لتستحم، وتنام مثل القتيل».
إنها معادلة اللوحة في عين الرسام، طاقة من التجسيد يبتلعها الواقع كل يوم بنمطيته وجرائمه وحكاياته التي تتناسل في حبل لا بداية له ولا نهاية، لكنها في كل الأحوال تحتاج إلى طاقة أعلى من التجريد، من الحذف والبتر والإضافة، حتى يمكن التشبث بإرادة الحياة، ولو في صدى صرخة تعلو فيها نوازع الإدانة والعجز، في داخل البطل... «ما يطمئنك قليلاً أن معظمهم وربما كلهم ينظرون لك كمسجل خطر حقيقي، وهذه رتبة لم يصل إليها أي ضابط آخر، موقنون أنك تعرف عنهم أكثر مما تعرف أيديهم».
بهذا الإيقاع الموجع يبلغ زمن الرواية الخاص، زمن سرادق العزاء الضخم ذروته درامياً، ويمهد له الكاتب، بـ«أربع لوحات ورقصة»، عنوان مميز بين فصول الرواية الثلاثين المرقمة، كأنها رقصة الذبيح الأخيرة، حيث ينهي «فجنون» مع منتصف الليل مساحة التردد المشتعلة في داخله ويدخل العزاء، لا أحد يلتفت إليه، بل لا يجد كرسياً شاغراً إلا في أحد الصفوف الخلفية، وحين يصل إلى «ناجح» يفاجأ بأنه يسلم عليه بفتور، وبالكاد يتبادل معه كلمات العزاء المعتادة.



ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.