استكمل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاته في تركيا، أمس، لاختيار الوفد الذي سيمثل المعارضة إلى «جنيف2» بعد إعلان موافقته على حضور المؤتمر الذي سيعقد بعد غد (الأربعاء)، متجاوزا بعض اختلافاته في هذا الشأن. فيما أثارت المواقف التي نقلتها وكالة «إنترفاكس» الروسية عن الرئيس السوري بشار الأسد، لجهة عدم اعتزامه التخلي عن السلطة أو استعداده للبحث بهذا الأمر، ومن ثم نفي الرئاسة إجراء الأسد مقابلة مع الوكالة، جملة من التساؤلات، لا سيما أن الوكالة اعتمدت في مصدرها على وفد البرلمانيين الروس الذي كان التقى الأسد، خلال زيارته إلى سوريا.
وكانت اجتماعات الائتلاف التي استمرت حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، تركزت على البحث في أسماء الوفد إلى مؤتمر «جنيف2»، وفق ما لفت عضو الهيئة السياسية أحمد رمضان، مشيرا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه بات مؤكدا أن الوفد سيضم 15 شخصا، بينهم سيدتان، إضافة إلى ممثل من المجلس الوطني الكردي، وعضو أو اثنين من هيئة التنسيق، مرجحا أن يكون بينهم القيادي عبد العزيز الخير، إضافة إلى ثلاثة ممثلين عن الجيش الحر والكتائب العسكرية، وعدد من الدبلوماسيين والقانونيين. وأضاف أنه بعد الانتهاء من تحديد أسماء ممثلي الوفد، سيختار رئيسه، مشددا على أن هناك معايير أساسية يعتمد عليها في اختيار هؤلاء الأعضاء، وأهمها الكفاءة والخبرة والمهنية والقدرة على التفاوض. بينما استبعدت مصادر في المجلس الوطني، أحد أكبر مكونات الائتلاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن يكون رئيس الائتلاف أحمد الجربا، ضمن هذا الوفد أو على رأسه، مرجحة أن يحضر جلسة الافتتاح ويترك مهمة التفاوض لأعضاء الوفد.
وحول ما يتعلق ببعض الشخصيات المعارضة الأخرى، وتحديدا العقيد المنشق مناف طلاس، ورفعت الأسد (عم الرئيس)، إضافة إلى نائب رئيس الحكومة المقال قدري جميل، التي كانت أسماؤها قد ترددت للمشاركة في «جنيف2» ضمن صفوف المعارضة، أكدت المصادر استبعاد هذه الشخصيات من قبل المعارضة، موضحة أن حضورهم أو طرح أسمائهم هو إفشال للمؤتمر من قبل المعارضة نفسها، كما أن مثل هذا الأمر يؤدي إلى نتائج وردود فعل لا تحمد عقباها من الشعب والداخل السوري قبل أي طرف آخر.
من جهة أخرى، نقلت وكالة «إنترفاكس» عن أعضاء في وفد برلماني روسي يزور دمشق تمسك الأسد بالسلطة، وقوله: «لو كنت أريد التنازل عن السلطة لفعلت ذلك منذ البداية، وهذا الأمر غير مطروح للنقاش»، مضيفا: «نحن حماة وطننا، ووحده الشعب السوري يمكنه أن يقرر من يشارك في الانتخابات».
ليعود بعدها المكتب الإعلامي للرئاسة السورية ويصدر بيانا مقتضبا نشر على موقعه على «فيس بوك» قال فيه إن «كل ما يُنقل عن لسان الرئيس عبر وكالة (إنترفاكس) الروسية غير دقيق»، مشيرا إلى أن الأسد «لم يجر أي مقابلة مع الوكالة».
وفي هذا السياق أيضا، نقلت وكالة «إيتار تاس»، وهي وكالة أنباء روسية، عن النائب الروسي أليكساندر يوشتشينكو، الذي كان أحد أعضاء الوفد إلى سوريا، قوله إن «الأسد اقترح أن يقدم خصومه مرشحا لمنافسته في تصويت يطرح على الشعب.. لكن حتى الآن لم يفعل ذلك أحد».
