«فن الفروسية: بين الشرق والغرب» في متحف اللوفر أبوظبي

المعرض ينطلق في 19 فبراير ويستمر حتى نهاية مايو

TT

«فن الفروسية: بين الشرق والغرب» في متحف اللوفر أبوظبي

يُطلق متحف اللوفر أبوظبي في 19 فبراير (شباط)، معرضه الجديد بعنوان «فن الفروسية: بين الشرق والغرب» الذي يستمر حتى 30 مايو (أيار) 2020. وهو يقوم على مقارنة غير مسبوقة لمفهوم الفروسية بين الشرق والغرب. ويضم المعرض أكثر من 130 قطعة تعكس ثقافة الفروسية في العصور الوسطى في العالمين الإسلامي والمسيحي، وتتنوّع ما بين دروع من العصور الوسطى وقطع خاصة بركوب الخيل والمبارزة، فضلاً عن مخطوطات مزخرفة تصوّر مشاهد الفروسية. تعكس القطع المعروضة قيم الفروسية مثل الشجاعة والإيمان والإخلاص، مبرزة خصائص النخبة من الفرسان في العالمين الإسلامي في الشرق والمسيحي في الغرب في العصور الوسطى.
وينقسم المعرض إلى ثلاثة أجزاء ويضمّ قطعاً من مختلف أنحاء الشرق الأوسط بما في ذلك العراق وإيران ومصر وسوريا، ومن الدول الفرنسية والألمانية في أوروبا من بدايات القرن الحادي عشر وصولاً إلى القرن السادس عشر. يسلط هذا المعرض الضوء على أوجه الشبه بين التقاليد المرتبطة بعالم الفروسية في هذه المناطق المختلفة، مبيّناً التبادل الثقافي الاستثنائي الذي حصل في مناطق لقاء رئيسية بين الحضارات، مثل جنوب إسبانيا وصقلية وسوريا، إذ يأتي هذا المعرض في إطار موسم اللوفر أبوظبي 2019 - 2020، تحت عنوان «مجتمعات متغيّرة». وهو يبيّن كيف أثرت الظروف التاريخية المتغيّرة على إنتاج هذه القطع، وفي المقابل كيف تشهد هذه القطع في يومنا هذا على التغيّرات التاريخية التي طرأت على الثقافات التي أنتجتها.
يُذكر أنّ المعرض يُقام بالتعاون مع متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى في باريس، ووكالة متاحف فرنسا، وهو من تنسيق إليزابيت تابوريه ديلاهاي، رئيسة أمناء متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى ومديرته السابقة، والدكتورة كارين جوفين، أمينة متحف لقسم الفنون الإسلامية في متحف اللوفر، وميتشل هوينه، رئيس أمناء متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى.
يضم المعرض قطعاً مُعارة من متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى في باريس ومن عشر مؤسسات من المؤسسات العالمية العريقة، وهو يقدّم مقاربة مبتكرة تجمع بين عالمين لم تجر مقارنتهما من قبل. فقد اختيرت القطع والصور المعروضة بدقّة في إطار سرد لا يسلط الضوء فقط على المواجهات في الفروسية بل أيضاً على تلاقي الحضارات والتبادل الثقافي.
عند دخول المعرض يرى الزائر درعي أحصنة ضخمين، الأول درع حصان عثماني من أواخر القرن الـخامس عشر من مجموعة اللوفر أبوظبي معروض إلى جانب درع حصان وفارس من أوروبا من الربع الأول من القرن السادس عشر مُعار من متحف الجيش في باريس.
يستعرض القسم الأول من المعرض نشأة الفروسية وتطوّرها في الشرق، واللقاء الثقافي الأول مع مفهوم الفروسية في الغرب، منذ العصور القديمة. يضم هذا القسم نقشاً نافرا يصوّر نزالاً بين شابور وفاليريان مُعار من المكتبة الوطنية الفرنسية يعود إلى عام 260، وهو خير مثال على اللقاء بين محاربين أحدهما من الشرق والآخر من الغرب. كما يضم القسم الأول طاساً عليها صورة فارس من إيران تعود إلى ما بين القرنين العاشر والحادي عشر مُعارة من متحف اللوفر، وهذه الصورة هي من أولى الدلائل على الفروسية في العالم الإسلامي، وهي تسلط الضوء على مفاهيم الشجاعة والقوة والنبالة.
