طهران تشيع سليماني وتتمسك بـ«الانتقام»... وخامنئي يجهش بالبكاء

حشود ضخمة في إيران لحضور جنازة قائد {فيلق القدس}... وابنته تحذر أميركا من «يوم أسود»

شاحنة تنقل جثامين قاسم سليماني ورفاقه خلال جنازة رسمية وسط حشود في ساحة انقلاب وسط طهران أمس (تسنيم) وفي الاطار المرشد الإيراني علي خامئني يبكي أثناء صلاة الجنازة (ا.ف.ب)
شاحنة تنقل جثامين قاسم سليماني ورفاقه خلال جنازة رسمية وسط حشود في ساحة انقلاب وسط طهران أمس (تسنيم) وفي الاطار المرشد الإيراني علي خامئني يبكي أثناء صلاة الجنازة (ا.ف.ب)
TT

طهران تشيع سليماني وتتمسك بـ«الانتقام»... وخامنئي يجهش بالبكاء

شاحنة تنقل جثامين قاسم سليماني ورفاقه خلال جنازة رسمية وسط حشود في ساحة انقلاب وسط طهران أمس (تسنيم) وفي الاطار المرشد الإيراني علي خامئني يبكي أثناء صلاة الجنازة (ا.ف.ب)
شاحنة تنقل جثامين قاسم سليماني ورفاقه خلال جنازة رسمية وسط حشود في ساحة انقلاب وسط طهران أمس (تسنيم) وفي الاطار المرشد الإيراني علي خامئني يبكي أثناء صلاة الجنازة (ا.ف.ب)