وفي حين جاءت هذه المواقف بعد يوم واحد على إعلان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي يعاني بدوره من خلافات على خلفية المشاركة في «جنيف2»، موافقته على حضور المؤتمر بهدف تحقيق مطالب «الثورة كاملة»، وعلى رأسها إسقاط الأسد ومحاكمته، فإن التصريحات التي نسبت إلى الأسد عكست بدورها الانقسام في مواقف الدول المشاركة والداعمة للمؤتمر، التي تأتي روسيا في مقدمها.
وتعليقا على موقف الأسد ومن ثم نفيه، عدّ عضو الائتلاف الوطني هشام مروة، أن ما نقلته الوكالة الروسية هو الموقف الواضح والصريح للأسد، بما لا يقبل أي شك، قائلا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لا نتوقع أن يكون رأيه عكس ذلك، وهو الأمر الذي سبق للأسد كما لمسؤولين في نظامه أن عبروا عنه مرارا». وأضاف: «نحن على يقين أنه غير مستعد للتخلي عن السلطة، وقرارنا بالذهاب إلى (جنيف2) يهدف بالدرجة الأولى إلى إثبات نية المعارضة بالوصول إلى حل سياسي، وإظهار مدى المراوغة التي يعتمدها الأسد منذ اليوم الأول».
وفي سياق متصل، أعلنت «الجبهة الإسلامية»، وهي ائتلاف من عدة قوى إسلامية مقاتلة تمثل قسما كبيرا من مقاتلي المعارضة على الأرض، رفضها محادثات جنيف.
وقال أبو عمر، العضو البارز في الجبهة، في حسابه على موقع «تويتر» إن «مستقبل سوريا سيتشكل هنا على أرض البطولة، وسيوقع بالدماء على جبهات القتال، وليس في مؤتمرات جوفاء يحضرها من لا يمثلون حتى أنفسهم».
هذا و رحبت الدول الغربية وروسيا والجامعة العربية بـ«القرار الشجاع» للمعارضة السورية بالمشاركة في مؤتمر «جنيف2» للسلام في سوريا، على الرغم من أن قرار المعارضة يشترط التفاوض للتوصل إلى التخلص من نظام الرئيس بشار الأسد. ومن جانبها، دعت إيران إلى مقاربة «واقعية» لحل الأزمة السورية خلال المؤتمر، الذي لم تدع إليه.
ووصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الفرنسي لوران فابيوس «بالتصويت الشجاع» تصويت الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بالأكثرية على المشاركة بعد غد (الأربعاء) في المؤتمر الدولي حول سوريا في مونترو في سويسرا والذي ستليه مفاوضات ثنائية برعاية الموفد الدولي الخاص الأخضر الإبراهيمي بين ممثلي النظام والمعارضة في جنيف.
وقال كيري في بيان، إن «الولايات المتحدة سوف تواصل دعم المعارضة السورية بعد أن اختارت هذه الأخيرة الطريقة الأفضل للتوصل إلى مرحلة انتقالية سياسية عبر التفاوض»، حسب ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.
ورأى أن «هذا التصويت الشجاع يصب في مصلحة جميع السوريين الذي عانوا كثيرا من وحشية نظام الأسد ومن حرب أهلية لا نهاية لها».
وعد الوزير الفرنسي من جهته، أن «هذا الخيار هو خيار السعي إلى السلام »، على الرغم من «استفزازات وتجاوزات النظام».
وفي برلين، رأى وزير الخارجية الألماني فرانك - ولتر شتاينماير في قرار المعارضة السورية «بريق أمل للناس في سوريا».
وأوضح في بيان مقتضب أن «أي تقدم طفيف ومهما كان طفيفا لانتقال القوافل الإنسانية أو للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار على مستوى محلي سيكون نجاحا».
كما أشاد وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ بالقرار «الصعب» الذي اتخذته المعارضة السورية، مؤكدا أن أي اتفاق من شأنه أن يضع حدا لنزاع أودى بحياة 130 ألف شخص منذ مارس (آذار) 2011، يتطلب تنحي الأسد عن السلطة.