أما القسم الثاني من المعرض فيسمح للزوار باكتشاف قطع فنّية خاصة بالمعارك وفن القتال، مثل أسلحة الهجوم والدفاع والمعدات الخاصة بالخيول في القتال. كما يضم المعرض مخطوطات حول التقنيات التي كانت معتمدة في المعارك والحروب في الشرق كما في الغرب، إذ يُعرض كتاب «المخزون جامع الفنون» المُعار من المكتبة الوطنية الفرنسية إلى جانب رسالة في القتال من فرنسا من متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى، مما يسمح للزوار بإدراك أوجه الشبه والاختلاف بين مقاربات القتال والمعارك بين الثقافتين.
ويطّلع زائر المعرض على مجموعة متنوعة من خوذات القتال والدروع من الإمبراطورية العثمانية ومصر وأوروبا، إلى جانب العديد من صور المحاربين في مخطوطات مزخرفة وقطع منحوتة، يكتشف من خلالها الأزياء الخاصة بالفرسان في الحروب.
ويتتبع القسم الأخير من المعرض تطوّر ثقافة الفروسية، مبيّناً أوجه الشبه بين هذه الثقافة في الشرق وفي الغرب من خلال العديد من القطع التي تتنوّع ما بين التسلية مثل الصيد بالصقور والمبارزة ومسيرات الفرسان على الخيول، وبين علم دراسة الخيول والشطرنج. ويشمل هذا القسم طبقاً مزيّناً من القرن الرابع عشر يحمل نقوشاً تصور مشاهد من مبارزات بين الفرسان مُعار من متحف اللوفر، إلى جانب مخطوطة من المكتبة الوطنية الفرنسية تصوّر مبعوث الملك الهندي وهو يسلّم لوح الشطرنج من القرن الخامس عشر في إيران، وهما يبيّنان حياة الفروسية في البلاط الملكي عبر إبراز مختلف أشكال ثقافة الفروسية في الشرق الأوسط كما في أوروبا.
ويترافق المعرض مع برنامج واسع النطاق من الفعاليات الثقافية التي عملت على تنسيقها روث ماكنزي، ويتيح للزائر رؤية الثقافة المعاصرة من منظور تقاليد العصور الوسطى، وفي الوقت عينه رؤية هذه التقاليد من منظور معاصر.
ويقدّم الفنان المصري المعاصر وائل شوقي عملاً مسرحياً موسيقياً بعنوان «أغنية رولان» يقوم على قصيدة ملحمية فرنسية من القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، تمجّد حكم الإمبراطور شارلمان وابن أخيه رولان وغزواتهما. ويتمحور العمل حول الحملات الصليبية من وجهة نظر عربية، وهو يقوم على كتاب «الحروب الصليبية» للأديب أمين معلوف. ويقدّم العرض أكثر من 20 موسيقياً ومغنياً من الشارقة والبحرين يؤدون فيه نمطاً غنائياً تراثياً يعرف بفن الفجري وهو مرتبط بغواصي اللؤلؤ في الخليج العربي. يُقام العرض في مسرح المتحف في 26 و27 فبراير الساعة 8 مساءً.
إلى جانب ذلك، يشمل البرنامج الثقافي عرضاً للثلاثي جبران. فقد أصبح هذا الاسم الشهير مرتبطاً بنغمات العود. يتحدر الإخوة من عائلة من صانعي الآلات الموسيقية، وهم يقدمون عروضاً مبتكرة يعزفون فيها معاً كثلاثة عازفين منفردين تصدح أعوادهم بصوت واحد. وهم سيُقدّمون معزوفات من ألبوم «المسيرة الطويلة» في مسرح المتحف في 26 مارس (آذار) الساعة 8 مساءً.



عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
TT

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

​خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية، في أمسية احتفت بالأناقة و«الجمال غير النمطي» وروح الشجاعة، إحياءً لليوم العالمي لـ«متلازمة داون»، وفق «أسوشييتد برس».

