افتتاح مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي بدعوة لتوحيد الصفوف بشأن القضية الفلسطينية

أمير الكويت التقى رؤساء البرلمانات العربية.. وتزكية الغانم رئيسا لدورة جديدة > تشكيل وفد لزيارة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن

ولي العهد الكويتي ورئيس البرلمان الكويتي يصلان إلى المؤتمر العشرين لاتحاد البرلمان العربي أمس (أ.ف.ب)
ولي العهد الكويتي ورئيس البرلمان الكويتي يصلان إلى المؤتمر العشرين لاتحاد البرلمان العربي أمس (أ.ف.ب)
TT

افتتاح مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي بدعوة لتوحيد الصفوف بشأن القضية الفلسطينية

ولي العهد الكويتي ورئيس البرلمان الكويتي يصلان إلى المؤتمر العشرين لاتحاد البرلمان العربي أمس (أ.ف.ب)
ولي العهد الكويتي ورئيس البرلمان الكويتي يصلان إلى المؤتمر العشرين لاتحاد البرلمان العربي أمس (أ.ف.ب)

دعا رئيس الاتحاد البرلماني العربي رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، الدول العربية إلى توحيد صفوفهم، ومواجهة محاولات التمزيق، مشيرا إلى أن القضية الفلسطينية أقصيت عن موقعها الرئيسي والحقيقي بسبب الفرقة العربية والتطرف العنيف ودويلات الطوائف. وقال الغانم في كلمة افتتاح الاتحاد البرلماني العربي، الذي عقد بالكويت أمس، بأن قضية القدس والمسجد الأقصى تبقى في ضمير الإنسان العربي وفي وجدان الإنسان المسلم كجرح مفتوح لكرامته ومعتقده وكتهديد حقيقي لكيانه ووجوده.
واستقبل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بقصر بيان رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم بصحبته رؤساء وفود الاتحاد البرلماني العربي ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي عبد الواحد الراضي والأمين العام للاتحاد البرلماني العربي نور الدين بوشكوج، ورئيس البرلمان العربي أحمد محمد الجروان ورئيس المجلس الشعبي الوطني بالجمهورية الجزائرية محمد العربي ولد خليفة ورئيس مجلس النواب العراقي أسامة عبد العزيز النجيفي وذلك بمناسبة مشاركتهم بالمؤتمر العشرين للاتحاد البرلماني العربي والمنعقد بدولة الكويت أمس.
كما تسلم أمير الكويت، رسالة خطية من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين سلمها رئيس مجلس النواب بالمملكة الأردنية الهاشمية عاطف الطراونة ذكر بيان رسمي صادر عن الديوان الأميري أنها تناولت «العلاقات الأخوية الطيبة التي تربط البلدين والشعبين الشقيقين والقضايا ذات الاهتمام المشترك وآخر المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية».
وافتتح ولي العهد الشيخ نواف الأحمد أعمال المؤتمر الـ20 للاتحاد البرلماني العربي بمشاركة وفود الدول الأعضاء وممثلي البرلمانات العربية.
وشهدت جلسة العمل الأولى تزكية مرزوق الغانم رئيسا للدورة الجديدة للاتحاد البرلماني العربي وإقرار جدول الأعمال وتقرير الأمين العام للاتحاد عن أنشطة الاتحاد وأعمال اللجنة التنفيذية والمصادقة على مشاريع القرارات والتوصيات إلى جانب دراسة البند الأساسي على جدول الأعمال «القدس عاصمة دولة فلسطين» ومداخلات رؤساء المجالس التشريعية وممثلي الوفود، وسيختتم المؤتمر أعماله اليوم بمتابعة دراسة جدول الأعمال والمصادقة على القرارات والبيان الختامي.
ومن المقرر أن يكلف الاتحاد البرلماني العربي مجلس الأمة الكويتي تشكيل وفد برلماني عربي لزيارة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالأمم المتحدة لشرح أبعاد القضية الفلسطينية وانتهاكات الكيان الصهيوني للمقدسات في مدينة القدس.
من جهته أكد الغانم في كلمته أن «الكويت احتضنت تاريخ المقاومة الفلسطينية، كما عاش أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد القضية الفلسطينية بكل مخاضاتها وساهم في نجاحاتها وحذر من الانحراف بها والانحراف عنها وأخذت من جهده وفكره وعمره بقدر ما أخذت الكويت أو يزيد ولا بد أن نتمثل في حوارنا وأطروحاتنا ما عرف عنه من حس قومي وفكر مستقبلي ولا بد أن نعكس في قراراتنا ما يتسم به سموه من دبلوماسية لا يعيبها الغموض ومن صراحة لا تنقصها الدبلوماسية».
وأضاف الغانم أن «القضية الفلسطينية أقصيت عن موقعها الرئيسي والحقيقي والاستراتيجي بفعل التطرف العنيف ودويلات الطوائف بفعل تغول الاحتلال في غطرسته وإمعان الغرب في تحيزه وانتهازية الشرق لفرصته وقبل كل هذا وذاك بفعل تفرق العرب وإخفاقهم المتواصل في توحيد صفوفهم وتحقيق مشروعهم». وأضاف: «إزاء هذه الصورة الصادمة المذهلة ليس أولى من الاتحاد البرلماني العربي في الاجتماع على أمل توحيد الأمة حول قضيتها الرئيسية على الأقل وعلى أمل استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية حول قضية العرب الأولى وهذا أضعف الإيمان».