ورحبت روسيا أيضا بقرار المعارضة، ونقلت وكالة إيتار تاس الروسية عن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، قوله إنه «القرار الصائب، فقد قلنا على الدوام إنه يجب المشاركة في هذا المؤتمر وبدء حوار مع الحكومة».
من جانبه، قال نائب وزير الخارجية الإيراني حسن أمير عبد اللهيان، كما نقلت عنه وسائل الإعلام الإيرانية أن «المؤتمر يمكن أن يمهد الطريق أمام حل سياسي، إذا اعتمد مقاربة واقعية للأزمة في سوريا». وأضاف أن القرارات التي ستتخذ في سويسرا «يجب ألا تؤدي إلى تقوية حركات متطرفة في سوريا». وأشار إلى أن «الحل الديمقراطي سيعبر عنه عبر تصويت السوريين».
عربيا، رحبت مصر بقرار الائتلاف السوري بالمشاركة في مؤتمر «جنيف2»، بينما أكدت الجامعة العربية على مشاركتها في المؤتمر وقالت إنها ستنسق بين الوفود العربية لبلورة موقف لحل الأزمة.
وقال نبيل فهمي وزير الخارجية المصري في بيان إن «مشاركة المعارضة في (جنيف2) ستكون خطوة أولى نحو التوصل إلى الحل». ودعا إلى «استمرار التفاوض بنية خالصة وروح جادة، وإلى استمرار الحوار بين مختلف قوى وتيارات المعارضة لتحقيق المزيد من التوافق فيما بينها حول الأهداف المرجوة من عملية التفاوض».
وأوضح فهمي أنه سيتوجه إلى جنيف وهو يأمل «ألا تهدر فرصة تاريخية للعمل من أجل إنهاء مأساة السوريين». وأكد أن مصر ستقدم خلال المؤتمر وفي أعقابه كل ما يمكنها من دعم لعملية التفاوض سواء عبر اتصالاتها بأطراف التفاوض أو من خلال إقناع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة بضرورة تسوية هذه الأزمة دون المزيد من الانتظار.
ومن جانبه، يتوجه الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، اليوم (الاثنين) إلى سويسرا للمشاركة في «جنيف2». وقال المتحدث الرسمي باسم الأمين العام، السفير ناصيف حتى، إن «الجامعة العربية ستنسق بين الوفود العربية المشاركة في المؤتمر لبلورة الموقف العربي لحل الأزمة والقائم على ضرورة تنفيذ وثيقة جنيف الأولى في 30 يونيو (حزيران) من عام 2012 والتي ينعقد على أساسها (جنيف2)».
وأضاف في تصريحات أمس أن «الجامعة العربية تعلق أهمية كبيرة على انطلاق هذا المؤتمر ونجاحه رغم الصعوبات التي يدركها الجميع». وأوضح أن انطلاق المؤتمر على المستوى الرسمي الدولي هو «عمل مهم وضروري وأساسي». وشدد على أن الجامعة ومن خلال مبعوثها المشترك إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، تدعم كل جهود الأمم المتحدة والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة لمسار الحل السياسي الذي يبقى حلا سوريا بامتياز.
وأوضح أن الجلسة الافتتاحية الأولى التي ستنطلق في مدينة مونترو بسويسرا بعد غد (الأربعاء) سوف تضم كل الأطراف المعنية. مشيرا إلى أنه، وبعد يومين، تنطلق المفاوضات في جنيف بين وفدي الحكومة والمعارضة وبرعاية الإبراهيمي في المقر الأوروبي للأمم المتحدة هناك. وأوضح أن الإبراهيمي باعتباره مخولا من الأمم المتحدة والجامعة العربية سيقوم بالدور الأساسي وهو متابعة تنفيذ أجندة المؤتمر.
وعد المتحدث الرسمي باسم العربي أن انعقاد «جنيف2» بحد ذاته «خطوة إيجابية ويضع قطار الحل السياسي على طريقه السليم للأزمة السورية». كما رحب بإعلان الائتلاف السوري المعارض بالمشاركة في المؤتمر.