واستقطب حفل «سين أنونيموس سيمستريس غالا» في بوخارست، نخبة من المصممين من مختلف أنحاء البلاد، قدَّموا تصاميم أُنجزت بعناية فائقة وحسّ إبداعي، خُصصت لشباب من ذوي «متلازمة داون» وغيرهم من ذوي الإعاقات الذهنية.

الجمال يُرى كما هو (أ.ب)

وقالت رئيسة «جمعية داون بلس– بوخارست»، جورجيتا بوكور، وهي الجهة المنظمة للفعالية التي أُقيمت، الأربعاء، في مركز «روم إكسبو»، إن 50 خيَّاطة أعدت كلٌّ منهن زياً لشاب لم يسبق لهن التعرف إليه. وأضافت: «صُممت الأزياء من دون أن تُجرَّب مسبقاً، ولكن الأهم هو أنّ الناس اجتمعوا مجدداً. هذه الفعالية مميزة حقاً... إنها أجمل ما يمكن أن يحدث».

وبالنسبة إلى أنطونيا فويكو (19 عاماً) التي ارتدت فستاناً أخضر منفوشاً من قماش شبكي، وتاجاً من الورود الحمراء، فقد بدا الصعود إلى المنصة أشبه بحلم يتحقّق. وقالت قبيل دخولها منصة العرض: «أشعر بأنني دائماً أنيقة، وأحبّ الوقوف أمام الكاميرا بهذه الطريقة... لست متوتّرة إطلاقاً».

على المنصة... كلّ واحدة نجمة (أ.ب)

وأوضحت ديانا نيغريس، مرافقة أنطونيا، أنّ الفعالية تمثّل «خطوة كبيرة» لها، إذ لطالما حلمت «بأن تكون نجمة» تستعرض على المسرح. وأضافت: «هذه الفعالية تمنحها ذلك تماماً. إنها تجربتها الأولى، ولم نقم بأي استعداد، لذا سيكون كلّ شيء عفوياً».

ومن جانبها، قالت كريستينا بوكور، وهي خياطة، ومن بين المنظّمين، إنّ فكرة عرض الأزياء جاءت لأنها أم لطفل من ذوي الإعاقة. وأضافت: «أردتُ أن يرى الأطفال الآخرون كيف يكون ارتداء زي في عرض أزياء، وكيف يكون تلقّي التشجيع على المسرح. إنهم يستمتعون بذلك كثيراً؛ لأنهم يشعرون بأن هناك مَن يلاحظهم ويقوم بشيء من أجلهم».

ووفق «الاتحاد الروماني لمتلازمة داون»، يعيش في رومانيا نحو 12 ألف شخص من ذوي المتلازمة، وأكثر من 6 ملايين حول العالم. وعام 2022، سُجّلت حالة واحدة لكلّ 847 مولوداً في البلاد.

وقالت ماروسيكا بورلاكا (9 أعوام) التي ارتدت فستاناً وردياً مرصَّعاً بحبات لؤلؤ صغيرة، بعد تصفيف شعرها: «على المسرح نسير في عرض، واليوم أرتدي فستاناً جميلاً، وأحاول تقديم شيء من عرض الأزياء».

الضوء لمَن يجرؤ أن يكون نفسه (أ.ب)

وأضافت إحدى المنظِّمات، لاريسا بوكور: «قد يشعرون ببعض التوتّر أحياناً، فهذه رهبة اللحظة، ولكنهم يحبّون حقاً أن يكونوا محطَّ الأنظار. نعلم أنهم يرغبون في الأضواء، وأعتقد أنها فرصة ممتازة لهم».

ويعدّ اليوم العالمي لـ«متلازمة داون» مناسبة للاحتفاء بحياة المصابين بها، وضمان تمتعهم بفرص متكافئة وحقوق متساوية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بقضاياهم.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعلنت، في عام 2011، يوم 21 مارس (آذار) يوماً عالمياً لهذه المناسبة.

ويتَّخذ شعار هذا العام من مكافحة العزلة محوراً رئيسياً؛ إذ يشير الموقع الرسمي لليوم العالمي إلى ما تُخلّفه الوحدة من آثار عميقة على حياة المصابين بـ«متلازمة داون».