سلطت الجنازة الرسمية لقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، بعد ساعات من وصوله إلى مطار مهر آباد في طهران على متن طائرة شركة «ماهان»، الضوء على عمق العلاقة بين المرشد الإيراني علي خامئني والعقل المدبر لاستراتيجية «الحرس الثوري» للتوسع في غرب آسيا. وتقدم المسؤول الأول في النظام الإيراني، كبار المسؤولين الإيرانيين، إضافة إلى قادة «الحرس الثوري» وممثلين عن جماعات وميليشيات مرتبطة بإيران، جنازة رسمية لقائد «فيلق القدس» الذي قتل بغارة جوية مباغتة بمطار بغداد الجمعة، ليكون أبرز الخسائر العسكرية الإيرانية على مدى 4 عقود.
وأمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بهجوم الجمعة الذي قتل الجنرال، العقل المدبر لحملة إيران لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء المنطقة ومهندس الاستراتيجية الإيرانية. ووعدت إيران بالثأر لمقتله. وكانت الضربة رداً على تنفيذ الفصائل الموالية لإيران في الشهرين الأخيرين هجمات صاروخية على منشآت في العراق تؤوي أميركيين، قتل في أحدها في أواخر ديسمبر (كانون الأول) متعاقد أميركي.
وكان سليماني في يوليو (تموز) 2018، توعد ترمب بخوض حرب غير تقليدية ضد القوات الأميركية ومصالحها في المنطقة، وذلك وسط سجال بين الرئيسين الأميركي والإيراني. وحذر حينذاك روحاني نظيره الأميركي من العبث بذيل الأسد، وقال إن الحرب مع بلاده «أم الحروب»، وفي المقابل حذر ترمب من «عواقب لم يواجهها إلا قلة في التاريخ». وقال سليماني إن الحرب سيبدأها ترمب لكن إيران من ستنهيها، قبل أن يخاطب ترمب: «أنا وقوات القدس كفيلان بك».
وتكررت أمس مشاهد من المناسبات الكبرى التي تحشد لها أجهزة الدولة الإيرانية. وامتلأ شارع آزادي وانقلاب في طهران بمئات الآلاف من الإيرانيين لتوديع سليماني. ونسبت «رويترز» إلى ابنة سليماني، زينب سليماني، أن وفاته ستجلب «يوماً أسود» على الولايات المتحدة. وقالت: «أيها... ترمب؛ لا تعتقد أن كل شيء قد انتهى باستشهاد والدي».
وأعاد حجم الحشود في طهران إلى الأذهان، الجماهير التي تجمعت قبل 3 أعوام في المكان نفسه، لتوديع الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني وتحولت إلى مظاهرات منددة بالنظام. وتعد جنازتا سليماني وهاشمي رفسنجاني هما الأكبر بعد جنازة المرشد الأول (الخميني) في 1989.
وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن مشهداً غير مسبوق، «تجسد في اتساعه من الوحدة الشعبية منذ المظاهرات والمظاهرات المضادة التي شهدتها البلاد في عام 2009 بعد الانتخابات الرئاسية حينها». ورغم الاحتجاجات الأخيرة لكن سليماني كان في نظر الكثيرين، من التيارات المنخرطة في العملية السياسية بطلاً قومياً، حتى كثير من أولئك الذين لا يعدّون أنفسهم من المؤيدين المخلصين لرجال الدين الذين يحكمون إيران.
وردد المشيعون المحتشدون في وسط طهران هتاف «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، بينما كانت تشق شاحنة تحمل جثث سليماني وأبو مهدي المهندس، القيادي في الحشد الشعبي العراقي ورفاقهما الذين قضوا في ضربة أميركية في بغداد. وأحرق مشاركون الأعلام الأميركية والإسرائيلية. وبكى الرجال والنساء ودعوا إلى الانتقام لقائد «فيلق القدس».
وركز التلفزيون الإيراني على نقل لقطات من الجو لحشود وتجمهر الإيرانيين في الشارعين الرئيسيين والطرق المؤدية لهما، في تعبير سترحب به الحكومة عن الوحدة الوطنية بعد احتجاجات عنيفة في نوفمبر (تشرين الثاني).
وقال إسماعيل قاآني، القائد الجديد لـ«فيلق القدس» المكلف بتنفيذ العمليات الاستخباراتية والعسكرية لـ«الحرس الثوري»: «نتعهد بمواصلة مسيرة الشهيد سليماني بالقوة نفسها... والعزاء الوحيد لنا سيكون طرد أميركا من المنطقة».
وقال قائد الوحدة الصاروخية، أمير علي حاجي زادة، إن «ضرب كل القواعد الأميركية وقتلنا لترمب لا يعادل دماء الحاج قاسم. يجب أن نكف شر أميركا من المنطقة».
ونقلت وكالة «فارس» عن الجنرال حميد سرخيلي في بندر عباس، أن قوات الحرس «مستعدة للانتقام القاسي من أميركا». وقال: «العسكريون الأميركيون في الخليج على مرمى نيراننا».
وبنى سليماني لإيران شبكة وكلاء من القوات الإقليمية ليشكل نطاقاً من النفوذ امتد من لبنان عبر سوريا والعراق. ويشمل الحلفاء أيضاً جماعات يمنية وفلسطينية.
وأجهش المرشد الإيراني علي خامنئي بالبكاء أثناء الصلاة في جنازة سليماني في طهران. وقال موقع «تابناك»، التابع لقائد «الحرس الثوري» السابق محسن رضايي، إن «سليماني ترك طهران أيضاً للأبد».
وجنازة سليماني تاسع جنازة يحضرها خامنئي في طهران. وقال في دعاء: «اللهم لم نرَ منه إلا خيراً»، وهي عبارة أثارت جدلاً واسعاً بسبب عدم ذكرها في صلاة جنازة هاشمي رفسنجاني الذي اختلف مع خامئني في سنواته الأخيرة.