وبين الغانم أن القضية الفلسطينية أو بتعبير أصدق الصراع العربي الإسرائيلي شكلت محور الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي كله وعلى مدى سبعين عاما أو تزيد وعاشت بسببها المنطقة في حالة توتر دائم انفجرت منها أربع حروب رئيسية واستخدمتها بالحق أو بالباطل كل الثورات والانقلابات والحركات السياسية مبررا لقيامها ومسوغا لتقصيرها وسببا لقمعها وتأتي القضية الفلسطينية في طليعة العوامل التي ساهمت في تشكيل العلاقات العربية البينية والعلاقات العربية الدولية طوال العقود السبعة الماضية إلى أن وصلنا اليوم إلى موقعنا الراهن بين عدو ما من صداقته بد وصديق ليس لحقده حد.
وأشار الغانم إلى أن قضية القدس والمسجد الأقصى تبقى في ضمير الإنسان العربي وفي وجدان الإنسان المسلم كجرح مفتوح لكرامته ومعتقده وكتهديد حقيقي لكيانه ووجوده.
ثم ألقى رئيس الاتحاد البرلماني الدولي عبد الواحد راضي كلمة أوضح فيها أن الاتحاد وقف مع الشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله المشروع لتحقيق حقوقه ومطالباته المشروعة من خلال الكثير من توصياته وقراراته، وهذه المطالب لن تتحقق إلا بتوفر ثلاثة شروط أساسية أولها وحدة الصف الفلسطيني وثانيها زيادة الدعم العربي للأشقاء الفلسطينيين بكل أشكاله لا سيما ماديا ومعنويا وثالثا حشد أوسع دعم وتأييد للشعب الفلسطيني في نضاله «وهنا يتضح الدور الأساسي للبرلمانات العربية والدبلوماسية والبرلمانية».
وبدوره أشاد رئيس البرلمان العربي أحمد الجروان بمبادرة الاتحاد البرلماني العربي بتخصيص أعمال هذا المؤتمر للقدس عاصمة دولة فلسطين وتسليط الضوء على العدوان الصهيوني المستمر عليها وسبل دعم أهلنا في الوطن المحتل. وقال: «رغم المساعي الإسرائيلية لتغيير هوية القدس فإن الشعب الفلسطيني مستمر في المقاومة رغم بساطة الإمكانيات ويرفض الرضوخ أو التفريط في القدس عاصمة لدولة فلسطين»، محييا الشعب الفلسطيني في كفاحه المتواصل وتحديه للعدوان الصهيوني الغاشم عليه وعلى أرضه ومقدساته وتراثه.
وطالب الجروان جميع الأطراف في الضفة الغربية وغزة بحل الخلافات والتركيز على الشؤون الداخلية الفلسطينية وخدمة المواطن الفلسطيني في حل هذه المأساة الإنسانية والاصطفاف لتعزيز العلاقات الإيجابية التي تخدم الداخل الفلسطيني.
كما طالب بالتحرك السريع ضد المشروع الإسرائيلي بتفضيل المسيحيين من فلسطينيي الداخل على نظرائهم من المسلمين بمميزات وصلاحيات في محاولة فصل عنصري صارخة جديدة لطمس الهوية العربية للفلسطينيين المسيحيين، وكذلك المطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، بالتدخل لتوفير الحماية لهم وتأمين حقوقهم وفق القوانين الدولية، مشيرا إلى أن تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في معسكر اليرموك في سوريا يدق ناقوس الخطر على كارثة إنسانية وشيكة ما يستدعي تخصيص المجتمع الدولي والجمعيات الإنسانية المعنية جزءا من المساعدات الممنوحة للسوريين لصالح مخيم اليرموك المحاصر.
وتطرق أمين عام الاتحاد البرلماني العربي نور الدين بوشكوج في كلمته إلى أن الكويت شهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية مؤتمر المانحين للشعب السوري الشقيق ومؤتمر قمة قادة دول الخليج العربية ومؤتمر القمة العربية الأفريقية والكثير من الفعاليات.
وقال: إن من مميزات مدينة القدس أنها وحدتنا في الماضي وتوحدنا في الحاضر وستظل عامل توحيد للأمة، فبالرغم مما نعانيه هذه الأيام من فرقة الصفوف وتباعد المواقف فها هي القدس تجمعنا في الكويت وتوحدنا بتلبية ندائها واجتماع هذه النخبة المتميزة من رؤساء وأعضاء البرلمانات في المؤتمر العشرين للاتحاد البرلماني العربي الذي كرس لموضوع وحيد وفريد وهو «القدس عاصمة دولة فلسطين».
وتوجه بوشكوج إلى رئيس مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية الشيخ عبد الله بن إبراهيم آل الشيخ طالبا منه نقل تقدير واعتزاز المشاركين إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية لكل ما قدمه للمملكة وشعبها وللأمة العربية والإسلامية، والتقدير على غرار باقي المنظمات الإقليمية والدولية الخطوة الكبيرة التي مكنت المرأة السعودية من ولوج مجلس الشورى من بابه الواسع والمساهمة في العملية التشريعية والرقابية جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل كما نؤيد كل ما تقوم به المملكة دفاعا عن القضايا العادلة للأمة الإسلامية منوهين بالمبادرة الأخيرة المتمثلة في امتناع المملكة عن دخول مجلس الأمن للأسباب الوجيهة التي تعرفونها جميعا دون أن ننسى تثمين وتقدير كل ما يقدمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لفائدة زوار الرحمن وبالخصوص العملية الكبيرة المستمرة لإنجاز أكبر توسعة شهدتها البقاع المقدسة عبر التاريخ.
يذكر أن الاتحاد البرلماني العربي تأسس في 20 يونيو (حزيران) عام 1974 ويضم في عضويته البرلمانات والمجالس التشريعية والشورى العربية، كما أعلن في عام 2004 عن الاتحاد البرلماني العربي في مؤتمر القمة العربية بالجزائر.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.