وجاء في بيان المناسبة: «يشعر الجميع بالوحدة أحياناً، ولكن بالنسبة إلى كثير من الأشخاص من ذوي (متلازمة داون) والإعاقات الذهنية الأخرى، تكون هذه التجربة أكثر شيوعاً وأشدَّ إيلاماً».


عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
TT

عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

كما ترعى الأم وتلهم العالم، تترك أثرها أيضاً في قلوب الفنانين وفكرهم وأعمالهم. فقد تتجسّد الأم في العمل نفسه، كما سنلاحظ في حوارنا مع المصورة السعودية نجلاء الخليفة، وأحياناً تُصبح الذاكرة الأمومية أو قضايا الأمهات منبعاً للأفكار، وهنا نتوقف عند أعمال الفنانة منال الضويان.

وربما تتحول رمزية الأمومة إلى مفهوم جمالي وفلسفي ممتد، وهنا نقترب من أعمال النحاتة الأردنية منى السعودي. هذه باختصار رسالة حب وتحية للأمهات بلمسة فنية.

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

«رب ارحمهما»

تُحدّثنا المصورة السعودية نجلاء الخليفة عن لحظة عابرة جمعتها بوالدتها، وولدت على أثرها فكرة عملها الفني «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً». في ذلك اليوم، كان الطريق مزدحماً وأمضتا في رحلتهما بالسيارة وقتاً طويلاً. خلال الرحلة، انتبهت نجلاء إلى الطريقة التي تضم بها والدتها يديها، وبعد لحظات من التأمل أدركت أن والدتها دائماً ما تضم يديها بهذه الحركة العفوية، فالتقطت لها صورة. ومن ذلك المشهد تبلورت الفكرة، تقول نجلاء: «الفكرة كانت أن ألتقط صوراً احترافية ليد والدتي، ضمن سلسلة مفاهيمية عن الأمومة، بدأت بصور فردية لها ثم توسعت لتشمل الأبناء والأحفاد». تضيف: «العمل يخلّد قصة أمي، قصة اليد الحانية التي رعتني وآمنت بي. قصة امرأة حكيمة وقوية وأم ناجحة».

بدأت نجلاء الخليفة تصوير السلسلة في عام 2017 وتنظر إليها على أنها مشروع مستمر. شاركت بالمجموعة في مسابقة طوكيو الدولية للتصوير، وفازت بالميدالية الذهبية عن محور العائلة. تصف ردود الفعل عند عرض المجموعة لأول مرة في مهرجان سكة للفنون والتصميم بمدينة دبي قائلة: «كان التفاعل غير مسبوق، حميمياً وشخصياً، زاره أشخاص من مختلف أنحاء العالم، ومع ذلك الإحساس بالأم هو ذاته. الكثير رأى نفسه في هذه المجموعة، البعض غالبتهم دموعهم عند تذكّر والدتهم الراحلة، وآخر أخرج هاتفه للاتصال بوالدته، والبعض شارك ذكريات طفولته مع والدته».

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

تقول الخليفة عن سبب اختيار عنوان العمل «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً» أنها أرادت أن ترمز إلى العلاقة التكاملية بين الأم والأبناء حيث تغمر الأم أبناءها بالرعاية والاحتواء في صغرهم وحين يكبرون تتبدل الأدوار. أما عن سبب تصوير الأيدي فتوضح: «اليد ترمز للكثير من القيم والمعاني، اليد هي البصمة التي تختزل تاريخ الإنسان من ذكريات سعيدة وحزينة. كذلك فاليد هي التي تربيك وترعاك وتطمئنك وتساندك وتدعو لك».

نسأل نجلاء: ما الدرس الأهم الذي تعلمتِه من والدتك؟ تجيب: «الكثير من الدروس، من أهمها التركيز على تحقيق الأهداف مهما كانت الصعوبات والاستمرار حتى الوصول». تضيف في نهاية الحوار: «كنت سعيدة جداً بمشاركة شغفي في التصوير مع والدتي وعائلتي في هذا المشروع الحميمي، وكم تمنيت لو أسعفني الوقت ونفذت سلسلة مشابهة مع والدي رحمه الله».