وبعد طهران، نظمت السلطات جنازة لسليماني في قم، وهي رابع مدينة بعد الأحواز ومشهد وطهران، على أنه تنتهي بجنازة المطاف اليوم في مقبرة بمدينة كرمان مسقط رأسه في جنوب شرقي البلاد. وكان سليماني يعدّ على نطاق واسع ثاني أقوى شخصية في إيران بعد خامنئي، وذلك بسبب الصلاحيات الواسعة التي حصل عليها سليماني ويعتقد كثيرون أنها تفوق صلاحيات أي مسؤول سياسي وعسكري في البلاد التي تعيش توتراً كبيراً مع الولايات المتحدة في وقت تحتفل بـ40 عاماً على مرور النظام.
وسافر إسماعيل هنية زعيم «حماس» إلى إيران للمرة الأولى منذ تولي منصبه في 2017 لحضور الجنازة. وقال هنية: «مشروع المقاومة على أرض فلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني والمشروع الأميركي لن ينكسر، ولن يتردد ولن يضعف».
ووقف في الصف الأول خلف خامنئي، الرئيس حسن روحاني ونائب القضاء إبراهيم رئيسي وقائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، ونائب سليماني ونائب أمين عام حزب الله اللبناني نعيم قاسم، وأمين عام ميليشيا النجباء أحد فصائل الحشد الشعبي العراقي.
وفي مارس (آذار) الماضي، منح خامنئي أرفع وسام عسكري لسليماني وهو وسام «ذو الفقار». وفي أبريل (نيسان)، أصدر خامنئي مرسوماً بتعيين حسين سلامي قائداً جديداً لـ«الحرس الثوري»، وذلك بعد أقل من 10 أيام على تصنيف الجهاز العسكري المتنفذ على قائمة الإرهاب الأميركي.
ووسط تنامي التوتر إثر استراتيجية الضغط الأقصى التي تتبعها إدارة ترمب لحد من أنشطة إيران، أمر خامنئي، بداية أكتوبر (تشرين الأول)، قادة «الحرس الثوري» بالتوسع الإقليمي.
وبالنسبة للكثيرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، كان سليماني شخصية خطيرة وقاد ميليشيات متعددة الجنسيات في سوريا والعراق وأرسل أسلحة إلى اليمن، في إطار استراتيجية التوسع الإقليمي. وبالنسبة للولايات المتحدة، كان الرجل المسؤول عن مقتل الجنود الأميركيين في العراق والهجمات التي لا حصر لها على العراقيين الذين يقاتلون إلى جانب القوات الأميركية.
وقالت وكالة «أسوشييتد برس» في تقرير أمس، إن سليماني كان بمثابة مساعد مخلص للمرشد الإيراني. اجتمع معه كثيراً وعزز بصمة طهران إلى ما وراء حدود البلاد، في سياق نهج النظام الإيراني لتصدير الثورة.
وإلى جانب سليماني، فقد «فيلق القدس» أقرب مساعديه على مدى 40 عاماً؛ وهو العميد حسين بور جعفري، بحسب وكالة «تسنيم» المنبر الإعلامي لـ«الحرس الثوري».
ويلقب بور جعفري من مواليد 1967 بـ«الصندوق الأسود» لقاسم سليماني. وهو أيضاً من أهالي كرمان ومن المقرر أن يدفن إلى جانب سليماني الثلاثاء.
وكانت جثة سليماني وصلت في ساعة مبكرة أمس إلى طهران، مقبلة من مشهد، على متن طائرة «ماهان» التي ارتبط اسمها في السنوات الأخيرة بنقل جنود وأسلحة إيران إلى سوريا وإعادة جثث قتلى قوات «الحرس» من هناك.
وخلال الأيام الأخيرة نقلت وسائل إعلام إيرانية أن رئيس القضاء إبراهيم رئيسي ورئيس البرلمان علي لاريجاني وجواد الشهرستاني، ممثل المرجع الشيعي علي السيستاني قدموا العزاء لأسرته في كرمان. ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن لاريجاني قوله في لقاء أسرته، إن بور جعفري «قدم خدمات كثيرة للثورة وكان مخلصاً وفعالاً». وأضاف: «خسرنا طاقة كبيرة». ونشرت وسائل إعلام إيرانية صورة من لقاء يجمع بور جعفري بأمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله.
وقتل 3 إيرانيين أيضاً، قالت وسائل إعلام إيرانية إنهم فريق حماية سليماني.
وقال النائب علي مطهري إن مقتل سليماني سبب «الوحدة للإيرانيين» بعد الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها البلاد في منتصف نوفمبر، ونقلت «رويترز» لاحقاً عن مصادر حكومية إيرانية أن 1500 شخص قتلوا فيها.
لكن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي أشار إلى مطالب بعدم الرد الانتقامي على الولايات المتحدة، بحسب تصريحات وردت على وكالة «إيرنا» الرسمية.
ووصف ربيعي هؤلاء الذين لم يكشف هويتهم بأنهم «أفراد لا شك في إخلاصهم»، لكنه قال إنهم «يرتكبون أخطاء استراتيجية». وقال: «من المؤكد سنوجه رداً مناسباً للولايات المتحدة لكي نمنع تكرار سلوكها». وقال: «لحد الآن لم توجه إيران الرد المناسب»، وقال استناداً على «نظرية الأمن القومي» الإيراني، فإن «الصمت مقابل أميركا غير جائز».
وفي لندن، احتج السفير الإيراني حميد بعيدي نجاد على صحيفة «التايمز» بسبب نقلها معلومات عن تهديدات إيرانية لقتل الجنود البريطانيين.
وكتبت الصحيفة البريطانية في عددها الصادر أمس، أن «إيران سوف تتخذ رد فعل بالتأكيد، ولكن سيتعين عليها حساب رد فعلها بعناية شديدة. نظام الحكم الذي أضعفته العقوبات الاقتصادية (الأميركية) سيرغب في فعل شيء ما يبدو قوياً بما يكفي من أجل إظهار القوة داخل البلاد، ولكن لن يكون قوياً لدرجة استفزاز الولايات المتحدة من خلاله للدخول في نزاع عسكري ستفوز به أميركا بالتأكيد».
وحذرت الصحيفة البريطانية من استعداد أميركي لأي رد فعل إذا ردت إيران على مقتل سليماني. وذكرت أن «الإيرانيين يقولون إن رسالة واشنطن عن طريق وسيط سويسري لطهران تمثلت في أنه يجب أن يكون رد الفعل متناسباً... ومع ذلك ستكون عواقب مقتل (سليماني) ملموسة بالنسبة للشرق الأوسط والعالم لفترة طويلة».



الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.


نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
TT

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين رئيسيين له دمج حزبيهما في محاولة للإطاحة بحكومته الائتلافية في الانتخابات المقبلة، المقرر إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، كما تراجعت فرص حصوله على عفو خلال محاكمته في قضية الفساد التي يواجهها منذ سنوات.

وأصدر رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت من تيار اليمين، ويائير لابيد من تيار الوسط، بيانين أعلنا فيهما اندماج حزبيهما (بينيت 2026) و(هناك مستقبل). وقال زعيم المعارضة لابيد: «تهدف هذه الخطوة إلى توحيد التكتل ووضع حد للانقسامات الداخلية، وتركيز كل الجهود على الفوز بالانتخابات المقبلة الحاسمة وقيادة إسرائيل نحو المستقبل». وقال مكتب بينيت إن الحزب الجديد سيحمل اسم «معاً»، وإنه سيتولى قيادته.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد (رويترز)

وتقوم حكومة نتنياهو على أساس تحالف حزبه «الليكود» مع تيار يميني متشدد، في حين أخفقت المعارضة وتيار الوسط في توحيد صفوفهما للإطاحة بالائتلاف الحكومي.

وجاء الإعلان الحزبي الكبير في إسرائيل بعد ساعات من إعلان الرئيس إسحاق هرتسوغ أنه «لن ينظر في طلب العفو الذي تقدّم به نتنياهو في قضية ​الفساد التي يواجهها منذ وقت طويل إلا بعد استنفاد جميع الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب»، ما يُشير إلى أن القرار لن يصدر قريباً.

وأدّت المشكلات القانونية التي يواجهها نتنياهو، والتي بدأت بتحقيقات قبل 10 سنوات تقريباً، إلى انقسام الإسرائيليين وزعزعة الساحة السياسية خلال 5 جولات انتخابية بين عام ‌2019، الذي ‌صدرت فيه لائحة الاتهام بحقه، وعام ​2022. ‌ومن ⁠المقرر ​إجراء الانتخابات المقبلة ⁠بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وينفي نتنياهو تهم الرِّشى والاحتيال وخيانة الأمانة.

وقال هرتسوغ، الأحد، إن التوصل إلى اتفاق سيكون الحل الأفضل في قضية نتنياهو. وأضاف في بيان أنه لهذا السبب يعتقد «أنه قبل النظر في طلب العفو نفسه، يجب أولاً استنفاد كل ⁠الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف ‌خارج قاعة المحكمة».

ونشر مكتب ‌هرتسوغ هذا البيان بعد أن ​ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأحد، أن الرئيس يعتزم بدء وساطة من ‌أجل التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب، ما يعني تأجيل أي قرار بالعفو في الوقت الحالي.

وأحجم متحدث باسم هرتسوغ عن التعليق على ما ورد في البيان عند سؤاله حول ما ‌إذا كانت هناك أي محاولة لإبرام الاتفاق. ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب ⁠للتعليق.

وقدّم ⁠نتنياهو طلب العفو في نوفمبر (تشرين الثاني)، وبموجب القانون الإسرائيلي، يتمتع الرئيس بسلطة العفو عن المدانين، لكن لا توجد سابقة لإصدار عفو خلال سير المحاكمة.

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة مرات هرتسوغ إلى منح نتنياهو العفو، كانت إحداها في مارس (آذار) في أثناء حرب إيران عندما جرى تعليق المحاكمة.

ومن المقرر أن يمثل نتنياهو مجدداً أمام القضاء هذا الأسبوع مع استئناف المحاكمة التي بدأت عام 2020. ​وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي ​يتم توجيه تهمة جنائية إليه في أثناء شغله المنصب.