«أمومة الأرض»

لطالما ارتبط مفهوم الأمومة بالأرض، فالأم تحمل في داخلها سر الحياة وكذلك الأرض، والأم تحمي الجنين في رحمها وترعاه، كما تنمي الأرض البذور وتغذّي كل الكائنات. هذا المفهوم ترك أثره على فكر الفلاسفة وأعمال الكتاب والفنانين، ومن أبرزهم على الصعيد العربي الفنانة الراحلة منى السعودي. في عام 1965 أنجزت عملها «أمومة الأرض»، وهو أول منحوتة لها بخامة الحجر «مادة الأرض الأولى»، كما وصفتها في مذكراتها. هذا العمل هو تجسيد حي لانشغالها منذ الطفولة بالأرض والطبيعة وميتافيزيقية الخلق. وحين أرادت التعبير عن علاقتها الوثيقة بالأرض اختارت وصفاً بليغاً لها وهو الأمومة. خلال مسيرتها الفنية جمعت منى السعودي في أسلوبها التجريدي بين الطابعَيْن الهندسي والعضوي، وتميزت أعمالها بالكتل المستديرة والمنحنية المرتبطة فنياً بالجسد الأنثوي.

منى السعودي - «أمومة الأرض» 2006 (إنستغرام)

كما استمرت في تقديم أفكار حول مفهوم التكوين وتقاطعاته مع موضوعات النمو وقوة الحياة والخلق والخصوبة وكذلك الأمومة. في سبعينيات القرن الماضي أصبحت أعمال منى السعودي أكثر قرباً من موضوعات الأمومة والخصوبة، فمن بين الأعمال التي قدمتها، عمل بعنوان «أمومة» في عام 1972، وكذلك «ولادة» عام 1971، ومنحوتة رخامية بعنوان «أم وابن» أنجزتها في عام 1981. كما كررت على مدار حياتها الفنية تسمية عدة منحوتات بـ«أمومة الأرض»، ومنها منحوتة بحجر لبناني أنجزتها عام 2006، هذه المنحوتة اختارتها من السعودي لتترك برفقتها على صفحة «إنستغرام» الخاصة بها، معايدة لكل الأمهات بمناسبة يوم الأم.

نخلة وشجرة

دأبت الفنانة منال الضويان على تناول قضايا النساء في أعمالها، وحرصت على أن يكن مشاركات فاعلات في إنجاز كثير منها، وبطبيعة الحال كانت للأم حصة من هذه الأعمال.

منال الضويان «أنا منك وأنت مني» (موقع الفنانة)

من حكاية والدتها مع النخيل استلهمت عملها «أنا منك وأنت مني». كانت والدة منال الضويان تتحدث إلى أشجار النخيل بوصفها عادة متوارثة، تتبادل معها حوارات عامة، تأخذ في مرات منحى أكثر خصوصية فيه أحاديث عن الحب والموت. كانت منال الضويان تظن أن هذا الحوار من طرف واحد، لكنها اطلعت لاحقاً على أبحاث علمية تثبت أن للنخيل قدرة على التواصل بلغة صامتة من خلال الرائحة والطعم ونبضات كهربائية. في وصف العمل توضح منال الضويان أن هذا العمل هو محاولة لخلق عالم بديل مع المشاهد تطرح فيه حوارات عن الشجر والبشر، ومن هو الأقدر على التفاعل مع العالم وبناء بيئة آمنة. ومن ناحية أخرى تعكس حكاية والدتها مع النخيل نداء لندرب حواسنا على التواصل مع المخفي والاستماع إلى ما هو غير مسموع. يتكون «أنا منك وأنت مني» من قطع مختلفة الأحجام من نسيج البوليستر وعرض العمل عام 2017 في «فن أبوظبي» بمدينة العين.

شجرة الذاكرة للفنانة منال الضويان (موقع الفنانة)

في عملها «شجرة الذاكرة» طلبت منال الضويان من مجموعة من المشاركات كتابة ورسم شجرة العائلة الخاصة بهن، ولكن من منظور نسائي، بداية من اسم المشاركة ثم الأم والجدات. هنا تطرح الضويان فكرة تثمين ما تحمله النساء من ذاكرة اجتماعية تتمثل في العادات والتقاليد، وكذلك التاريخ الشفهي من حكايات وأساطير وأغاني الأمهات لأطفالهن. يتكوّن العمل من سلاسل من أوراق الشجر النحاسية التي تحمل الأسماء. جمعت منال الضويان ألفي قطعة من الأوراق النحاسية و400 رسم لشجرة العائلة. اتخذت سلاسل الأوراق النحاسية من أسماء الأمهات والجدات تصاميم مختلفة خلال سفرها وعرضها في مدن عدة حول العالم.

Your Premium trial has ended


رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
TT

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

تستمرّ الممثلة رندة كعدي في مفاجأة جمهورها عبر أدوار تترك بصمتها في الذاكرة اللبنانية. فعلى مدى سنوات، حافظت على قدرة لافتة على تقمّص شخصيات رسخت لدى المشاهدين وأثّرت فيهم. لكنها في المسلسل الرمضاني «بالحرام» اختارت أن تتحرَّر من القوالب المعتادة، وطلبت الابتعاد عن دور الأم.

وجاءها ما رغبت به من خلال شخصية «مارغو»؛ امرأة مكسورة ومجروحة، لكنها تنطق بالحكمة وتختزن في صمتها وجعاً عميقاً.

تعدُّ دور «مارغو» فرصة العمر (إنستغرام الفنانة)

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها لتجسّد امرأة أنهكها الألم. لم تُبالِ بظهورها لثوانٍ في البرومو الترويجي، ولا بعدم إدراج اسمها في مقدّمة الشارة. فطبيعة الدور سرقتها من ملذّات الشهرة، وعدَّته «دور العمر». وتعرَّضت لانتقادات ممّن رأوا أنّ الشخصية لا تشبه مسيرتها، في حين تصدَّر الثناء على أدائها منصّات التواصل الاجتماعي. فهل تُجامل كعدي جمهورها أم أنّ القرار يعود إليها وحدها؟ تردّ في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أمنح الحيّز الأكبر لرندة الممثلة، فهي تعرف تماماً كيف ولماذا تختار أدوارها. كنت مدركة أنّ البعض لن يتقبّل (مارغو) للوهلة الأولى. لكن مهنتنا تقوم على التحدّي والشغف. انتظرت طويلاً دوراً يُحرّرني من شخصية الأم. قدّمت أدواراً مشابهة على المسرح، لكن جمهور الشاشة الصغيرة لم يرَني بهذا الشكل من قبل. الممثل هو كلّ الناس؛ الطبيب والمجرم والضعيف وصاحب العاهة. وربما الذين يشبهونها هم مَن رفضوا رؤيتها. فالفنّ يقول الحقيقة كما هي وبصوت مرتفع».

وتشير كعدي إلى أنها، رغم سنوات حصرها في دور الأم، عرفت كيف تلوّنه شكلاً ومضموناً. فقدّمت أم الشهيد والمربية والشريرة، لكنها وصلت إلى مرحلة باتت تبحث فيها عن المختلف: «شبعت من تلك الأدوار، ونهمي التمثيلي يُطالب بالتجديد. طالبت بدور المرأة المحطّمة والمقهورة، فجاءت (مارغو) لتروي عطشي وكأنها جائزة العمر». وتضيف: «المخرج فيليب أسمر وشركة (إيغل فيلمز) وثقا بقدراتي، فوافقت فوراً من دون شروط، وحتى من دون تصدُّر اسمي الشارة. الغلاف لا يهمّني، الجوهر هو الأساس».

حرصت كعدي على الإحاطة بجميع طبقات الشخصية، فاجتهدت وحضّرت لتقدّم أداءً بمستوى عالٍ. وجاءت ظروف الحرب لتزيد تمسّكها بالدور، وتمنحها مساحة للانفصال عن وجعها الشخصي تجاه الوطن. وتعلّق: «(مارغو) هي الوطن المترنّح والمجروح، لكن روحه تنبض بجوهر جميل. عشقتها منذ اللحظة الأولى لأنها تشبه وطني».

الثقة التي تُمنح للفنان تدفعه إلى المثالية. فمنذ مشهدها الأول، التقطت أنفاس المشاهدين وزملائها في الكواليس. وتعدُّ مشاهدها مع تقلا شمعون «الكرزة على قالب الحلوى»: «نحن زميلتان منذ أيام الجامعة. في المسلسل تبادلنا الكرة بمهارة، وكنّا نعرف كيف نمرّر الأهداف بنظرة أو بحركة. مَشاهدنا اتّسمت بسلاسة وتركت أثراً واضحاً. وحين كانت تتّسع الحلقة لمَشاهد جماعية، كانت المتعة تكبر. إحساس لم أختبره من قبل».

وكما يبلغ المطرب حالة السلطنة، تصف كعدي انسجامها مع شخصية مارغو: «عادةً أتفادى مُشاهدة أعمالي خوفاً من جلد الذات. لكن في (بالحرام) كسرتُ القاعدة. قرّرت أن أسامح نفسي حتى لو أخطأت. التصوير في أجواء الحرب كان قاسياً، لكنني شعرت بالفخر وأنا أقول لنفسي: (يعطيكِ العافية)».

رندة كعدي سبق أن اشتهرت بأدوار الأم (إنستغرام الفنانة)

تتمنّى لو وثّقت الكاميرا لحظات تجمّع الممثلين خارج المَشاهد: «كنّا مصرّين على النجاح رغم الحرب. نُشجّع بعضنا ونستعيد طاقتنا كأننا بدأنا التصوير للتو».

وعن تغيير شكلها الخارجي، توضح: «الفكرة تعود بالكامل للمخرج فيليب أسمر الذي يعرف كيف يمنح الشخصيات ملامح نافرة، كما فعل سابقاً مع رندة حشمي ومارينال سركيس. بعدها عملتُ على بناء الشخصية مع مدرّبتي ابنتي تمارا، فصنعنا طبقاتها ونظراتها ولغة جسدها وخلفيتها. مهمتنا كانت بناء هوية خاصة بـ(مارغو) من دون المساس برؤية فيليب».

وتؤكد أنها تصل إلى موقع التصوير وقد حفظت دورها كاملاً، ومستعدّة في الوقت نفسه لأي إضافات يُقرّرها المخرج: «أغنى فيليب أسمر شخصية (مارغو) بتفاصيل كثيرة، من نبرة الصوت إلى روح الدعابة والحكمة. أتعامل مع كلّ مشهد كما لو أنه امتحان يجب أن أنجح فيه. لم أدخل يوماً موقع التصوير من دون جاهزية تامة. هذا ما تعلّمته من المسرح. وحتى اليوم، ما زلتُ أرتجف ويجفُّ ريقي كأنني أمثّل للمرة الأولى».

بَنَتْ شخصية «مارغو» مع مدرّبتها ابنتها تمارا (إنستغرام الفنانة)

بعد انتهاء التصوير، لا تزال تستحضر طرائف الشخصية: «حوّلتني إلى امرأة مَرِحة رغم الحرب. منحتني قوة داخلية وداوت روحي، فتعافيتُ من الخوف والحزن». وعن خطوتها التالية، تقول: «سأنتظر ما سيعرضه عليَّ أصدقائي المخرجون. لم أتوقَّع (مارغو) هذا العام؛ لذا أترك للغد مفاجآته. ابنتي قالت إنني كسرتُ صورة نمطية لازمتني طويلاً، وبدأتُ فصلاً جديداً في مسيرتي. بعد 40 عاماً، استعدت شبابي مع هذا الدور. تمنّيت لو جاء أبكر، ربما كان فتح أمامي آفاقاً أوسع».

وحول غياب الكاتبة نادين جابر عن الموسم الرمضاني، تختم: «الكاتبان فادي حسين وشادي كيوان أدّيا عملهما على أكمل وجه. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن فيليب أسمر كان المايسترو الذي أدار العمل من البداية حتى النهاية، وقرَّب إيقاع النصّ من حبكة نادين جابر التي اعتادها الجمهور. فهي تملك أسلوباً خاصاً بها لا يُشبه غيرها».